فائدة في معنى حديث (بُنِيَ الإسلام على خمس) / من تقريرات بحث آية الله السيد محمد رضا السيستاني حفظه الله


فائدة في معنى حديث (بُنِيَ الإسلام على خمس) / من تقريرات بحث آية الله السيد محمد رضا السيستاني حفظه الله
تعرَّض لذلك سماحة السيد حفظه الله في معرض كلامه عن كون الحج أحد اركان الدين ،ظ بحوث في شرح مناسك الحج ،ج1 ،ص53 – 57 .
إن كون الحج ركن من أركان الدين إنما هو بالنظر إلى ما ورد في نصوص الفريقين من كونه مما بني عليه الإسلام .. .

فمن رواياتنا صحیح زرارة(1) عن أبي جعفر عليه السلام قال: "بني الإسلام على خمسة أشياء على الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية". ونظير ذلك معتبرة الفضيل بن يسار(2) وروايات أخرى متعددة.
ومن طرق الجمهور ما رواه البخاري (۳) بإسناده عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان" .
وروى الهيثمي(4) عن جرير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان)). ونحوها من الروايات.
ولا بأس بتوضيح المراد ببناء الإسلام على المذكورات، فأقول ..
إن للإسلام عدة درجات ادناها أداء الشهادتين لسانا وإن لم يوافقه القلب، كما هو حال المنافقين. وهذا هو الذي ذكره الإمام عليه السلام في موثقة سماعة (5) قائلا: "الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، والتصديق برسول الله . به حقنت الدماء، وعليه جرت المناكح والمواريث، وعلى ظاهره جماعة الناس" .
وأعلى الدرجات هو تمام العبودية لله وتسليم العبد بتمام وجوده لربه، ولعله هو المقصود بقول إبراهيم وإسماعيل ع (6): "ربنا واجعلنا مسلمين لك" .
وبين هاتين الدرجتين عدة درجات ،وقد تعرَّض لهذا جملة من العلماء منهم السيد الطباطبائي(7). ولمعرفة الدرجة التي يراد بالإسلام في هذه الروايات لا بد من معرفة المراد بالولاية فيما ذكرت فيه من أحاديثنا، حيث جعلها الإمام عليه السلام الأول أو الخامس مما بني عليه الإسلام.
والولاية بالفتح بمعنى المحبة، وبالكسر بمعنى الإمارة والإمامة والأحقية بالخلافة ونحو ذلك. فإذا كان المراد من الولاية في الحديث هو المحبة فلا بد أن يكون المراد بالإسلام أدنى الدرجات، لأن مودة أهل البيت عليهم السلام من ضرورات ما بلغ به النبي صلى الله عليه وآله . ومن هنا كان الناصبي كافرا، لأنه ينكر ضرورية من ضرورات الدين، وهو مودة ذوي القربى، أي ينكر بعض ما جاء به النبي صلى الله عليه وآله مع الالتفات إلى كونه مما جاء به، وهذا كفر، حيث إنه يرجع إلى تكذيب النبي في جزء مما بلغه عن الله تعالى إلى أمته.
وعلى ذلك فلا بد أن يكون المراد ببقية الأمور المذكورة مع الولاية في هذه النصوص، وهي (الصلاة والزكاة والصوم والحج) هو الاعتقاد بوجوبها لا أداؤها، وهذا ما اختاره العلامة المجلسي في البحار(8).
فمحصل مفاد هذه النصوص بناء على هذا الوجه في تفسير الولاية هو أن محبة أهل البيت عليهم السلام والاعتقاد بوجوب الفرائض المذكورة مما تقوم به أدنی درجات الإسلام، فكما أن من ينكر محبة ذوي القربي يحكم بكفره كذلك من ينكر وجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج، لأن وجوبها ضروري من ضروریات الدين، ومرجع إنكاره - مع الالتفات - إلى تكذيب النبي صلى الله عليه وآله في بعض ما بلغه عن الله تعالى، وهو يعني عدم الاعتراف برسالته بتمامها، وهذا كفر. وأما أداء الصيام والزكاة ونحوهما من الفرائض فهو ليس معتبرا في الإسلام بالدرجة المذكورة، بل إن تاركها يُعدُّ فاسقا ولا يخرج من الإسلام بإجماع فقهاء المسلمين(9) .
هذا في غير الصلاة، وأما فيها فهناك خلاف من بعض فقهاء الجمهور،حيث قالوا: إن تركها يوجب الكفر أيضا، قال البهوتي (10): (من ترك فرض الصلاة أو الزكاة أو الصوم أو الحج لا يكفر إلا في الصلاة). وذكر ابن حجر(11): روى الترمذي من طريق شقیق بن عبد الله العقيلي قال: (كان أصحاب رسول الله و لا يرون من الأعمال شيئا ترکه کفرا إلا الصلاة).
هذا كله فيما إذا كان المراد بالولاية في الأحاديث المتقدمة هو المحبة.
وأما إذا كان المراد منها هو الإمارة والإمامة، أي إن مما بني عليه الإسلام هو الاعتقاد بإمامة أئمة أهل البيت به، فيختلف الحال عما ذُكر، أي أنه بناء عليه يكون المراد بالإسلام درجة أعلى من تلك الدرجة المذكورة، ويكون المراد بكون الصلاة وأخواتها مما بُني عليه الإسلام هو أداؤها لا الاعتقاد بوجوبها.
والشاهد على إرادة هذا المعنى من الولاية في هذه النصوص هو عدة روایات، منها صحيحة زرارة(12) عن أبي جعفر عليه السلام: .. قلت: وأي شيء من ذلك أفضل؟ فقال: "الولاية أفضل لأنها مفتاحهن، والوالي هو الدليل عليهن". 
وفي رواية الفضيل(13)، عن أبي جعفر عليه السلام - بعد عد الولاية من الخَمس - قال: "ولم ينادَ بشيء مثل ما نودي بالولاية يوم الغدير". ويستفاد مثل ذلك أيضا من معتبرة عيسى بن السري أبي اليسع (14).
وقد ورد في معتبرة الفضيل(15) عن أبي جعفر عليه السلام بعد ذكر الأمور الخمسة: "فأخذ الناس بأربع وتركوا هذه - يعني الولاية –"، ومن المعلوم أن الذي ترکه الناس هو الاعتقاد بإمامة أهل البيت عليهم السلام لا مودتهم، وعامة المسلمين يحبون أهل البيت إلا من ينتحلون الإسلام من النواصب.
والحاصل: أنه إذا كان المراد من الولاية هو الإمارة كما يظهر من الروايات المذكورة فلا بد أن يكون المراد من بقية الأمور أي الصلاة وأخواتها هو أداؤها.
وقد ورد ذلك في صحيحة أبي حمزة الثمالي(16) عن أبي جعفر عليه السلام قال: "بُني الإسلام على خمس دعائم: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، وحج بيت الله الحرام، والولاية لنا أهل البيت".
وعلى ذلك يكون المراد من الإسلام ليس تلك الدرجة التي تقابل الكفر بمعناه المعروف، بل درجة أعلى منها، ولهذا قال العلامة الملا صالح المازندراني(17): إن (المؤمن والمسلم بهذا الإسلام مترادفان). يعني هذا الإسلام يساوق الإيمان.
والأرجح في تفسير الروايات المذكورة هو هذا الوجه الثاني.
_____
الهوامش:
(1) الكافي ج:۲ ص:۱۸ 
(2) الكافي ج:۲ ص: ۲۱
(3) صحيح البخاري ج:۱ ص: ۷
(4) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ج:۱ ص: 47. 
(5) الكافي ج:۲ ص:۲۵. 
(6) البقرة: ۱۲۷. 
(7) الميزان في تفسير القرآن ج:۱ ص:۳۰۱.
(8) بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار ج:۵ ص:۳۲۹. 
(9) سياتي ان الخوارج قالوا بكفر تارك الحج، فلاحظ. 
(10) كشاف القناع ج:۱ ص:۲۲۰ 
(11) تلخيص الحبيرج:۵ ص: ۲۹۷.
(12) الكافي ج:۲ ص:۱۸. 
(13) الكافي ج:۲ ص:۰۲۱ 
(14) الكافي ج:۲ ص:۱۹. 
(15) الكافي ج:۲ ص:۱۸ 
(16) وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة ج:۱ ص:۲۹.
(17) شرح أصول الكافي ،ج8 ،ص61 .


0 التعليقات:

إرسال تعليق