نصيحة الى تارك الصلاة

الصلاة ـ كما ورد في الحديث النّبوي الشريف ـ عمود الدين ان قبلت قبل ما سواها، واِن رُدّت ردّ ما سواها». اِنّها ـ أضاف أبي ـ مواعيد لقاءات محدّدة ثابتة بين الخالق ومخلوقه، رسم الله سبحانه وتعالى أوقاتها السعيدة، وطرائقها، وصورها وكيفيّاتها لعباده.. تقف خلالها بين يديه، متوجهاً اِليه بعقلك وقلبك وجوارحك، تحادثه وتناجيه، فيسكب عليك خلال تلك المناجاة صفاءً ذهنياً ونفسياً رائعاً، وشفافية روحيّة تسبح خلالها بطيب المشافهة، وتنعم معها بدفء وعذوبة ووله وسعادة ولذّة الوصال والتلاقي. وطبيعي أن تعتريك تلك الرهبة المحبّبة وأنت تقف بين يدي خالقك العظيم.. الرحيم بك، الرؤوف بحالك، السميع البصير.
‏ لقد كان استغراق أمير المؤمنين عليه السلام بعبادة ربّه وتوجّهه اِليه بكله فرصة مناسبة لاستلال النصل من جسده في معركة صفين، لانشغاله عن معاناة ألم الجسد بمناجاة ربه.
‏ وكان الامام زين العابدين عليه السلام اِذا توضّأ للصلاة اصفّر لونه. فيقول له أهله: ما هذا الّذي ينتابك عند الوضوء؟ فيقول: «أتدرون بين يدي من أريد أن أقوم». وكان اِذا قام الى الصلاة أخذته الرعّدة، فيجيب من يسأله: «أريد أن أقوم بين يدي ربّي وأناجيه، فلهذا تأخذني الرعّدة ». ‏
وكان الامام الكاظم عليه السلام اِذا قام الى الصلاة وخلا بربّه بكى واضطربت اعضاؤه، وخفق قلبه خوفاً من الله عزّ وجل وخشية ووجلاً منه.
‏ ولما أودعه الرشيد ظلمة سجنه الرهيب تفرغ لطاعة الله وعبادته، شاكراً ربّه على تهيأته هذه الفرصة الجميلة الحبيبة له مخاطباً ربّه قائلاً: «ربّ اِنّي طالما كنت أسألك أن تفرغني لعبادتك وقد استجبت مني فلك الحمد على ذلك».
والصلاة اِبراز حسّي ظاهري لحاجة داخلية متأصلة في النفس، هي الانتماء لله عزّ وجل والارتباط بالخالق المكوّن، المسيطر، المالك المهيمن. فحين تقول: (الله اكبر) مبتدئاً صلاتك فاِنّ مثل المادة وأنظمتها ونماذجها وأنماطها وزخارفها ستتضاءل في نفسك وربّما تضمحل لاَنّك واقف بين يدي خالق الكون، المسيطر على مادته المسخر لها وفق مشيئته، فهو أكبر من كل شيء وبيده كل شيء.
‏ فحين تقول ـ وأنت تقرأ سورة الحمد: (اِيّاك نعبد واِيّاك نستعين)، فأنت تغسل نفسك وجسدك من كلِّ أثر للاستعانة بغير الله القادر الحكيم أيّاً كان.
‏ بتلك النكهة المحببّة للخشوع ستستحم كل يوم خمس مرّات: صباحاً وظهراً وعصراً ومغرباً وعشاءاً.

وقد أوصى الإمام علي (ع) الإمامين الحسن والحسين (ع) بعد ما ضربه ابن ملجم (لعنه الله) فقال (ع) في وصيته لهما: «الله الله في الصلاة فإنها عمود دينكم، والله الله في بيت ربكم لا تخلوه ما بقيتم».
وروى السكوني عن الإمام الصادق (ع) قوله «قال رسول الله (ص): لا يزال الشيطان ذعراً من المؤمن ما حافظ على الصلوات الخمس لوقتهن، فإذا ضيّعهن تجرأ عليه فأدخله في العظائم».
وقال يزيد بن خليفة «سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: إذا قام المصلي الى الصلاة نزلت عليه الرحمة من أعنان السماء الى الأرض، وحفت به الملائكة، وناداه ملك، لو يعلم هذا المصلي ما في الصلاة ما انفتل».
من ذلك نعرف أهمية الصلاة في الإسلام، تلك الأهمية الواضحة الجليّة البيّنة، ولما كانت الصلاة وفادة على الله عز وجل، وأن المصلي كما ورد في الحديث الشريف قائم بين يدي ربه، فعليه أن يُقبل بقلبه على ربه، لا يشغله أمر من أمور الدنيا، ولا شأن من شؤونها الفانية.
قال الله عز وجل في كتابه الكريم ( قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون).
وكان الإمام علي بن الحسين زين العابدين (ع)، إذا قام الى الصلاة قام «كأنه ساق شجرة لا يتحرك منه شيء الا ما حركته الريح منه»، وكان الإمامان الباقر والصادق (ع) «إذا قاما الى الصلاة تغيّرت ألوانهما مرة حمرة، ومرة صفرة، كأنهما يناجيان شيئاً يريانه».  

واعلم أن الصلاة أحب الأعمال إلي الله تعالي وهي آخر وصايا الأنبياء (عليهم السلام)، وهي عمود الدين إذا قبلت قبل ما سواها وإن ردت رد ما سواها، وهي أول ما ينظر فيه من عمل ابن آدم فإن صحت نظر في عمله وإن لم تصح لم ينظر في بقية عمله، ومثلها كمثل النهر الجاري فكما أن من اغتسل فيه في كل يوم خمس مرات لم يبق في بدنه شيء من الدرن كذلك كلها صلي صلاة كفر ما بينها من الذنوب، وليس ما بين المسلم وبين أن يكفر إلا بترك الصلاة، وإذا كان يوم القيامة يدعي بالعبد فأول شيء يسأل عنه الصلاة فإذا جاء بها تامة وإلا زخّ في النار، وفي الصحيح قال مولانا الصادق (عليه السلام):
(ما أعلم شيئاً بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة ألا العبد الصالح عيسي مريم عليه السلام قال: وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً) .
وروي الشيخ في حديث عنه (عليه السلام) قال: (وصلاة فريضة تعدل عند الله ألف حجة وألف عمرة مبرورات متقبلات) .

مكتب السيد السيستاني -دام ظله- النجف الاشرف

0 التعليقات

إرسال تعليق