سيرة المتشرِّعة وعلماء الطّائفة قائمةٌ على جواز التّقليد

من الأدلّة التي يمكن الاستناد إليها في المقام هي: سيرة المتشرّعة، وهذه السّيرة لا تحتاج إلى إمضاء المعصوم ـ كالسّيرة العقلائيّة المتقدِّمة ـ، بل هي بنفسها تستبطن رضا المعصوم (عليه السّلام) وموافقته؛ باعتبارها سيرة خاصّة بالمتشرِّعة بما هم متشرّعة، وليس بما هم عقلاء. 

فقد تقدَّم في بعضِ الرِّوايات: أنَّ الأئمة (عليهم السّلام) أرجعوا شيعتهم إلى العلماء من أصحابهم في أخذ معالم الدّين وفي القضاء، وعلى هذا كانت سيرة أتباع أهل البيت (عليهم السّلام) في الرّجوع إلى أصحاب الأئمّة الثقات وأخذ معالم الدّين عنهم؛ بأمرٍ من الأئمّة (عليهم السّلام) أنفسهم، وقد شهدنا عصرَ الغيبة الصُّغرى ووجدنا الشّيخَ الكلينيّ (قدَّس سرّه) يؤلِّف كتاباً يتضمّن اختيارات فقهيّة واستنباط للأحكام في الجمع بين الرِّوايات المتعارضة وترجيح بعضها على بعض، وهو كتابه المعروف بـ(الكافي)، وكذا وجدنا عليَّ بن بابوبه ـ والد الشّيخ الصّدوق ـ له رساله (الشّرائع) التي كانت مشهورةً بين الأصحاب، وقد نقل الشّيخ الصّدوق ولدُه فقراتٍ منها في كتبه، وهكذا يمتد الأمر إلى زمن الغيبة الكبرى فيؤلَّف الشّيخ الصّدوق ـ المولود بدعاء الحجّة (عجّل الله فرجَه) كما هو المعروف ـ كتاب (الفقيه) و(المقنع) و(الهداية)، ويؤلَّف الشّيخ المفيد كتاب (المقنعة)، ويؤلَّف الشّيخ الطوسيّ كتابَ (النّهاية)، وكلُّها كتبٌ فقهيّة ألّفها أصحابها للنّاس؛ لغرض العمل بها، كما تشير إلى ذلك مقدِّمات هذه الكتب. 
بل نجد مِن علماء الطّائفة مَن يصرِّح بالإجماع على جواز التّقليد، كالسيّد المرتضى (قُدِّس سرُّه) الذي قال: (لا خلافَ بين الأمّة قديماً وحديثاً في وجوبِ رجوع العاميّ إلى المفتي.. ومَن خالفَ في ذلك كان خارقاً للإجماع)(15). 
وقال الشّيخ الطوسيُّ: (والذي نذهبُ إليه: أنّه يجوز للعاميّ ـ الّذي لا يقدر على البحث والتّفتيش ـ تقليد العالِم. يدلُّ على ذلك: أنّي وجدتُ عامّةَ الطّائفة من عهد أمير المؤمنين (عليه السَّلام) إلى زماننا هذا يرجعونَ إلى علمائها، ويستفتونهم في الأحكام والعبادات، ويفتونهم العلماءُ فيها(16). 
وقال المحقَّق الحليّ (قدِس سرُّه): (اتّفاق علماء الأمصار على الإذنِ للعوام في العمل بفتوى العلماء من غير تناكر، وقد ثبت أنّ إجماع أهل كلِّ عصر حجّة)(17). 

مركز الرصد العقائدي 
العتبة الحسينية المقدسة

0 التعليقات

إرسال تعليق