معرفة الله عن طريق صفاته

الغاية من معرفة صفات الله هي معرفة الله; لأنّ الصفات عبارة عن سُبُل للتعبير عن الله وبيان ذاته المقدّسة.

أدلة إمكان معرفة صفات الله تعالى(1) :

1 ـ جعل الله تعالى "صفاته" سبيلاً ليتعرّف العباد عليه، فلو كانت معرفة صفات الله غير ممكنة، لم يبق للعبد سبيلاً لمعرفة ربّه، فتنسد أبواب عبودية الله تعالى لأنّ العبودية لا يمكن القيام بها إلاّ بعد معرفة المعبود.
2 ـ ذكر الله تعالى صفاته في كتابه وسنّة نبيه لكي يتدبّر فيها العباد بعقولهم.
فلو كانت معرفة صفات الله أمراً غير ممكن، لكان ذكر هذه الصفات في القرآن والسنّة والتحريض على التدبّر فيها لغواً يتنزّه عنه تعالى.
3 ـ ما لا يمكن معرفته هو الذات الإلهية، والنهي الذي ورد في بعض الأحاديث واقع على هذه المعرفة، لا على معرفة الصفات التي هي مفاهيم منتزعة من الذات.

مدى معرفته تعالى عن طريق معرفة صفاته :
القول بأنّ صفات الله هي السبيل لمعرفة الله لا يعني أنّ هذه الصفات قادرة على بيان كنه وحقيقة الذات الإلهية، بل هذه الصفات مفاهيم وُضِعت لترشد العباد ـ بمقدار وسعها المحدود ـ إلى معرفة الله الإجمالية. وما هو "محدود" لا يمكنه الكشف الكامل عما هو "غير محدود".
____________





أحاديث أهل البيت(عليهم السلام) في هذا المجال :
1 ـ قال الإمام محمّد بن علي الجواد(عليه السلام): "الأسماء والصفات مخلوقات"(1).
2 ـ قال الإمام علي(عليه السلام): "لا وصف يحيط به"(2).
3 ـ قال الإمام علي(عليه السلام): "الله أجلّ من أن يدرك الواصفون قدر صفته التي هو موصوف بها، وإنّما يصفه الواصفون على قدرهم لا على قدر عظمته وجلاله، تعالى الله عن أن يدرك الواصفون صفته علواً كبيراً"(3).
4 ـ قال الإمام موسى بن جعفر الكاظم(عليهما السلام): "إنّ الله أعلا وأجل وأعظم من أن يبلغ كنه صفته"(4).
ومن هذا المنطلق ذهب بعض علمائنا الأعلام إلى القول بأنّه:
ليس المقصود من نسبة الصفات إلى الله فهم كنه وحقيقة الذات الإلهية; لأنّ هذا الفهم غير ممكن.
بل المقصود من نسبة الصفات إلى الله فهم هذه الحقيقة بأنّه تعالى منزّه عن الاتّصاف بضدّ هذه الصفات.
مثال ذلك:
"العلم" صفة من صفات الله، ويفهم الإنسان من هذه الصفة معنى معيّناً، ولكن الإنسان من المستحيل أن يعرف كنه وحقيقة معنى "علم الله".
فإذا قيل : ما هو معنى كنه وحقيقة "العلم" الذي تصفون به الله ؟
فالجواب الصحيح: المقصود من "العلم" في هذا المقام: "نفي الضدّ"، أي: "نفي الجهل".
____________
بعبارة أخرى:

ما يكشف لنا مفهوم "العلم" عن كنه ذات الله أنّه منزّه عن الجهل.

وإلاّ فمن المستحيل للعقل البشري معرفة كنه وحقيقة علم الله تعالى.

أقوال العلماء في هذا المجال :

1 ـ قال الشيخ الصدوق:

"كلّما وصفنا الله تعالى من صفات ذاته، فإنّما نريد بكلّ صفة منها نفي ضدّها عنه عزّ وجلّ"(1).

2 ـ قال المحقّق السيوري:

"ليس من المعقول لنا من صفاته إلاّ السلوب..."(2).

3 ـ قال العلاّمة المجلسي:

"[ يجب ] نفي تعقّل كنه ذاته وصفاته تعالى... لمّا كان علمه تعالى غير متصوّر لنا بالكنه، وأنّا لمّا رأينا الجهل فينا نقصاً نفيناه عنه، فكأنّا لم نتصوّر من علمه تعالى إلاّ عدم الجهل، فإثباتنا العلم له تعالى إنّما يرجع إلى نفي الجهل لأنّا لم نتصوّر علمه تعالى إلاّ بهذا الوجه"(3).

4 ـ قال السيّد عبدالله شبر:

"المقصود من الصفات الثبوتية نفي أضدادها، إذ صفاته تعالى لا كيفية لها ولا سبيل إلى إدراكها"(4).

تنبيه :

القول بنفي الضدّ عند تفسير صفات الله الثبوتية والكمالية لا يعني نفي هذه الصفات عنه تعالى، وإنّما هو ناظر إلى أمر تعقّل وإدراك هذه الصفات الإلهية

1- الكافي، الشيخ الكليني، ج 1، كتاب التوحيد، باب معاني الأسماء واشتقاقها، ح 7،ص 116.
2- التوحيد، الشيخ الصدوق، ب 2، ح 26، ص 69.
3- المصدر السابق: باب 34، ح 1، ص 233.
4- الكافي: الشيخ الصدوق: ج 1، كتاب التوحيد، باب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه تعالى، ح 1، ص 100.

0 التعليقات

إرسال تعليق