هل طلب العلم واجب ؟

هل طلب العلم واجب ؟
منتظر الاعرجي

مقدمة فقهية :
في الفقه الأحكام التكليفية خمسة
الواجب و الحرام و المستحب و المكروه و المباح .
الواجب : هو ما يُثاب فاعله ويعاقب تاركه  . مثل الصلاة
الحرام : هو ما يعاقب فاعله ويثاب تاركه  مثل أخذ الربا

المستحب : هو ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه . مثل صلاة الغفيلة
المكروه : هو ما يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله . مثل النوم بلا وضوء
المباح : هو لا يعاقب فاعله ولا يثاب تاركه . مثل الاكل والشرب

كل فعل من افعال العبد يندرج تحت هذه الاحكام التكليفية الخمسة
السؤال :
طلب العلم اي حكم من الأحكام الخمسة ؟ وماهو الدليل ؟

الجواب : مما لا شك فيه ان طلب العلم واجب .

والدليل عليه :

الدليل الاول :
و هو دليل فلسفي : إن المعقولات تنقسم إلى موجودة ومعدومة.
والعقول السليمة تشهد بأن الموجود أشرف من المعدوم، بل لا شرف للمعدوم أصلا. ثم الموجود ينقسم إلى جماد ونام، والنامي أشرف من الجماد. ثم النامي ينقسم إلى حساس وغيره، والحساس أشرف من غيره. ثم الحساس ينقسم إلى عاقل وغير عاقل، ولا شك أن العاقل أشرف من غيره. ثم العاقل ينقسم إلى عالم وجاهل، ولا شبهة في أن العالم أشرف من الجاهل. فتبين بذلك أن العالم أشرف . و طلب الشريف واجب عقلاً لخسة و وضاعة دون الشريف .

الدليل الثاني :
و هو دليل منطقي : يسمى قياس حذف الحد الوسط .ولا استطيع ان اشرح لكم تفاصيل الدليل تجدوها مشروحة في المنطق .حيث اجمع المناطقة والفقهاء على ان نتيجة الدليل صحيحة ‎%‎100
مثال للتوضيح على القياس
محمد إنسان .
كل إنسان يموت .
فلو حذفنا كلمة إنسان وهي الحد الوسط لانها في المقدمة الاولى والثانية وندمج الكلمات الباقية
تكون النتيجة ( محمد يموت )
هذه تسمى نتيجة حتمية اي واقعة ‎%‎100
قياس الدليل :
طلب العلم فريضة على كل مسلم .
كل فريضة واجبة .
اذا حذفنا الحد الوسط هو فريضة ونجمع ما تبقى من المقدمتين
تكون النتيجة
طلب العلم واجب على كل مسلم

الدليل الثالث :
و هو دليل فقهي اجمع الفقهاء على عدم جواز التقليد في العقائد ويجب الاعتقاد بها عن طريق الدليل
وأجمع الفقهاء في الفقه على وجوب تعلم مسائل الشك والسهو والمسائل الابتلائية
ومن ذلك يتحصل ان طلب الدليل على العقيدة واجب وتعلم مسائل الشك والسهو والمسائل الابتلائية واجب
و هذا الواجب  لا يتحصل الا بطلب العلم
والقاعده تقول
( مقدمة الواجب واجبة )
والعلم اصبح مقدمة للعقيدة والمسائل الابتلائية وبما انهما واجبان
اصبح العلم واجب لان مقدمة الواجب واجبة .

الدليل الرابع :
و هو دليل قرآني : في سورة الفاتحة ثلاث طرق
طريق الذين انعم الله عليهم
و طريق المغضوب عليهم
وطريق الضالين
ولفهم المفاهيم التي تدل على هؤلاء نحتاج الى مقدمة وهي
اي إنسان عاش على وجه الارض
اما ان يكون عالم او جاهل ولا ثالث بينهما والعالم : اما ان يكون عالم عامل
وأما ان يكون عالم غير عامل
والجاهل :اما ان يكون جاهل بجهل البسيط وأما ان يكون جاهل بجهل المركب
والجهل البسيط : اما ان يكون قاصر
 وأما ان يكون مقصر .
ومن خلال هذه المقدمة والتقسيم المنطقي نستنتج ثلاث
١- العالم العامل
٢- العالم الغير عامل
٣- الجهال بكل الأقسام
العالم العامل : هو مفهوم الذين انعم الله عليهم :  و اعلى مصداق له هم محمد وال محمد .
العالم غير العامل - هو مفهوم المغضوب عليهم و اعلى مصداق له المسيح
والجاهل : هو مفهوم الضالين و اعلى مصداق له اليهود
النتيجة بالعلم و العمل نسلك طريق محمد وال محمد ونخرج عن طريق المغضوب عليهم والضالين
وسلوك طريق محمد وال محمد واجب علينا كما لا اله الا الله واجبة
و للقاعدة التي تقول ( مقدمة الواجب واجبة )
يلزم علينا وجوب طلب العلم  لكي نخرج من المغضوب عليهم والضالين

والدليل الخامس :
و هو دليل تاريخي روى جميع أهل النقل منا ومن مخالفينا انه لما نزلت سورة براءة على النبي - ص- دعى ابا بكر وقال له خذ هذه السورة فأدها عني بقوم مكة فأخذها ابو بكر وسار فلما بلغ نصف الطريق هبط الوحي على النبي - ص- وقال يامحمد ان ربك يقرئك السلام ويقول لك لا يؤدي عنك الا انت او رجل منك فدعى النبي الامام علي - ع - وقال له اذهب وادي عن ابي بكر فذهب الامام وأدى عن النبي - ص -
فبهذا النص يكون ابا بكر ليس من النبي بشهادة الوحي لانه لو كان من النبي لما أرجعوه
والذي لم يكن من النبي لم يكن تابعا له
لقول النبي - فمن تبعني فهو مني-
ومن لم يكن تابعا للنبي - ص -
لم يكن محبا لله
لقول الله تعالى (( قل ان كُنتُم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ))
ومن لم يكن محباً لله - سبحانه  كان مبغضاً لعدم وجود حالة ثالثة بينهما
ومن أبغض الله كفر .
وقد تحصل من ذلك كفر ابي بكر
ولكن ليس هنا مربط الفرس
لو طبقنا الدليل على كل واحد منا
من لم يتبع النبي لم يكن منه
ومن لم يكن منه لم يكن محبا لله
ومن لم يكن محبا كان مبغضاً
ومن بغض كفر .
ولا يكمن ان نتبع النبي دون العلم برسالة النبي و المُرسِل له فبالعلم والعمل نكون من المتبعين  للنبي - ص- ومن المحبين  حتى نكون موحدين غير كافرين .
ونتيجة الدليل تقضي بوجوب طلب العلم لان التوحيد و اتباع النبي واجبان

هذه الادلة كافية لمن هو عاقل و غير معاند

ما هو العلم المراد تعلمه ؟

دخل رسول الله - ص- المسجد فاذا جماعة قد أحاطوا برجل فقال ما هذا ؟ فقيل علّامة فقال وما العلّامة ؟
فقالوا له اعلم الناس بأنساب العرب ووقائعها وأيام الجاهلية والأشعار العربية فقال النبي -ص- ذاك علم لا يضر من جهله ولا ينفع من علمه ثم قال : ( إنما العلم ثلاثة اية محكمة او فريضة عادلة او سنة قائمة وما خلاهن فهو فضل )

مما هو معروف ان العلوم النافعة تنقسم الى ثلاثة .
علم راجع الى الكمالات العقلية و الوظائف الروحية .
و علم راجع الى الاعمال القلبية و وظائفها .
و علم راجع الى الاعمال القالبية الخارجية و وظائف النشأة الظاهرة للنفس .
العلم الاول : علم العقل المجرد
 - وسوف نشرح معنى العقل في قاعدة العقل ان شاء الله - و هو المغذي للعقل ويكون العلم بالذات المقدس الحق - جل جلاله - و معرفة أوصافه الجمالية و الجلالية و العلم بالعوالم الطبيعية المجردة و العلم بالأنبياء و الاولياء و مقاماتهم و مدارجهم .
و ملخص الكلام : ان العلم الذي يرتبط بالعالم الروحاني و العقل المجرّد هو العلم بمبدأ الوجود وحقيقته ومراتبه وبسطه وقبضه وظهوره ورجوعه ويتكفل ببيان هذا العلم بعد الأنبياء والاولياء الفلاسفة والعضماء من الحكماء واصحاب المعرفة والعرفاء
ويسمى هذا العلم اليوم بعلم العقائد .

العلم الثاني علم تربية القلب :
وموضوع القلب طويل اذا وفقكم الله تطلعون عليه من حيث ماهو القلب وين محله وماهو موته وكيف حياته وماهي أمراضه وكيف علاجها -
والعلم الذي يهتم بالقلب وترويضه والأعمال القلبية فهو العلم بالمنجيات الخلقية والمهلكات الخلقية اي العلم بمحاسن الاخلاق والعلم بقبائح الاخلاق و هي  الفضائل والرذائل ويتكفل ببيانه بعد الأنبياء والأولياء العرفاء وعلماء الاخلاق ويسمى هذا العلم اليوم بعلم الاخلاق .

العلم الثالث علم الجوارح الظاهرية :
و هو العلم الذي يتكفل بترويض هذه الجوارح وتربيتها هو علم الفقه ومبادئه وعلم اداب المعاشرة وتدبير المنزل وسياسة المدن ويتكفل بشرحه بعد الأنبياء والأولياء الفقهاء والمحدثين .
و يسمى علم الفقه.

وما ذكر في الحديث النبوي الشريف ان رسول الله - ص - قد قسم في هذا الحديث الشريف العلوم الى ثلاث أقسام .

الاية المحكمة : هي العلم بالله و كتبه و رسله و الْيَوْمَ الاخر و هو علم العقائد المهتم بالعقل المجرد .
والفريضة العادلة: هي علم الاخلاق من حيث معرفة الفضائل و الرذائل و هو العلم المهتم بالقلب .
والسنة القائمة : هي علم الفقه الذي يهتم بترويض الظاهر و تربيته و هو العلم بمسائل العبادات و المعاملات
وما سوى هذه العلوم الثلاثة فهو فضل وفضيلة .
 العلم كله و ان كان كمالاً للنفس و سعادة الا ان فنونه متفاوتة في الشرافة و الجمال و وجوب التحصيل و عدمه فان بعضها كالطب و الهندسة و العروض و الموسيقى و امثالها مما ترجع جل فائدته الى الدنيا و لا يحصل بها مزيد البهجة في الاخرة و لذا عدة من علوم الدنيا و تحصيلها واجب كفائي و اما العلوم الثلاثة التي عدت من علوم الاخرة فهي وجوب طلبها وجوب عيني
 حيث قال الله تعالى (( يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى‏ رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ )) فيلزم على طالب السفر الى عالم الاخرة و السالك على الصراط المستقيم للانسانية ان يتمعن في كل واحد من العلوم الثلاث و يشدد في المراقبة عليها و يصلحها و يروضها .
ولفهم هذه العلوم مقدمات من العلوم مثل علم اللغة العربية والمنطق وعلم التفسير وما شاكل ذلك فهو يتصف بالحسن و الفضل و وجوب تحصيله من باب مقدمة الواجب واجبة .
و هذه العلوم الثلاثة و ان وجب تعلمها إجمالاً الا انها في كيفية الأخذ مختلفة

فعلم أصول العقائد يجب اخذها عيناً من الشرع و العقل بدليل لا بتقليد .

و علم الاخلاق يجب اخذه عيناً على كل احد على ما بينته الشريعة و أوضحه علماء الاخلاق .

و علم الفقه يجب أخذ بعضه عيناً مثل مسائل الشك و السهو و المسائل الابتلائية و البعض الاخر من التفقه الحسن و اخذه اما بدليل او بالتقليد .

واستغفر الله لي ولكم
وأسألكم الدعاء لما فيه الخير والصلاح

0 التعليقات

إرسال تعليق