الشباب والعقل

الشباب والعقل .
منتظر الاعرجي

توجد في باطن كل إنسان قوتان عظيمتان و مؤثرتان احداهما قوة العقل و الثانية قوة المشاعر و اجتماع هاتين القوتين يُبين الجانب النفسي و المعنوي للإنسان . و عندما يقال ان عوامل البلوغ تؤثر في الانسان معنوياً و نفسياً يعني ذلك ان العقل و العاطفة ينموان الى جانب سائر أعضاء الجسم مع بداية مرحلة البلوغ و هاتان القوتان تاخذان بالنمو و التفتح
و لكن الفرق بينهما هو ان نمو العاطفة يتم بشكل سريع مثل سائر أعضاء الجسم اما العقل فيأخذ طريقه بصورة بطيئة ليصل الى منزلة الكمال و هو بحاجة الى سنين طويلة ليكمل نموه . و اختلاف نمو العقل و العاطفة يشكل مشكلة نفسية كبيرة للشباب و يدفعهم نحو الانحراف الاخلاقي لان المشاعر التي تعتبر القوة المحركة و الدافعة الكبرى للإنسان تكون في مرحلة الشباب في منتهى قوتها و نشاطها و يكون العقل - و هو مركز التفكير و مرشد المشاعر - في أشد حالات الضعف و العجز . و من هذا المنطلق تبدو بعض اعمال و أقوال الشباب متسرعة و غير معقولة عندما يكونون في وضع عادي اما عندما يكونون في وضع غير عادي و أعصابهم متوترة فان أحاسيسهم تتغلب عليهم و هذا ما يدفعم الى اتخاذ قرارات غير سليمة و القيام بأعمال خطيرة و مهولة فعقولهم الضعيفة و غير الناضجة لن تستطيع آنذاك التحكم بمشاعرهم و أحاسيسهم و ان تحد من فورة الغضب التي إعارتهم . فلابد ان يدرك الشباب هذه الحقيقة المرة و هي ان عقولهم تكون ضعيفة ايّام البلوغ و ما يصاحبه من أزمات فإذا ادركو هذه الحقيقة فانهم سيدركون أمرين معها .
الاول : الاخطار التي تترتب على اَي قرار متسرع و غير مدروس يتخذونه و سيعمدون الى اتخاذ الحيطة و الجذر في مسيرتهم الحياتية . 
و الثاني : انهم يشعرون بحاجتهم الى مربين أكفاء يرشدونهم الى الطريق السوي . 
و قد أشار الامام الصادق بوصيتين الى هذين الامرين و ذلك لتعريف الشباب على مخاطر القرارات و التصميمات العجولة و منزلقات الحياة و اجتياز أزمة البلوغ بسلام و سيكونون مصانين من الاعمال السلبية الناجمة عن قصر في التفكير و ضعف في العقل و هاتان الوصيتان هما . 
اولا : عمق التفكير : 
عن ابي عبد الله الصادق - ع - قال ( ان رجلا أتى النبي - ص - فقال له يا رسول الله أوصني . فقال له رسول الله : فهل انت مستوصٍ ان انا أوصيتك ؟ حتى قال له ذلك ثلاثاً و في كلها يقول الرجل نعم يا رسول الله . فقال رسول الله - ص - ( فاني اوصيك اذا انت هممت بأمر فتدبر عاقبته فان يك رشداً فامضه و ان يك غياً فانته عنه ) ان الرسول الاكرم يوصينا بالتفكير بمساوئ و محاسن كل عمل قبل القيام به حتى لا نندم على ذنب اقترفناه واذا ما عمل الشباب بهذه الوصية القيمة و فكروا للحظات بنتائج كل عمل يودون القيام به فانهم لن يرتكبوا ذنباً و لن يقترفوا حراماً . 

ثانياً : استشارة المربين : 
و ذلك عندما يعجز الشباب عن التمييز بين محاسن أعمالهم و مساوئها نتيجة ضعف عقولهم و قصر بصيرتهم ينبغي عليهم ان يستفيضوا من أفكار الكبار و يستشيروا من هم اكثر منهم تجربة و ينيروا دروب الحياة بنور عقول الكبار حيث قال النبي الاكرم - ص - : ( الشيخ في قومه كالنبي في أمته ) و بما ان أنبياء الله صلوات الله و سلامه عليهم هداة أممهم فيجب على الشيوخ و المسنين ان يكونوا هداة للشباب في اسرهم و على الشباب ان يتجهوا الى المشورة و يقبلوا الهداية .

و كذلك على الشباب ان يحترز من سكر الشباب لان الامام علي - ع - يقول ( أصناف السكر أربعة : سُكر الشباب و سُكر المال و سُكر النوم و سُكر الْمُلْك ) 

و بهذا يمكن ان نفهم أيضاً ما ورد عن النبي - ص - من الثناء و المدح للشباب الذين يتشبهون بالكهول و كبار السن و الذم للكهول الذين يتشبهون بالشباب حيث قال : ( خير شبابكم من تشبه بكهولكم و شر كهولكم من تشبه بشبابكم ) حيث يراد من التشبة بالكهول هو سيطرة العقل على العواطف و الانفعالات في السلوك لان في الكهول تهدأ العواطف و تسكن المشاعر عادة فيسيطر عليها العقل بشكل طبيعي . و تشبه الكهول بالشباب هو الانسياق مع العواطف و الانفعالات حيث تكون في الشباب قوية و متأججة مع ضعف العقل . 
و من هنا يصبح الشاب المسيطر على عواطفه المتأججة يمثل القمة في الصلاح بخلاف الكهل الذي ينساق مع عواطفه و مع ضعفها فانه يمثل التسافل في الانحدار حيث ان هذا الانسياق قد يعذر فيه الشباب لظروفه النفسية و العاطفية . فقد ورد عن الامام علي - ع - ( ان جهل الشاب معذور ) 
ولكن لا يعذر في ذلك الشيخ و الكهل فقد ورد عن رسول الله - ص - ( ما من شيء أبغض الى الله تعالى من شيخ مقيم على معاصيه ) 

جعلنا الله واياكم ممن سيطر عقله على عواطفه 

0 التعليقات

إرسال تعليق