هل تستطيع القوانين الفيزيائية أن تخلق الكون؟


مع نمو معرفة الإنسان للطبيعة وتوسع نطاق ما اكتشفه منها تجلّت له -إثر كل اكتشاف وبعد كل توسع- حقيقة بارزة لا سبيل لمدافعتها أو إنكارها، وهي أن هذا الكون بكل ما فيه متقن الصنع مضبوط السبك يجري وفق نظامٍ منضبط وسَننٍ متسق بصورةٍ أدهشت كل من درسه وسبر أغواره!

ثم إن الباحث بعد أن لاحظ ذلك انتفى عنده -وبصورةٍ طبيعيةٍ سويةٍ- فرضية العشوائية في الصنع، فهذا الاتساق وذلك الانضباط لو جوزنا وقوعه بالاتفاق والصدفة لجاز حينئذٍ أن لا يكون ما تقرؤه الآن من كتابة شخصٍ واع، بل ما هي إلا صدفٌ عشوائيةٌ أنتجت ما أنتجت من إتقان وإحكام وضبط وتفرد! وإني لأربأ بك -قارئي الكريم- أن تكون من أولاء أو أولائك، أو تعتقد بذا وذلك.
فلما انتفى الاحتمال السابق، تعين عند الباحث أن صنع هذا الكون معزوٌ إلى صانعٍ قادرٍ عالمٍ صنعه بإتقان وضبطه بقدَرَ، تمامًا كما استنتجت أنت الآن أن ما تقرأ من كتابة شخصٍ قادرٍ على الكتابة عالمٍ بقواعدها كتب ما تقرؤه الآن، وإن رمت الاستزادة فدونك هذا البحث ففيه ما تريد وزيادة
ولكن البعض لما لاحظ إتقان الصنع وإبداع الاختراع وضاق عليه الخناق ولم يسعه القول بالصدف العمياء والعشوائية الصماء = طرح فكرة محصلها أن القوانين الفيزيائية الموجودة في الكون هي التي صنعته بهذا الإحكام والإتقان!

وحتى يتم الجواب ويرتفع الإشكال لا بد من تمهيد مقدمة في طبيعة القوانين الفيزيائية، فنقول مستعينين بالله:

اعلم أن دور القانون الفيزيائي هو تحليل الظواهر الفيزيائية ومعرفة أسبابها وتحديد ظروفها، فهو -في حقيقته- ليس إلا مجرد تعبير وصفيّ كمّيّ أو كيفيّ للظواهر الفيزيائية.

تمامًا كما تعبر أنت عن جمال لوحة أعجبتك فتصفها بوصف ما، فالقانون الفيزيائي يصف الظواهر الطبيعية بوصفٍ ما لكنه وصف ذو خصائص ذات طابع خاص تتناسب والدور المنوط به كتحديد الظروف الفيزيائية للظاهرة الفيزيائية ووصفها وصفًا رياضيًا ..إلى آخره.

ومن أوضح المنبهات على هذا الأمر أن القوانين الفيزيائية تصاغ بصياغة شرطية؛ فيقال مثلا: إذا تحقق أ وب عند الظرف ج = تحقق د.

ومن المقرر في علم المنطق أن مفاد القضية الشرطية الاتصال بين مقدمها وتاليها أو العناد بينهما، ولا دور لها في إثبات تحقق مُقَدَّمها، بل إن مناط صدقها أصلًا لا يتوقف على تحققه، فتأمل جيدًا!

فإرجاع سبب الإتقان في صنع الكون للقوانين التي تصف هذا الإتقان أمر غير صحيح، لأنه عند التدقيق نحو من أنحاء الاستدلال الدوري، إذ جعل سبب الإتقان في صنع الكون = هو بعينه الإتقان في صنع الكون (وإن كان بتعبير آخر عن هذا الإتقان) فتأمل.

ثم إن القوم جوزوا في نظريتهم العلمية أن تُفسر ظاهرة فيزيائية واحدة بأكثر من تفسير وقانون، وكلٌ صحيح ولكن المتعين هو الأبسط، فكيف ينسجم هذا التجويز مع فرض تأثير القانون الفيزيائي على الظاهرة حتى تسير باتجاه الإتقان والإحكام؟ فأي واحدٍ منهما هو الضابط والمتقن؟ وأيهما المؤثر؟ ألا ينبهك ذلك على طبيعة القوانين الفيزئية الوصفية؟

فإذا تقرر أن القوانين التي تفسر الظواهر الفيزيائية في كوننا هذا ليست إلا نفس الظواهر الفيزيائية ولكن بصياغة أخرى لم يستصح العقل أن يجعلها سبب إتقانها وضبطها، بل السبب وراء ذلك ما قلناه في البدء.

والحمد لله رب العالمين.
#الباحث

0 التعليقات

إرسال تعليق