المرجع الديني ابو الحسن المقدس الغريفي يبين كيفية التعامل الشرعي مع فيروس كورونا

من ضمن ما ورد في بيان المرجع الديني ابو الحسن المقدس الغريفي ( فيروس كورونا بين العلم والإيمان ) دعا سماحة السيد "دام ظله" الى التعامل مع فيروس كورونا وأمثاله على وفق الضوابط والموازين العلمية والإيمانية فقال:

ومن هنا كان لابد من التعامل مع فيروس كورونا وأمثاله على وفق الضوابط والموازين العلمية والإيمانية ، بحيث نقول لمن يعتمد الحجة العلمية حصراً بأنَّ القواعد الطبّية والوبائية المعتمدة عالمياً تُقرّر ضرورة تجنب التجمعات والاختلاط سواء كانت اجتماعية أم سياسية أم دينية أم تجارية أم تعليمية أم غيرها مع ضرورة التوقي من هذا الوباء باستعمال المعقمات وما إلى ذلك ؛ لأنَّ هذا الفيروس يُسَبِّب العدوى وقد صار وباءً عالمياً لانتشاره السريع وتأثيره الضرري على الإنسان فرداً وجماعة حتى أدّى إلى جائحة بشرية وكارثة عامة على مستوى العالم فتسبَّب بتعطيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية نتيجة حجر مدن ودول وعشرات الملايين من الناس وإصابة عشرات الآلاف مع موت الآلاف وهو ما زال في تمدد وتوسع ، ولذا حذّرت منظمة الصحة العالمية والأطباء والمختصون بالأوبئة من خطورته ، وكانت من ضمن الاجراءات الوقائية أن تمَّ ايقاف رحلات الطيران وغلق الكثير من حدود الدول مع تعطيل المؤسسات التعليمية ودوائر الدولة بل فرض منع التجوال في كثير من البلدان لتصبح الحياة مُعَطّلة، وقد صارت مدنها المزدحمة خالية من البشر لتكون أشبه بمدينة الأشباح .

وأمَّا مَن يعتمد الحُجّة الدينية حصراً بعد تسليمه بظاهر قوله تعالى : [قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ] التوبة / 51 ، وهذا معناه أنَّه ما يُصيبنا من خير أو شر ، أو حسنة أو سيئة فهو مكتوب علينا ولا مهرب منه في حال امتثلنا أوامر الله تعالى في الجهاد في سبيله وهو ما اختاره لنا ، وهذا بخلاف ما يختاره الإنسان ويُقْدِم عليه من دون أن يستند إلى حجة شرعية فيكون كمن ألقى بيده إلى التهلكة وعرّض نفسه إلى الخطر والضرر بسوء اختياره وتقديره للأمور ، ولذا يختلف الحال بين ما يختاره الله لنا فنتبعه وبين ما يختاره الإنسان من دون حجة شرعية معتبرة فيقع في الضرر والإضرار فيترتب عليه بحسب نوع الضرر من ضمان أو ديّة أو قصاص ، ولذا فالنصوص الدينية كما هو ادراك العقل أيضاً يوجب دفع الضرر المحتمل فضلاً عن المؤكد ، وحينئذٍ يجب حفظ النفس ويحرم تعريضها للضرر والهلاك ولو كان محتملاً ، وهذا ما دعت إليه المرجعيات الدينية ، بل وجميع العقلاء ، فصاروا يُحَذِّرون الناس في هذا الوقت العصيب من التجمعات الدينية والسياسية وغيرها لوجود الوباء وتفشي العدوى .
ولذا فمن يؤمن بالعلم حصراً وقوانين الطبيعة فإنَّ ايمانه يفرض عليه متابعة المختصين الذين يُحذِّرون وفق الأسباب التكوينية من العدوى والوقوع في الضرر أو الموت مما ينبغي عليه أن لا يحضر التجمعات ، ومن يُخالف منهم ذلك فلا يخلو حاله عن كونه جاهلاً أو متجاهلاً ، وكلاهما يقعان بالضرر والإضرار.ومَن كان يلتزم جانب الإيمان حصراً في سلوكه ومواقفه ويحضر التجمعات الدينية وغيرها في الوقت الذي ينتشر فيه الوباء اتكالاً على ايمانه وتحصنه من الوباء والشرور بالدعاء وببركة ما يقصده ويعتقد به ، فإنَّ هذا الإيمان وحده لا يكفي وإن كان بضميمة الدعاء ؛ لأنَّ المانع من الضرر إنَّما هو أمر مركب من اجتناب الضرر بالتوقي منه ومكافحته مصحوباً ذلك بالدعاء مع الإيمان بالسلامة من الوقوع في الضرر لينال التسديد والتوفيق ، وإلا لا يُعقل لمن لا يعرف السباحة أن يرمي نفسه في البحر ايماناً منه بأنَّ الدعاء وحده يُنجيه من الغرق ، أو أن يترك الأعرابي ناقته من دون أن يعقلها متوكلاً في ذلك على الله في حفظها إلا أنَّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال له : ( اعقلها وتوكل على الله ) ، أو أن يأتيه الرزق بالدعاء فقط من دون أن يسعى لطلبه بالعمل ، فقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنَّه قال : ( أربعة لا تستجاب لهم دعوة : رجل جالس في بيته يقول : اللهم ارزقني ، فيُقال له : ألم آمرك بالطلب ؟ ) . بمعنى ضرورة اعتماد الأسباب الطبيعية في ذلك ؛ لأنَّ الدعاء لا يكون بديلاً عن السعي والعمل ، وأنَّ تأثيره لا يكون بنحو العلّة التامّة لتحقق الرزق ، ولذا لا يُجاب إلى مطلبه ، ومنها فرار أمير المؤمنين عليه السلام من قضاء الله إلى قدره بشأن ابتعاده عن الحائط المائل الآيل للسقوط كما روى الأصبغ بن نباته: إن أمير المؤمنين عليه السلام عدل من حائط مائل إلى حائط آخر فقيل له يا أمير المؤمنين أتفر من قضاء الله؟ قال عليه السلام :(أفر من قضاء الله إلى قدر الله عز وجل)، فالقضاء هو أمر الله وحكمه في أن سقوط الحائط على الإنسان مما يؤدي إلى ضرره أو موته وفق الأسباب الطبيعية التي خلقها الله تعالى ، ولذا ينبغي أن يحذر الإنسان من هذا القضاء ويفر إلى قدر الله المكتوب عليه.
وهكذا الحال بشأن الوباء فإنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد بَيَّنَ تأثيره وفق الأسباب الطبيعية ولذا قال عنه : ( إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه ، و إذا وقع بأرض و أنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه ). بمعنى يجب التوقي من الوباء ومكافحته بالطرق والوسائل العلمية مُضافاً إلى الدعاء لطلب المدد والعون الإلهي في التسديد والتوفيق للنجاح في هذا المسعى ، وعليه فالدعاء لا يعني ترك العلل والوسائل الطبيعية ولكن لو انسدت الطرق وأعيتنا تلك الوسائل فحينئذٍ ينحصر الأمر بالدعاء والوسائل الغيبية التي هي صلة روحية وعبادية مطلوبة على كل حال في الشدّة والرخاء ، وإدراكاً بأن الله سبحانه وتعالى أرحم بعباده من أنفسهم فإذا ما انقطعت بهم السبل فإنه ببركة استغفارهم ودعائهم وتضرعهم إليه بإخلاص فإنه سيخلق لهم الأسباب من غير سبب ليتخذوها سبيلا لنجاتهم كما ورد في الدعاء( اللهم يا سبب مَنْ لا سبب له، يا سبب كل ذي سبب، يا مُسَبّب الأسباب من غير سبب سبِّب لي سبباً لن أستطيع له طلبا )، والله سبحانه وتعالى هو الخالق القادر على كل شيء والذي تدل هذه الآثار وأمثالها على وجوده وقدرته.
وهذا مما يتوجب على المؤمن اعتقاده والالتزام به ، ولذا لا ينبغي الافراط أو التفريط في ايماننا أو سلوكنا ، وأن لا تتغلب العاطفة على المسلكية العلمية والمعتقدات الدينية فنخرج بذلك عن الضوابط والموازين المنهجية السليمة.

0 التعليقات

إرسال تعليق