فيروس كورونا ما بين مطرقة الدين وسندان العلم - مريم رضا

فيروس كورونا ما بين مطرقة الدين وسندان العلم
مريم رضا - طالبة دكتوراه

يعيش العالم أجمع مرحلة صعبة وحرجة في مواجهة أزمة فيروس كورونا، كوفيد 19، الأزمة التي رفعتها منظمة الصحة العالمية من مستوى الوباء إلى الجائحة بسبب إصابة معظم دول العالم بالعدوى، وسرعة انتشارها الفائقة، وصعوبة السيطرة على الحالات المصابة. وبينما تسارعت المنظمات الصحية والطبية للبحث عن علاج أو، على الأقل، محاولة احتواء الفيروس والحدّ من انتشاره، برز على وسائل التواصل الاجتماعي توجّه دينيّ يرى باعتماد الدعاء والتوسّل الأسلوب الأوحد لمواجهة بلاء فيروس كورونا، ويستخف بالمقابل بالدعوات إلى اتخاذ التدابير الوقائية الواقعية. وهناك من استفاد مما يمثّله من رمزية دينية في الترويج لهذا المنحى. فما هي الرؤية الشرعية لمفهوم علاقة التوكّل على الله في مواجهة الابتلاءات؟ وهل يتنافى الاعتقاد الديني مع الأخذ بالأسباب الطبيعية والقوانين العلمية؟ 


تشير الرؤية الدينية إلى وجود اهتمام خاص بالجانب العلمي والأمور العقلية والقوانين الطبيعية، بل والحث على عدم الغفلة عنها. لقد جاء الدين السماوي لرفع الجهل عن المخلوق الأكرم بين سائر الخلق، ولإخراجه من ظلمة الأوهام إلى نور الحقيقة. فكانت الكلمة الأولى كلمة “اقرأ”؛ اقرأ الأسماء كلّها التي علّمها الله لآدم، أبي البشر. ويحفل القرآن الكريم بآيات تحثّ على إعمال الفكر والعقل والبصيرة، ويكثر استخدام لفظ “يتفكرون”، و”لعلهم يتفكرون”، و”يعقلون” ، و”أفلا تعقلون”، وغيرها مما يفيد اصطلاحًا تبنّي الدين لآليات عقلية ومادية ضمن استراتيجيتي البحث والطريق إلى المعارف الدنيوية والدينية.

وكذلك، تموضِع الآيات القرآنية أهل العلم في منزلة سامية خاصة لما ينتج عن نهل العلوم من معرفة فخشية من الله تعالى على المستوي الفردي، وعن نشرها من رقي وتقدم على المستوى الاجتماعي. وكثيرة هي الأحاديث الشريفة الواردة عن النبي محمد والأئمة من أهل بيته في أهمية العلم وطلبه وتعليمه، فضلًا عن قرن النتائج بأسبابها، والمعلول بعلته في مختلف أبواب العلوم الدينية الفقهية والفلسفية والمنطقية، علمًا أنّها خلاصة السنّة الشريفة بقولها وفعلها وتقريرها. ولما كانت صادرة عن الخبير بعباده والحكيم بأفعاله، {إن هو إلا وحي يوحى}، تقتضي الحكمة ألّا تبقى هذه العلوم رهن الكتب، بل تستثمَر على أنواعها في خدمة البشرية وعمارة الأرض، فيُستفاد من دراسة الأسباب في تعديل أو تبديل النتائج لما فيه المصلحة الفردية والعامة، ومن تحديد العلة لرفع المعلول مثلًا.

وإذ تشير هذه اللمحة إلى أهمية  البعد العقلي العلمي في متابعة شؤون الحياة الإنسانية الدنيوية، البعد الذي يجعل الإنسان أمام واجب تحمّل المسؤولية عن الأسباب التكوينية الطبيعية قبل التشريعية، إلا أنّ الدين يؤكد أيضًا، على عدم إغفال البعد المعنوي الغيبي الموجود في النفس البشرية ومتطلباته، لا سيّما أثناء الشدائد والأزمات. فالفطرة السليمة تبحث عن الملاذ الآمن بمعزل عن الدين الذي يوجّه للجوء إلى الخالق، الربّ المدبّر، على قدر المعرفة وقوة المعتقد. ويكون التوكّل على الله طلبًا للمساعدة ورفع البلاء والشدّة من باب ثقة العبد بأن لا أحد إلا الله المعبود هو المؤثّر في الوجود. بيد أن التوكّل لا يتنافى مع الجهد والسعي، والأخذ بالأسباب الواقعية والقوانين الطبيعية في إيجاد الحلول ورفع المشاكل، لكنه ينافي حتمًا مفهوم التواكل الذي يفيد العجز ويلغي دور العقل ويناقض القاعدة العامة التي وضعها النبي محمد في قوله “اعقل وتوكّل” .

إذًا، يحدّد الدين بُعدين في حياة الإنسان؛ يشكّلان جوهر النفس البشرية، في عملية تكاملية تخطّ مسار صنع الحقيقة الإنسانية حتى تستحق لقب خليفة الله تعالى في الأرض. وانطلاقًا من هذين البعدين كركيزة أساس في بناء الفرد والمجتمع، يتدخّل الجانب الفقهي الذي ينظّم حركات الإنسان ومعاملاته في المجتمع، فينصّ بصريح العبارة في باب حرمة الأنفس على وجوب حفظ النفس وإقامة القِصاص على مَن يزهق روحًا بغير حق، لأسباب عدّة في طليعتها أنها أمانة مالكها الحقيقي عند مالكها الاعتباري. وجاء الوعيد الإلهي بالعقاب على صعيد الدنيا والآخرة تأكيدًا على أهمية صونها من الوقوع في المهلكات.  

وفي ردّ اعتداء فيروس كورونا، كابتلاء ينتقص الأنفس والثمرات، فإنّ المواجهة الفعّالة تقتضي إظهار العجز واللجوء إلى الله والتوسّل إليه لرفع البلاء، إيمانًا بأن بيده مقاليد كل شيء، وإليه ترجع الأمور كافة، لكن بنظرة متوازية ومتوازنة تدفع لتعقّل الأسباب الطبيعية حتى يصار إلى رفع تداعياتها  المتوافقة معها سنخيًّا،  وذلك يكون من تمام التوكل عليه تعالى. من هنا، يظهر اتباع النصائح الإرشادية والأخذ بالتدابير الوقائية لحفظ النفس والأهل والمجتمع وعمارة الأرض واجبًا شرعيًّا يقرّب العبد من ربه من جهة، ويتقرّب به العبد إلى ربه من جهة أخرى، وذلك من مصاديق قوله تعالى: {… ومن احياها فكأنما أحيا الناس جميعًا…}.

وعليه، يتكاتف الدين والعلم ليشكّلا معًا السلاح الأقوى والأنجع في مواجهة هذا العدو الخفيّ. وهي الشدائد  التي تصنع المعجزات بالصبر والحكمة والمناعة بما يصقل النفس الإنسانية ويبلور جوهرها، فتتحوّل عندئذ التهديدات إلى تحدّيات تصنع النصر والشفاء. وسيشهد العالم حتمًا، في مواجهة الفيروس تطورًا في مجال إعادة التفكير بمحور الوجود، وتمتين الارتباط بالقوة الخارقة الغيبية المنقذة، علاوة على تصفية الحس الإنساني من شوائب التفرقة والعنصرية التي أفرزتها السياسات العالمية. بيد أن هذه النتائج تبقى رهينة سياسة الوعي والحكمة والتعقل لمواجهة أي سياسة متطرفة، فضلًا عن أي ممارسات دينية سلبية، لا تبقي من قداسة دينية حقيقية، ولا تذر.

0 التعليقات

إرسال تعليق