كورونا والإيمان.. إتباع الوصايا العلمية أو توصيات بعض الزعماء الدينيين؟

قبل ظهور كورونا، كان المتحدثون الذين يفضلون التفسيرات العلمية للأشياء على نظيرتها الدينية، مثل ريتشارد دوكينز وسام هاريس، يتكلمون بشيء من “التفاؤل” عن التأثير الكبير للعلم والتكنولوجيا الحديثة على فكرة “الإيمان بالغيبيات”.

لكن ظهور الفيروس، والتحدي الخطر الذي فرضه على العالم، لم يكن كافيا على ما يبدو لإقناع بعض المتشددين وآلاف -وربما ملايين- من أتباعهم بضرورة اتباع الوصايا العلمية، بدلا من التوصيات التي يقترحها بعض الزعماء الدينيين.

وفي مقال لمجلة فورين بوليسي الأميركية، ذهب باحث إسلامي إلى القول إن تحدي المتطرفين من القادة الدينيين للوباء، “قد يكون له نتيجة سلبية على الإيمان”، خاصة وأن الفيروس يبدي سلوكا متشابها في كل المجتمعات التي ضربها بغض النظر عن خصائصها الثقافية.

ولا يبدو أن هذا سمة تنحصر في مجتمعات معينة أو على معتنقي أديان أو مذاهب بعينها.

الكنيسة هي المكان الأكثر أمانا!

في فلوريدا الأميركية ادعى راعي الكنيسة الإنجيلية رودني براون، إن “كنيسته هي المكان الأكثر أمانا من الوباء”، متحديا تعليمات التباعد الاجتماعي التي أصدرتها سلطات الولاية، لكن تبين أن الكنيسة التي يرعاها براون لم تستطع حمايته من قوات الشرطة التي اعتقلته بسبب تحدي أوامر العزل، حسب المجلة.

ومثل براون، قام محام وأكاديمي إنجيلي بارز هو جيري فالويل جونيور بافتتاح جامعة Liberty الإنجيلية في ولاية فيرجينيا بعد عطلة الربيع، وأظهر بعض الطلاب بعدها أعراض الإصابة بالمرض بحسب، صحيفة نيويورك تايمز.

لم يكتف جونيور بافتتاح الجامعة جزئيا، لكن قسم الأمن الذي تديره الجامعة نفسها، وهو قسم غير رسمي مهمته المحافظة على أمن الجامعة، قام بإصدار مذكرات اعتقال بحق صحفيين اثنين صورا الحرم الجامعي بعد افتتاحه.

وفي لبنان، قام القس مجدي علاوي من الكنيسة الكاثوليكية المارونية في البلاد، برفض إجراءات الحماية مثل ارتداء الأقنعة واستخدام مطهر اليد، مؤكدا “يسوع هو حمايتي إنه مطهري”.

وفي كوريا الجنوبية، تسبب تجاهل رعاة كنيسة شينشيونجي لإجراءات العزل وإصرارهم على إقامة قداس، بانتشار كبير جدا للمرض في البلاد التي تجاهد منذ أشهر لاحتوائه.

إيقاف دراسة التوراة أخطر من الفيروس

بعض المجتمعات اليهودية المتشددة أظهرت أيضا تحديا خطيرا للتعليمات الصحية، ففي حي بروكلين في نيويورك، تجاهلت بعض العائلات الكبيرة من طائفة الحسيديم المتشددة إجراءات العزل الاجتماعي، وتجمعوا في احتفالات البوريم وحفلات الزفاف الدينية والجنازات، وسرعان ما أظهرت تلك المجتمعات معدلات عالية من الإصابة بالفيروس التاجي.

وفي إسرائيل قاوم بعض القادة الأرثوذكس المتشددين دعوات الحكومة لإغلاق المدارس الدينية، وأصروا على أن “إلغاء دراسة التوراة أكثر خطورة”.

لكن الفيروس لم يبد أي تعاطف، فقد بينت الإحصائيات أن نصف مجموع حالات الإصابة بالفيروس في إسرائيل كانت في صفوف هذه المجموعة التي تمثل 10 بالمئة فقط من مجموع سكان البلاد.

لعق المراقد الدينية؟

وفي العالم الإسلامي، قامت جماعة التبليغ، وهي حركة تبشيرية سنية مقرها الهند وتضم ما يصل إلى 80 مليون عضو حول العالم، بعقد تجمعات ضخمة استمرت يومًا كاملاً، أولاً في كوالالمبور بماليزيا، ثم في نيودلهي الهندية.

بعد التجمعات، سجلت العديد من حالات الإصابة بين المتجمعين مما أدى إلى إغلاق تام في الهند، وأطلق انتشار الفيروس موجة كراهية دينية تجاه مسلمي الهند من قبل الهندوس، الذين قاموا خلال الفترة الزمنية نفسها بتجمعات دينية أيضا.

وفي المملكة المتحدة، قاوم بعض العلماء المسلمين المحافظين أيضًا إغلاق المساجد، حيث استندت فتوى صدرت في 17 مارس وقعها ثلاثة من الشيوخ إلى “عادة النبي في الاندفاع إلى المسجد أثناء الكوارث”، كما قالوا إن “حماية الإيمان تلغي حماية الذات”.

وفي إيران، اقتحمت جموع غاضبة مراقد دينية تابعة للطائفة الشيعية، متحدية تعليمات حكومية بالإغلاق والعزل، وأظهرت تسجيلات فيديو تصرفات غريبة من بعض الزائرين الذين قاموا بلعق شبابيك الأضرحة طلبا للشفاء.

لكن في اتجاه معاكس لتلك الدعوات، تعتبر إيران، وخاصة مدينة قم الدينية التي حدث فيها اقتحام المراقد، من أكثر بلدان العالم تضررا من الفيروس.

وفي العراق، تجاهل الزعيم الديني مقتدى الصدر توصيات وزارة الصحة بإلغاء زيارة دينية اعتاد الشيعة العراقيون على أدائها، وأصدر توصيات تحث  على أداء الزيارة.

وتقول رويترز أن العراق شهد تصاعدا كبيرا في الإصابات بعد أسبوعين من الزيارة، وهو ما تنفيه الحكومة العراقية التي قامت بإيقاف رويترز عن العمل في البلاد.

مواقف دينية متعقلة

مع هذا، أبدت الجهات الدينية الرسمية، مثل الفاتيكان، وإدارة الحرمين المكي والمدني في السعودية، والأزهر في مصر، وإدارة العتبات في العراق، مواقف أكثر قربا من التعليمات الصحية.

فقد ظهر بابا الفاتيكان فرنسيس في ساحة القديس بطرس الفارغة بشكل غير مسبوق، ليدعو حكومات العالم إلى وضع “الناس أولاً” واتخاذ جميع الإجراءات ضد “الإبادة الجماعية الفيروسية”.

واتخذت السلطات السعودية خطوة في أوائل مارس بإغلاق الحرمين في مكة والمدينة، وسببت صور الكعبة وهي فارغة من الزوار صدمة أقنعت الملايين من المسلمين بخطورة الوباء.

كما أن العديد من الدول ألغت الصلوات الجماعية. وغيرت الكويت الدعوة “تعالوا للصلاة، تعالوا للخلاص” لتقول “صلوا في منازلكم”.

وفي الأوساط اليهودية الأرثوذكسية، قام العديد من الحاخامات أيضًا بالشيء الصحيح من خلال إلغاء خدمات الكنيس وتذكير مجتمعاتهم، “إن التزام التوراة بحماية قدسية الحياة يتجاوز جميع الاعتبارات الأخرى”، كما ذكّر كبير الحاخامات في بريطانيا يهود البلاد.

وتم إغلاق العديد من المعابد الهندوسية في الهند، وفي تايلاند، وهي واحدة من الدول الأكثر تضررا في جنوب شرق آسيا، بدأ بعض الرهبان البوذيين في إنتاج أقنعة الوجه من البلاستيك المعاد تدويره.

لا تقفز من الطائرة بدون مظلة!

وقال مقال للباحث الديني مصطفى أكيول، منشور في مجلة فورين بوليسي الأميركية إن “الشخصيات الدينية التي تفشل في اختبار الفيروس التاجي تأتي من خلفيات دينية ذات تقاليد متنوعة، ولكن لديهم شيء مشترك هو إنهم يعتقدون أنه حتى لو حدث شيء خطير حقًا، فإن الله سيحميهم بطريقة ما بفضل تقواهم”.

وأضاف أكيول أن “هذا أقرب إلى القفز من طائرة تحلق بدون مظلة، قائلاً الله هو مظلتنا وهذا نوع من الإيمان الأعمى”.

وتابع “يصبح الإيمان الأعمى أقبح عندما يبدأ في تبني نظريات المؤامرة الإلهية – فكرة أن الله يستخدم هذا الوباء لمعاقبة مجموعة معينة من الناس، وهم عادة الأشخاص الذين لا يحبهم منظّرو المؤامرة الإلهية مثل المثليين ودعاة حماية البيئة كما يقترح وزير أميركي، أو أولئك الذين يمارسون “الزنا والجنس الشرجي”، وفقًا لمحافظ تركي، أو الصينيين كما اقترح بعض رجال الدين المسلمين في البداية أو اليهود، كما ادعى قس معاد للسامية في فلوريدا، لكن حقيقة أن بعض هذه الشخصيات المتعصبة نفسها تصاب بالفيروس يشير إلى أنه لا توجد مؤامرة إلهية – ولكن ربما سخرية إلهية”، بحسب الكاتب.

اربط الجمل وثق بالله

وفي العراق، فسر الزعيم الديني والسياسي البارز مقتدى الصدر  انتشار الوباء في واحدة من مجموعة تغريدات حملت اسم “رسائل من السماء” بأنه نتيجة “لتقنين زواج المثليين”، ودعا الدول التي تقر زواج المثليين إلى إلغائه، مما اضطر السفير البريطاني في العراق إلى الرد عليه.

وقبل الصدر، فسر آية الله هادي المدرسي المقيم في إيران الفيروس بأنه “غضب من الله على غير الملتزمين، وأكد أن الإيمان سيحمي المتدينين”، لكن المدرسي نفسه أصيب بالفيروس، وقام بتسجيل دعاء مؤثر بصوته طلبا للشفاء.

واستشهد المقال المنشور في مجلة فورين بوليسي بحادثة تنسب إلى النبي محمد “سأله رجل عما إذا كان يجب أن يربط جمله، أو يتركه غير مربوط ويثق بالله”، فقال النبي “اربطه وثق بالله”.

وطالب الكاتب باعتماد هذه الفكرة، فإن “اتخاذ الاحتياطات الصحية تشبه النصيحة للرجل بأن يربط جمله أولا، ثم يمكن للإيمان أن يوفر الدعم النفسي”.

0 التعليقات

إرسال تعليق