كيف يطبخ القرار لدى المرجعية #2

( كُتب هذا المقال بتاريخ : ٢٠١٥/١٢/١٧ )

كيف يطبخ القرار لدى المرجعية الشيعية ؟
( الحلقة الثانية )

#Ailia_Emame : الكاتب
____________

ذكرنا في الحلقة الأولى عاملين مهمين في البناء القيادي للمرجعية الشيعيه وهما 
1. العامل التربوي ( الصقل بالروايات ) وذكرنا عظيم ما للروايات من أثر في حكمة القرار ومدى ما يستمده العلماء من بصيرة ووعي من هذه الروايات  وهم كما وصفوا أنفسهم ( كلامكم نور وأمركم رشد ) 
2. العامل الخبروي .. وتراكم التجارب الكثيرة لدى القيادة الشيعية والذي يجعل الامور والنوايا والخفايا كلها واضحه أمامهم والأحقاب التاريخيه تتكرر مع اختلاف الاسماء والألوان والشدة والضعف ولكن اللب واحد . 

______________

ثالثاً / العامل الأخلاقي : 
@ ثورة التنباك تعتبر واحدة من أعظم المشاهد في تاريخ الشيعة .. وطريقة إدارة الميرزا السيد محمد حسن الشيرازي لها كان بارعه للغاية وإنتهت بسحق الشركات الأجنبية بالكامل وتحرير الاقتصادي الايراني منها . 

@ لعلك أيها القارئ الكريم تحتاج للقراءة عن ثورة التنباك لتعرف جيداً ما أتكلم عنه ... وقد ضحكت أسفاً قبل أيام عندما شاهدت أحدهم يضع عنوان عريض لحلقة برنامجه حول الدخول التركي للعراق ( نحن بحاجة الى فتوى تنباك ثانيه ) من دون أن يلتفت أن المرجعية الشيعية واحدة ومستعدة دوماً .. ولكن من أين لنا بمثل زوجة الشاه القاجاري التي كسرت نارجيلته بفتوى السيد الشيرازي !!! 

@ وعلى العموم .. يقال أن الميرزا الشيرازي عندما إنتصر في تلك المواجهة .. وتم الاعلان عن إفلاس وخروج الشركات الاجنبية .. كان طلاب الميرزا جالسين مع أستاذهم .. وإذا به يبكي بكاءً شديداً .. فإستغربوا من ذلك وسألوه عن سبب بكائه فقال : أبكي لحال العلماء في مستقبل الايام .. فحتى الآن كان الإنكليز يعتقدون أن دور رجال الدين دور محدود ويمكن شراؤهم بالأموال أو خداعهم بالوعود .. ولذلك لم يكونوا يعملون على إسقاطهم .. أما الآن وعندما إضطررت لمواجهتهم فقد عرفوا أن رجل الدين لايمكن هزمه بالحيل والألاعيب .. فسوف يسلكون طريق آخر وهو إسقاطه من أعين الناس !! 

@ وبالفعل هذا ما عمل عليه الإنگليز .. فكانوا يحرصون على إفهام المجتمع أن رجال الدين لهم مصالح خفيه وعلاقات مشبوهه .. فلا حاجة لإتباعهم لأنهم يتاجرون بكم .. 

هذه ليست تهمة أرميها على الإنگليز .. بل هي الحقيقة بعينها .. فبمجرد أن يشعر المجتمع أن قيادته الدينية تجامل على حسابه أو لاتنحاز لصالحه .. سينفرط عقد الإجتماع الشيعي و ( فتفرقوا وتذهب ريحكم ) 

# كان السفير البريطاني يأتي أمام الناس .. ليقدم  هدية مالية للسيد أبي الحسن الأصفهاني .. فما يكون من السيد إلا أن يقبلها منه وسط مفاجأة الجميع .. ثم يرجعها اليه مرة أخرى ويقول : هذه هدية منا الى مسلمي الهند التي تحتلونها !! .. فيخرج السفير وهو يقول : أردنا خداعه فخدعنا . ( وقد حصل موقف مشابه للسيد السيستاني مع سلطان البهرة ) 

# وكان يأتي القائد الإنگليزي للسيد كاظم اليزدي ويطلب منه مغادرة النجف ليتم قصفها بعد مقتل الضابط مارشال .. فيقول له السيد نعم أقبل بذلك ولكن بشرط اخراج عائلتي .. فيسأله القائد وكم عددهم فيقول : أبناء النجف كلهم . ( وتكرر المشهد بعينه مع عائلة السيد السيستاني في معركة النجف مع الامريكان ) 

# وعبثاً حاول بول بريمر لقاء سماحة السيد السيستاني ليقال أن المرجعية الشيعية تجالس الإحتلال وتمد معه جسور التفاهم .. ولكن الطرد كان مصيره حتى لم يجد من يشتكي له سوى زوجته !!!

# ومن جميل ما ينقل عن آية الله أغا علي الهمداني قدس سره أنه كان لايقبل هدايا الملوك والأثرياء ويقول : ثوب علماء الدين أبيض جداً .. فالنقطة السوداء مهما كانت صغيره ستبان عليه .… 

@ كل هذه المواقف التي إختزنتها ذاكرة الوجدان الشيعي .. عن مراجع ثابتي الموقف الأخلاقي .. لايجاملون على حساب أمتهم .. ينحازون للفقراء .. ويميلون للضعفاء .. يكرهون مجالس الحاكمين وموائد السلاطين .. ولايقفون على أبواب الملوك ولو إنطبقت السماء على الأرض . 

@ كل هذه المواقف زرعت في هذا الوجدان الشيعي حباً وولاءً للعلماء .. مستمد من حبهم لأمير المؤمنين عليه السلام .. لأن سيرة العلماء سيرته .. ومنهاجهم منهاجه . 

@ نعم .. شباك صيد الإنكليز التي يرمونها مهما كانت ممزقه .. لاتخلو من إصطياد لبعض مرضى القلب ممن يقيسون الأمور بميزان نفسهم .. فلا يتوقعون وجود هذا الكم من النزاهة والثبات لدى العلماء .. لأنهم لم يذوقوا طعم النزاهة يوماً . 
@ من مضحكات الدهر ان شخصاً أخرق مثل حسن الكشميري الذي جند نفسه وقلمه لهتك حرمة العلماء ( بل واعراض العلماء) عندما يذكر قصة زيارة ( فرح ) زوجة شاه إيران للإمام الخوئي في النجف .. يقول أنها تمت بترتيب وعلم مسبقمن السيد الخوئي كما تقول ( فرح ) ولكنه لايصدق ما يقوله السيد قدس سره .. أن الزيارة تمت بشكل مفاجئ وأن السيد الخوئي ماكان ليسمح بدخولها الى مجلسه لولا المفاجاة .. 
وصاحبنا يصدق فرح و يكذب السيد !!! 

@ نعم وألف نعم .. لازال الإنكليز وأذنابهم يسعون بكل الطرق منذ ١٥٠ سنة حتى الان .. الى إسقاط هذا العامل الأخلاقي للعلماء وتصويرهم كإنتهازيين مصلحيين .. 

@ وأولئك الذين يأتيهم دعم غريب ليفتحوا فضائيات دينية تبدأ بالدفاع عن منهج الأئمة عليهم السلام .. وعندما تستمر لفترة وتثق الناس بأصحابها وتصدق أنهم انما يدافعون عن أهل البيت ..  تبدأ بالطعن على العلماء .. وحتى الآن لدينا أربع فضائيات مشت على نفس المنوال .. بدأت بالدفاع أمام الوهابية .. وإنتهت بالطعن على العلماء .. وكلها مقرها في الغرب .. فيالها من صدفة لمن يؤمنون بالصدف !!!!!

@ وخلاصة القول في هذه النقطه .. أن قرارات القيادة الشيعيه ( الفقهاء )  .. محكومة بالعامل الأخلاقي .. وعدم التهاون في هذا الأمر .. وكل ما يصدر من هذه القيادة يجب ان يلاحظ نزاهته وعدم تأثره بأي ميل شخصي أو شائبة مصلحيه ... وهذا هو معنى تحمل أمانة اهل البيت الذين أوصلوا لنا هذا الثوب نقياً طاهرا . 

# ولهذا أصبحت الناس تثق بكلمة قالها سماحة السيد السيستاني دام ظله وهي ( ليس لي أمل إلا ان أرى العراقيين اعزاء ) 
# ولهذا أصبحت الناس تتمسك أكثر بخط الفقهاء العلماء بعد أن أيقنت أنه أبعد شيئ عن المصالح .. وان الخطوط الحزبية والسياسية مهما تغنت بالإسلام .. ورفعت شعارات الدين .. فإن مصلحتها الذاتيه تبقى على رأس قائمة الأولويات . 
# ولهذا أيضاً .. أقول لكم هذه الكلمة فإحفظوها :  إن أهم شيئ وأقدس شيئ لدى ذلك الرجل الجالس في زاوية منزله في النجف الأشرف .. هو أن يحفظ للقيادة الإلهية الشيعية هيبتها ومكانها .. بعد كل سيول الإتهامات والاباطيل .. فهي أمانة في عنقه .. ومسؤلية في عاتقه .. وليست إرثاً عائلياً ... فناموا أيها الحالمون بسقطة أو هفوة .. فلن تجدوا . 

____________
رابعاً / العامل الغيبي ( التسديد ) : 

# صحيح أن الروايات .. تكشف السبل وتنيرها .. 
# صحيح أن تراكم الخبرة .. يسهل الكثير من المهمات في إتخاذ القرار .. 
# صحيح أن الجانب الأخلاقي يمنح للقيادة قوة ذاتيه و تجرداً كاملاً عن الميول .. 
ولكن ... 
يبقى القرار .. ليس سهلاً . 
ويبقى العدو .. صعباً وشديداً .. 
وتبقى الظروف .. مرةً ومعقدة 
وحتى الجبال .. لاتطيق حجم المرارة التي يشعر بها المؤمن .. في زمان مثل زماننا .. بين مفسدين ملئت بطونهم من الحرام  .. وشهداء تركوا آلاف الأيتام .. ومجتمع مشغول بالنزاع والصراع على توافه الأمور .. مشتت متفرق .. لايعلم ما يراد به من كيد .. تأخذه الدعايات والعصبية  .. وتستفزه الألاعيب الشيطانيه .. يفكر بعاطفة لابعقول .. يترك الرأس ويتبع الذيول ..
فأي قيادة إلهية تمسك زمام أموره بغير شق الانفاس .. وتقوده بدون عظ الأضراس  .. وقد قال أمير المؤمنين عليه السلام ينصح الناس في نهج بلاغته (( أيها الناس ألقوا هذه الأزمة التي تحمل ظهورها الأثقال من أيديكم ولا تصدعوا على سلطانكم فتذموا غب فعالكم. ولا تقتحموا ما استقبلتم من فور نار الفتنة وأميطوا عن سننها وخلوا قصد السبيل لها. فقد لعمري يهلك في لهبها المؤمن ويسلم فيها غير المسلم )).
فكان الله في عون القيادة الالهية .. وحق لها التوسل بالله وبصاحب الزمان ليعينها على حمل المسؤوليه . 

@ هنا أيها القارئ الكريم .… لامكان للأدلة والبراهين .. في إثبات هذه النقطه .. فالحديث حديث الوجدان .. وحديث أول صفحة في القرآن ( الذين يؤمنون بالغيب ) . 

غريب جداً .. ما حصل من شبهة لبعضهم .. حتى أنكر امكان حصول اللقاء بإمام الزمان روحي فداه في زمن غيبته .. مع تكاثر الأخبار .. وتوارد الآثار .. على فوز جملة من علمائنا بيمن لقائه .. وتزودهم من موائد عطائه .. وهل ياترى يمكن حمل هذه المصائب بدون سفينة النجاة .. أو تجرع هذه النوائب .. بغير ماء الحياة .. وهو سلام الله عليه القائل (( إنا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللاواء واصطلمكم _ إستأصلكم _ الأعداء )) 

@ قال لي أحدهم .. لا أفهم كيف تقبلون بقصة حضور أمير المؤمنين أو الزهراء عليهما السلام عند العقيلة زينب ليلة الحادي عشر من المحرم ؟! 
قلت :  وأين الإشكال ؟؟ فقال : زينب هي زينب في صبرها .. لاتحتاج لمن يشد أزرها !! 
فقلت : والحسين هو الحسين في مصابه .. والسبي هو السبي في عذابه .. بلى والله .. مثلك تلك القواصم .. تحتاج لحضور الخمسة أصحاب الكساء .. عند سليلة المجد والإباء . 

@ أنتم ترون القيادة قوية .. صلبة .. منضبطة الأعصاب .. وتشاهدون خطب صلاة الجمعة في الصحن الحسيني  تأتي مختصرة الألفاظ .. ليس فيها زخماً عاطفياً ومشاعر كبيرة ..لأنها تحسب حساب لأكثر من عشرين جهة محلية وإقليمية ودولية .. كلها تستمع في وقت واحد .. وتريد ان تستخلص ماينفعها أو ما يمكن إستغلاله إعلامياً .. فلذلك يكون الحديث على هذا المنبر في هذه الظروف المعقدة .. أشبه بسير في حقل ألغام .@ وضبط الأعصاب هذا .. قد يراه السذج من الناس برودا ً او عدم مبالاة !! 

كلا .. ليتك ترى هذه القيادات الإلهية التي تبدو منضبطة الأعصاب .. كيف يكون حالها في جوف الليل .. 

# ينقل ان الإمام الخميني قدس سره .. كان عندما يواجه وسائل الاعلام ويتكلم عن الشاه كما لو كان طفلاً يمكن اسقاطه بصفعة واحدة .. نفس هذا السيد القوي كان يسمع منه أنين ونحيب بالغ المرارة في صلاة الليل وهو يتوسل الى الله تعالى والأئمة المعصومين عليهم السلام كطفل صغير يطلب العون والمدد . 

# ويذكر الشيخ الكوراني أنه سأل سماحة السيد السيستاني دام ظله عن قوته وصلابته وكيف يتحمل هذه الظروف المعقدة من كل النواحي .. فأجابه السيد جواباً مفاجئاً لم يكن يتوقعه لأن السيد عادة لا يتحدث عن مثل هذه الأمور .. فقال : عندما تضيق وتشتد الأزمات آخذ سجادتي وأصعد الى سطح الدار وأتوسل بالله تعالى بجدتي الزهراء عليها السلام أن تعينني . 

# وقد سمعت من بعض الطلبة الكرام في حوزة النجف الاشرف أنه في يوم تفجير قبة الامامين العسكريين عليهما السلام عندما حصل إجتماع المراجع في منزل السيد السيستاني دام ظله كان سماحته يجلس بهدوء وثبات حتى تم ترتيب الامور وتقرير الخطوة المطلوبة .. ولكن بعدها في اليوم التالي أو ما بعده _ والتردد مني _ كان محتاجاً لفحص دوري لقلبه المتعب . 

# نعم .. أمانة ثقيله تحتاج لرعاية من ولي العصر عليه السلام 
وسيرة علمائنا حافلة بالشواهد على هذه الرعاية الشريفه .. من المفيد .. الى الحلي .. الى الأردبيلي .. الى بحر العلوم .. الى ماشاء الله من رعايته وتأييده للأمناء الورثة . 
@ ولهذا .. فإن القرار لدى القيادة الشيعيه لا يكون خالياً من عنصر التوكل على الله والثقة بنصره الغيبي ماداموا ينتظرون منه هذا العون .. 
(( إِنَّا لَنَنْصُرُرُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)) غافر. 
يتبع في الحلقة الثالثة .

https://t.me/AiliaEmame1185

0 التعليقات

إرسال تعليق