نفي زنا عائشة بنت ابي بكر

إن الأدلة العقلية والنقلية - ومنها إجماع الشيعة الإمامية - قائمة على تنزيه زوجات الأنبياء (عليهم السلام) من الزنا, احترازاً من مسّ حياة الأنبياء (عليهم السلام) بالدنس, وعليه فما يوهم أن يكون خلاف ذلك فهو مردود أساساً، لكن لا يعني ذلك تنزيههن المطلق والقول بعصمتهن، وان صدور بعض الكبائر من بعضهن - كخروج عائشة على امام زمانها الامام امير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) - خير مؤيد لذلك.. ولا يخفى أن اثم خروجها على امام زمانها ربما يكون اشد من تلك التهمة حسب الضوابط الشرعية.

1- شبهة قول القمي حول زنا عائشة :

قال القمّي في تفسيره 2 / 3779 ، عند تفسير قوله تعالى : (( ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما )) 

ما نصّه : والله ما عنى بقوله فخانتاهما إلا الفاحشة, وليقيمن الحد على فلانة فيما أتت في طريق, وكان فلان يحبها فلما أرادت أن تخرج إلى... قال لها فلان : لا يحل لك أن تخرجي من غير محرم فزوجت نفسها من فلان.

الرد على الشبهة :

قد نقل العلامة المجلسي في (بحار الأنوار : 22 / 240) هذا عن القمي وقال عنه المحقق في الهامش ما نصّه : فيه شناعة شديدة, وغرابة عجيبة, نستبعد صدور مثله عن شيخنا علي بن إبراهيم, بل نظن قريباً أنه من زيادات غيره, لان التفسير الموجود ليس بتمامه منه قدس سره, بل فيه زيادات كثيرة من غيره, فعلى أي هذه مقالة يخالفها المسلمون بأجمعهم من الخاصة والعامة, وكلّهم يقرّون بقداسة أذيال أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) مما ذكر, نعم بعضهم يعتقدون عصيان بعضهنّ لمخالفتها أمير المؤمنين علي (عليه السلام).

وجاء في (البحار 32 / 107) بعد نقله قول القمي ما نصّه : بيان : المراد بفلان طلحة, وهذا إن كان رواية فهي شاذة مخالفة لبعض الأصول, وإن كان قد يبدو من طلحة ما يدل على أنه كان في ضميره الخبيث مثل ذلك, لكن وقوع أمثال ذلك بعيد عقلا ونقلا وعرفا وعادة وترك التعرض لأمثاله أولى.

ومن هذا يتضح أن العلامة المجلسي مجرد ناقل قول القمي ورادّ عليه . 

2- شبهة قول الحافظ البرسي حول زنا عائشة :

وأما الحافظ البرسي، فعلى فرض أنه نقل شيئا من ذلك, فعلماؤنا لا يأخذون بما تفرد بنقله. قال العلامة المجلسي في (البحار 1 / 109 : ولا اعتمد على ما يتفرد بنقله لاشتمال كتابيه على ما يوهم الخبط والخلط والارتفاع.

3- شبهة رواية الكافي تشير الى زنا عائشة :

روي عن الإمام محمد بن علي الباقر (صلوات الله عليهما) في تفسيره للآية الكريمة: "ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبديْن من عبادنا صالحيْن فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين". (التحريم: 10) حيث فسّر الخيانة بالفاحشة بقوله صلوات الله عليه: "ما يعني بذلك إلا الفاحشة". (الكافي ج2 ص402).

نص الرواية كاملة :
ما رواه الكليني في الكافي بإسناده إلى زرارة، في رواية تنقل لنا حواراً جرى بين زرارة وبين أبي جعفر الباقر(ع) بشأن حكم الزواج من النساء اللاتي لا يتولّين خط أهل البيت(ع) أو لا يعرفنهم، فقد كان زرارة متشدداً في رفض هذا الأمر، ولذا فقد أخّر زواجه، لأنّه لم يجد المرأة العارفة الموالية، بينما كان الإمام الباقر(ع) موسعاً في الأمر ويرى  ورأيه الحق  أنّ الزواج هو على الشهادتين فقط، وقد قال له الإمام في هذا الحوار كما يحدثنا زرارة نفسه: "قد كان رسول الله(ص) تزوّج، وقد كان من امرأة نوح وامرأة لوط ما قد كان، إنهما قد كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين، فقلت: إنّ رسول الله(ص) ليس في ذلك بمنزلتي إنّما هي تحته وهي مقرّة بحكمه، مقرة بدينه، قال: فقال لي: ما ترى في الخيانة في قول الله تعالى {فَخَانَتَاهُمَا} إلاّ الفاحشة؟! وقد زوّج رسول الله(ص) فلاناً.."

الرد على الشبهة : 

فإنّ قول الإمام (ع) بناءً على صحة الرواية  لزرارة: "ما ترى في الخيانة في قول الله تعالى: بز ںبر إلاّ الفاحشة!"، وارد على سبيل الإنكار على زرارة، فهو(ع) يريد القول له: إذا كان المبرر للزواج - بنظرك يا زرارة - هو انسجام الزوجة مع معتقد زوجها أو أن تكون مقرّة بدينه ومنقادة لحكمه، فكيف تفسر بقاء العلاقة الزوجية بين نوح ولوط وبين زوجتيهما، والحال أنّ هاتين المرأتين كانتا متمردتين على زوجيهما وغير منقادتين لهما، وهذا هو معنى الخيانة التي نصّ عليها القرآن، إلاّ أنْ تُفَسِّرَ  يا زرارة  الخيانة بالفاحشة المعلومة، وهي الزنا وهذا تفسير مستنكر ومرفوض!

هذا هو المستفاد من الرواية، لا ما توهمه بعض من لا بصيرة له ولا قدرة له على التدبر في الأحاديث الشريفة وفهم مراميها والإحاطة بمضامينها، وما استظهرناه من الرواية هو ما يفهمه كل من يمتلك سليقة سليمة وذائقة عربية مستقيمة، كما نلاحظ لدى شرّاح الحديث من كبار الأعلام:

يقول الفيض الكاشاني في تعليقه على الرواية: "وقوله(ع): "ما ترى في الخيانة في قول الله تعالى: {فَخَانَتَاهُمَا} إلاّ الفاحشة!" استفهام إنكار، يعني أنّك زعمت أنّ المراد بالخيانة هو الزنا، وليس ذلك كذلك، بل المراد الخروج عن الدين وطاعة الرسول".

ويقول العلامة المازندراني في شرح الحديث: "وخيانة المرأتين ليست هي الفجور، وإنما هي نفاقهما وإبطانهما الكفر.. وليس المراد بالخيانة البغي، إذ ما زنت امرأة نبي قط، وذلك هو المراد بقوله(ع) ما ترى في الخيانة في قول الله تعالى {فَخَانَتَاهُمَا} إلاّ الفاحشة!" وهي كل ما يشتدّ قبحه من الذنوب والمعاصي، والمراد بها النفاق والمخالفة والكفر، وفيه ردّ لقول زرارة: "وهي مقرّة بحكمه مقرة بدينه"، إذ علاقة الزوجية لا تستلزم ذلك.."

ويقول العلامة المجلسي: "قوله(ع): "ما يعني بذلك إلاّ الفاحشة"، يحتمل وجهين:
الأول: أن يكون استفهاماً إنكارياً، فالمراد بالفاحشة الزنا، كما هو الشايع في استعمالها.
والثاني: أن يكون نفياً، ويكون المراد بالفاحشة الذنب العظيم، وهو الشرك والكفر، كما قال المفسرون في قوله تعالى: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا}، وهو أظهر، وهو رد لقول زرارة: "وهي مقرة بحكمه ودينه: إذ علاقة الزوجية لا تستلزم ذلك لظهور الفاحشة منهما".

 وفي ضوء ما تقدم يتضح لك أنّ ما فعله بعض المشبوهين المنتحلين لصفة العلم والدفاع عن خط أهل البيت(ع) من التصرّف في الحديث المتقدم عن الإمام الباقر(ع) وتفسيره وكأنّ الإمام(ع) يقول: إنّ المقصود بالخيانة في قوله {فَخَانَتَاهُمَا} الفاحشة، إنّ ما فعله هذا البعض هو الخيانة بعينها، خيانة الله سبحانه وخيانة رسوله الأكرم(ص) باتهام زوجته بارتكاب الزنا وخيانة الأئمة(ع)بالتلاعب بأحاديثهم وعدم نقلها كما وردت عنهم.


0 التعليقات

إرسال تعليق