شبهة اخفاء قبر امير المؤمنين (عليه السلام) بين الواقع والخيال - السيد زين العابدين المقدس الغريفي

شبهة اخفاء قبر امير المؤمنين (عليه السلام) بين الواقع والخيال

السيد زين العابدين المقدس الغريفي

من المعلوم تاريخياً اهتمام أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم بقبور أئمتهم ومشاهدهم ومقاماتهم وتعهد زيارتها والدعاء عندها والتوسل بأصحابها ، حتى عد ذلك من الخصائص التي يميز بها الشيعي من غيره بين المسلمين .


وقد وردت بذلك أخبار متواترة جمعت في كتب الأدعية والزيارات فضلاً عن الكتب الأربعة ، تبين مواضع القبور وفضل زيارتها والدعاء عندها .


ومن ذلك ما ورد من النصوص المستفيضة بل المتواترة معنى في بيان موضع قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) بجنب الغري ، بحيث يحصل لكل من يطلع عليها القطع والجزم بمضمونها ، فضلاً عن الاجماع بل التسالم بين الشيعة عموماً ــ قديماً وحديثاً ــ في تحديد موضع قبره بما لا يقبل الشك ولا يرفع بخبر صحيح فضلاً عن خبر ضعيف ورد من طرق النواصب .


نعم تظهر بين الحين والاخر أصوات نشاز تحاول البروز عبر التشكيك في المسلمات وتزوير الحقائق محاولة بذلك زعزعت ايمان الناس بعقائدها وفك ارتباطهم عن قادتهم بوسائل وطرق متعددة تفتقد غالباً للمنهجية العلمية وتعمد إلى صنع المغالطات القائمة على التدليس والتلبيس ومن أوضح مصاديقها التشكيك بموضع قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) ، فهم يمثلون بذلك الإمتداد الطبيعي للنهج الأموي في محاربة أهل البيت (عليهم السلام) في حياتهم وبعد مماتهم ، بيد أنه سرعان ما يفتضح أمرهم ويكشف زيف مدعياتهم وبطلان أوهامهم كونها تنبع من الجهل بالواقع الروائي للمذهب الإمامي أو أهداف خاصة تمنعهم من القبول بها والتسليم لها .


فالأصل الذي لا يمكن الحياد عنه هو معلومية القبر الشريف عند أهل البيت (عليهم السلام) وخلص أصحابهم وهذا يكون حاكماً على كل نص يشير إلى اخفاء القبر حيث يكشف من البداية عن خروج جماعة من المؤمنين عن هذا العموم والاطلاق ، وقد توارث هذه المعلومات جيلاً بعد آخر حتى اعلن عنه لجميع الناس ، فلا وجود لإخفاء تام منذ البداية كما قد يتوهم .


وقد اشارت بعض النصوص التاريخية إلى إن أمير المؤمنين (عليه السلام) أوصى ولديه بإخفاء القبر عن من الخوارج والأمويين المخالفين له كاجراء احترازي مخافة نبشه وتوهينه كما هي سجيتهم في التعامل مع خصومهم كتمثيلهم بجثمان زيد الشهيد (رضوان الله عليه) ، وقد ورد هذا التعليل في بعض الأخبار منها عن صادق العترة (عليه السلام) حينما زار المرقد المبارك حيث قال : [حذرا من بني مروان والخوارج أن تحتال في أذاه][1] ، وقد ورد في بعض الأخبار ما يشير إلى سعي جماعات إلى البحث عن القبر الشريف ومحاولة نبشه واستخراج جسده (عليه السلام) .


ومنها يعلم قطعاً بمعرفة بعض أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) فضلاً عن أهل بيته (عليهم السلام) بمكان قبره الشريف حيث كانوا متواجدين أثناء تجهيزه ودفنه ، بل عمد بعضهم إلى رواية كيفية الدفن وما جرى فيه من أحداث ، فتأمل .


وقد استمر أهل البيت (عليهم السلام) في تعليم خلص أصحابهم وأصفيائهم سراً بمكان المرقد الشريف حتى زوال ملك بني أمية العضوض حيث بدأ الإمام الصادق (عليه السلام) بالتصريح تارة بزيارته علناً بمرأى ومسمع من اصحابه وأخرى بإخبارهم لفظاً وتحديد الموضع بالمعالم والنقاط المتعارفة آنذاك رافعاً بذلك أمر الإخفاء مما يكشف عن كون الأمر به محدود بظرف خاص ويرتفع بزواله .


فكان الإعلان العام في عهد أبي العباس السفاح حيث بني عليه أول دكة للدلالة عليه بأمر الإمام الصادق (عليه السلام) فعن صفوان الجمال إنه قال : [لما وافيت مع جعفر الصادق عليه السلام الكوفة نريد ابا جعفر المنصور، قال لي: يا صفوان انخ الراحلة فهذا حرم جدي أمير المؤمنين عليه السلام، فانختها، ونزل فاغتسل وغير ثوبه وتخفى وقال لي: افعل مثل ما افعله، ثم اخذ نحو الذكوات ... قلت: يا سيدي تأذن لي ان اخبر اصحابنا من اهل الكوفة به، فقال: نعم، واعطاني دراهم واصلحت القبر][2] .


وقد روى ابن قولويه بسنده عن اسحاق بن جرير، عن ابي عبد الله (عليه السلام)، قال: [اني لما كنت بالحيرة عند ابي العباس كنت آتي قبر امير المؤمنين (عليه السلام) ليلا وهو بناحية نجف الحيرة الى جانب غري النعمان، فاصلي عنده صلاة الليل وانصرف قبل الفجر][3] .


ومن ذلك يظهر وهم من ذهب إلى كون أول من أظهر القبر هو هارون العباسي أثناء حادثة الصيد المشهورة[4] ، فالقبر معروف لدى الشيعة من أهل الكوفة وغيرهم قبل هارون بعقود من الزمن حيث بنى الصادق (عليه السلام) دكة عليه وعلم وجوده ودل أصحابه عليه كما تقدم .


وينبغي التنبيه إلى كون الخلاف الواقع في تحديد قبر أمير المؤمنين (عليه السلام) إنما هو موجود عند العامة من المذاهب الإسلامية لا الشيعة ، نتيجة لسياسة أهل البيت (عليهم السلام) في اخفاء القبر الشريف عنهم فحصل الاضطراب والاختلاف بينهم ، بينما الشيعة قد أخذوا تحديد مكان القبر بنحو التسليم من أئمتهم الذين هم أدرى وأعلم بشؤونهم واحوالهم ، فيلزم أن لا يغفل عن ذلك ، فكل من يسوق وجود خلاف بين الشيعة في تحديد القبر فهو مدلس كذاب .


ومن النصوص التي أشارت إلى موضع القبر الشريف والتي روي أغلبها بالأسانيد الصحيحة في الكتب المعتبرة :


1 ــ وصية أمير المؤمنين (عليه السلام) بدفنه بظهر الكوفة أي الغري حيث روى الطوسي بسنده عن ابي مطر قال: [لما ضرب ابن ملجم الفاسق لعنه الله أمير المؤمنين (عليه السلام) قال له الحسن (عليه السلام): أقتله قال: لا ولكن احبسه فاذا مت فاقتلوه، واذا مت فادفنوني في هذا الظهر في قبر اخوي هود وصالح (عليهما السلام) ][5] .


2 ــ تحديد الحسين (عليه السلام) لمرقد أبيه (عليه السلام) ، حيث روى ابن قولويه بسنده عن الحسين الخلال عن جده قال: [قلت للحسين بن علي (عليهما السلام): اين دفنتم امير المؤمنين (عليه السلام)، قال: خرجنا به ليلا حتى مررنا على مسجد الاشعث، حتى خرجنا به إلى الظهر بجنب الغري ، فدفناه هناك] [6] .


3 ــ تحديد الإمام علي بن الحسين السجاد (عليه السلام) لمكان القبر بالنجف حيث روى ابن طاووس بسنده عن جابر بن يزيد الجعفي عن ابي جعفر محمد بن علي (عليه السلام) ، قال: كان ابي علي بن الحسين (عليه السلام) قد اتخذ منزله من بعد قتل ابيه الحسين بن علي (عليه السلام) بيتا من الشعر ، واقام بالبادية، فلبث بها عدة سنين كراهية الناس وملابستهم، وكان يصير من البادية بمقامه بها الى العراق زائرا لأبيه وجده (عليهما السلام) ولا يشعر بذلك من فعله. قال محمد بن علي: فخرج (عليه السلام) متوجها الى العراق لزيارة امير المؤمنين (عليه السلام) ، وانا معه وليس معنا ذو روح الا الناقتين ، فلما انتهى الى النجف من بلاد الكوفة وصار الى مكان منه فبكى حتى اخضلت لحيته من دموعه، ثم قال: السلام عليك يا امير المؤمنين ورحمه اللّه وبركاته ... ][7] .


4 ــ تحديد الامام الباقر (عليه السلام) ، حيث روى المفيد بسنده عن جابر بن يزيد الجعفي قال : [سألت أبا جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) : أين دفن أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ قال: " دفن بناحية الغريين ودفن قبل طلوع الفجر ودخل قبره الحسن والحسين ومحمد بنو علي عليه السلام وعبدالله بن جعفر رضي الله عنه "][8] .


5 ــ تحديد الإمام الصادق (عليه السلام) ، حيث روى ابن قولويه بسنده عن صفوان الجمال قال : [كنت وعامر بن عبد الله بن جذاعة الازدي عند ابي عبد الله (عليه السلام)، فقال: فقال له عامر: ان الناس يزعمون ان امير المؤمنين (عليه السلام) دفن بالرحبة، فقال: لا، قال: فأين دفن، قال: انه لما مات حمله الحسن (عليه السلام) فأتى به ظهر الكوفة قريبا من النجف، يسرة عن الغري، يمنة عن الحيرة، فدفن بين ذكوات بيض ، قال: فلما كان بعد ذهبت الى الموضع فتوهمت موضعا منه، ثم أتيته فأخبرته، فقال لي: أصبت رحمك الله - ثلاث مرات][9] .


وروى الكليني بسنده عن يزيد بن عمر بن طلحة قال: [قال لي أبو عبد الله عليه السلام وهو بالحيرة: أما تريد ما وعدتك؟ قلت: بلي - يعني الذهاب إلى قبر أمير المؤمنين صلوات الله عليه - قال: فركب وركب إسماعيل وركبت معهما حتى إذا جاز الثوية وكان بين الحيرة والنجف عند ذكوات بيض نزل ونزل إسماعيل ونزلت معهما فصلى وصلى إسماعيل وصليت ...] [10] .


وروى الكليني أيضاً بسنده عن عبد الله بن سنان قال: [أتاني عمر بن يزيد فقال لي: اركب، فركبت معه، فمضينا حتى أتينا منزل حفص الكناسي فاستخرجته فركب معنا، ثم مضينا حتى أتينا الغري فانتهينا إلى قبر، فقال: انزلوا هذا قبر أمير المؤمنين عليه السلام، فقلنا من أين علمت؟ فقال: أتيته مع أبي عبد الله عليه السلام حيث كان بالحيرة غير مرة وخبرني أنه قبره][11] .


6 ــ تحديد الامام الكاظم (عليه السلام) ، حيث روى ابن قولويه بسنده عن الحسن بن الجهم بن بكير قال: [ذكرت لابي الحسن (عليه السلام) يحيى بن موسى وتعرضه لمن يأتي قبر امير المؤمنين (عليه السلام)، وانه كان ينزل موضعا كان يقال به الثوية يتنزه إليه، الا وقبر امير المؤمنين (عليه السلام) فوق ذلك قليلا، وهو الموضع الذي روى صفوان الجمال ان ابا عبد الله وصفه له، قال له فيما ذكر: إذا انتهيت الى الغري ظهر الكوفة، فاجعله خلف ظهرك وتوجه الى نحو النجف، وتيامن قليلا، فإذا انتهيت الى الذكوات البيض والثنية امامه فذلك قبر امير المؤمنين (عليه السلام) وانا اتيته كثيرا، ومن اصحابنا من لا يرى ذلك ويقول: هو في المسجد، وبعضهم يقول: هو في القصر، فارد عليهم بان الله لم يكن ليجعل قبر امير المؤمنين (عليه السلام) في القصر في منازل الظالمين، ولم يكن يدفن في المسجد وهم يريدون ستره، فأينا أصوب، قال: انت اصوب منهم، اخذت بقول جعفر بن محمد (عليهما السلام)][12] .


7 ــ تحديد الإمام الرضا (عليه السلام) ، حيث روى ابن قولويه بسنده عن احمد بن محمد بن ابي نصر، قال: سألت الرضا (عليه السلام) فقلت: [أين موضع قبر امير المؤمنين (عليه السلام)، فقال: الغري، فقلت له: جعلت فداك ان بعض الناس يقولون: دفن في الرحبة، قال: لا، ولكن بعض الناس يقول: دفن بالمسجد][13] .


ونحو ذلك من الأخبار التي تصرح بموضع القبر فضلاً عن السيرة العملية المستمرة لأهل البيت (عليهم السلام) وأصحابهم بتعاهد زيارة المرقد المطهر حتى وصل إلينا ذلك بالقطع واليقين .


ويؤكد ذلك : ما روي في بعض كتب العامة ، من قبيل ما رواه ابن ابي الدنيا بسنده عن هشام بن محمد قال: [قال لي أبو بكر بن عياش: سألت أبا حصين وعاصم بن بهدلة والأعمش وغيرهم فقلت: أخبركم أحد أنه صلى على علي أو شهد دفنه قالوا: لا ، فسألت أباك محمد بن السائب فقال: أخرج به ليلا خرج به الحسن والحسين وابن الحنفية وعبد الله بن جعفر وعدد من أهل بيتهم فدفن في ظهر الكوفة قال: فقلت لأبيك لم فعل به ذلك قال خافوا أن تنبشه الخوارج أو غيرهم][14] ، وهذا كاشف قوي على ما استظهرناه من كون الاخفاء خاصاً بالمخالفين لأهل البيت (عليهم السلام) وعوام الناس ، حيث فصَّل بين أتباع النهج الأموي من أبي الحصين وأمثاله ممن كان عثماني الهوى حيث كانوا يجهلون بموضع القبر ، بخلاف محمد بن السائب الكلبي الذي كان من الشيعة الموالين لأهل البيت (عليهم السلام) ، مما يكشف عن علم خواص الشيعة به منذ البداية .


فتحصل مما تقدم : وجود التوافق بين أخبار الخاصة المتواترة معنى وأخبار العامة ، مما يزيد من القيمة الاحتمالية لثبوت مضمونها عند المسلمين كافة ، فلا يلتفت حينئذٍ إلى ما يخالفها من الأقوال لاسيما اذا علمنا بصدورها عن الجهات المناوئة لأهل البيت (عليه السلام) والمعادية لهم فضلاً عن فقدانها لأي مستند أو مدرك يفيد الوثوق أو الإطمئنان بحجيتها.


وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .


0 التعليقات

إرسال تعليق