سُحقاً سُحقاً.. لِمَن ظَلَمَ الزَّهراء ! - شعيب العاملي

 سُحقاً سُحقاً.. لِمَن ظَلَمَ الزَّهراء !

شعيب العاملي

 بسم الله الرحمن الرحيم


روى البخاري ومسلم في صحيحيهما أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله يقول يوم القيامة: سُحْقًا سُحْقًا لِمَن بَدَّلَ بَعْدِي ! (البخاري ج8 ص87 ومسلم ج7 ص66).


هو دُعاءٌ من النبيِّ صلى الله عليه وآله بإبعاد مَن بَدَّلَ بعدَه يوم القيامة..


حديثٌ مُرعِبٌ يرويه المسلمون في أصحِّ كُتُبِهم ويتَّفقون على صحّته، لكنهم لا يفقهونه ولا يعطونه نَصيبَه من الفهم والتدبُّر !


فما الذي جرى في ذلك الوقت حتى يُحال بين النبي صلى الله عليه وآله وبين أصحابه الذين يعرفهم ويعرفونه ؟!


أليس لهؤلاء حقُّ الصُّحبة مع النبي صلى الله عليه وآله؟ فَلِمَ يُحجبون عن حوضه ويُحال بينهم وبينه ؟! 


هل يستحقُّ ما بدَّلوه بعد النبيّ هذا الموقف من ملائكة الرحمان حتى يمنعونهم من الوصول إلى حوض النبي ؟ ثم أيُّ تبديلٍ هو هذا الذي بدَّلوه ؟ وما معنى دعاء النبي (ص) عليهم هذا ؟


أولاً: ماذا بدَّل القوم ؟


لقد عَرَفَ النبيُّ صلى الله عليه وآله ما سيجري بعد وفاته، فأخرَجَ من المَدينة كلَّ من يطمع في الرئاسة والإمرة، لئلا ينازعوا علياً عليه السلام منصباً جعله الله تعالى له، ولكنَّه كان يعلَم أن الفتن مُقبِلَةٌ، لكنَّ أحداً ما كان يتصوَّر أن تَعظُمَ الفِتَنُ إلى حَدٍّ يصيرُ الموت مع السلامة منها خيراً من الحياة والابتلاء بها !


لقد خرج النبي صلى الله عليه وآله إلى البقيع آخذاً بيد عليٍّ عليه السلام واتَّبعه جماعة من الناس، فسَلَّمَ على أهل البقيع وقال: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ القُبُورِ، لِيَهْنِئْكُمْ مَا أَصْبَحْتُمْ فِيهِ مِمَّا فِيهِ النَّاسُ !

أَقْبَلَتِ الفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ يَتْبَعُ أَوَّلَهَا آخِرُهَا ! (الإرشاد ج‏1 ص181).


ما أخطَرَ هذه الكلمة ! الموتُ صارَ خيراً لأنَّ فيه النجاة من الفتن، فِتَنٌ تتوالى لا يصمُدُ أمامَها أكابرُ المسلمين !

فماذا فَعَلَ هؤلاء ؟!


لأمير المؤمنين عليه السلام عبارةٌ عَجيبةٌ فيما تَمَخَّضَ عن هذه الفِتَن، حين قال في نهجه الشريف: 

حَتَّى إِذَا قَبَضَ الله رَسُولَهُ (ص) رَجَعَ قَوْمٌ عَلَى الأَعْقَابِ، وَغَالَتْهُمُ السُّبُلُ، وَاتَّكَلُوا عَلَى الوَلَائِجِ، وَوَصَلُوا غَيْرَ الرَّحِمِ، وَهَجَرُوا السَّبَبَ الَّذِي أُمِرُوا بِمَوَدَّتِهِ، وَنَقَلُوا البِنَاءَ عَنْ رَصِّ أَسَاسِهِ فَبَنَوْهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ !


إنقلابٌ بكلِّ ما للكلمة من معنى، حينَ تُهدَمُ أسُسُ الإسلام ويُنقَلُ بناؤها إلى غير موضعه ! وحين يُهجَرُ مَن أمرَ الله بمودَّتِهم ! ويوصل سواهم.. وحين ينقلبُ النّاسُ على أعقابهم.. لا تبقى للدين باقية.. 


ما نَقَلَ هؤلاء حَجَراً مِن بناء الإسلام، ولا بدَّلوا حائطاً.. بل (نَقَلُوا البِنَاءَ عَنْ رَصِّ أَسَاسِهِ) ! 


فأُصيبت الأمّة في مقاتلها، وتشوَّهَت عقيدةُ التوحيد والتنزيه واستُبدِلَت بالتجسيم، واستُعِيضَ عن العدل بالجور أو بالجبر، وزُحزِحَ معنى العِصمة، وانتقص قَدرُ النبيّ، ونُحِّيَ الوَصيُّ عن محلِّه، وصارت القيامَةُ تَرَفاً.. فلا غروَ أن تُبدَّلَ أحكامُ الدِّين الحنيف تبديلاً..


ذاكَ مِصداقُ العَود إلى الجاهلية، فقَد تناسى القومُ أنَّ (المرء يُحفَظُ في ولده)، حتى عَدوا على دينِه فأماتوه ! وعلى بضعته فهتكوا حرمَةَ بيتها! حتى قالت لهم: الان مات رسول الله صلى الله عليه وآله أمتّم دينه ؟! (السقيفة وفدك ص99).


الله أكبرُ أيُّ كلمةٍ من بضعةِ المصطفى.. إن المتآمرين على النبيِّ صلى الله عليه وآله في حياته تآمروا على دينه وأماتوه بعد وفاته.. فهل دينُ المسلمين اليوم هو دينُ الرَّسول ؟! أم دينُ الظُّلم والغدر وموالاة من عادى الله ؟!


تصفُ الزهراء حالها وحال الأمة بعد وفاة أبيها صلى الله عليه وآله فتقول عليها السلام: 


أضيع بعده الحريم! وهتكت الحرمة! وأذيلت المصونة!

وتلك نازلةٌ أعلن بها كتاب الله قبل موته، وانبأكم بها قبل وفاته، فقال: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى‏ أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى‏ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً﴾ (السقيفة وفدك ص99).


ينكسرُ القَلَمُ أمام هذه العبائر.. لقد (أذيلت المصونة) ! وهذا النبيُّ قبل ذلك يقول: كَأَنِّي بِهَا وَقَدْ دَخَلَ الذُّلُّ بَيْتَهَا ! .. فَلَا تَزَالُ بَعْدِي مَحْزُونَةً مَكْرُوبَةً بَاكِيَةً.. ثُمَّ تَرَى نَفْسَهَا ذَلِيلَةً بَعْدَ أَنْ كَانَتْ فِي أَيَّامِ أَبِيهَا عَزِيزَةً ! (الأمالي للصدوق ص114).


ساعَدَ الله قلبَك يا زهراء.. أضيعَ حقك.. وهتكت حرمتك.. فإنّا لله وإنا إليه راجعون..


ثانياً: مَن هم المُبَدِّلون ؟


هَل انقلَبَ (بَعضُ) المسلمين بعد النبي (ص) فغيَّروا دين الله على قلَّتهم؟! ونقلوا البناء عن رصِّ أساسه ؟! أيُعقلُ أن تتحكَّمَ قلَّةٌ مُنقَلِبَةٌ بأمة الإسلام أجمع دون أن يُسَاهمَ معها جموعُ المسلمين بالإنقلاب ؟!


هذا البخاري أصحّ كتابٍ عند المخالفين بعد كتاب الله يروي أنَّ رجلاً ينادي هؤلاء المنقلبين على أعقابهم يوم القيامة: هَلُمَّ !

ثم يروي عن النبي قوله: 

قُلتُ: أيْنَ؟ 

قالَ: إلى النَّارِ والله.

قُلتُ: ما شَأْنُهُمْ؟ 


قالَ: إنَّهُمُ ارْتَدُّوا بَعْدَكَ علَى أدْبارِهِمُ القَهْقَرَى!

فلا أُراهُ يَخْلُصُ منهمْ إلَّا مِثْلُ هَمَلِ النَّعَمِ ! (صحيح البخاري حديث 6587).


لا ينجو من النّار من أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وآله إلا قلَّةٌ قليلة، فأكثرُ الأمة صاروا من المنقلبين على الأعقاب المبدلين لأمر الله !


لقد تألَّمَ النبيُّ صلى الله عليه وآله في حياته على ما يفعل هؤلاء بعترته من بعده، وبكى قبل وفاته ثم قال لعليٍّ عليه السلام: إِنَّمَا بُكَائِي وَغَمِّي وَحُزْنِي عَلَيْكَ وَعَلَى هَذِهِ أَنْ تُضَيَّعَ بَعْدِي فَقَدْ أَجْمَعَ القَوْمُ عَلَى ظُلْمِكُمْ (الطرف ص190).


هذا هو إجماعُ الأمة الذي يتغنى به المخالفون ! إجماعٌ على ظلمٍ عليٍّ وفاطمة عليهما السلام ! إجماعٌ أبكى النبيّ صلى الله عليه وآله وأغمَّه وأحزنه عليهم.


وقد روي أنّه لَمَّا حَضَرَتْ رَسُولَ الله (صَلَّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ) الوَفَاةُ بَكَى حَتَّى بَلَّتْ دُمُوعُهُ لِحْيَتَهُ، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ الله، مَا يُبْكِيكَ ؟

فَقَالَ: أَبْكِي لِذُرِّيَّتِي، وَمَا تَصْنَعُ بِهِمْ شِرَارُ أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي، كَأَنِّي بِفَاطِمَةَ ابْنَتِي وَقَدْ ظُلِمَتْ بَعْدِي وَهِيَ تُنَادِي"يَا أَبَتَاهْ، يَا أَبَتَاهْ" فَلَا يُعِينُهَا أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي ! (الأمالي للطوسي ص188).


اتَّفَقَت مصادرُ المسلمين إذاً على أن أكثر المسلمين قد بدَّلوا بعد النبي (ص) واشتركوا في ظلم عليٍّ والزّهراء، إما بأنفسهم، أو بتأييدهم للظالمين، أو بصمتهم وجفائهم لآل محمدٍ صلى الله عليه وآله، وترك معونتهم، فشَمَلَ الجميعَ دعاءُ النبيِّ صلى الله عليه وآله: سُحْقًا سُحْقًا لِمَن بَدَّلَ بَعْدِي !


ثالثاً: ما هو عذاب المُبَدِّلين ؟


لقد دعا النبي (ص) على هؤلاء فقال: سُحْقًا سُحْقًا !


وقد قال تعالى في كتابه: ﴿فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ﴾.


إنَّ لهؤلاء عقاباً عظيماً يوم الجزاء، حيثُ يسكنُ فئتان من النّاس في (الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ)، فمنهم المنافقون، ومنهم الظالمون لآل محمد !

قال تعالى: ﴿إِنَّ المُنافِقينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصيراً﴾ (النساء145).


وقال النبي (ص): الوَيْلُ لِظَالِمِي أَهْلِ بَيْتِي، كَأَنِّي بِهِمْ غَداً مَعَ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّار (عيون أخبار الرضا عليه السلام ج‏2 ص47).


إنَّ لهؤلاء عذاباً عجيباً، حيثُ يُسألون عن مَسِّ سقر فيقولون: قَدْ أَنْضَجَتْ قُلُوبَنَا وَأَكَلَتْ لُحُومَنَا وَحَطَمَتْ عِظَامَنَا، فَلَيْسَ لَنَا مُسْتَغِيثٌ وَلَا لَنَا مُعِينٌ !

.. ثُمَّ يَجْعَلُ كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فِي ثَلَاثِ تَوَابِيتَ مِنْ حَدِيدٍ مِنَ النَّارِ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ، فَلَا يَسْمَعُ لَهُمْ كَلَاماً أَبَداً إِلَّا أَنَّ لَهُمْ فِيها.. شَهِيقٌ كَشَهِيقِ البِغَالِ ! وَزَفِيرٌ مِثْلُ نَهِيقِ الحَمِيرِ ! وَعُوَاءٌ كَعُوَاءِ الكِلَابِ ! صُم‏ بُكْمٌ عُمْيٌ فَلَيْسَ لَهُمْ فِيهَا كَلَامٌ إِلَّا أَنِين‏ (الإختصاص ص364).


هذا حالُ بعض هؤلاء.. أما أكابرهم.. فالله العالم بحالهم، وهم الذين تستعيذُ جهنَّم من وهج الجُبِّ الذي يعذَّبون فيه ! 


هذه خطورة موالاة أعداء الله في الدُّنيا والآخرة، أعاذنا الله من محبَّتهم في الدُّنيا، وأبعدنا عنهم في الآخرة، وحشرنا مع محمدٍ وآله إنه سميع مجيب.

والحمد لله رب العالمين.


الأربعاء 17 جمادى الاولى 1443 هـ


0 التعليقات

إرسال تعليق