المَلامِحُ الحَضارِيَّةُ في دَوْلَةِ سَبَأ

 المَلامِحُ الحَضارِيَّةُ في دَوْلَةِ سَبَأ

زعيم الخيرالله

------------

كانت المَلِكَةُ بلقيسُ تحكمُ مملَكَةَ سَبَأ ، وكانت تتمَتَعُ بالحِكْمَةِ والحِنْكَةِ وَبُعدِ النظر ، أَمَّنَتْ بحكمتها بلادَها من غزواتِ الآخرين . نلمسُ في  حُكمِها لمملكةِ سبأ ملامحَ حضاريةً في دولتِها . فقد جاء في التواريخ أَنَّها رممت سدَّ مأرب الذي قد نالَ الزمنُ منه وأهرمَ بنيانَهُ وقطَّعَ اوصالَهُ . ومن الملامح الحضارية في دولة سبأ اعتماد الملكة بلقيس على مبدأ الاستشارة في اتخاذ القرار ، فحينما القى الهدهدُ كتاب سليمان في غرفةِ نومها وعلى سريرها ، وكان كتاب سليمان عليه السلام يحملُ لغةَ تهديد :

(أَلَّا تَعْلُواْ عَلَىَّ وَأْتُونِى مُسْلِمِينَ). النمل: الاية: 31 .

وصفت خطابَ سليمان (ع) الذي يحملُ لغَةً تهديديَّةً ، وصفتهُ بلغةٍ حضاريَّةٍ مُهَذَّبَةٍ اذ قالت كما حكاهُ اللهُ عنها : (قَالَتْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَؤُاْ إِنِّىٓ أُلْقِىَ إِلَىَّ كِتَٰبٌ كَرِيمٌ). النمل: الاية: 29 .

ومن الملامح الحضارية في دولة سبأ تحت قيادة الملكة بلقيس ( مبدأ الاستشارة ) قبل اتخاذ القرارات المصيرية :( قَالَتْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمَلَؤُاْ أَفْتُونِى فِىٓ أَمْرِى مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ). النمل: الاية: 32 . وكانَ رأيُ مستشاريها اتخاذّ قرار الحرب ؛ لانَّهم أُولو قوةٍ وبأسٍ شديدٍ ، يقول الله تعالى حاكياً قولَهم : ( قَالُواْ نَحْنُ أُوْلُواْ قُوَّةٍۢ وَأُوْلُواْ بَأْسٍۢ شَدِيدٍۢ وَٱلْأَمْرُ إِلَيْكِ فَٱنظُرِى مَاذَا تَأْمُرِينَ). النمل: الاية: 33. ولكنّ بلقيس بحكمتها وبعدِ نظرها رأَتْ ان تستكشفَ امرَ سليمان وان تبعث اليه بهدية ، استخدمت الوسائل الناعمة والاساليب الدبلوماسية في استمالة الخصم ومن خلال الوفد الذي سيذهب الى سليمان (ع) بالهديَّة ستكتشف قدراته وقدرات دولته وامكاناته القتاليّة . يقول الله تعالى حكاية عن بلقيس :

(وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ). النمل: الاية:(35). وهذا ملمح حضاري في دولةِ سَبَأ اتخذتُهُ الملكَةُ بلقيس في تغليبِ خيارِ الدبلوماسيَّةِ على خيارِ الحرب.

فلما جاء وفد بلقيس الى سليمان محملاً بالهدايا رفض سليمان الهدية معتبراً اياها بمثابة رشوة :

(فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ). النمل: الاية: (36).

تشخيص الملكة بلقيس للملكيات الفاسدة التي اذا غزت بلداً سلبت الكرامة من اهله وجعلتهم اذلةً ، وهذا ملمح حضاري في الدولة ان توفر الكرامة والعزة لشعبها أشارتْ اليه الملكة بلقيس ، يقول الله تعالى حاكياً عنها :

(قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ۖ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ). النمل: الاية: (34). قالت كلاماً صريحاً في تشخيصها للملكيات الفاسدة . كان قولها : ( ان الملوك اذا دخلوا قريةً أفسدوها وجعلوا أعزة اهلها أذلة) ، والله صادق على كلامها وأمضى كلامها بقوله تعالى :( وكذلك يفعلون) . وهنا بلقيس لاتذم النظام الملكي اذ هي ملكة وانما تنتقد وتذم الملكيات الفاسدة التي تنشر الفسادَ وتنزعُ الكرامةَ عن الشعوبِ التي تحكمُها . وبعدها قررت بلقيس ان تأتيَ بنفسِها لتقابلَ النبي سليمان عليه السلام ، اراها النبي سليمان الصَّرحَ الممرد ، فمشت بلقيس على ارضية من زجاج تحته ماء فحسبته لجة وكشفت عن ساقيها فقال لها سليمان (ع) انه صرح ممرد ، ليريها تقدم دولة النبي سليمان حضارياً وتقنياً على دولتها .

الملمح الحضاري الاخر : ان الملكة بلقيس حينما اكتشفت الحقيقة آمنت وتركت وثنيتها وقادت شعبها الى الايمان ؛ فهي لم تتزمت وتصر على قناعاتها السابقة وقالت كلاماً حكيماً نقله القرآنُ الكريم : (قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). النمل: الاية: (44)

هي لم تقل : اسلمتُ لسليمان بل قالت اسلمتُ مع سليمان لله رب العالمين ، فانا وسليمان خاضعان لملك الملوك لرب العالمين .


0 التعليقات

إرسال تعليق