ظاهرةُ الإِنتحار؛ الأَسباب والحلُول - نـــزار حيدر

ظاهرةُ الإِنتحار؛ الأَسباب والحلُول

نـــزار حيدر


١/ الإِنتحارُ نتيجةٌ وليسَ سبباً، وهو نِهايةٌ لمُقدِّماتٍ عِدَّةٍ!.


ولقد أَصبحت الظَّاهرةُ في العراق خطيرةٌ جدّاً، ينبغي الإِلتفات لها قبلَ أَن تستفحلَ فيخسر البلد شبابهُ مُبكِّراً، ويواجه تداعيات الظَّاهرة نتائجَ أَعظم وأَخطر.


٢/ والذي يتحمَّل مسؤُوليَّة الظَّاهرة إِثنان؛ الدَّولة والمُجتمع، فلا ينبغي أَن يتهرَّب أَيٍّ منهُما من تحمُّل المسؤُوليَّة وتالياً التصدِّي لمُكافحةِ الأَسباب والمُساهمةِ في الحلولِوعلى مُختلفِ المستَويات.


٣/ والإِنتحارُ آخر تداعِيات حالة اليأس في حياةِ الإِنسان، اليأسُ من رحمةِ الله تعالى واليأسُ من الحياةِ واليأسُ من إِمكانيَّة العثُور على حلولٍ لمشاكلهِ سواءً الماديَّةمنها أَو الروحيَّة والعاطفيَّة، واليأسُ من النَّجاح عندما يتكرَّر الفشل في حياتهِ.


٤/ أَمَّا الأَسباب والمُقدِّمات التي تُنتج الظَّاهرة، فتنقسِمُ إِلى نوعَينِ؛


*الأَسباب التي تتحمَّل مسؤُوليَّتها الدَّولة مثل البطالة وانعدامِ الفُرص بكُلِّ أَشكالِها وسوء البيئة التي يعيش فيها الإِنسان وكذلكَ انعدامِ فُرَص التَّرفيهِ عن النَّفس وكُلُّ مايُؤثِّر إِيجاباً على روحيَّة الإِنسان ومعنويَّاتهِ.


ولا ننسى هنا أَن نأتي على ذكرِ أَخطر الأَسباب اليَوم وأَقصُد بهِ إِنتشار المُخدِّرات بشكلٍ مُرعبٍ والتي تقتُل الإِنسان قبلَ أَن ينتحِرَ!.


هذهِ الأَسباب يجب أَن تتصدَّى لحلِّها الدَّولة ومُؤَسَّساتِها لإِيجادِ الحلولِ النَّاجعةِ لها، إِذ لا ينبغي أَن يظلَّ المُواطنُ عاجِزاً عن إِيجادِ أَبسطِ مقوِّمات الحياةِ الكريمةِ، فإِنَّذلكَ يُزيدُ من الظَّاهرة يوماً بعدَ آخر.


*الأَسباب التي يتحمَّل مسؤُوليَّتها المُجتمع، كمُنظَّمات المُجتمع المدني، خاصَّةً المعنيَّة بقضايا حقُوق الإِنسان، والمُؤَسَّسات الدينيَّة والتربويَّة والتعليميَّة والمساجدوالحسينيَّات ومُختلف أَنواعِ المنابِر.


ولا ننسى دَور الأُسرة فانشغالُ الأَبوَين عن تربيةِ الأَولاد ورقابتهِم عن بُعدٍ وتجاهُلهُم [أَينَ ذهبُوا ومتى عادُوا للمنزلِ في اللَّيلِ ومعَ مَن سهرُوا؟!] وعدمِ الإِصغاءِ إِلىمشاكلهِم وتوجيههِم في صداقاتهِم وزمالاتهِم وعدم إِعارتهِم أَيَّ اهتمامٍ لوضعهِم المدرسي كالحضور والتسيُّب، إِنَّ كُلَّ ذلكَ تتحمَّل مسؤُوليَّتهُ الأُسرة بالدَّرجةِ الأَساس.


إِنَّ على المُجتمعِ أَن يتحلَّى دائماً بثقافةِ التَّكافُل والتَّواصل والتَّكامل، خاصَّةً على المُستوى المعنوي والرُّوحي.


كُلُّنا نعرف فإِنَّ الإِنسان الذي يقدِم على الإِنتحار هو الذي يعجز عن إِيجادِ أُذُنٍ تصغي إِليهِ لتستوعِبهُ فتُرشِدهُ وتوجِّههُ، تصغي إِلى آلامهِ الروحيَّة وحاجاتهِ المعنويَّةبالدَّرجةِ الأُولى، فلَو كانَ قد عثرَ على مَن يُصغي إِليهِ فيسمعُ منهُ [فضفضتهُ] ويستوعبُ أَزماتهُ الروحيَّة فيمنحهُ الأَمل ويُقلِّل من حالةِ اليأسِ التي يعيشها، لما أَقدمَ علىاتِّخاذِ قرارِ الإِنتحار.


لذلكَ يَلزم على المُجتمعِ أَن يكونَ [أُذُنُ خَيرٍ] لبعضهِ، خاصَّةً كِبار السِّن للنَّشء الجديد والعُلماء والخُطباء وأَمثالهُم من العناصرِ المُتميِّزة في المُجتمع.


٥/ وإِنَّ من أَهمِّ ما يلزم أَن نُشجِّعَ عليهِ هو وجود المُستشارين النفسيِّين وعلى مُختلفِ الأَصعدة وفي كُلِّ مكان.


إِنَّ من الأَخطاء الشَّائعة في مجتمعاتِنا المُتخلِّفة هي أَنَّ وجُود الطَّبيب أَو الإِستشاري النَّفسي في المُجتمع دليلٌ على إِنتشارِ الأَمراض النفسيَّة وحالاتِ الجنُون،فالتَّصوُّر السَّائد عندنا هو أَنَّ المُواطن لا يُفكِّر بمُراجعةِ الطَّبيب والإِستشاري النَّفسي إِلَّا إِذا كانَ مجنوناً أَو في عقلهِ لَوثَة!.


هذا خطأٌ فظيعٌ، فالمُستشارُ النفسي يحتاجهُ المُجتمع في كُلِّ شيءٍ وفي كُلِّ وقتٍ، عندما يريدُ أَن يختارَ الزَّوجة – الزَّوج، وعندما يريدُ أَن يختارَ الإِختصاص الأَكاديمي،وعندما يبدأُ بخسارةِ أُسرتهِ أَو أَصدقائهِ أَو زُملائهِ في العملِ، وهكذا.


لو ننتبهَ قليلاً للأَسباب التي تقف خلفَ أَكثر المشاكل التي يُعانيها المُجتمع، أَفراداً وجماعات، وللسُّلوكيَّات غَير القَويمة فسنجدُ أَنَّ جذرها أَزَماتٌ نفسيَّةٌ تراكمت لتتحوَّلإِلى عُقد وقد تقودُ صاحبها في نهايةِ المطاف إِلى الإِنتحار.


ولو أَنَّ المرء صمَّمَ على استشارةِ الطَّبيب النَّفسي منذُ بدايةِ أَزمتهِ النفسيَّة أَو الروحيَّة من دونِ مُكابرةٍ أَو خجلٍ، لما تطوَّرت الحالة عندهُ لتنتهي إِلى ما لا يُحمدُ عُقباهُ!.


وهذهِ حالاتُ الطَّلاقِ التي تزدادُ في المُجتمعِ يَوماً بعدَ آخر، فإِنَّ جُلَّ أَسبابِها هي أَمراضٌ نفسيَّةٌ يجهلها أَو يتجاهلها الزَّوجَين لتنتهي إِلى الإِنفصالِ قبلَ أَن تنتهي إِلىحروبٍ بينَ [القبيلَتَينِ]!.


إِنَّ ظواهر مثلَ الخَوف والجُبن والشَّك والتردُّد والحُب والبُغض والإِقدام والإِحجام والشَّجاعة والتهوُّر والحساسيَّة المُفرَطة والتَّغابي وضيقَ الصَّدر والعصبيَّة والكراهيَّةوالحِقد واللُّجُوء إِلى لُغةِ السَّب والتَّجاوز على العِرض والشَّرف في كُلِّ خِلافٍ أَو اختلافٍ في الرَّأي والنِّزاعات وغيرِها الكثير جدّاً والتي تُنتج كُلَّ هذهِ المشاكل الأُسريَّةوالمُجتمعيَّة وغيرِها، إِنَّما يعودُ جذرها إِلى النَّفس، إِنَّها مشاكل نفسيَّة بالدَّرجة الأُولى لتتمظهر بالتَّالي في مشاكلَ ماديَّة ملمُوسة وظاهِرة!.


تأسيساً على ذلكَ ينبغي أَن تتحوَّل الحاجة إِلى مُراجعةِ المُستشار النَّفسي والمُتخِّصص في علمِ النَّفس إِلى حالةٍ طبيعيَّةٍ في المُجتمع، كمُراجعةِ أَيِّ مُتخصِّصٍ آخر،فضلاً عن أَنَّ الأَمراض والعُقد النفسيَّة أَخطر بكثيرٍ من أَيِّ مُعاناةٍ صحيَّةٍ أُخرى، من أَجلِ أَن لا يتحسَّس منها المرءُ إِذا شعرَ بمشاكلهِ النفسيَّة والروحيَّة وقبلَ أَن تستفحلَفتتطوَّر فتقودهُ إِلى اتِّخاذِ قرارِ الإِنتحار!.


تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط


0 التعليقات

إرسال تعليق