أثر التَّماسك النَّصِّي في تكوين الصّورة البَيانيّة شعر خالد الكاتب أنموذجا

أطروحة قدّمها إلى مجلس كلية الآداب في جامعة الكوفة / كاظم عبد اللّه عبد النبي / وهي جزء من متطلبات نيل درجة الدكتوراه في  اللغة العربية وآدابها /  بإشراف : الأستاذ الدكتور علي كاظم أسد / 1434هـ - 2013م

المقدّمة

الحمد لله الذي علا مكانه وفاقت قدرته وأبدع في صنعه الأشياء ، فجعلها متماسكة متناسقة.. والصلاة والسلام على سيّد الخلق محمد وعلى آله وصحبه الميامين الأخيار.        

أما بعد :

فإنّ النَّصَّ البليغَ عالمٌ متشعبُ الأركانِ ، بعيدُ الرؤى، يحتاج إدراك كنهه إلى النظر في طبيعة تكوينه والعمل على إيجاد ذلك التلاحم الذي يحكم بناءه ويربط أجزاءه ، وقد سعت هذه الدراسة إلى كسر الطوق النقدي الذي يعتني بالإشارة إلى جمال الصّورة من دون الكشف عن دقائق تأليفها ، وطرائق تركيبها ، باستثناء بعض المحاولات التي لم يتم تطويرها ،أو النظر إليها بشكل جاد ؛ لذا جاءت هذه الدراسة لتتجاوز التحليل في دائرة الصّورة الضيقة وتحلل الأثر الأدبي نصيا في ضوء علاقاته اللغوية الأخر.

وهي دراسة تعنى بالتأصيل لمفهوم التماسك النَّصّي ليرتقي مصطلحاً نقدياً يصلح للتطبيق على النّصّوص الأدبية بعامة والنَّصّ الشعري بخاصة ، وللوصول إلى هذا الهدف تم البحث في النّصّوص البلاغية والنقدية وغيرها عن هذا المفهوم لغرض التنبيه عليه وترسيخه.وكانت رغبتي في بحث الصّورة البيانيّة بحيث لا تنعزل الدراسة عن التطوّر الذي نال الدرس النقدي بحكم اتصاله بالدرس اللغوي واللساني الحديث ، بما تطوّر من مناهج لسانية ونصية تجاوزت الرؤية الضّيقة التي شابت الدرس البلاغي القديم وجاء هذا الاتجاه ثمرةً لجهودٍ امتدتْ منذ دو سوسير Saussure إلى هاليداي Halliday ورقية حسن R.Hasan إلى فان دايك T.A.van Dijk ودي بوجراند De Beaugrande ..وغيرهم بل منذ أن طوّر الشيخ عبد القاهر الجرجاني "ت-471هـ" الدرس النحوي والتفسيري والنقدي والبلاغي إلى درس نقدي يوازي الدرس اللغوي الحديث.

والصّورة البيانيّة تأليف لغوي في قالب نصّيّ، تترابط أجزاؤها من ترابطه وتتفاعل ضمن وسائل وآليات يحتمها السياق والاستعمال، وتخضع في تعاطيها لمرامٍ وقصود يشترك فيها الشاعر والمتلقي على السواء.وقد حفزتني على ذلك إشارات عبد القاهر الجرجاني ، وطرق معالجاته الفنية في التحليل، ونظرته الشاملة للنص البياني في ضوء نظريته"النظم" وعنايته بالجوانب النفسية ، وسوف يفيد الباحث من الإشارات التي وردت عن علماء العربية مما لها مساس في تماسك النَّصّ أو اتساقه وبعض النظريات الغربية.

و(أثر التماسك النَّصّي في تكوين الصّورة البيانيّة) موضوع الرسالة كان هاجسي منذُ ولوجي في دراستي العليا(الدكتوراه) وذلك لشغفي الكبير بالبلاغة العربية أولاً ، وولعي في استكشاف عمق أسرار الصّورة البيانيّة وعناصر تكوينها ثانيا ، وإكمال ما بدأته في دراسة (الأداء البياني) في رسالة الماجستير ثالثا . 

ومع إيماني بأن الإبداع لا يتحدد بمنهج أو يقيده اتجاه ولمّا كان المبدع حرّا في إبداعه متنوع المسالك في صياغته الفنية يمتري من ذخائر اللغة ، فإنّ على محلل النَّصّ أن يعي ذلك التنوع واتساع الرؤى ، وعلى هذا النحو سار البحث فكشف عن أغلب ماله صلة في تماسك الصّورة البيانيّة وما تنتجه الوسائل النَّصّية من حراك شعوري في النَّصّ أو بين النَّصّ والأحداث المحيطة.

ودراسة تركيب الصّورة في النَّصّ من نواحٍ مختلفة من"تأليف نحوي وبنية صرفية وتناسق دلالي ومحتوى بلاغي ومجال لساني وأفعال تداولية.."وبتتبع ذلك التأثير يمنح الدارس فهم البنية العميقة للصورة البيانيّة ويومئ إلى أنّ المعاني تستوطن أنظمة متداخلة تتواشج في نسيج نصي يكشف عن قصد المبدع وطريقة توصيل ذلك إلى متلقي النَّصّ ، وعلى ذلك لم يقتصر البحث- في الإجراء- على التطبيق في شعر خالد الكاتب وإنما تجاوزه إلى الاستشهاد ببعض الآيات القرآنية الكريمة، والحديث النبوي الشريف ، والأقوال المأثورة وأبيات من الشعر العربي لتعضيد الدراسة وترسيخ الفكرة ، وقد تجاوز التحليل الصّورة المفردة إلى البيت الشعري ثمّ إلى عموم المقطوعة وذلك لتأثير الأساليب النَّصّية في المنجز البياني ، وعلى هذا يكون الكشف عن التماسك الحاصل يتطلب إلى أنْ يكون الجهد منصباً على النَّصّ الشعري وبيان مواطن الربط الظاهرة والخفية منها.

وقد أفاد البحث من المصادر القديمة والحديثة التي تتعلق بالموضوع فمن المصادر القديمة التي وردت فيها بعض الإشارات النَّصّية كتاب سيبويه(ت- 180هـ) وأسرار البلاغة ودلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني، والاتقان للسيوطي(ت-911هـ) وبعض كتب التفسير..وغيرها.أما المراجع الحديثة فمن المؤلفات الغربية كتاب( cohesion in English التماسك في الانكليزية لهاليداي ورقية حسن) وكتاب(النَّصّ والخطاب والإجراء لدي بوجراند) وكتب فان دايك ..وغيرها. ومن المؤلفات العربية كـتاب(لسانيات النَّصّ مدخل إلى انسجام الخطاب لمحمد خطابي) وكتاب(علم لغة النَّصّ المفاهيم والاتجاهات لسعيد حسن بحيري) وكتاب(علم اللغة النَّصّي بين النظرية والتطبيق دراسة تطبيقية على السور المكية لصبحي إبراهيم الفقي)..وغيرها مما أعان الباحث في إضاءة بعض المصطلحات والمفاهيم التي لها صلة بمسار البحث ، بيد أنّ تلك الدراسات لم تتعرض لعناصر التماسك النَّصّي في تكوين الصّورة البيانيّة "موضوع الدراسة" أو علاقة التركيب بالتجربة ، فعقدت العزم - بعد التوكل على الله - على خوض غمار هذه الدراسة.

وكان لابُدَّ من التطبيق فوقع الاختيار على شعر خالد الكاتب لكونه شاعرا- بحسب علمي- لم يُدرس شعره فيما سبق دراسة أكاديمية(ماجستير أو دكتوراه) من هذه الناحية ، وقد اتّسم شعره بجزالة اللفظ والتكثيف الدلالي وتطويق الفكرة وحصرها في مقطوعات تنبئ عن صدق مشاعر صاحبها في تجربة ذاتية محضة لشاعر ينحو نحو العذريين في اقتصاره على محبوبة واحدة لا يذكر اسمها ، أو زمن لقائهما أو مكانه في غزل معنوي سكب فيه عواطفه ، فجاءت صوره البيانيّة صدى لنفسه وملونة بإحساسه.

وقد اقتضت منهجية البحث أن تكون هذه الدراسة في أربعة فصول تسبقها مقدّمة وتتبعها خاتمة.

تناول الفصل الأول:الملامح العامة لمفهوم التماسك النَّصّي وانقسم على أربعة مباحث ، عرض المبحث الأول التماسك في الدراسات العربية القديمة ، ونبه إلى إدراك النقاد والبلاغيين العرب القدماء لمفهوم التماسك من خلال استعمالهم ألفاظا تدل على تلاحم النَّصّ واتساقه جاءت موزعة في كتبهم ، كذلك عرض مفهوم النَّصّ في الفكر العربي القديم. واختصّ المبحث الثاني بعرض ملامح من التماسك النَّصّي التطبيقي في الدراسات العربية والوقوف على جهود علماء العربية من خلال ما أومأ إليه بعض اللغويين إلى وسائل من التماسك النَّصّي في مباحثهم من إسناد وسياق وحذف.. أو إشارات البلاغيين ولاسيما في النظم ، وتأليف الكلام ، ورعاية مقامه لتحديد المعنى المراد ، أو التفاتات علماء التفسير في ربط الآيات بأسباب نزولها ، أو دراسة النَّصّ وتحليل تماسكه عند الأصوليين لاستنباط الأحكام الشرعية. وحاول المبحث الثالث الكشف عن وجود مباحث في الدراسات القرآنية الحديثة تومئ إلى ظهور اتجاه جديد في دراسة النَّصّ القرآني يبحث في كلية النَّصّ وتماسك وحدات تكوينه والتحام معانيه.وتناول المبحث الرابع مقدمة عن ظهور الصّورة البيانيّة وعناصر التماسك النَّصّي التي تسهم في تكوينها أو ما يؤثر فيها ، لأنّ الصّورة البيانيّة لا تنهض في التكوين على أركانها فقط بل تستمد عوامل وجودها من عموم النَّصّ.

ورصد الفصل الثاني:التماسك السياقي الذي يكون له الأثر الفاعل في تكوين الصّورة مبيّناً  أهم النظريات السياقية وتطورها قديما وحديثا وكيف استثمر خالد الكاتب تلك السياقات في تركيب صوره البيانيّة ، ووقفت على الأسلوب البياني في شعره وكانت مباحثه بحسب ما يأتي: "المبحث الأول:أثر السياق اللغوي(المقالي) في تكوين الصّورة البيانيّة وكيف تستمد الكلمة معناها من السياق ومدى فاعلية ذلك في الصّورة . والمبحث الثاني:أثر سياق المقام وفيه يرتبط النَّصّ بسياق خارجي بوصفه محاطا بأحداث ومواقف. والمبحث الثالث:أثر السياق الثقافي وبدا له تأثير واضح في توجيه الصور. والمبحث الرابع:أثر السياق النفسي وبه يتماسك السياق عن طريق بث أحاسيس الشاعر في رسم صورة نفسية مهيمنة . والمبحث الخامس:أثر السياق التداولي ، وتناول البحث فيه تفاعل اللغة وتأثير ذلك في تكوين الصّورة . واتجه المبحث السادس:إلى أثر السياقين الزمني والمكاني للوقوف على أهميتهما في إثارة التجربة وتوظيف ذلك في صور خالد الكاتب.

  وعُقد الفصل الثالث من البحث على الإحالة وأثرها في تكوين الصّورة وتم الكشف فيه عن إحالات الشاعر النَّصّية في أنواعها المختلفة ، وطبيعة الربط القائم فيها وتتبع استعمالاتها في الصّورة البيانيّة وملاحظة توظيف الشاعر الإحالة بالضمائر الشخصية بأنواعها:"الضمائر المنفصلة ، والمتصلة ، والمستترة" ثم تناولت الإحالة باسم الإشارة والاسم الموصول وتطرقتُ- بعد ذلك - إلى الإحالة بالنعت ثم الاستبدال ، وإنّ تلك العناصر الاحالية كلها أسهمت في تماسك الصّورة البيانيّة وتآلف أجزائها في شعر خالد الكاتب.

أما الفصل الرابع:فقد خصّص لأثر التماسك البلاغي في تكوين الصّورة البيانيّة في شعر خالد الكاتب ، وضمّ أمثلة من الأساليب البلاغية التي كان لها أثر فاعل في التماسك البياني وفيه أُخذ الحذف والطباق والتكرار ورد الأعجاز على الصدور ومراعاة النظير ، وتعرضت لهذه الأساليب تنظيراً وتطبيقاً، وذكرت الصور التي وردت فيها مع الإشارة إلى طبيعة التماسك الذي يحكم تلك الصور.       

  وفي الختام فإنّ الباحث ليفخر بمشرفه الجليل الأستاذ الدكتور علي كاظم أسد الذي قبل الإشراف على هذا البحث وتابعه خطوة خطوة ، وأعطاه من علمه ، وخصص له من وقته الكثير فله الود والامتنان ، وأدعو الله أن يلبسه ثوب العافية ويحفظه من كل مكروه إنّه سميع مجيب.

    ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:8]

                                                            كاظم عبد الله عبد النبي عنوز

العراق - النجف الأشرف

  1434- 2013





الفصل الأول: الملامح العامة لمفهوم التماسك النصّيّ

المبحث الأول : التماسك في الدراسات العربية القديمة

أولا:مفهوم التماسك في الفكر العربي القديم

الألفاظ الدالة على التماسك في الدراسات العربية القديمة

ثانيا: مفهوم النص في الفكر العربي القديم

المبحث الثاني: ملامح من التماسك النصّيّ التطبيقي في الدراسات العربية القديمة

(أ) التماسك النصّيّ عند اللغويين

(ب) التماسك النصّيّ عند البلاغيين

(ت) التماسك النصّيّ عند المفسرين

(ث) التماسك النصّيّ عند الأصوليين 

المبحث الثالث:التماسك النصّيّ في الدراسات الحديثة 

(أ) التماسك النصّيّ في الدراسات القرآنية 

(ب) نشأة الدراسات النصّيّة ومراحل تطورها

(ت) مصطلحات النص وتعدد المفاهيم

(ث) مُشكل النص والخطاب

(ج) التماسك النصّيّ  المفهوم والآليات

المبحث الرابع: التماسك النصّيّ في الصّورة البيانيّة




الفصل الأول: الملامح العامة لمفهوم التماسك النّصّي

المبحث الأول:التماسك في الدراسات العربية القديمة

إذا كان علماء العربية القدماء لم يعرفوا مصطلح التماسك بشكله الحديث ،أو المعاصر فإنّهم لم يبتعدوا كثيرا عن مفهومه ، وقد وردت ألفاظٌ وعباراتٌ في دراساتهم تدلّ على هذا المعنى وكان انتقاؤها من دون غيرها تلبية لروح العصر وإدراك متلقيه.

أولا:مفهوم التماسك في الفكر العربي القديم 

ورد لفظ"مَسَكَ" واشتقاقاته في اللغة على معانٍ منها:الاتصال والربط والتعلّق بالشيء والرابط الذي يحكم الأشياء، والقوة والشدة، والتقييد، أو الحبس والموضع الصلب والعقل والرأي والتماسك ضد التفكك .هذا أغلب ما ورد من ملامح لمفهوم التماسك في المعجمات العربية القديمة وهي تشير إلى وجود وشائج قوية تربط الأشياء وتشدّ بعضها إلى بعض.

أما التماسك في مفهومه الحديث فيعني ((العلاقات أو الأدوات الشكلية والدلالية التي تسهم في الربط بين عناصر النّصّ الداخلية وبين النّصّ والبيئة المحيطة من ناحية أخرى)) ، وهذا المعنى ما سنراه ماثلاً في بعض الألفاظ والإشارات ، أو في تحليل علماء العربية لبعض النصوص اللغوية والأدبية.

الألفاظ الدالة على التماسك في الدراسات العربية القديمة 

  لقد شاعت بعض الألفاظ الدالّة على التماسك عند علماء العربية القداماء في أثناء معالجاتهم للنصوص الإبداعية ، إذ لم يكن مفهوم وحدة النّصّ وترابطه غائبا عن تفكيرهم ، لذا وردت إشارات في كتبهم يمكن أنْ نعدّها الينابيع الأولى التي تتحدث عن تلاحم النّصّ أو تماسكه ، بَيدَ أنّها جاءت موزّعة في رحاب علوم مختلفة ، وتحت عنوانات وملفوظات قريبة منه تناثرت في كتبهم ، وقد أكسبوها عمقاً في تحليلاتهم ويمكن أن نقسمها على نوعين:

(أ) الألفاظ التي تقع ضمن مفهوم التماسك وتدور في فلكه وترقى إلى أن تكون مصطلحاً نصّيا يحمل أغلب سماته ، ومنها: 

(1) الاتساق:الاتساق يعني"الانضمام والاستواء والاجتماع" فقد ورد لفظ "وسق" في كتاب العين وهو يحمل معاني منها:((الوسق: ضمك الشيء إلى الشيء بعضهما إلى بعض. والاتِّساق: الانضمام والاستواء كاتِّساقِ القمر إذا تم وامتلأ فاستوى. واستَوْسَقَت الإبل: اجتمعت وانضمت)).

واتساق النظم عند ثعلب "ت- 291ه" ((ما طاب قريضه وسلم من السناد والإقواء والاكفاء والإجازة والايطاء وغير ذلك من عيوب الشعر)) ،أي أن يكون الشعر متوافقاً ،متجانساً ، والعيوب التي ذكرها تضعف ترابطه وتخلخل انسجامه.  

ويؤكد ابن طباطبا العلوي"ت- 322ه" تلك المعاني ويقرن الشعر الجيد بانتظام أجزائه، وحسن اتساقها من البداية إلى النهاية يقول:((وأحسَنُ الشَّعْرِ مَا يَنتَظِمُ فِيهِ القَوْل انتظاماً يَتَّسِقُ بِهِ أوَّلُهُ مَعَ آخِرِهِ على مَا يُنَسّقُهُ، قائِلَهُ)).وقد ذكره صاحب الطراز(ت- 507ه) في معرض كلامه عن تركيب القرآن ونظمه وحسن تأليفه ، يقول:((إنّه حاصل على طريقة واحدة في البلاغة والفصاحة ، وحسن الانتظام وجودة الاتساق)) وهذا يوحي بأن الاتساق في النّصّ يعني الترابط القائم بين أجزاء القرآن ووحداته النّصّية.

(2) الإحكام :يأتي الإحكام في المعجمات العربية بمعنى الإتقان للأشياء ، وهو من((أَحْكَمْتُ الشَّيْءَ فاسْتَحْكَمَ: صَارَ مُحْكَماً. واحْتَكَمَ الأَمرُ واسْتَحْكَمَ: وثُقَ)) وأُعجب أعرابي من حسن رصف أسنان رجل فقال له:((يا هذا، إنّي لأرى عليك قطيفةً محكمةً من نسج أضراسك)) يدلُّ هذا على وجود تماسك بين الأشياء وهو الذي يحقق وجودها ، ويتفاوت ذلك في التعبير اللساني على وفق قدرات المبدع ومهارته في البناء والتأليف((فمِنَ الأشْعارِ أشْعارٌ مُحْكَمةٌ مُتْقَنةٌ، أنيقَةُ الألفَاظِ ، حكيمةُ الْمعَانِي، عَجيبةٌ التأليفِ، إِذا نُقِضَتْ وجُعِلَتْ نَثْراً لم تَبْطُلْ جَوْدةُ مَعَانيها، وَلم تَفْقُدْ جَزَالةَ ألفاظِهَا.وَمِنْهَا أشعارٌ مُمَوَّهةٌ مُزَخْرفَة عَذْبةُ، تَرُوقُ الأسْمَاعَ والأفْهامَ إِذا مَرَّتْ صَفْحاً، فَإِذا، حُصِّلَتْ وانتُقِدَتْ بُهْرِجَتْ مَعَانِيهَا، وزُيِّفَتْ ألفاظُهَا، ومُجَّتْ حَلاوَتُها، وَلم يَصْلُحْ نَقْضُها لبناءٍ يُسْتَأنَفُ مِنْهُ؛ فبعضُها كالقُصُور المُشَيَّدة والأبْنيةِ الوَثِيقةِ الباقيةِ على مَرِّ الدُّهور، وبعضُهَا كالخيام المُوَتَّدة الَّتِي تُزَعزِعُها الرِّياحُ، وتُوهِيها الأمطارُ، ويُسْرِعُ إِلَيْهَا البلَى، ويُخْشَى عَلَيْهَا التَّقَوُّض)) ، ففي النّصّ أكّد العلوي أنَّ حلاوة الشعر وخلوده ترجعان إلى براعة الشاعر في الإحكام وحسن التأليف"قصور مشيدة" وأما بخلاف ذلك فتكون الأشعار واهية يذوي تأثيرها كأنّها"خيام موتدة" وهي نظرة نّصّية متقدمة في التحليل الفني. 

فالشعر إذن يحتاج إلى الإجادة في إحكام الألفاظ وتركيب بنائها، بسبب من كون((همّ الشاعر في المقام الأول همّ تكويني أي غاية تركيبية من طراز خاص وليست غاية توصيلية أو تعبيرية غايتها التعبير، أو التوصيل بالطرق الاعتيادية)) وقد لاحظ ابن رشيق القيرواني"ت- 456ه" مهارة المتنبي في إحكام التركيب في أحد أبياته فقال: ((ومن جيد التفسير في بيت واحد قول أبي الطيب المتنبي: 

فتًى كالسّحابِ الجونِ يُخْشَى وَيُرْتَجَى يُرَجَّى الْحَيَا مِنْهُ وَتُخْشَى الصَّوَاعِقُ

   فإنّه قدْ أحْكَمَه أشدَّ إحكام، وجاء به أحسنَ مجيء)) .

(3) الالتئام "التلاؤم": اللَّأْم في اللغة(( الاتفاقُ: وَقَدْ تَلَاءَمَ القومُ والْتَأَمُوا: اجْتَمَعُوا واتَّفقوا. وتَلاءَمَ الشَّيْئَانِ إِذا اجْتَمَعَا وَاتَّصَلَا..)) ويأتي الالتئام من اختيار المكان المناسب لموقع الكلمة في النّصّ ، أو إبدال كلمة بغيرها لضرورة يقتضيها السياق النّصّي ، يقول أبو هلال العسكري "ت- 395ه" :((وتخيّر الألفاظ، وإبدال بعضها من بعض يوجب التئام الكلام ؛ وهو من أحسن نعوته وأزين صفاته)) وهذا يعني أنَّ هناك ربطاً ومناسبة بين الألفاظ ومواقعها بعيدا عن عيوب التنافر ؛ لهذا جعل الخطيب القزويني "ت- 739ه" التلاؤم من خصائص الكلام البليغ فقال:((فالكلام البليغ هو الكلام الواضح المعنى، الفصيح العبارة ، الملائم للموضع الذي يطلق فيه، وللأشخاص الذين يخاطبون)) ولأهميته جعله النقاد القدماء من ضمن عمود الشعر((وعيار التحام أجزاء النظم والتئامه على تخير من لذيذ الوزن، الطبع واللسان، فما لم يتعثر الطبع بأبنيته وعقوده، ولم يتحبّس اللسان في فصوله ووصوله، بل استمرا فيه واستسهلاه، بلا ملال ولا كلال فذاك يوشك أن يكون القصيدة منه كالبيت، والبيت كالكلمة تسالماً لأجزائه وتقارناً)) وكلامه:"القصيدة منه كالبيت"و"البيت كالكلمة" يقصد به تأليف النّصّ الشعري وقوة تماسكه وارتباط أجزائه. 

وجعل الرماني "ت- 386ه" التلاؤم من أقسام البلاغة ، وهو عنده ((نقيض التنافر ، والتلاؤم تعديل الحروف في التأليف ، والتأليف متنافر ، ومتلائم في الطبقة الوسطى ، ومتلائم في الطبقة العليا..والمتلائم في الطبقة العليا القرآن كله..والفائدة في التلاؤم حسن الكلام في السمع ، وسهولته في اللفظ ، وتقبل المعنى له في النفس لما يرد عليها من حسن الصورة وطريق الدلالة)) ولاشك في أنه يتكلم عن الانسجام الصوتي وما يفعله في ربط النّصّ وتأثيره النفسي.

(4) الانسجام: وهو من الألفاظ التي أصبحت من المصطلحات النّصّية ، ويأتي في بعض معانيه من((انْسَجم الماءُ والدمعُ فَهُوَ مُنْسَجِم: اْنصَبَّ. واْنسجَم الكَلامُ: انتَظَم، وَهُوَ مجَاز: وأسجَمَتِ السَّحابةُ: دَامَ مَطَرُها)) والى هذا المعنى أشار ابن أبي الإصبع المصري "ت- 654ه"- فيما سبق- فقال:(( وهو أن يأتي الكلام متحدراً كتحدرِ الماء المنسجم، سهولة سبك وعذوبة ألفاظ، حتى يكون للجملة من المنثور والبيت من الموزون وقع في النفوس وتأثير في القلوب ما ليس لغيره، مع خلوه من البديع ، وبعده عن التصنيع. وأكثر ما يقع الانسجام غير مقصود)) ويبدو من التعريف عناية القدماء بالترابط الصوتي الذي يحدثه الكلام المؤلف والمنشئ يحتاجه لإحداث التأثير المناسب ، ولا أدري كيف يقول ابن أبي الإصبع أن أكثر "الانسجام غير مقصود" والمبدع يتخيّر لإبداعه الألفاظ الدالة على المعنى الذي يحسه ويحكمها بالوزن الملائم لها ؛ لأن الكلام كما يقول ابن هشام "ت- 761ه": ((هوَ القول الْمُفِيد بِالْقَصْدِ)) وإيصال القصد بأسلوب بليغ يحتاج إلى توافق نّصّي متكامل. 

ولعل خير مثال على ذلك ما أظهره ابن حجة الحموي "ت-837ه"  من إعجاب ببيتين من شعر عبد المطلب جد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال فيهما: 

 لَنَا نُفُوسٌ لِنَيْلِ المَجْدِ عَاشِقَةٌ          وَلَوْ تَسَلَّتْ أسَلْنَاهَا عَلَى الأسَــــلِ

لاَ يَنْزِلُ المَجْدُ إِلاَّ فِي مَنَازِلنَــا كَالنَّوْمِ لَيْسَ لَهُ مَأوَى سِوَى المُقَلِ

فقد أثنى على بلاغة البيتين وما فيهما من قوة الفخر((وبديع الافتنان وغريب الاستطراد ورقة الانسجام)) فالشاعر قصد ذلك قصدا لتبيان منزلة بني هاشم وكرم نفوسهم.

(5) البناء:ويظهر البناء مصطلحا ناجزاً في وعيِّ النقاد والبلاغيين العرب ، وهو يدلّ دلالة واضحة على ترابط النّصّ والتحامه ، يطلبه الشاعر في تكوينه الشعري ، إذ إنّ((الشعر يحتاج إلى البناء والعروض والقوافي)) وفي هذا الصدد يرى ابن طباطبا في معرض قوله عن الشعر بأنّه:((لا يكون متفاوتاً مرقوعاً ، بل يكون كالسبيكة المفرغة ، والوشي المنمنم والعقد المنظم ، واللباس الرائق...وتكون قوافيه كالقوالب لمعانيه ، وتكون قواعد للبناء يتركب عليها ويعلو فوقها)) ولا يخفى ما في هذا النّصّ من عناية بمبدأ التأليف بين الألفاظ وترتيبها وتمازجها ، ويؤكد العلوي لفظة بناء وفاعليتها في الشعر، قائلاً:(( فإذا أراد الشاعر بناء قصيدة مخّض المعنى الذي يريد بناء الشعر عليه في فكره نثرا ، وأعد له ما يلبسه إياه من الألفاظ التي تطابقه ، والقوافي التي توافقه ، والوزن الذي يسلس له القول عليه. فإذا اتفق له بيت يشاكل المعنى الذي يرومه أثبته ، وأعمل فكره في شغل القوافي بما تقتضيه من المعاني على غير تنسيق للشعر وترتيب لفنون القول فيه ؛ بل يعلق كل بيت يتفق له نظمه ، على تفاوت ما بينه وبين ما قبله. فإذا كملت له المعاني ، وكثرت الأبيات وفق بينها بأبيات تكون نظاماً لها وسلكاً جامعاً لما تشتت منها)) فالعلوي يرسم خطوات تتابع القصيدة المرحلي ، إذ على الشاعر أن يقوم ((بإعداد مخطط لما تتكون عليه القصيدة ، ثم الشروع في تنفيذ هذا المخطط ، وكأننا إزاء مهندس يعد خريطة لبناء بيت ، ثم يبدأ في تنفيذ بناء البيت)) ويسعى لإقامة الترابط في هيكل البيت ليحافظ على قوته ومتانته ، وأنّ على الشاعر ((أنْ يتأمل تأليف شعره وتنسيق أبياته ، ويقف على حسن تجاورها أو قبحه فيلائمُ بينها لتنتظم له معانيها، ويتصل كلامه فيها ، ولا يجعل بين ما قد ابتدأ وصفه وبين تمامه فضلاً من حشو ليس من جنس ما هو فيه، فينسي السامع المعنى الذي يسوق القول إليه، كما أنّه يحترز من ذلك في كل بيت، فلا يباعد كلمة من أختها ، ولا يحجز بينها وبين تمامها بحشو يشينها)) وبهذا يكون مؤلف الكلام"المبدع" كالبنّاء الماهر الذي يضع كلّ آجرة في مكانها المناسب.

 والحق أن من ينظر إلى مصطلح البناء يجد أن العلوي جعله محورا للعملية الشعرية ، وقد انطوى على كثير من الوعي ، بل كان العنصر المهيمن الذي دلّ على عمق فكر العلوي وامتلاكه لآليات التحليل النقدي ؛ لكونه شاعراً خبر مخاض القصيدة ومراحل إنتاجها ؛ لذلك قيل:((في كتابه درجة من النضج والتكامل لم تتوفر في الكتابات السابقة عليه)).ويبدو أن منزلة البناء هي التي دفعت قدامة بن جعفر "ت- 337ه" إلى أن يجعل اتساق البناء من مباحث حسن البلاغة ، إذ قال:((وأحسن البلاغة: الترصيع ، والسجع ، واتساق البناء، واعتدال الوزن، واشتقاق لفظ من لفظ، وعكس ما نُظِمَ من بناء..)) وقد تحدث السجلماسي(من نقاد القرن الثامن الهجري) عن وظيفة البناء في تماسك النّصّ مؤكدا فاعليته العجيبة في تأليف الكلام ورصف التراكيب والكيفية التي يتم فيها ربط الآيات القرآنية وتلاحم معناها ؛ لذلك قال:((والبناء بلاغة بديعة وسبيل من البيان عجيبة ، تدلّ على قوة منّة المتكلم في العبارة عن معانيه وتحفظه فيها بما يُخِلّ من القول بمبانيه)).

(6) التأليف(الائتلاف): الإلف بحسب ما يرى الراغب الأصفهاني "ت- في حدود425ه" (( اجتماع مع التئام ..والمؤلَّف ما جمعَ من أجزاء مختلفة ورُتب ترتيباً قُدم فيه ما حقه أنْ يقدّم وأخر فيه  ما حقه أن يؤخر)) وهو مصطلح نقدي وبلاغي ورد في كتب الأدب، وهو يدلّ على ((الائتلاف..والتلفيق، والتناسب، والتوفيق، ومراعاة النظير)) ، وقد استعمله الجاحظ "ت- 255ه"في نصوص كثيرة منها قوله:(( ومن الخطباء الشعراء من يؤلف الكلام الجيد ، ويصنع المناقلات الحسان ، ويؤلف الشعر والقصائد الشريفة ..)) ودلالته تسير في اتجاهين (( جمع المتفرق ، وتركيب كل منسجم منه ..وهو الإنشاء والصنع لنّصّ أدبي ما ، شعراً كان أم نثراً )). 

والتأليف من مصطلحات قدامة بن التي شايع فيها القدماء لتدلّ على الربط والتلاحم بين أجزاء النّصّ، وقد ورد عنده على أشكال منها:((أضرب من التأليف..اللفظ والمعنى والوزن تأتلف ، فيحدث من ائتلافها ..ائتلافا ..ائتلاف معنى سائر البيت ..فقد انتظم تأليف الأمور..ائتلاف القافية ..الشعر المؤتلف مع غيره )) ، فثمة ائتلاف في النّصّ الشعري من جوانب متعددة أشار إليه قدامة وكشف عنه. وعلى هذا يكون(( التفاضل الواقع بين البلغاء من النظم والنثر إنما هو في هذا المركب الذي يسمى تأليفاً ورصفاً)).

وقد اشتهر وصف "حسن التأليف"بين أوساط النقاد والبلاغيين العرب ، وهو((أن توضع الألفاظ في مواضعها وتجعل في أماكنها. وسوء التأليف بخلاف ذلك)) ، وتأثر أبو هلال العسكري بآراء سابقيه ، في ربط النّصّ وتماسكه عن طريق حسن التأليف ومن نصوصه في أجناس الكلام قوله:(( وجميعها تحتاج إلى حسن التأليف وجودة التركيب ..وحسن التأليف يزيد المعنى وضوحاً وشرحاً ومع سوء التأليف ورداءة الرصف والتركيب شعبة من التعمية )) وهذا القول صدى لكلام قدامة الذي يؤكد حذق الشاعر وإتقانه مهارة التأليف ، ومن ذلك يكون حسن التأليف من أسس تكوين النّصّ ، ويتوقف ذلك على قدرة المبدع على إيجاد روابط تشدّ النّصّ وتقوي من تماسكه.

(7) التعليق:التعليق من((عَلِقَ بالشيءِ عَلَقاً وعَلِقَهُ: نَشِب فِيهِ..وعَلِقَ بِهِ عَلاقَةً وعُلوقاً: لَزِمَهُ)) وتتجلى مظاهر التعليق عند عبد القاهر الجرجاني في تراكيب النّصّ وكان مجالها الحقيقي التقريب بين أجزاء النّصّ وصيانته من التفكك ، ويتضح ذلك في أنّ(( للكلم المفردة سلكاً ينظمها وجامعاً يجمع شملها ويؤلفها ويجعل بعضها بسبب من بعض)) وتظهر مهارة عبد القاهر الجرجاني في توظيف طاقاته البلاغية ، متخذاً من اللغةِ مضماراً لبناءِ هيكلٍ لغويٍّ جديدٍ يصب فيه آراءه((فأصبحت اللغة عنده تعني مجموعة من العلاقات تتفاعل فيما بينها لتشكل نسيجا لغويا هائلا)) حتى قال :((لا نظمَ في الكلام ولا ترتيب ، حتى يعلَّق بعضها ببعض ، ويبنى بعضها على بعض ، وتجعل هذه بسبب تلك))ويفصح عن وجه التعليق وطرقه وأقسامه ليكون أكثر إضاءة ((والكلم ثلاث: اسمٌ وفعلٌ وحرفٌ والتعليق فيما بينهما طرق معلومة ، وهو لا يعدو ثلاثة أقسام : تعلق اسم باسم وتعلق اسم بفعل وتعلق حرف بينهما)) فهو بذلك لم يعوّل على الألفاظ وحدها في فهم المعنى وإنما على "التعلق" القائم بين الألفاظ في السياق الذي فيه يتألف التركيب ويتسق النظام ، واللفظة في رأيه ((لا تُعَدّ فصيحة إلاّ بعد معرفة مكانها من النظم وحسن ملاءمة معناها لمعاني جاراتها ))، وبهذا فهو يخالف الرأي الذي يجعل من اللفظة المفردة شعرية بذاتها ويثبت بالأدلّة الكثيرة شعرية السياق. 

وتحدث حازم القرطاجني "ت- 684ه" عن الشعر المترابط النسج المتصل بعضه ببعضه الآخر فذكر التعليق بين الفصول فقال:((فأما المتصل العبارة والغرض فهو الذي يكون فيه لآخر الفصل بأول الفصل الذي يتلوه علقة من جهة الغرض وارتباط من جهة العبارة، بأن يكون بعض الألفاظ التي في أحد الفصلين يطلب بعض الألفاظ التي في الآخر من جهة الإسناد والربط)) وكلامه ينبئ عن وجود علاقة تربط آخر الفصل بأوله كحلقات السلسلة من جهة الغرض أو العبارة كعلاقة الإسناد أو الربط وهو ما يطلق عليه في البحث اللساني المعاصر التماسك النّصّي.

(8) التلاحم "الالتحام" : وهو يرد على معان منها:((لَحَمَ الأمرَ إِذا أَحكمه وأَصْلَحَه..وَأَلْحَمَه فالْتَحم:لأَمَه.واللِّحامُ:ما يُلْأَم بِهِ ويُلْحَم بِهِ الصَّدْعُ. ولاحَمَ الشيءَ بِالشَّيْءِ: أَلْزَقَه بِهِ، والْتَحَمَ الصَّدْعُ والْتَأَم بِمَعْنًى واحد.. واللُّحْمَةُ، بالضم: القرابة ..ويقال هذا الكلام لَحِيمُ هذا الكلامِ وطَريدُه أَي وَفْقُه وشَكْلُه)) وهذه الألفاظ(الإحكام ، الالتئام ، اللزق ، القرابة ، الوفق ، الشكل) تدخل ضمن مفهوم التماسك ، ولم يغب هذا المعنى"التلاحم"عن فكر القدماء من نقاد العربية ؛ لذا أشادوا بالشعر المحكم المتلاحم وعابوا على المفكك المتنافر. 

وعن تنافر الألفاظ وعدم تلاحمها يقول الجاحظ :((من ألفاظ العرب ألفاظ تتنافر وإنْ كانت مجموعة في بيت شعر لم يستطع المنشد إنشادها إلاّ ببعض الاستكراه فمن ذلك قول الشاعر:

  وقبرُ حربٍ بمكان قفرِ      وليسَ قربَ قبْرِ حرب قبرُ    

..أنّ أحداً لا يستطيع أن ينشد هذا البيت ثلاث مرات في نسق واحد فلا يتتعتع ولا يتلجلج)) وينقد عجز بيت لابن يسير: 

لَمْ يَعِزْها، والحمدُ للهِ،شيءٌ            وانْثَنَتْ نَحْوَ عَزفِ نَفسٍ ذَهولِ     

يقول :((فتفقد النصف الأخير من هذا البيت ؛ فإنّك ستجد بعض ألفاظه يتبرأ من بعض)) وذكر قول خلف الأحمر:

وَبَعْضُ قَريْضِ القومِ أَبْناءُ عَلّةٍ        يُكِدُّ لِسانَ النّاطِقِ المتحفِّظِ

        يقول:((إذا كان الشعر مستكرها ، وكانت ألفاظ البيت من الشعر لا يقع بعضها مماثلاً لبعض ، كان بينها من التنافر مابين أولاد العَلاّت ، وإذا كانت الكلمة ليس موقعها إلى جنب أختها مرضيا موافقا ، كان على اللسان عند إنشاد ذلك الشعر مَؤُنة)) واستشهد بقول أبي البيداء الرياحي:

وَشِعْرٍ كَبَعْر الكَبْش فَرّقَ بَيْنَهُ لِسانُ دَعيًّ في القَريض دَخِيلِ

      وعقب على هذا البيت قائلاً:(("كبعر الكبش" ، فإنما ذهبَ إلى أنّ بعر الكبش متفرق غير مؤتلف ولا متجاور ، وكذلك حروف الكلام وأجزاء البيت من الشعر، تراها متفقة مُلساً ، ولينة المعاطف سهلة ؛ وتراها مختلفةً متباينة، ومتنافرة مستكرهة ، تشقُّ على اللسان وتكُدُّهُ ، والأخرى تراها سهلةً ليّنة ، ورطبةً متواتية ، سلسة النظام،خفيفة على اللسان ؛ حتى كأنّ البيت بأسره كلمة واحدة ، وحتى كأنَّ الكلمةَ بأسرها حرفٌ واحدٌ))وهناك شواهد أخرى ذكرها الجاحظ تعضيدا لرأيه.

     ولو أنعمنا النظر في هذه الأقوال لرأينا عناية الجاحظ الواضحة بالتماسك الصوتي للنصوص ؛ لأنّ الناس-غالبا- ما تميل في طبعها إلى الإيقاع ونلمس ذلك جلياً في إنشاد الشعر، وفي أداء النثر؛ فالوزن يؤدي دوراً كبيراً في رسوخ الكلام وحفظه من الضياع ، وكذلك من سمات الأصوات أنّها ((تترادف ؛ لتكشف عن أهمية الإيقاع في جمالية النّصّ الأدبي إذ يصبح الخطاب – بالتزامها- كلاًّ متماسكاً متعادلاً)) ،وهذا ما يطلق عليه علماء النّصّ "السبك الصوتي"، ولو أجرينا موازنة بين ما أظهره الجاحظ من آراء في الانسجام الصوتي وبين المفهوم الحديث لم نجدْ ثمة فرقاً كبيرا.وعلى ذلك يمكن أن نبيّن أهم عيوب التماسك الصوتي ومزاياه عند الجاحظ في الجدول الآتي:

مزايا التماسك الصوتي عند الجاحظ عيوب التماسك الصوتي عند الجاحظ

1- الألفاظ متفقة مُلْساً

2- الألفاظ لينة المعاطف سهلة

3- رطبة متواتية سلسة النظام

4- خفيفة على اللسان

5- البيت كأنّه كلمة واحدة

6- كأن الكلمة حرف واحد 1- ألفاظ تتنافر

2- التتعتع والتلجلج

3- بعض ألفاظه يتبرأ من بعض

4- عدم تماثل ألفاظ الشعر"أولاد علات"

5- عدم توافق الكلمات

6- الشعر متفرق غير مؤتلف ولا متجاور"بعر كبش"

 

        وقد توج الجاحظ آراءه في تماسك النّصّ بقوله :((وأجود الشعر ما رايته متلاحم الأجزاء ، سهل المخارج ، فتعلم بذلك أنّه قد افرغ إفراغا واحداً ، وسبك سبكا واحدا ، فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان)) ويرى محمد خطابي أن "متلاحم الأجزاء" في هذا النّصّ المقصود منه التأليف الصوتي لا من منظور التركيب  ولا من ناحية الدلالة ، بحجة أن الأمثلة التي أوردها تدخل ضمن الإطار الصوتي ، ولا نوافقه في ذلك للأسباب الآتية:

1- إنّه اجتزأ هذا القول"تلاحم الأجزاء" وبنى عليه كل تصوراته من دون النظر إلى ما يرمي إليه باقي النّصّ.

2- لم يكن كل ما أورده الجاحظ يدخل ضمن المجرى الصوتي ، يقول:((وقد يتكلم المغلاق الذي نشأ في سواد الكوفة بالعربية ، ويكون لفظه متخيِّراً ، ومعناهُ شريفاً كريماً)) فقد قرن اللفظ بالمعنى.

3- وقوله :"سهل المخارج" يشير- في هذا المقطع- إلى الانسجام الصوتي.

4- وقوله: "افرغ إفراغا واحداً"يريد به الترتيب والتنسيق وقد اخذ عبد القاهر الجرجاني هذا المعنى وضمنه نظريته- النظم- بقوله:(( والألفاظ لا تُفيد حتى تُؤلَّف ضرباً خاصّاً من التأليف ، ويُعْمَد بها إلى وجه دونِ وجهٍ من التركيب والترتيب ، فلو أنك عَمَدت إلى بيت شعرٍ أو فَصْل نثرٍ فعددت كلماته عَدّاً كيف جاء واتَّفق ، وأبطلت نضدَهُ ونظامه الذي عليه بني ، وفيه أفرغ المعنى وأجري ، وغيّرت ترتيبه الذي بخصوصيته أفاد ما أفاد ، وبنَسَقِه المخصوص أبان المراد))"وافرغ إفراغا" لا يعني بالضرورة التأليف الصوتي.

5- وقوله ":سبك سبكاً واحداً" يحتمل "السبك"ترابط النّصّ من نواحٍ مختلفة.ثمّ إنّنا لا نعتقد أنّ الجاحظ نظرَ إلى تلك النصوص الكثيرة بهذه السطحية وهو من اطلع على الثقافات الإغريقية والهندية والفارسية ومثَّلَ نقطة تحوّل كبير في التفكير النقدي العربي.

(9) التناسب "المناسبة" :وقد ظهرت العناية بعلم "المناسبة"عند طائفة من المفسّرين ومؤلفي كتب علوم القرآن والدارسين في الإعجاز وكان محلاًّ لأبحاثهم ؛ لما فيه من إجراءات تتجه نحو الكشف عن العلاقات النّصّية بين وحدات النّصّ الداخلية وبين النّصّ ومحيطه الخارجي ، وهي الخطوة الكبيرة التي تجاوزت المقدمات والإشارات والآراء المتناثرة.

     ومن المفسرين الذين عوّلوا كثيرا على علم المناسبة في تفسير النّصّ القرآني البقاعي "ت- 885هـ" لإدراكه أنَّ القرآن نصّ متماسك تتناسب أجزاؤه من بدايته إلى نهايته ، وهو معجز في تكوينه الإلهي ((والركن الابين في الإعجاز يتعلق بالنظم والترتيب)) وهذا حدا به أن يجعل عنوان كتابه من براعة الاستهلال وكانت جهوده في صياغة عنوانه تنصب في (( "نظم دررٍ" في موضوع "تناسب الآيات والسور" ولعله ناظر إلى مابين النظم والتناسب من علاقات اتفاق وافتراق ، فكل تناسب نظٌم ، وليس كل نظم تناسبًا))وكان يفرّق بين النظم والتناسب ودلالة التناسب عنده أوسع من النظم ، لما بين كلمات القرآن وآياته وسوره من ارتباط معنوي ((هو كلحمة النسب)) ويرى محمود توفيق محمد أنّ((الترتيب مرحلةٌ أعلى من مرحلة النظم في بناء المعاني والنظم أساسها جميعا)) .وبهذا فالنظم والترتيب قاعدتان بنى عليهما البقاعي أغلب تفسيره للوصول إلى التناسب ومن تطبيقات البقاعي في التفسير بحسن المناسبة في آية الكرسي﴿اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَتَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَنَوْمٌ لَّهُ مَافِي السَّمَاوَاتِ وَمَافِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [ البقرة: ٢٥٥] وقد وصفها بسيّدة آي القرآن مشيداً بحسن الافتتاح باسم العلم لفظ الجلالة"الله" الذي يدلّ على الكمال وردفه بكمال التوحيد"لا اله إلاّ هو" ويعزو البقاعي سبب التفصيل في الآية الكريمة بقوله:((لأنّه أنشط للنفس بالانتقال من نوع إلى آخر مع الهزِّ بحسن النظم وبلاغة التناسب والإلهاب ببداعة الربط ، وبراعة التلاحم)) ، فالجمل المتتالية التي جاءت بعد لفظ الجلالة وظيفتها التوضيح والتفصيل والتناسب.

       والمناسبة- بحسب المفهوم الحديث- ((تمثل وسيلة من وسائل التماسك النّصّي:شكليا ودلاليا)) وهي تعني عند السيوطي "ت- 911ه" ((المشاكلة والمقاربة ومرجعها في الآيات ونحوها إلى معنى رابط بينها ، عام أو خاص ، عقلي أو حسي أو خيالي)) وفي النّصّ إشارة إلى وجود شبكة من العلاقات الغرض منها ((جعل أجزاء الكلام بعضها آخذا بأعناق بعض ، فيقوى بذلك الارتباط ويصير التأليف حاله حال البناء المحكم المتلائم الأجزاء)) وهذه نظرة واعية  قدمها الزركشي "ت- 794ه" والسيوطي في ترابط النّصّ، إلاّ أنها لا تعد منعطفا جديدا في تماسك النّصّ، فتحديد مفهوم المناسبة بهذا الشكل ما هو إلاّ إعادة لمعظم ما اقره عبد القاهر الجرجاني في نظرية النظم.

     وترسّم السيوطي مدارج المناسبة حتى أنّه سمى كتابه "تناسق الدرر في تناسب السور" وفي العنوان لفظان من الألفاظ التي تدلّ على معنى التماسك "تناسق + تناسب" وقسمها على أنواع متعددة ، ومن مظاهر التعلق عنده مناسبة التشابه في المطلع والمقطع بين سورتي الطور والذاريات:

1- تشابه المطلع : قوله تعالى : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الذاريات: ١٥] وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ [الطور: ١٧] فالمطلع في كل منهما يبين((صفة حال المتقين))

2- تشابه المقطع: قوله تعالى:﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:60] وبين قوله تعالى:﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾[الطور: ٤٢] فالتشابه- كما يقول السيوطي-((في مقطع كل منهما صفة حال الكفار)) والحقيقة أنّ هناك تماثلا إيقاعيا بين الآيتين السابقتين"الذاريات:15، والطور:17" لم يلتفت إليه السيوطي ، فالمقاطع الصوتية بين الآيتين متساوية ، ويمكن إيضاحها بالتقطيع العروضي الآتي:

"إنّ المتقين في جنات وعيون"

---U / -U- /---U /U-- "إنّ المتقين في جنات ونعيم"

---U / -U- /---U /U--

وبهذا كانت تلك الإشارات توحي إلى إدراكهم ذلك الترابط القائم في النّصّ أو بين النّصّ وغيره من النصوص القرآنية في نظرات تكشف عن التماسك النّصّي تستحق الوقفة والتأمل.

ولم يقتصر علم المناسبة على المفسرين وعلماء القرآن وغيرهم ممن عنوا بالنّصّ القرآني بل تعدى ذلك إلى البلاغة والنقد فهذا العتابي يؤكد وجود عنصر التناسب في الشعر والنثر فيقول:((الشِّعرُ رسائِلُ مَعْقودَةٌ، والرَّسَائلُ شِعْرٌ مَحلولٌ، وَإِذا فَتَّشْتَ أشْعَارَ الشُّعَراءِ كُلَّهَا وَجَدْتَهَا مُتَنَاسِبَةً إِمَّا تَنَاسُباً قَرِيباً أوْ بَعيدا، وتَجِدُها مناسِبَةً لكلامِ الخُطَبَاءِ، وخُطَبِ البُلغَاءِ وفِقَرِ الحكماءِ)). ولا نستطيع إغفال أثر حازم القرطاجني في إشاراته إلى وسائل التماسك النّصّي ، وقد تجلت عنده فكرة التناسب ويرى أنّها من مباحث البلاغة ، فيقول:((من علوم البلاغة الذي تندرج تحت تفاصيل كلياته ضروب التناسب والوضع..من اعتماد ما يلائم واجتناب ما ينافر)) وقد أشار إلى ما يحمله شعر المتنبي من تلاؤم وحسن مناسبة فعلّق على قوله:

لَحَا اللهُ ذِي الدُّنْيَا مُنَاخاً لِرَاكِبٍ        فَكُلُّ بَعِيْدِ الْهَمِّ فِيْهَا مُعَذَّبُ          

فقال: (( فاطّرد له الكلام في جميع ذلك أحسن اطّراد، وانتقل في جميع ذلك من الشيء إلى ما يناسبه وإلى ما هو منه بسبب ويجمعه وإيّاه غرض. فكان الكلام بذلك مرتبا أحسن ترتيب ومفصلا أحسن تفصيل وموضوعا بعضه من بعض أحكم وضع)) وهو بذلك يشير إلى تماسك السياق عن طريق نسيج من العلائق النّصّية التي تربط وحدات القصيدة ، ويقتفي اثر عبد القاهر الجرجاني في وضع الألفاظ في المكان المناسب من النظم((وذلك يكون بالتوافق بين الألفاظ والمعاني والأغراض من جهة ما يكون بعضها في موضعه من الكلام متعلقا ومقترنا بما يجانسه ويناسبه ويلائمه من ذلك)).

(10) التناسق: وهو من الألفاظ القريبة إلى مفهوم التماسك ، فالنسق:مجيء الشيء بعضه في أثر بعض وهو كالعطف لأنّه يجري مجرى واحدا وما جاء من الكلام على نظام واحد من حسن النسق ، وهذا كلام متناسق ، وقد يأتي بمعنى الاستواء والانتظام وحسن التركيب. وقد أولى النقاد والبلاغيون القدماء عناية بالترابط والتناسق ،ونال التركيب النّصّي نصيباً كبيراً من تفكيرهم وقد رددوا ألفاظاً تدلّ على ذلك في نصوصهم ، يقول ابن طباطبا:((ويَنْبَغِي للشَّاعر أنْ يتأمَّلَ تأليفَ شِعْرِهِ، وتَنْسِيقَ أبياتِهِ، وَيَقِفَ على حُسْنِ تجاوُرِهاَ أَو قُبْحِهِ فيُلائمُ بَينهَا لتَنتْظمَ لَهُ مَعَانِيهَا ويَتَّصِلَ كَلاَمُه فِيهَا، وَلَا يَجْعَل بَين مَا قَدِ ابتَدَأ وَصْفَهُ وَبَين تَمامهِ فضلا من حَشْوٍ لَيْسَ من جِنسِ ما هو فِيهِ فَيُنسِيَ السَّامِعَ المَعْنَى الَّذِي يَسوقُ القَولَ إِلَيْهِ. كَمَا أَنّه يَحْتَرِزُ مِنْ ذَلِك فِي كُلَّ بَيْتٍ فَلَا يُبَاعِدُ كَلِمَةً عَن أخْتها، وَلَا يَحجِزُ بَينهَا وَبَين تَمامِها بِحَشْوٍ يَشِينهَا. ويَتفَقَّدُ كلَّ مِصْرَاعٍ هَلْ يُشَاكِلُ مَا قَبْلَهُ))ويبدو من كلام ابن طباطبا أنّه أحسّ بما يفعله تفكك النّصّ من سوء وإخلال وقصور في التأثير وقد نظر إلى النّصّ نظرة كلية شاملة إذ لم يقتصر على تأليف الألفاظ وتجاورها وإنما تعدى ذلك إلى تناسق الأبيات وحسن ترتيبها كي تتصل الأفكار وتتعانق المعاني وكثيرا ما أكد العلوي ضرورة تساوق الألفاظ في نقوده النّصّية ومنها قوله: ((وأحسَنُ الشَّعْرِ مَا يَنتَظِمُ فِيهِ القَوْل انتظاماُ يَتَّسِقُ بِهِ أوَّلُهُ مَعَ آخِرِهِ على مَا يُنَسّقُهُ، قائِلَهُ)).

  (11) الحبك:الحبك في اللغة يأتي على معان منها:الشدّ والاتقان وإجادة الصنعة وإحكام النسج وحبك الثوب أجاد نسجه واحكمه.أمّا مفهومه في اللسانيات المعاصرة فيعني العلاقات الدلالية التي تربط وحدات النّصّ أو بين النّصّ ومحيطه الخارجي في أنماط من الاتساقات المعنوية التي تربط النّصّ ربطا وثيقا ، وتؤلف حضوراً مؤثراً في بناء النّصّ الفني. 

وذكر ابن منقذ "ت- 584ه" لفظ الحبك في تعليقه على بيت لزهير بن أبي سلمى:

يَطْعَنُهُمْ ما ارتموْا ، حتَّى إذا طعنوا ضَاربَ، حتى إذا مَا ضَاربُوا اعْتَنَقَا

 قائلا: ((خير الكلام المحبوك المسبوك الذي يأخذ بعضه برقابِ بعض)) فقد لاحظ شدّة التآلف والانسجام بين الألفاظ في بيت زهير ، وهي التفاتة تنبه إليها ابن أبي الإصبع وعدّ هذا الأسلوب الوارد في البيت من ترديد الحبك فقال: ((ردد كلمة من الجملة الأولى في الجملة الثانية، وردد كلمة من الجملة الثالثة في الجملة الرابعة ثنتان في كل قسم، وكل جملتين متفقتان في الصورة غير أنهما مختلفتان، إذا نظرت إلى كل قسم وجملته، وإن اشتركا في المعنى، فإن صورة الطعن غير صورة الضرب، ومعنى الجميع واحد، وهو الحماسة في الحرب))  فقد كشف عن علاقة الربط في الشطر الأول بين"يطعنهم- طعنوا" وفي شطر البيت الثاني بين"ضارب - ضاربوا" وهذا النوع من التحليل قريب لما يعرف في الدرس النّصّي بالتماسك المعجمي"التكرار الجزئي" وأشار بعد ذلك إلى الارتباط المعنوي بين البيتين لتوافق المعنى بين اللفظ والقصد الذي يرمي إليه "حماسة الحرب".  

(12) الربط "الترابط": يحمل لفظ "ربط" معاني كثيرة في اللغة منها:الشدُّ والمواظبةُ على الأمر والملازمة ، ومرابط الخيل ارتباطها بإزاء العدو ، وماء مترابط:دائم لا يَنْزَحُ.. وقد جعل ابن رشيق الترابط من مهمات البلاغة إذ أورد رأيا في البلاغة يقول:((البلاغة أن يكون أول كلامك يدلّ على آخره، وآخره يرتبط بأوله)) وهذا الكلام يوحي بادراك قائله لمفهوم وحدة النّصّ ، فالتعريف منصب على إظهار مزية التركيب وإحكام تماسكه. وعدّ الدكتور تمام حسان الربط عنصرا مرادفاً لمصطلح السبك عند النقاد العرب القدماء وهو أنْ يكون الكلام متماسك البناء محكم العبارة يرتبط بعضه بالبعض الآخر.

(13) الرصف:وهو من المصطلحات القديمة التي تدلّ على مفهوم التماسك ، ويأتي على معان منها:((ضم الشيء بعضه إلى بعض ونظمه..ورصف مابين رجليه قربها)) وقد فرق أبو هلال العسكري بين حسن الرصف وسوئه ، فقال:((وحسن الرّصف أن توضع الألفاظ في مواضعها، وتمكّن في أماكنها، ولا يستعمل فيها التقديم والتأخير، والحذف والزيادة إلا حذفا لا يفسد الكلام، ولا يعمّى المعنى؛ وتضمّ كل لفظة منها إلى شكلها، وتضاف إلى لفقها)) وبتأمل هذا النّصّ نجد أنّ العسكري يشير إلى مسألة مهمة وهي موقع الكلمة في النّصّ ووضعها في مكان دون آخر لتتمكن من انجاز وظيفتها في إحداث الغرض المطلوب والإسهام في رفد عملية التواصل ، وقد عاب على عبيد بن الأبرص عدم وضع الألفاظ في مواضعها المناسبة في قوله: 

وَكَبْشِ مَلْمُومَةٍ بَادٍ نَوَاجِذُهُ شَهْباءَ ذَاتِ سَرَابِيلٍ وَأبْطَالِ 

فقال:((السرابيل :الدروع فلو وضع السيوف موضع الدروع لكان أجود))  ، وبقراءة البيت جيدا نرى أنّ الشاعر ناسب بين الألفاظ ووفق بين المعاني فليس به حاجة لذكر السيوف وهي مقرونة مقامياً بكلمات أُخر فقائد الجيش"الكبش" حتماً يحمل سلاحاً، وتدلّ كتيبة الجيش(الشهباء)على كثرة السلاح ، وكذلك "الأبطال" مدججين بالأسلحة أيضا وهذه التراكيب توحي بكثرة السلاح وتنوعه ولا يقتصر السلاح على السيوف فقط ، وَذَكَر السرابيل ليخبرنا أنهم مع كثرة أسلحتهم محصنون بالدروع وهذا يعني أنّهم يفتكون بالأعداء بخسائر قليلة.

  (14) السبك: وهو من المصطلحات القريبة والمرادفة لمفهوم التماسك في الدراسات المعاصرة ، وقد جعله بعض الباحثين ترجمة للمصطلح الغربي"Cohesion". ويرد لفظ السبك في اللغة من((سَبَكَه يَسبِكُه سَبكاً: أَذابَهُ وأَفْرَغَه فِي القالَبِ، من الذَّهَبِ والفِضَّةِ وغيرِهِما من الذّائب..ومن المجاز:كلامٌ لَا يَثْبُتُ علَى السبكِ. وَهُوَ سَبَّاكٌ للكَلامِ)) ومما يدلّ على تلك المعاني قول الجاحظ في وصف الشعر المتلاحم الأجزاء:((وإنَّما الشأنُ في إقامةِ الوزن ، وتخيُّر اللفظ ، وسهولة المخرج ، وكثرة الماء ، وفي صحَّة الطبع وجَودَة السَّبك ، فإنما الشعر صناعةٌ ، وضَرْب من النَّسج..)) وقد استعمل الجاحظ مصطلح السبك استعمالا شاملا لكل ما يمثله النّصّ من وحدة وترابط وانسجام.

وتبع البلاغيون الجاحظ إلى هذا المفهوم ، يقول العسكري:((وقد يجوز مع هذا أن يسمى الكلام الواحد فصيحا بليغا إذا كان واضح المعنى سهل اللفظ جيد السبك غير مستكره فج ولا متكلف وخم)) وكشف ابن منقذ عن مفهوم السبك بقوله:((هو أن يتعلق كلمات البيت بعضها ببعض من أوله إلى آخره )) على الرغم من اقتصاره على البيت الواحد فإن هذا القول يكشف عن وعي ابن منقذ لطبيعة تكوين النّصّ الشعري  واتساق أجزائه. 

  أما في الدرس المعاصر فيرى الدكتور تمّام حسّان أنّ((السبك إحكام علاقات الأجزاء ، ووسيلة ذلك إحسان استعمال المناسبة المعجمية من جهة وقرينة الربط من جهة أخرى)) ، وهذا الكلام في شطره الأول يشبه قول ابن منقذ السابق.

  (15) النسج (النسيج): النَّسْجُ في اللغة((ضَمُّ الشَّيْءِ إِلى الشَّيْءِ، هَذَا هُوَ الأَصلُ..ونَسَجت الريحُ الترابَ تَنْسِجُه نَسْجاً: سَحَبَتْ بعضَه إِلى بَعْضٍ.. ونسجت الرّيح الْوَرق والهشيم: جمعت بعضه إِلَى بعض.. ونَسَج الشاعرُ الشِّعْر: نَظَمَه)) وهو بذلك يشبه مصطلح النظم الذي يستعين به الشاعر من أجل أن يقارب بين وحدات النّصّ وأجزائه لذلك وجد الجاحظ أنّ الشعر:((صناعة ، وضرب من النسج..)) ومن لم يوفق في إحكام تأليفه ينعت بسوء النسج ، ومن ذلك وصف ابن طباطبا لأبيات الأعشى فيقول: ((فأمَّا الأبْيات المُسْتكرهَةُ الألْفاظِ، المُتَفَاوتةُ النَّسْج، القَبِيحَةُ العِبَارةِ الَّتِي يَجِبُ الاحْترَازُ من مِثْلها فكَقَوْلِ الأَعْشَى:

أَفِي الطَّوفِ خِفْتِ عليَّ الرَّدَى وكَمْ من رَدٍ أهْلَهُ لم يَرِمْ))

  وقد عاب  الحاتمي "ت- 388ه" على المتنبي أحد أبياته لرداءة نسجه فقال: ((ومن سفاسف الكلام وسقطه ومستعجمه قوله:

صَغَّرْتَ كلَّ مُكبِرٍ وَعَلَوْتَ عَنْ    لكأنَّهُ وبلَغتَ سنّ غلاُمِ   

فهذا من النسج الغلق القلق، وهو مع قلقه مأخوذ من أعذب لفظ وأسلمه))فقد أشار إلى عدم عناية المتنبي بالترابط التركيبي للبيت الشعري ، ويبدو أن اعتراض الحاتمي جاء من حذف خبر كأنّ " المشبه به" وبذلك يدخل الكلام في تأويلات كثيرة لم يضع لها المتنبي قرينة واضحة. ويرد النسج- في كتب النقاد والبلاغيين- مقرونا بألفاظ كثيرة بحسب استحسانهم واستهجانهم.

  (16) النَّسَقُ :ما كان في الأشياء((على طريقة نِظامِ واحد، عامٌّ..وقد انْتَسَقت هذه الأَشياء بعضُها إلى بعض أَي تَنَسَّقَتْ..والنَّسَق: ما جاء من الكلام على نِظام واحد)) اي وجود عناصر لغوية في الكلام تكتسب دلالاتها من مجموع العلاقات التي تربطها. وحسن النسق: من المصطلحات القريبة والمرادفة لمفهوم التماسك ((وهو أن تأتي الكلمات من النثر والأبيات من الشعر متتاليات، متلاحمات تلاحماً سليماً مستحسناً، لا معيباً مستهجناً، والمستحسن من ذلك أن يكون كل بيت إذا أفرد قام بنفسه ، واستقل معناه بلفظه ، وإن ردفه مجاوره صار بمنزلة البيت الواحد، بحيث يعتقد السامع أنهما إذا انفصلا تجزأ حسنهما، ونقص كمالهما، وتقسم معناهما، وهما ليسا كذلك، بل حالهما في كمال الحسن وتمام المعنى مع الانفراد والافتراق كحالهما مع الالتئام والاجتماع)) فقد جمع في تعريفه معظم المصطلحات الدالة على مفهوم التماسك"التتالي ، التلاحم ، الالتئام ، والاجتماع" وقد لاحظ ذلك ابن حجة الحموي ومثل له من شعر أبي نواس: 

وَإِذا جَلَست إِلَى المدامِ وشربها  فَاجْعَلْ حَدِيثك كُله فِي الكأس        

وإذا نَزَعْتَ عن الغِواية فَلْيَكنْ    للهِ ذاك النَّزْعُ لا للنَّاسِ       

وأشار في هذا المصطلح إلى عملية الربط القائمة بين المعاني المتناقضة التي قصدها الشاعر، فقال:((حسن النسق، هنا، لأمرين بين فنين متضادين، في هذين البيتين، وهما المجون والزهد، حتى صارا كأنهما فن واحد)) ، فقد كشف عن وجود تماسك معنوي عن طريق إحدى وسائل التماسك النّصّي "التضاد" بين (المجون × الزهد). 

(17) النظم:وهو من المصطلحات التي تدلّ على التماسك بشكله الواسع وفي اللغة(("النَّظْمُ: التَّأْلِيفُ وَضَمُّ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ" ، وكُلُّ شَيْء قَرنْتَه بِآخَرَ فقد نَظَمْتَه..وَمِنْه:نَظَمْتُ الشِّعْرَ ونَظَّمْتُه، ونَظَمَ الأَمْرَ على المَثَلِ، وَله نَظْمٌ حَسَنٌ، ودُرٌّ مَنْظُومٌ ومُنَظَّمٌ..والانتظام:الاتساق))وهذه المعاني مرادفة لمفهوم التماسك النّصّي في الدراسات المعاصرة ويكاد أن يكون بديلا مطابقا له. والنظم ارتباط أجزاء النّصّ بعضها ببعضها الآخر وتكون بعضها سببا من بعض ، وأفاد عبد القاهر الجرجاني من آثار سابقيه - ولاسيما فكرة النظم- وما ألف في الدراسات التي تخص بناء النّصّ وتفرعاته ويبدو أنّه قد اطلع عليها جميعا وخرج بنظرية نجزم أنها كانت وما تزال من الأسس الأولى للدراسات النّصّية ، ومن عمل في مجال الدراسات اللسانية والنّصّية خاصة يدرك ذلك بوضوح ، إذ يعد مذهب عبد القاهر((أصحّ واحدث ما وصل إليه علم اللغة في أوربا لأيامنا هذه)) وقد كُتب عنه الكثير ولاسيما في حقل الدراسات المقارنة التي عقدت بينه وبين أشهر علماء اللغة والنقد العالميين.وكان الإعجاز القرآني الباعث الأول لدى عبد القاهر في تبنيه لنظرية النظم ، وهذا الباعث جعله يكشف عن وجه الإعجاز الذي وجد أنّه يتحقق(( في النظم والتأليف)) ، ويعلن تمرده على من ينتصر للفظ أو للمعنى أو يجمع بين اللفظ والمعنى ، وبنى تصورا جديدا يقوم على النظم والتركيب أي العلاقة القائمة بين اللفظ والمعنىويرى أحد النقاد أن أسس نظرية النظم تنهض على عنصرين مهمين(("الاختيار" و"الموقعية"..فان وفق الأديب لهما ، سما أسلوبه واتسم بالإبداع ، ولم يكن "النظم"عند عبد القاهر الجرجاني إلاّ أن يهتدي الأديب إلى اللفظ الذي يلائم معناه ، ويحدد مراده ، ثم يعرف الموقع الذي يناسب ذلك اللفظ ، أو السياق الذي ينبغي أن ينزل فيه))، ومن الأمثلة التي اختارها عبد القاهر مؤكدا فيها أهمية الاختيار والموقعية وأبدى فيها إعجابه ، قول إبراهيم بن العباس:

فَلَو إِذْ نَبَا دَهرٌ وأنكَرَ صَاحبٌ        وسُلِّط أعداءٌ وغابَ نَصيرُ      

تكون عن الأهواز داري بنجوةٍ        وَلَكِنْ مَقَادِيرٌ جَرتْ وأمورُ

  وعبد القاهر يرى في هذين البيتين رونقا وطلاوة وحسنا وحلاوة ويعلل ذلك بقوله:((إنما كان من اجل تقديمه الظرف الذي هو"إذ نبا"على عامله الذي هو "تكون" وأن لم يقل: فلو تكون عن الأهواز داري بنجوة إذ نبا دهر ثم أن قال: "تكون" ولم يقل: "كان" ثم أنْ نكّر الدهر ولم يقل: "فلو إذ نبا الدهر" ثم أن ساق هذا التنكير في جميع ما أتى به من بعد ثم أن قال: "وأنكر صاحبٌ" ولم يقل: وأنكرتُ صاحباً لا ترى في البيتين الأولين شيئاً غير الذي عددته لك ، تجعله حسناً في "النظم" وكله من معاني النحو)).لقد أشاد الجرجاني في تحليل هذا النّصّ بمهارة الشاعر في اختيار الألفاظ التي رصفها معيّناً لها مواقع داخل بنية النّصّ ، أسبغت على المعنى قوة ومنحته جمالا ، وعزا الدكتور محمد مندور لجوء الشاعر لهذا الأسلوب إلى دوافع نفسية أحسّ بها الشاعر تطابقت مع هذه الاختيارات وحددت تلك المواقع ، ويمكن حصر المعايير التي سار عليها الجرجاني في التحليل بما يأتي:

1- أشار في البيت الأول إلى تقديم الظرف"إذ"على عامله ـــــــــــــــ [موقع]

2- قال الشاعر تكون ولم يقل كان ــــــــــــــــــــــ [اختيار]

3- نكّر"دهر ، صاحب ، أعداء ، نصير، مقادير ، أمور"ـــــــــــــــ [اختيار]  

      وكأنّ الجرجاني يشير في تعليقه إلى سلطة النية أو القصد الذي يؤرق الشاعر فيقتضي منه حالات معينة في استعمال اللغة ، فالتقديم والتأخير وزمن الفعل إنّما قصدَ فيها ترتيب الألفاظ على وفق الأحداث النفسية التي يسعى الشاعر إلى قذفها إلى الخارج مرتبطة متناسقة.

      وثمّة أشعار لم تراع فيها مواقع الألفاظ ؛ لذا فسد فيها النظم وفقد النّصّ هيبته- بحسب رأي الجرجاني- كقول الفرزدق:

وما مِثله في الناسِ إلا مُملَّكاً أبُو أمِّهِ حيٌّ أبوه يُقَاربُه

    ووجه الفساد والخلل وسوء النظم والتأليف هو((أن تعاطى الشاعر ما تعاطاه من هذا الشأن على غير الصواب ، وصنع في تقديم أو تأخير أو حذف وإضمار أو غير ذلك ما ليس له أن يصنعه، وما لا يسوغ ، ولا يصح على أصول هذا العلم .وإذا ثبت أن سبب فساد النظم واختلاله أن لا يعمل بقوانين هذا الشأن ثبت أن سبب صحته أن يعمل عليها ثم إذا ثبت أن مستنبط صحته وفساده من هذا العلم ثبت أن الحكم كذلك في مزيته ، والفضيلة التي تعرض فيه. وإذا ثبت جميع ذلك ثبت أن ليس هو شيئاً غير توخي معاني هذا العلم وإحكامه فيما بين الكلم ))، وتحدث في أسرار البلاغة عن هذا البيت ونعت الشاعر بأنّه تعسف اللفظ((لأنّه لم يُرَتِّب الألفاظ في الذكر، على مُوجب ترتُّب المعاني في الفكر، فكدَّ وكَدَّر، ومنع السامع أن يفهم الغرضَ إلاّ بأنْ يُقدِّم ويؤخّر، ثم أسرفَ في إبطال النِّظام ، وإبعاد المرَام ، وصار كمن رَمَى بأجزاء تتألّف منها صورةٌ ، ولكن بعد أن يُراجِع فيها باباً من الهندسة ، لفرط ما عادَى بين أشكالها، وشدّةِ ما خَالف بين أوضاعها )).

        إنّ نظم الكلمات- بحسب مفهوم عبد القاهر- يرضخ لحكم المواقع ، ومتى اضطربت قوانين المواقع اختلت أنظمة العلاقات ، وحينئذ يخسر المعنى فائدته ، فقد أدرك عبد القاهر الجرجاني في بيت الفرزدق وهناً كبيراً بعلاقات الاتصال بين الوحدات المكونة للنّصّ وهذا"منع السامع أن يفهم الغرض .." ويؤكد عبد القاهر مبدأ ترتيب الألفاظ في الذهن ثم ترتيبها في الذكر ، وهي فكرة وجدها عند ابن طباطبا وانطلق منها في البحث عن المعنى وطبيعة التحويل من المعنى إلى معنى المعنى ؛ فاللغة نوعان:لغة التفاهم التواصلية ولغة إبداعية ذات قيم مكثفة تتسرب منها معان يحدد مقاصدها منشئ الخطاب((وهي أن تقول المعنى ومعنى المعنى، تعني بالمعنى المفهوم من ظاهر اللفظ، والذي تصل إليه بغير واسطة، وبمعنى المعنى أن تعقل من اللفظ معنى ، ثم يفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر)) فمعنى المعنى هو التركيب الذي يحصل فيه التفاوت المتقارب وتكون(( مسالك الربط بين الألفاظ دقيقة لا تدرك إلاّ بالفكر اللطيفة)) والغرض من هذا الأسلوب اقتفاء أثر الصورة للوقوف على مكامن الجمال ، وهو بمثابة إحالات نفسية يقصدها المبدع ، إذ إنّك لا تقف عند تركيب واحد وإنّما ينبجس المعنى إلى معان تصل إليها بالعناء الخفيف الذي يجلب اللذة والارتياح ، وهي سمة عالية من سمات النّصّ الإبداعي.فالكلام عند عبد القاهر ضربان:

1) ظاهر اللفظ                  نصل إليه بدلالة اللفظ وحده              معنى

2) البنية العميقة               لا نصل إليه بدلالة اللفظ وحده            معنى المعنى

      فـ "كثير الرماد" عنده تفيد المعنى الظاهر "الأول" أمّا الثاني فهو معرفتك بأنّه((كثير رماد القدر))وقد أفاد البلاغيون من عبد القاهر فيما بعد وتوسعوا بتحليل هذه الكناية عن طريق الانتقال إلى عدة وسائط ولوازم متسلسلة بحسب ترتيبها في النفس فهي عندهم:




فالمعاني تسير في مسارات مرسومة متقاربة بحسب الباعث فيتعلق المعنى بالمعنى في تواشج فني يدركه المتلقي بالتأمل العميق.

وثمّة عبارات شاعت في التداول النقدي والبلاغي العربي منها "افرغ إفراغا وافرغ في قالب واحد" وهي تدلّ دلالة واضحة على التماسك ، ومنها أيضا عبارة (أخذ بعضه برقاب بعض) وقد تعاطاها الآمدي"ت- 370ه" في معرض تعليقه على أبيات من الشعر المنسجم فقال: ((كل لفظة تقتضي ما بعدها.فهذا هو الكلام الذي يدلّ بعضه على بعض، ويأخذ بعضه برقاب بعض؛ إذا أنشدت صدر البيت علمت ما يأتي في عجزه؛ فالشعر الجيد - أو أكثره - على هذا مبني)) ولعل من أهم معاني هذه العبارة ما جاء عند القدماء في تعريفهم لحسن التخلص فقد ورد في المثل السائر أنّ التخلص((هو أن يأخذ مؤلف الكلام في معنى من المعاني, فبينا هو فيه إذ أخذ في معنى آخر غيره, وجعل الأول سببا إليه, فيكون بعضه آخذا برقاب بعض، من غير أن يقطع كلامه، ويستأنف كلاما آخر، بل يكون جميع كلامه كأنما أفرغ إفراغا، وذلك مما يدلّ على حذق الشاعر، وقوة تصرفه)) ومثل لحسن التخلص بشعر للمتنبي يقول فيه: 

وَأُورِدُ نَفْسِي وَالْمُهَنَّدُ فِي يَدِي      مَوَارِدَ لَا يُصْدِرْنَ مَنْ لَا يُجَالِدُ      

وَلَكِنْ إِذَا لَمْ يَحْمِلِ الْقَلْبُ كَـفَّـهُ    عَلَى حَالَةٍ لَمْ يَحْمِلِ الْكَفَّ سَاعِدُ     

خَلِيْلَيَّ إِنِّي لَا أَرَى غَيْرَ شَاعِرٍ      فَلِمْ مِنْهُمُ الدَّعْوَى وَمِنِّي الْقَصَائِدُ    

فَلَا تَعْجَبَا إِنَّ السُّيُوفَ كَثِيْرَةٌ      وَلَكِنّ سَيْفَ الدَّوْلَةِ الْيَوْمَ وَاحِدُ     

فأُعْجِب باستثمار المتنبي لهذا الأسلوب فقال:((وهذا هو الكلام الآخذ بعضه برقاب بعض؛ ألا ترى إلى الخروج إلى مدح الممدوح في هذه الأبيات كأنّه أفرغ في قالب واحد؛ ثم إن أبا الطيب جمع بين مدح نفسه ومدح سيف الدولة في بيت واحد، وهو من بدائعه المشهورة)) وحسن التخلص من وسائل الربط النّصّي الذي يقوم الشاعر فيه بالانتقال من معنى إلى معنى في ترابط متصل من دون إحداث فجوة أو خلل في الاتصال. وهذا الإدراك بتماسك النّصّ وارتباطه يشابه ما تدعو إليه الدراسات النّصّية المعاصرة في نظرتها الكلية للنّصّ الأدبي. 

وقد أشار الزمخشري"ت- 538ه" - في مواضع غير قليلة في كتابه الكشاف- إلى عناصر الترابط والتأليف في تركيب النّصّ القرآني ينبئ عن وعي عال في التفسير والتحليل ، ومن إفاضاته إدراكه لمفاصل التماسك في قوله تعالى:﴿الم* ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَرَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾[البقرة: ١-2] ، يقول:((﴿الم﴾ جملة برأسها ، أو طائفة من حروف المعجم مستقلة بنفسها . و﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ جملة ثانية . و﴿لاَرَيْبَ فِيهِ﴾ ثالثة . و﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ رابعة . وقد أصيب بترتيبها مفصل البلاغة وموجب حسن النظم ، حيث جيء بها متناسقة هكذا من غير حرف نسق ، وذلك لمجيئها متآخية آخذاً بعضها بعنق بعض . فالثانية متحدة بالأولى معتنقة لها ، وهلم جراً إلى الثالثة والرابعة)) فعباراته التي أطلقها"ترتيبها - حسن النظم – متناسقة – متآخية - بعضها بعنق بعض – متحدة - معتنقة" تدلّ على التماسك والربط النّصّي.

         (ب) وهناك ألفاظ قريبة- في بعض معانيها- من التماسك في مفهومه الحديث والمعاصر منها :)الاتصال، الامتزاج ، التآخي ، الترتيب ، التركيب ، السياق، التشاكل"المشاكلة"..) 

ثانيا:مفهوم النّصّ في الفكر العربي القديم

       ورد لفظ "نّصّ" في المعجمات العربية وهو يدلّ على معانٍ متعددة منها:بلغ الشيء نصَّه أي منتهاه ، ونصّ الحديث أي رفعه..والنّصّ الرئيس الأكبر، ونصصتُ الشيء رفعته ، ووضع على المنصة أي على غاية الفضيحة والشهرة والظهور.والمنصة ما تظهر عليه العروس لترى..ونصَّ المتاع نصّا:جعل بعضه على بعض..والنّصّ التحريك حتى تستخرج من الناقة أقصى سيرها..والنّصّ التوقيف والنّصّ التعيين على شيء ما ونصَّ الأمر شدته..و..منتهى البلوغ العقل.وهذه المعاني كلهالا تعطي دلالة واضحة على مفهومه المعاصر ، الذي يدلّ على أنّه ((مجموعة من الكلمات التي تكوّن لفظا حقيقيا في اللغة)). 

أما عند الأصوليين فقد ورد مصطلح النّصّ في مباحثهم وهو يدلّ على معان متعددة منها: ما دلَّ على معنى سواء كان من كلام الله تعالى أم من غيره من البشر وهذا المفهوم تستعمله الدراسات اللسانية والنّصّية.

 وباستثناء محاولة الأصوليين، السابقة لمصطلح "النّص" لم يطفُ على السطح معنى-عند علماء العربية - يدلّ دلالة واضحة على مفهومه الحديث تضيء عتمته في الاصطلاح. فقد بدا مصطلح"النّصّ" غامضا في الموروث العربي شأنه شأن المصطلحات الحديثة ، ويرى أحد الباحثين أنّ((معنى النّصّ..حديث في الفكر العربي المعاصر، وهو ليس وليدا لهذا الفكر وإنما هو كبعض المفاهيم التي وفدت إلينا من الفكر الغربي)).والحقيقة أن الفكر العربي لم يعرف مصطلح النّصّ ولكنه عرف المفهوم"معنى النّصّ"وشتان بين معنى الكلمة المعجمي ومعناها الاصطلاحي ؛ لأنّها لا تكون مصطلحا إلاّ إذا اصطلح عليه علم أو اختصاص يجعل له مفهوما خاصاً محددا يدلّ على أنّه من آليات ذلك العلم أو ذلك الاختصاص وهذا لم يحدث لكلمة النّصّ في الفكر العربي ، وإنّما جاء مفهومه مرتديا – أحيانا – ألفاظاً أخرى كـ "الجملة – الجمل- الكلام – النسيج" يقول ابن منظور "ت- 711ه" :((الجملةُ واحدةُ الجمل ، والجملة جماعة الشيء وأجمل الشيء جمعه عن تفرقة))وهذا المعنى للجملة قريب من المفهوم النّصّي ، ويرد مصطلح الجملة بمعنى النّصّ عند عبد القاهر الجرجاني ، يقول :((والضرب الثالث تعلق بمجموع الجملة ، كتعلق حروف النفي والاستفهام والشرط والجزاء عليه..)) وقوله :((وينظر في الجمل التي تسرد ، فيعرف مواضع الفصل فيها من مواضع الوصل..)) وهنا يجتاز الجرجاني نحو الجملة إلى ما هو ابعد منها وهو ما يطلق عليه في المصطلح الحديث"نحو النّصّ" فالفصل والوصل جمل بينها علاقات ارتباط واتصال ، وهذا الذي اقرّه الجرجاني سابقٌ لما توصل إليه هاليداي Halliday""ورقية حسن "R.Hasan" الذي يعني فيما يعنيه أن تؤلف((كل متتالية من الجمل..نصاً شريطة أن يكون بين الجمل علاقات ، تتم هذه العلاقات بين عنصر وآخر وارد في جملة سابقة أو جملة لاحقة أو بين عنصر وبين متتالية برمتها سابقة أو لاحقة)).

      وكذلك تعبّر العرب عن مفهوم النّصّ- أحيانا- بالكلام((ومما يدلّ على أن الكلام هو الجمل المتركبة في الحقيقة قول كثيّر:

لو يسمعون كما سمعتُ كلامها خَروّا لعزَّةَ رُكّعاً وسُجُـــــــــــــــــودا

..ان الكلمة الواحدة لا تشجي ولا تحزن ولا تتملك قلب السامع ، وإنما ذلك فيما طال من الكلام وأمتع سامعيه))، ويقول ابن هشام:((الكلام هو القول المفيد بالقصد))وتناول عبد القاهر الجرجاني الكلام بمعنى النّصّ بقوله:((ويتصرَّفَ في التعريف والتنكير، والتقديم والتأخير في الكلام كله، وفي الحذف والتكرار والإضمار والإظهار فيصيب بكل من ذلك مكانه)) ويقول أيضا:((واعلم أنّ من الكلام ، ما أنت تعلم إذا تدبرته أنْ لم يحتج واضعه إلى فكر وروية حتى انتظم ، بل ترى سبيله في ضمّ بعضه إلى بعض ، سبيل من عمد إلى لآل فخرطها في سلك لا يبغي أكثر من أن يمنعها التفرق ، وكمن نضّد أشياء بعضها على بعض)).         

وعلى الرغم من عدم ورود مفردة النّصّ في التراث اللغوي العربي وهي تحمل معنى النسيج  فإنّ النسج لا يختلف كثيرا في بعض معانيه عن مادة "text"في الأصل اللاتيني وهي تشير إلى شدة التنظيم وإتقان الصنع، إذن فدلالة المصطلحين متقاربة وإنْ اختلفت التسمية وتباعدت .وقد جمع الأزهر الزناد بينهما في تعريفه ((النّصّ نسيج من الكلمات يترابط بعضها ببعض.هذه الخيوط تجمع عناصره المختلفة والمتباعدة في كل واحد هو ما نطلق عليه مصطلح "نص")) ويبدو من كلام الزنّاد أنّه استوحى معاني "نسج" من المعجمات العربية وصاغها في هذا التعريف.ولو أنعمنا النظر في تلك الأقوال لوجدنا أنّ دلالة الألفاظ"الجملة - الجمل- الكلام- النسيج" قد تقترب من النّصّ بالمفهوم الحديث ، وهذا يعني أن العرب تناولوا هذا المفهوم ولكن بألفاظ أخرى دالة عليه.

المبحث الثاني:ملامح من التماسك النصّي التطبيقي في الدراسات العربية القديمة

      لقد استطاع العلماء العرب أنْ يؤسسوا في دراساتهم مقدمات تصلح أنْ تكون بدايات لدراسة بنية النّص وتماسكه سواء من خلال إشارات اللغويين أم النحاة ، من مسند ومسند إليه ، أو تأثير السياق في تحديد المراد أو عند علماء التفسير وعلوم القرآن من ربط عناصر الآية أو الآيات وعلاقة بعضها بأسباب النزول ، أو انسجام الآيات داخل السورة أو انسجام السورة مع السورة ، أو انسجام القرآن كله بوصفه وحدة دلالية كبرى ، أو تحليل النّص عند علماء الأصول لاستنباط القاعدة الشرعية ، أو عند البلاغيين من حذف وطباق وفصل ووصل.. أو عند الأدباء كوحدة النّص.. وقد وردت شذرات مهمة تستحق التنبيه والدراسة ، تنبئ عن عناية العرب بآليات التماسك التي تكتنف النّص وتزيد من تأثيره ولا نلقي باللوم عليهم لعدم دراستهم لهذا المفهوم دراسة منهجية ، أو لَمّ شتاته في مؤلف واحد ؛ وذلك يعود إلى تعدد منافذ تحليلاتهم للنص ، فكان الوصول إلى نظرية شاملة في بداية تكوينها أمراً عسيراً. لذا سنحاول عرض بعض اللمحات البارزة للعلماء العرب حول هذا المفهوم. 

(أ)التماسك النصّي عند اللغويين 

      اللغة سلوك إنساني وظاهرة اجتماعية ترتبط مع غيرها من العلوم الأخرى بعلاقات تحكم مكوناتها ؛ فنجد أنّ علماء اللغة قد أولوا التراكيب اللغوية عناية كبيرة ،وأدركوا فاعلية التماسك وجدواه في النّصوص وبين النّصوص أو بين النّص والأحداث المحيطة به ، وبما يفعله من اتساق وانسجام وما يستلزم ذلك من معايير تسوّغ له التأثير والجمال الفني.

     وقد مثّل القرآن الكريم وإعجازه المؤثر الأول في تحليل بنية النّص وركائز تراكيبه اللغوية والنحوية ؛ لما يحويه من موضوعات ذات أهمية كبرى في حياة العرب والمسلمين، فمن جهود الخليل بن أحمد الفراهيدي"ت- 175هـ" ودراساته النصّية ما ورد في كتاب العين أن((العصبة من الرجال عشرة ، لا يقال لأقل منه وإخوة يوسفعشرة قالوا:﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾[يوسف:14] ويقال هو مابين العشرة إلى الأربعين من الرجال ، وقوله تبارك وتعالى:﴿ تَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص:76] يقال:أربعون ويقال:عشرة ، وأما في كلام العرب فكلّ رجال أو خيل بفرسانها إذا صاروا قطعة فهم عصبة وكذلك العصابة من الناس والطير، قال النابغة:

إذَا مَا التَقَى الجَمْعَان حَلَّقَ فَوْقَهمْ           عَصَائِبُ طَيْرٍ تَهْتَدِي بِعَصَائِبِ))

        لقد كشف السياق عن تفاوت الوحدات العددية في استعمال كلمة"عُصبة"إذ فسّرها الخليل بناءً على حالات مختلفة تُحرّك دلالاتها مكان الكلمة وتأثير المحيط ، فقد تغيّر العدد نظراً لاختلاف السياق وتعدد القرائن ، ففسّر العصبة بحسب مايأتي:

1- عشرة رجال:بإعادة ضمير المتكلمين نحن في"نحن عصبة"على إخوة يوسف العشرة.

2- مابين العشرة إلى الأربعين ، وقد حدده سياق الآية "لتنوء بالعصبة" ذلك لما لقارون من جماعة كثيرة تحف به.

3- الكثرة بأربعة أشكال "الرجال ، والخيل بفرسانها ، والعصابة من الناس ، والطير"فسرها بحسب سياقها الاجتماعي "الحال"الذي رجع فيه إلى كلام العرب.

       ومن إشارات الخليل في الحذف الذي يسهم في ترابط النّص حذف الفعل الذي ينصب المفعول به في قول النابغة الذبياني:

إذاَ تَغَنّى الحَمَامُ الوُرْقُ هَيَّجَنِي      وَلَو تَغَرّبْتُ عَنْهَا أُمَّ عَمّارِ

      وعلّق الخليل على هذا البيت قائلا:((لمّا قال: هيجني عُرف أنّه قد كان ثم تذكر لتذكّره الحمام وتهيّجه فألقى ذلك الذي عُرف منه على أم عمار كأنه قال:هيجني فذكرني أم عمار)) وقد أبان الخليل - في تحليله لهذا البيت- سبب حذف الفعل غالبا هو اعتماد الشاعر على مدلول النّص وما يتضح من دلائل السياق ، فالحذف في شطر البيت الثاني له علاقة اتصال مع شطر البيت الأول ، وهذا ما التفت إليه الخليل وقدر المحذوف (هيجني) ليحيلها نصّيا على (هيجني) الأولى.

    واقتفى سيبويه"ت- 180هـ"آثار الخليل حتى شمل كتابه نواحي كبيرة من الدرس اللغوي والنحوي والبلاغي والصوتي..وقد بين أسرارا من الخطاب العربي برؤية واسعة، وسيبويه((يعتمد طريقة التركيب والتحليل معاً ، فقد كان يحلل التركيب لبيان وظيفة كل مفردة فيه)) وعلى الرغم مما يكتنف كتاب سيبويه من صعوبة في إدراك بعض تركيب عناصر الجملة والإلمام بشتات الفكرة وتشظي الموضوع الواحد في أبواب مختلفة ، لكننا نلمح إشارات كثيرة في كتابه تقترب من التماسك النصّي الحديث ، فقد ولج سيبويه إلى دراسة الجملة من خلال الترابط الاسنادي القائم على العلاقة بين طرفيها. 

  ومصطلح الإسناد جاء بديلاً عن مصطلح الجملة عند سيبويه وتلقفه البلاغيون فيما بعد ، ولعل سيبويه انتقى الإسناد بداية لكتابه ليتسنى له بحث تركيب الكلام ، وكذلك كونه من مقومات المتكلم ، يقول:((هذا باب المسند والمسند إليه ، وهما ما لا يغني واحد منهما عن الآخر ، ولا يجد المتكلم منه بدا ، فمن ذلك الاسم المبتدأ والمبني عليه وهو قولك عبد الله أخوك ، وهذا أخوك ومثل ذلك يذهب عبد الله ، فلابد للفعل الاسم كما لم يكن للاسم الأول بدّ من الآخر في الابتداء)) ونستشف من هذا النّص أن سيبويه يؤكد العلاقة المعنوية القائمة بين المسند والمسند إليه وهذا ما أطلق عليه علماء النّص ((الربط الدلالي أو الحبك أو الالتحام ، وإنْ كان على مستوى الجملة فإن الجملة.. نواة النّص))

    وقد يلجأ سيبويه عند تعليل الظاهرة اللغوية إلى عوامل تكون خارج النّص ففي التقديم والتأخير يعلل تقديم زيد المفعول به في جملة"ضَرَبَ زيداً عبد الله" بقوله:((لأنك إنما أردت به مؤخراً ما أردت به مقدما ، ولم تُرد أن تشغل الفعل بأوّل منه وان كان مؤخراً في اللفظ فمن كان حدّ اللفظ أن يكون فيه مقدماً)) ويعزو سيبويه هذا التقديم إلى مؤثرات ما حول النّص"السياق الاجتماعي" فيقول:((وهو عربي جيد كثير، كأنهم إنما يقدمون الذي بيانه أهم لهم وهم ببيانه أعنى ، وإن كانا جميعا يهمانهم ويعنيانهم )) وهنا إشارة إلى أن التقديم جاء للعناية والاهتمام ، والتقديم والتأخير- بحسب ما أكده سيبويه- يجري ((وفقا لمتطلبات السياق)) وتحتشد في كتاب سيبويه محاولات كثيرة في مجال الربط بين مفاصل النّص نحويا ودلالياً فقد أشار إلى اتساق المعنى الذي يولده الحذف في قول الشاعر أبي دواد:

أَكُلَّ امْرِئٍ تَحْسَبِيْنَ امْرَأً  وَنَارٍ تَوَقّدُ بِاللَّيْلِ نَارَا 

يقول:((فاستغنيت عن تثنية كل لذكرك إياه في أول الكلام ولقلة التباسه على المخاطب)) إذن حذف كل قبل"نار"لم يؤثر في بنية النّص- بحسب رأي سيبويه- لأنّها ذكرت في بداية البيت ، ولم يمثل حذفها إيهاما على المخاطب.ونفهم من قوله إن كلمة"نار"لا تصلح أن تكوّن وحدها معنى صحيحاً من دون أن ترتبط بعناصر سابقة "كل امرئ" تشد البيت بعضه إلى بعض وهذا يعني أنّ هناك تماسكا في النّص الشعري بين "كل" المحذوفة و "كل" الموجودة في بداية البيت.وبهذا يبرز سيبويه من خلال مدوّناته بعنايته بالتركيب وأنماط الكلام وسلك بالنحو((سبيل العرب في بنية ألفاظها وأساليبها ومقتضى الحال)) ولم يهملْ دراساته الأخرى التي تتعلق بعلم النحو.

        وسُئل أبو عبيدة"ت-210هـ" في مجلس الفضل بن الربيع عن قوله تعالى:﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾[الصافات:65] فقال:((إنما كلّم الله تعالى العرب على قدر كلامهم ، أما سمعت قول امرئ القيس:

أيقتُلُني والمَشْرَفِي مُضَاجِعِي وَمَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كأنيابِ أغوالِ

 وهم لم يروا الغول قطّ ، ولكنهم لما كان أمر الغول يهولهم أوعدوا به )) فقد أحال أبو عبيدة النّص القرآني إحالة خارجية بربطه بكلام العرب وطرائق تعبيرهم عن الأشياء عندما قرب المعنى ببيت امرئ القيس ، مع أن أحد الباحثين يرى أن الشياطين في الآية والغول في قول الشاعر هي نوع من الحيات الرفيعة التي تعيش في الصحراء وليس كما يذهب إليه أبو عبيدة ومن تبعه من البلاغيين.

       وتطرَّق أبو عبيدة إلى تعليل الحذف في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾[الرعد: ٣١] يقول:(( مجازه مجاز المكفوف عن خبره ، ثم استؤنف فقال:﴿بَل لِّلّهِ الأَمْرُ جَمِيعاً﴾[الرعد: ٣١] فمجازه لو سيّرت به الجبال لسارت ، أو قطعت به الأرض لتقطعت ، ولو كلّم به الموتى لنُشِرتْ ، والعرب قد تفعل مثل هذا لعلم المستمع به استغناءً عنه واستخفافا في كلامهم)) لقد أشار إلى أن هذا المجاز ((من مذاهب العرب في كلامهم يفعلون قصد التخفيف ، ويشترط فيه علم السامع به)) ومقدار ثقافته ، وهنا نبّه أبو عبيدة إلى سياق النّص الثقافي وهو من وسائل التماسك النصّي الذي يربط النّص بمحيطه ، وستكون لنا عنده وقفة فيما بعد. 

       وتحدث الاخفش سعيد بن مسعدة "ت – 215 هـ " في كتابه "معاني القرآن" عن قوله تعالى :﴿ أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾[النساء: ٧٥] فقال : ((فجررت الظالم لأنّه صفة متقدمة ، ما قبلها مجرور ؛ وهي الشيء من سبب الأول ، وإذا كانت كذلك جرت على الأول حتى تصير كأنها له)) فقد أشار إلى تماسك الآية عن طريق النعت بـ "الظالم " الذي ربط المعنى بين المتقدم "القرية " والمتأخر "أهلها " فقد اخذ حركة الإعراب من "القرية "وهي مؤنثة واخذ المعنى من أهلها وهو مذكر ، يقول الزمخشري:(( فإن قلت : لم ذكر الظالم وموصوفه مؤنث ؟ قلت :هو وصف للقرية إلاّ أنّه مسند إلى أهلها ، فأعطى إعراب القرية لأنّه صفتها ، وذكر لإسناده إلى الأهل كما تقول من هذه القرية التي ظلم أهلها )) وبهذا تواشجت الألفاظ وفهم النّص من خلال العلاقات المنسجمة التي تضيف دلالة إلى أخرى ؛ لذا ((لا يصح في التفسير أن يؤخذ اللفظ معزولا عن سياقه الخاص أو العام )) ومن إشاراته التي يستدل فيها على السياق الخارجي في توجيه المعنى في قوله تعالى: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ﴾[النساء: ٥٦]  فيقول: ((فإن قال قائل أليس إنما تعذّبُ الجلود التي عصت ، فكيف يقول غيرها . قلت : إنّ العرب تقول :أصوغ خاتما غير ذا ، فيكسره ثم يصوغه صياغة أخرى ؛ فهو الأول ، إلاّ أنّ الصياغة تغيرت )) وهذا الاتساع في التفسير يعود إلى تفكير الاخفش في ربط الآية بالموروث الاجتماعي في استعمال اللغة ، ويبدو من حديث الاخفش أنّه يحيل على لغة العرب تلميحا منه بأن القرآن يحاكي هذه اللغة.

      وقد عالج المبرد"ت- 285هـ" في كتابه "الكامل" كثيرا من الظواهر اللغوية والأدبية واتسعت دراساته حتى شملت مباحث كثيرة من لغة العرب ، وطريقة المبرد تكمن في اختياره((المثل أو الخبر أو النّص الشعري ويستطرد إلى سرد مناسبتها التاريخية وما يتعلق بها من أحداث ونوادر، ثمّ ينتقل إلى شرح اللغة والتعليق على قيمتها الفنية)) ومن جهوده في تحليل النّص الشعري في قول الفرزدق:

عشيّةَ سَالَ المِرْبَدان كِلاهُما       عَجاجَة مَوْتٍ بالسّيوفِ الصّوارم

يقول:((يريد المِرْبَد وما يليه مما جرى مجراه ، والعرب تفعل هذا في الشّيئين إذا جَرَيا في باب واحد ، قال الفرزدق: 

أَخَذْنَا بِآفَاقِ السّماءِ عَلَيكُمُ            لنا قَمَرَاها وَالنجُومُ الطوالعُ

 يريد الشمس والقمر:لأنَّهما قد اجتمعا في قولك:"النِّيران" وغُلِّبَ الاسم المذكر وإنما يُؤثر في مثل هذا الخفة ، وقالوا: "العُمَرَان" لأبي بكر وعمر ، فان قال قائل:إنما هو عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، فلم يُصِبْ ، لأنّ أهل الجمل نادَوْا بِعَلِيِّ بن أبي طالب[u]....أعْطنا سٌنَّةَ العُمَرين ، فإن قال قائل:فَلِمَ لَمْ يقولوا:أَبَوَيْ بكر ، وأبو بكر أفضلهما ؟ فلأنّ عمر اسم مفرد ، وإنما طلبوا الخفة)) لقد ربط المبرد النّص بسياق تاريخي "الحادثة ومناسبتها" عندما عاد بتفسير مفهوم التغليب"المربدان- القمران" إلى زمان النّص ومكانه "معركة الجمل في البصرة" وفي عهد الإمام علي.

        وظهرت جهود ابن جني"ت-392هـ" من خلال ما خلفه من آثار بحثية مبتكراً نظريات عدت اليوم من أسس الدراسات اللغوية الحديثة ، ويرى الدكتور عبده الراجحي أنّه على الرغم من أنّ ابن جني لا يقدم ربطاً واضحا بين دراساته المختلفة فإنّ ((معظم ما وصل إليه من مقررات تتسق مع ما استقرّ عليه علم اللغة في العصر الحديث ))  وقد تجاوز في درسه النحوي إلى مجال ابعد من الكلمة والجملة فيقول:((إنّ الكلام إنّما وضع للفائدة والفائدة لا تجنى من الكلمة الواحدة وإنّما تجنى من الجمل ومدارج القول)) أي هناك ترابط وتعليق على مستوى الجملة والجمل ويتعداه إلى سياق القول.

       ويثني عبده الراجحي بعد صفحات على ابن جني لقربه من الدراسات النصّية المعاصرة مؤكداً سبق محاولاته وإدراكه لسياق الحال في بحثه الذي يتصل بدراسة المعنى يقول: ((ولعل أهم موضوع عرض له أبو الفتح مما يتصل بدراسة المعنى ذلك الذي يطلق عليه المحدثون "سياق الحال ")) وسياق الحال يعني الخروج عن الجملة إلى السياق المحيط بالكلام وظروفه ، وهو من عناصر التماسك المهمة في التحليل النصّي.

وفي تحليله لقول المتنبي :

واطمَعَ عامِرَ البُقيَا عَليهَا                ونَزَّقَهَا احتِمَالُكَ والوَقارُ

     يقول ابن جني : ((لم  يصرف "عامر" لأنّه ذهب بها إلى القبيلة  ألاّ تراه يقول :"عليها"ولم يقل:"عليه")) لقد نبه في تفسيره لهذا البيت على عنصر من عناصر التحليل النصّي الحديث الذي يكشف عن سمة التماسك بين وحدات البيت ؛ لأنّ النّص وحدة من العلاقات التي تحدثها الروابط اللغوية داخل بنية النّص ، وتعد الإحالة مظهراً من مظاهر إيجاد التلاحم بين مفاصل النّص . وقد تنبه ابن جني – بفكره الحصيف- إلى عدم صرف المتنبي لاسم العلم "عامر" وقد ميّز عامر الشخص عن عامر القبيلة عن طريق الإحالة القبلية في الضمير الهاء في "عليها" الذي يعود على مؤنث "قبيلة عامر" إذن من الأساليب التي تدل على فهم المعنى الإحالة التي يتم كشفها من خلال الغوص في استكناه القواعد التعبيرية لدى المنشئ .

    وكان ابن جني يدرك سر الترابط النصّي عن طريق التركيب النحوي"معاني الإعراب"مشبها ذلك التركيب بالمعنى الشعري"معاني الشعر" مستنيراً بتنبيه أستاذه أبي علي الفارسي "ت- 377ه" ، حين اخضع النّص للتحليل والتفسير النحوي العميق ، يقول:((من ذلك قولهم في"لا"النافية للنكرة:أنها تبنى معها ، فتصير كجزء من الاسم نحو لا رجلَ في الدار ، ولا بأسَ عليك ، وأنشدنا في هذا المعنى:

خِيطَ عَلَى زَفْرةٍ فتمَّ وَلَم       يرجِعْ إلى دِفّةٍ وَلا هضَم

    وتأويل ذلك أنّ هذا الفرس لسعة جوفه وإجفار محزمه كأنّه زفرَ فلما اغترق نَفَسه بُني على ذلك ، فلزمته تلك الزفرة فصيغ عليها لا يفارقها كما أنَّ الاسم بُني مع "لا" حتى خُلط بها لا يفارقها وهذا موضع متناهٍ في حسنه ، اخذ بعناية الصنعة من مستخرجه)) إنَّ التحام "لا" النافية مع اسمها النكرة "هضَمَ" أصبح كالشيء الواحد وهذه الصورة مثلها بصورة الفرس الذي لزم تلك الزفرة لا يفارقها ؛ فالتماسك في التركيب النحوي ساعد على تماسك البيت في المعنى الكلي.

    ومن التفاتات ابن جني الدقيقة في قضية الحذف قوله :((قال رجل من بلعنبر، العرب تقول بلعنبر وبلحارث يريدون بني العنبر وبني الحارث فيحذفون الياء لسكونها وسكون اللام من بعدها ثم يحذفون النون لأمرين أحدهما كثرة الاستعمال والآخر مشابهة النون لللام فكأنه يكره فيحذف نحواً من حذف أحد المثلين نحو أحست وظلت ونحو من هذا قول قطري بن الفجاءة:

غداة طفتْ علماءِ بكر بن وائل وعجنا صدور الخيل نحو تميم

       أراد على الماء فحذف اللام للام المعرفة وكثرة استعمال هذه الكلمة وذلك لكثرة ما يقولون بنو فلان على الماء ونزلوا على الماء وهم على الماء ونحو ذلك وذلك لقدر الماء في نفوسهم وتمكنه من اعتقادهم إذ كانت المنفعة والحياة به ولذلك سمّوا الغيث حياً لأنه جار عندهم مجرى الحياة ولا يقولون مثل هذا في بني النجار لأنهم لو قالوا بنجار لحذفوا النون وقد أعلوا اللام بالإدغام فكأن يكون ذلك إجحافا بالحرفين والعنبر مما نقل من أسماء الأجناس ككلب وحجر ونحو ذلك والعنبر أيضاً أحد أسماء الترس))يوضح ابن جني في هذا القول مسوغات الحذف وقد عزا ذلك إلى عدة أسباب منها:

1- انه عاد بالحذف إلى السياق ووضع الكلمات في مهادها الاجتماعي في تعبيره"تقول العرب"

2- علل الحذف لسببين:

أ) كثرة الاستعمال ويريد به الخفة.

ب) مماثلة الحرفين المتجاورين ، أو ما يسمى بالمشابهة ؛ ذلك لسرعة إحداث الترابط بين أجزاء الكلام .

وجاءت تلك الإشارات دليلا على وعي اللغويين العرب لبعض ملامح التماسك النصّي وطبيعة تأليفه في الكلام.       

(ب) التماسك النصّي عند البلاغيين

     انطلق البلاغيون في تحليل النّص من نواح مختلفة لعلّ أهمها فكرة ترابط النّص أو انسجامه وقامت دراساتهم في ذلك على مستويات منها:رعاية المقام ، فقد ظهرت لمحات جديرة بالعناية ؛ مما يستدعي تتبع تلك الظواهر ومعرفة جذورها.إذ لم يترك بشر بن المعتمر "ت- 210ه" أهم عنصر من عناصر ارتباط النّص"السياق" وهو المعنى الذي اشتهرت به البلاغة العربية ، يقول:((والمعنى ليس يشرف بان يكون من معاني الخاصة وكذلك ليس يتّضع بأن يكون من معاني العامة وإنمّا مدار الشرف على الصواب وإحراز المنفعة مع موافقة الحال وما يجب لكل مقام من المقال)) ولعله أول من أشار إلى فكرة سياق المقام "الحال" من البلاغيين و((هو الأمر الذي يحمل المتكلم على أنْ يورد كلامه في صورة خاصة)) ؛ لذا عدت البلاغة بأنها((مطابقة الكلام لمقتضى الحال))وسياق المقام في البلاغة العربية يكشف عن وعي البلاغيين بتوافق الخطاب بين المتكلم والمتلقي ويمثل تطور البلاغة واستمرار حيويتها لما له من عناية في الدراسات النصّية المعاصرة. 

      وسار الجاحظ على خطى بشر بن المعتمر في إطلاق معنى اللفظ بحسب سياقات المقام ، وهو بهذا لا يتجاوز ثقافة المتلقي وقدرته الاستيعابية في فهم الخطاب طبقا لسياق الحال ومناسبته.

         ومن القضايا المهمة التي تعرض لها الجاحظ قضية "التماسك النفسي" وهي ما يعترض الخطيب من عوائق تحول دون إتمام مهمته على أكمل وجه فتجعل كلامه مفككا يفتقد إلى الربط والإحكام ، وهذه العوائق متعلقة بمحيط الخطاب ومرتبطة بحال الخطيب النفسية وما يعتريها من خوف أو خجل أو توتر... وقد قرن الجاحظ تجاوز تلك العيوب بآلة البلاغة ومن ذلك(( أن يكون الخطيب رابط الجأش،ساكن الجوارح)) فإذا اخلّ بذلك اضطربت نفسه وفقد الخطاب تماسكه ؛ لكونها من الدلائل التعبيرية ومن العلاقات الخارجية للنص التي تعمل على إيضاحه ، ويطلق على هذا النوع من الأبحاث في الدرس اللساني الحديث بـ (("العتبات"أو"النّصوص الموازية" ، على جملة عناصر تحيط بالنّص أو المؤلَّف "بفتح اللام" ، بمثابة بيانات ، إمّا توضيحية أو مرجعية أو تجنيسية ))

      ويبدو أنّ ابن قتيبة "ت-276هـ" قد تأثر بالجاحظ بربط النّص بما حوله من مؤثرات تساعد في ارتقائه ، يقول في وصف الشاعر المطبوع:((من سمح بالشعر واقتدر على القوافي ، وأراك في صدر بيته عجزه ، وفي فاتحته قافيته ، وتبينت على شعره رونق الطبع ووشى الغريزة ، وإذا امتحن لم يتلعثمْ ولم يتزحّرْ)) فبعد أن أشار إلى ترابط البيت الشعري في صدره وعجزه ومنافذ الإجادة في الشعر اتجه إلى الحقل النفسي لمنشئ الخطاب"يتلعثم - يتزحّر" الذي عدّه الحلقة المكملة لعلائق النّص.

       ونجد عند ابن طباطبا العلوي محاولات جادة توحي إلى إدراكه مفهوم التماسك في النّصوص الشعرية و"عيار الشعر"كلمة استعملها ((يقصد بها وضع معيار للشعر المحكم المتقن)) وتظهر في محاولاته المتعددة أحكام تنبئ عن وعيه وعنايته بهذا النوع من الدراسة ، يقول:(( فَمِنَ الأشْعارِ المُحْكَمةِ، المُتْقَنَةِ، المُسْتَوفَاةِ المَعَاني، الحَسَنِة الرَصْفِ، السَّلِسَة الألفْاظِ، الَّتِي قد خَرَجَتْ خُروجَ النَّثْرِ سُهولةً وانْتظِاماً، فَلَا اسْتِكْرَاهَ فِي قَوافِيها، وَلَا تَكَلُّفَ فِي مَعَانيها، وَلَا عِيّ لأصْحَابِهَا فِيهَا، قولْ زُهيْر: 

سئمت تكاليَف الحَيَاةِ وَمن يَعِشْ  ثَمانِينَ حَوْلاً، لَا أبَا لَكَ، يَسْأمِ   

رأيْتُ المَنَايا خَبْطَ عَشْواءَ من تُصِبْ  تُمِتْهُ، ومنْ تُخْطِيءُ يُعَمَّرْ فَيَهْرَمِ  

.................................    ............................. .... )) 

  فالعلوي يعي ما في نص زهير من تماسك معنوي وانسجام صوتي وقد أشاد بتوفيق الشاعر بينهما في قوة وإحكام ، وما استشهاد العلوي بعشرة أبيات من شعر زهير إلاّ مزية تكشف عن نظرته الواسعة إلى اتساق النّص بتركيبه الكلي لا نظرة جزئية تقتصر على شطر البيت أو البيت الواحد.   

      وافرد قدامة بن جعفر في كتابه نقد الشعر عنوانا سماه"صناعة الشعر" وهو مصطلح قديم اشتهر في النقد العربي في وقت مبكر، ومفهوم الصناعة عند القدماء هو أن يكون الشعر((حسن السبك ، محكم الرصف ، بديع الوصف)).

       والصناعة مهارة أو علم يمارسه الرجل يتعلق بكيفية العمل أو الممارسة  كالحرفة ، يقول أبو هلال العسكري: ((كل حاذق بصناعة فهو الذي تناهى فيها وقطع تعلمها ))، والصنع يقابل الإبداع وهو في اللغة ((إحداث شيء على غير مثال )) والصناعة جهد مبذول يتسم بالعناء والمهارة العالية في تنسيق العبارة تضمن للأثر الفني الارتقاء والتأثير ويتطلب من منشئ النّص (( امتلاك وسائل التعبير وطرائق الأداء المختلفة التي تتضمنها تقنيات العمل )) ومن جيد الصناعة في تأليف النّص وترابطه من الناحية المعنوية يقول العسكري:((وينبغي أن تجعل كلامك مشتبها أوله بآخره، ومطابقا هاديه لعجزه، ولا تتخالف أطرافه ، ولا تتنافر أطراره ، وتكون الكلمة منه موضوعة مع أختها)) وفي باب الفصل والوصل ما ذكره في قوله:((وكان اكثم بن صيفي إذا كاتب ملوك الجاهلية يقول لكتّابه افصلوا بين كلّ منقضى معنى، وصلوا إذا كان الكلام معجونا بعضه ببعض)) وفي الفصل والوصل تماسك نصّي يربط الجمل بعضها ببعض.

ويؤكد قدامة مصطلح الصناعة فيقول :(( ولما كان للشعر صناعة ، وكان الغرض في كل صناعة إجراء ما يصنع ويعمل بها على غاية التجويد والكمال ، إذا كان جميع ما يؤلف ويصنع على سبيل الصناعات والمهن ، فله طرفان أحدهما غاية في الجودة ، والآخر غاية في الرداءة ، وحدود بينهما تسمى الوسائط ، وكان كل قاصد لشيء من ذلك فإنما يقصد الطرف الأجود ، فان كان معه من القوة في الصناعة ما يبلغه إياه سمي حاذقاً تام الحذق ، وان قصر عن ذلك نُزّل له اسم بحسب الموضع الذي يبلغه في القرب من تلك الغاية والبعد عنها ، كان الشعر أيضا ،إذ كان جاريا على سبيل سائر الصناعات ، مقصود فيه وفي ما يحاك ويؤلف منه إلى غاية التجويد ، فكان العاجز عن هذه الغاية من الشعراء إنما هو من ضعفت صناعته )).

        فالشاعر صانع وهو إما بارع في صناعته فيسمى "حاذقاً " وإلا فهو بحسب ما يبلغه من  تلك المهارة ، وقد كرر  قدامة مصطلح الصناعة وكأنه يومئ إلى مقدار إجادة الشاعر في تأليف الكلام وترتيبه على الشكل الذي يجعل منه شعرا منسقا منسجما ، وربما تأثر بقول ابن طباطبا الذي يؤكد صناعة الشعر حتى يجعلها على الشاعر بمرتبة الوجوب ، يقول :(( فواجب على صانع الشعر أن يصنعه صنعة متقنة مقبولة حسنة)) ولابدَّ لهذه الصناعة من مادة ، وقد قرنها بالمعاني (( مثل الخشب للنجارة والفضة للصياغة )) وان يمزج بينهما بمهارته وقدرته. ومن هذا يكون حسن الصناعة هو قدرة المبدع على إيجاد روابط تشد النّص.

        ومن أبحاثهم التي تصب في هذا الموضوع اعتناؤهم بمصطلح الفصاحة الذي أطلقوه وإن اختلفوا في تحديد مفهومه مع سابقيهم من اللغويين والنحويين الذين اشترطوا مكان الفصاحة وزمانها. ولم يقف البلاغيون عند فصاحة الكلمة وإنما تعدوها إلى فصاحة الكلام ، وقرروا عدم الإخلال بالقوانين الصرفية والنحوية ، وأن تنأى الكلمة عن الغرابة والثقل على السمع وألاّ يكون اللفظ غريبا مستبهما مغلق المعنى خاليا من التعقيد اللفظي والمعنوي والتنافر الصوتي للحروف والكلمات .

وينهج ابن سنان الخفاجي "ت-466هـ" نهج من سبقه في كثير من أبحاثه التي تناولت الفصاحة "فصاحة اللفظ والتركيب" واستشهد بالكثير منها في كلامه  وحدد شروطا لفصاحة الكلمة منها ((أن تجد لتأليف اللفظة في السمع حسنا ومزية على غيرها وان تساويا في التأليف من الحروف المتباعدة )) ومثل لذلك بقول المتنبي:

إذَا سَارَتِ الأَحْدَاجُ فَوْقَ نَبَاتِهِ  تَفَاوَحَ مِسْكُ الغَانِيَاتِ وَرَنْدُهُ 

واختار من البيت كلمة "تفاوح"وعبر عنها بقوله :((كلمة في غاية من الحسن ، وقد قيل :أن أبا الطيب أول من نطق بها )) لكنه عاب على المتنبي استعماله كلمة "جِرِشّى" في بيته:

مُباركُ الاسمِ أغرُّ اللَّقبْ      كَرِيمُ الجِرِشّى شَرِيفُ النَّسَبْ

 فقال:((فانك تجد في الجرشى تأليفاً يكرهه السمع وينبو عنه)) وواضح من كلامه أن لبنية أصوات الكلمة وبلاغتها أثراً في تماسك النّص الشعري من حيث التوافق والانسجام الذي يمنح النّص جمالا وحيوية أما ثقل أو تنافر أصوات الكلمة فيخل بالتماسك الصوتي للنص ؛ لأنّ الانسجام الصوتي في النّص الشعري ((يهدف إلى اقتصاد في الجهد العضلي[في] أثناء عملية النطق والتعبير عن الأفكار والمعاني بسهولة ويسر من دون مشقة وعناء ، إضافة إلى ارتقائه  بالنّص الشعري وجعله وسيلة تعبيرية ..تهز المشاعر وتؤثر في النفوس ))

   ومن إشاراته التي تربط النّص بسياقه الخارجي إشارته إلى الالتفات في قول المتنبي:

قَومٌ تَفَرَّسَتِ المَنَايا فِيكُمُ    فَرَأَتْ لَكُمْ في الْحَرْبِ صَبْرَ كِرَامِ

     ويعطي حكمه موضحا((أن وجه الكلام:قوم تفرست المنايا فيهم فرأت لهم.فهذا وما يجري مجراه في جانب التأليف مذكور، وفي شعبه معدود واتباع العرف في إيراد الظاهر المعروف دون الشاذ النادر واجب لمن آثر مشاركتهم في فصاحة النظم وسلامة النسج)) فقوله:"إتباع العرف" يشير إلى بناء النّص على وفق السياق الثقافي وطبيعة التعبير في كلام العرب وسننها، فهو بعد أنْ أشار إلى فصاحة الكلمة- فيما سبق- ذكر فصاحة الكلام في هذا النّص وردفه بصحة التماسك "سلامة النسج".  

      ونخلص من ذلك أنّ أغلب البلاغيين نظروا إلى النّص بوصفه وحدة كاملة في بناء فني له مقومات مقامية وعلائق نصّية يتحرك فيها المعنى بسياق حي على وفق آليات تشدّ عناصر تكوينه.  

(ت) التماسك النصّي عند المفسّرين

       لقد أدرك المفسرون أنّ فهم النّص ومعرفة كنه المعنى يتوقف على شمولية الرؤية لمفهوم الخطاب القرآني ومراعاة مهاد النّصوص وإعادة قراءتها من جهات مختلفة لاستخلاص النتائج.

     ومن السبل التي يتوخاها المفسر للوقوف على مقاصد الآيات ، هي اللجوء إلى معرفة سبب النزول وهو من العوامل المهمة التي يحتاج إليها المفسر وقد تنبه إليه القدامى وتناولوه وأجادوا في استعماله وهو ثمرة من ثمرات الدراسات النصّية في تفسير القرآن ؛ لأنّ ((النّص القرآني المرتبط بسبب معين للنزول تجيء صياغته وطريقة التعبير فيه وفقا لما يقتضيه ذلك السبب)) ؛ لذا من الشروط الواجبة للمفسر إلمامه بأسباب النزول ؛ ليتسنى له جلاء الغموض عن بعض النّصوص ، ولا يشرع في تفسير آية((دون الوقوف على قصتها وبيان نزولها)) والاتجاه إلى معرفة أسباب النزول له فوائد كثيرة فهو يربط ((النّص بسياقه الاجتماعي التاريخي ، وهو هدف يرمي إلى الانتقال من زمنية الدلالة إلى عموميتها من الحدث المحدد إلى الحوادث المتجددة)) ومن أسباب النزول التي حددت لنا من هو المقصود بالخطاب ، في قوله تعالى:﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:49] إذ بيّن لنا أنها نزلت في أبي جهل وبُنيت على أسلوب التهكم.            

 (ث) التماسك النصّي عند الأصوليين 

      تعرض الأصوليون للنص من زوايا متعددة ، ومن جملة ما درسوه القضايا التي تتعلق بالخطاب القرآني وسياقه والعلاقات التي تحكم النّصوص مثل العام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمفصل..وهذه البحوث قريبة في مستواها إلى الدرس الحديث وقد جمعوا كذلك بين النحو والبلاغة فانصبت دراساتهم في تحليل النص القرآني وقامت على مبدأين : لغوي يتصل بدلالة الخطاب ، ومقامي يتعلق بأغراض الشارع وما ترمي إليه الشريعة ، وكانوا أكثر ميلا واعلق دراسة بالبلاغة ومناهجها ، وقد وطدت العلاقة بين الأصوليين والدرس النحوي لأنها تنبع من حاجة الأصوليين إلى التفسير النحوي لاستنباط الأحكام الشرعية التي تتعلق باكتشاف المعنى في النّص القرآني والسنة.والعلوم تتداخل ويتصل بعضها ببعض ، يقول الغزالي:((العلوم كلها متعاونة ومترابطة بعضها ببعض)) وقد أفاد الأصوليون من هذه العلاقة وذلك الارتباط للوقوف على مقاصد النّص وتجليته.ولم يخرج الأصوليون عن سبيل ما جاء من طرائق العربية وأساليب تعبيرها((وهذا يؤكد التماسك التام والارتباط المحكم بين أصول الشريعة وأصول العربية)).

         ومن أبحاثهم التي تدرس ترابط النّص تناولهم لمصطلحي العام والخاص، فالعام هو ((لفظ شامل لجميع الأفراد التي تحته)) والخاص هو ((ما تناول شيئا مخصوصا دون غيره)) ، ومن أبحاثهم في الخاص تخصيص الصفة بالموصوف في قوله تعالى : ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ [النساء :23 ] ذكرت الآية المحرمات من النكاح ، فالنساء -هنا- لفظ عام يشمل المدخول بها وغير المدخول بها ، ولكن التخصيص بالتحريم قصد"المدخول بهن فقط" وعن طريق الصفة.إذن فالتعلق والارتباط في النّص بين الصفة "اللاتي دخلتم بهن" والموصوف "نسائكم" حدد الحكم الشرعي وهو تحريم الزواج من الربائب إذا دخل الرجل بأمهاتهن ، يقول الزمخشري:((أمهات النساء متصلات بالنساء لأنهنَّ أمهاتهنَّ كما أن الربائب متصلات بأمهاتهن ؛ لأنهن بناتهنَّ)).ومن تخصيص العام قوله تعالى:﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] فالفتيات لفظ عام ينضوي تحته المؤمنات وغير المؤمنات ودخول الوصف "المؤمنات" عليها كشف المراد وهو القصر على المؤمنات دون غيرهن ، والعام والخاص من مباحث التماسك النصي لوجود الرابط بينهما، وهذا يدل على أنّ الأصوليين تناولوا النّص القرآني بشكل أوسع عن طريق النظر في تركيبه وتأليف وحداته البنائية بغية الوصول إلى الحكم الشرعي. 


المبحث الثالث:التماسك النّصيّ في الدراسات الحديثة 

(أ‌) التماسك النّصيّ في الدراسات القرآنية 

    تابع الدرس الحديث جهود اللغويين والمفسرين والبلاغيين القدماء الذين نظروا إلى ترابط النّص وتناسب أجزائه فظهر اتجاه بدأه جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا..وغيرهم ؛ وظهور هذا الاتجاه يعود إلى اتساع مجال العلوم وتطور أدوات البحث ووسائله ، وقد هيأ هذا الاتجاه للباحثين - فيما بعد – السبيل إلى دراسة النّص وبيان اتساقه.

     وقد توسع أمين الخولي في دراسته للنص القرآني وحاول الكشف عن منهجيتها ، إذ تعدت محاولاته التجديدية مجال النحو والبلاغة والأدب إلى التفسير، فمثّلت آراؤه الانطلاقة الحقيقية لدراسة النّص القرآني دراسة موضوعية أدبية تستشرف ترتيبه الزمني وتناسب موضوعاته ، ورأى أن النظرة التحليلية للتفسير القرآني ينبغي أن تمرّ عبر الفن الأدبي(( على أن النظرة البلاغية هي النظرة الأدبية الفنية التي تتمثل الجمال القولي في الأسلوب القرآني، وتستبين معارف هذا الجمال، وتستجلي قسماته في ذوق بارع قد استشف خصائص التراكيب العربية ،مضمنا إلى ذلك التأملات العميقة في التراكيب والأساليب القرآنية لمعرفة المزايا الخاصة بها بين آثار العربية)) ومن هذا المنطلق يكون التفسير الأدبي للنص القرآني هو المفضل والمقدم - لدى أمين الخولي- على بقية الاتجاهات التفسيرية فتتبع لغة القرآن الكريم وإدراك أسرار بلاغته وبناء أساليبه والإحاطة بظروف آياته وهذا يسهّل فهم العبارة وامتدادها المعرفي وافقها الفكري ، فالتركيب يفصح عن مكنون المعاني ويفسح مجالا للكشف عن مقاصد النّص الكريم.

 ودعا الدكتور محمد عبد الله دراز في دراساته وأبحاثه القرآنية إلى التدبر في اكتناه سور القرآن الكريم ؛ لأنّ كل واحدة منها تكشف عن بناء نصّي محكم ، والسور عنده وان كانت طويلة فإنها تتمتع بنسيج متماسك ((من المقاصد الكليّة ..في بنيان واحد ..لا تحس بشيء من تناكر الأوضاع في التقسيم والتنسيق ..بل إنها لتلتحم فيها كما تلتحم الأعضاء في جسم الإنسان)) ، وقد أشار إلى الوحدة العضوية في بناء السور القرآنية ، لارتباط بعضها ببعض فالسورة تتصف -عنده- بالتحام أجزائها من البداية إلى النهاية وواضح من كلامه انه يتكلم عن تماسك الآيات داخل السور.

وتوضح الدكتورة بنت الشاطئ هذا الانعطاف الجديد"التفسير الموضوعي" في تحليل النّص القرآني فتقول:((والأصل في منهج هذا التفسير- كما تلقيته عن أستاذي- هو التناول الموضوعي الذي يفرغ لدراسة الموضوع الواحد فيه ، فيجمع كل ما في القرآن منه ، ويهتدي بمألوف استعماله للألفاظ والأساليب بعد تحديد الدلالة اللغوية لكل ذاك ..وهو منهج يختلف..في تفسير القرآن سورة سورة ، يؤخذ اللفظ أو الآية فيه ، مقتطعا من سياقه العام في القرآن كله)) وتقرر أنها تحاول إدراك المعجزة ، وأن فهمها للنص القرآني نابع من روح العربية من خلال التتبع الدقيق لحركات ونبرات كلماته وأسلوبه ومعجم ألفاظه والنظر الدقيق لدلالة سياقه والتأمل المتأني إلى إيحاء تعبيره.في حين يرى محمد عزام أنّ هذا المنهج- الموضوعي- انتقل إلينا من أوربا وأمريكا وهو يعتمد العلوم المساعدة"التاريخ وعلم النفس وعلم الاجتماع والايدولوجيا".

       وتورد بنت الشاطئ شواهد من القرآن الكريم لتعضيد آرائها ، ومنها الوقوف على بعض المفاهيم ومحاولة استجلاء العناصر بغية الوصول إلى الحقيقة ورتق الخلل الذي وقع فيه بعض المفسرين ، فقد جاء في تفسير (مفاتيح الغيب) في معرض تفسيره للآية الكريمة ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣] معلّلاً ظاهرة احتباس الوحي عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم )أن جرواً كان للحسن والحسين "عليهما السلام" في بيت النبي مما أبطأ الوحي من النزول، ولما عاتب النبي جبريل قال:(( أَمَا عَلِمْتَ أَنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ..)) وقد عالجت بنت الشاطئ هذا الموقف بالرجوع إلى زمن النّص أي تاريخ الحدث "نزول الآية" فقالت:((ولا ادري كيف فاتهم أن الحسن والحسين رضي الله عنهما ولدا بعد الهجرة بثلاث سنوات وأربع ، وسورة الضحى من أوائل الوحي نزلت بمكة قبل الهجرة بسنين ، والذي يعطيه ظاهر النّص أنّ فتور الوحي ظاهرة طبيعية ، شأنها شأن سجوّ الليل بعد إشراق الضحى)) فأدراك السياق الزمني كشف عن مرمى النّص. وإذا أردنا أن نضيف على ما قالته الدكتورة بنت الشاطئ ونفسّر هذه الظاهرة تفسيراً نصّيّاً موضوعياً بالرجوع إلى القرآن الكريم والأحداث الحافة بالنّص،  يتحتم علينا النظر إليها من نواح متعددة من أهمها ما يأتي:

1- لو كانت الملائكة حقا لا تدخل مكانا فيه كلب ، فحق لنا أن نتساءل من كان يقلب أصحاب  الكهف في نومهم وبجنبهم كلب ، بل من كان يقلّب كلبهم نفسه أليست الملائكة.

2- وإذا كانت الملائكة تهبط على أصحاب الكهف وكلبهم فيه وهم فتية آمنوا بالله(أي ليسوا بأنبياء) فكيف لا تهبط على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وفي بيته جرو.

3- إن اختلاف الروايات في سبب نزول سورة الضحى وعدد أيام احتباس الوحي يؤكد ضعف تلك الأقاويل. 

4- ورد في أكثر الروايات أنّ الوحي احتبس مرتين ،الأولى: قبل نزول سورة المدثر أو المزمل ، وَالثَانِيَة: بعد ((نُزُولِ نَحْوٍ مِنْ ثَمَانِ سُوَر، أَيِ السُّوَرِ الَّتِي نَزَلَتْ بَعْدَ الْفَتْرَةِ الْأُولَى)) ومعنى هذا أن هذه الظاهرة مكررة لا نادرة الحدوث.

5- ويبدو أن احتباس الوحي له غاية ترمي إلى ((أنّ القرآن من عند الله إذ لو كان من عنده لما امتنع)) وهذا تأويل قريب من المغزى وواقع الأحداث.

6- وقد يكون تأخر الوحي لحكمة من الله تعالى للتخفيف عن نبيه مما أصابه من مشقة التبليغ وتحمل الأذى. 

         وفي الدراسات القرآنية ثمة إشارات كثيرة وردت فيها ملامح من التماسك  النّصيّ. 

(ب) نشأة الدراسات النّصيّة ومراحل تطورها

      إنّ الدراسات اللسانية الحديثة باتت تتوغل في أعماق النّص ومحيطه ، وتأخذ في التحليل بعدا أرحب ، وذلك لتحقيق الرغبة في الانطلاق إلى فناء أوسع للتركيب النّصيّ ، وتلبية للحاجة الملحّة إلى تجاوز النظرة الجزئية لتحليل الخطاب متخطية في ذلك المكونّات اللغوية إلى علوم أخرى تفاعلت معها تحت مفهوم العلوم المتداخلة الاختصاصات وفي منظومات معرفية مختلفة كاللسانيات النفسية والاجتماعية والفلسفية.. ومحاولة الوصول إلى منهج شامل.

   والبحث في مصطلح"النّص" ينبع من خواص نحوية ودلالية واتصالية لا يُفصل بينها وهو في ذلك يرتبط بعلوم البلاغة والشعر والأسلوب ، ولا ينضوي تحت أي علم منها، وهو بهذا يمثل مرحلة من مراحل تطوّر التحليل الفني ، وإنّه- من وجهة نظر مؤرخي علم النّص- لم ينشأ في مكان بعينه، أو زمان بعينه ، أو تناولته مدرسة أو تبناه اتجاه محدد ، وتعود بداياته الأولى إلى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، إلاّ أنّ الدكتور سعيد بحيري يرى أنّ البداية الفعلية لهذا العلم واكتمال ملامحه كانت في بداية السبعينيات وهذا ما ذهب إليه كلٌ من"مارغوت هاينمان M.Heinemann" و"فولفغنغ هاينمان W.Hienemanm" من أن أبحاث لسانيات النّص ظهرت في هذا التاريخ وأخذت مجالاً واسعاً في الدرس اللغوي. وهناك من يرى أنّ ظهوره كان في منتصف الستينيات أو في نهاية الستينيات وعُدّ فرعاً من الدراسات اللسانية.

     وقد وردت من ضمن الإشارات النّصيّة دعوة "باختينM.Bakhtin " بضرورة العناية بالنّص ؛ وذلك للكشف عن خبايا الكلام الذي لم تكشف عنه بعد حدود الجملة ، وقد أكّد في دراسته اللسانية تجاوز تلك الحدود والوصول بلسانيات التحليل إلى أبعد من ذلك ، وإن استعان بأنساق علمية أخرى لها علاقة ببناء النّص((كالتاريخ وعلم النفس وعلم الاجتماع والنقد الأدبي..)) ، ونجد كذلك إشارة "درسلرDressler"إلى العمل الذي قام به" هنري ويل H.weil" الذي يمكن أن نعدّ الأفكار الواردة فيه بدايات لعلم لغة النّص الحالي ؛ إذ قرن تتابع اللفظ إلى تتابع الأفكار مقتطعاً ذلك التتابع عن النحو ومقدّماً أفكار المعايير الوظيفية للجملة والمفهوم الخاص لأساليب الأفكار .ويومئ عدد من الباحثين إلى أنّ بداية النشوء للبحث النّصيّ يعود إلى الباحثة الامريكية"I.Nye" في رسالتها للدكتوراه سنة"1912" التي أشارت في فصل من رسالتها إلى الربط بين الجمل ، وتطرقت إلى ظاهرة التكرار ووظيفتها في خلق علاقات داخلية ، وقد حاولت اكتشاف حقيقة هذه العلاقات بناء على أسس نصيّة ، إذن فهناك محاولات ظهرت من هنا وهناك تشير إلى هذا العلم ، إلا أنّ من الدارسين من يرى أنّ علم اللغة النّصيّ"text linguistics" ظهر على يد الأمريكي"زيلج هاريس Z.Harris" سنة"1952" وتحديدا عندما نشر دراستين بعنوان تحليل الخطاب"Disiscourse analysis" وقد عدّت أعماله من المحاولات الفعلية الأولى في تحليل الخطاب ؛ لأنه تجاوز ما أرساه أستاذه "بلومفيلد  Bloomfield" ومدرسته التي وجدت أنّ الجملة اكبر وحدة قابلة للوصف النحوي ، وقد مال هاريس في دراساته إلى التحليل البنيوي للنصوص المفردة مستعينا بذلك بتقنيات التجزئة والاستبدال ووصل بمنهجه هذا إلى أقسام متكافئة من أجزاء نصيّة لابدّ من وجود ارتباط بين عناصرها ، ولكنّه صعب عليه مسّ العمليات المكونة للنص ؛ لأنه اقتصر في تحليله على سطح النّص، وإنّ لأيّةِ لغةٍ نظاماً مخصوصاً وهو اعتباطي الشكل عند "سوسير Saussure"((فموضع الكلمة في البنية محدد بالعلاقة مع الكلم الأخرى...والعناصر تتحدد بعلاقاتها داخل النظام أي بعلاقاتها مع العناصر الأخرى)) وهذه الأفكار جاءت تطويرا لآراء سوسير الذي سبقهم بقوله:((يعتمد كل شيء في الحالة اللغوية على العلاقات)) والنحو عند سوسير يدخل في حقل العلاقات السياقية والترابط القواعدي بين العمليات والمفاهيم ويتخذ-عنده- أهمية كبرى وبخاصة مع توسع التحليل الاستبدالي وتعمقه والعلاقات هذه طرقها عبد القاهر الجرجاني كما أثبتنا ذلك فيما سبق.

 وعلم اللغة المعاصر- حسب ما يرى "جاكوبسون Jakobson"- لا يعالج اللغة بوصفها تكتلا آليا بل مجموعاً بنيوياً مهمته الأساسية((الكشف عن القوانين الداخلية لهذا النظام سواء كانت قوانين ثابتة أم متطورة))، ومن هنا فالرؤية اللغوية بدأت تقترب من التحليل الأدبي وتتمازج وتحاول أن تثبت اشتغالها فيه ، وأصبح هذا التمازج مدار اهتمام الدارسين . وقد تطور البحث اللغوي بعد سوسير فظهر"المنهج التحويلي"الذي دعا إليه الأمريكي"نعوم جومسكي Noam Chomsky" مستفيدا من دراسات سابقيه ((فرانز بواز، وادوارد سابير، وليونارد بلومفيلد ونظريته القائمة على تحليل الجملة لمكوناتها النحوية المباشرة...وأفاد كذلك مما قيل في نظرية المورفيم مثلما أفاد أيضاً من زيلغ هاريسHarris وكتابه تحليل الخطاب))، ومن أبحاثه أنّ الجملة تبنى على طريقة الاستدعاء النفسي ، فالابتداء بالمعرف يتطلب بعد أداة التعريف اسما ، فلو قال المتكلم"the" لجاء بعدها اسم يقع بشكل توزيعي بعد المعرّف وتذكّرَ على سبيل المثال كلمة"student" فيتكون في هذه الحالة مركب نحوي اسمي"the student" ويحتاج هذا المركب إلى فائدة يتمم بها الجملة وترتبط به وتستدعيه بناءً على الربط النفسي بين الألفاظ ، فيقول: "reads" وهذه الكلمة تطلب شيئاً آخر يقع عليه فعل القراءة ولما كان الكتاب هو المطلوب في السلم التوزيعي بعد المعرف أو دون المعرف فمن المتوقع أن ينطق المتكلم بــــ "a book"فتكون الجملة بحسب ما يأتي:

The student reads a book

فقد استدعى كل عنصر من عناصر الجملة العنصر الذي يليه حتى تصل حدا لا تقبل ما يضاف إليها ، فيبدأ المنشئ بتكوين جملة أخرى وهكذا.. وبهذا يكون المنهج التحويلي التوليدي توسعاً لآراء سوسير التي تعتمد- بحسب رأي جومسكي-على "البنية السطحية" للكلام أي التراكيب اللغوية من دون الولوج إلى عمق التعبير"البنية العميقة"للكلام ، فاللغة الناطقة تحمل في طياتها مجموعة من المعاني موغلة في النفس الإنسانية وهي تسير في اتجاهين:النشاط الإبداعي"الظاهرة اللغوية" والنشاط العقلي"اللغة" ويرتبط ذلك بشكلين خارجي آلي وداخلي عضوي ، والداخلي العضوي هو الأساس في التحليل اللساني ؛ لأنّه يرتبط بالبنية العميقة .

وتأثر علماء النّص - فيما بعد- بآراء جومسكي لما فيها من عمق في التحليل على الرغم من وجود بعض الثغرات ، ومنها أنها تحولت إلى نوع من التعقيد والتجريد وهذا أدى إلى انحسار الانتفاع بها ، وعلى هذا تكون((نشأة اللسانيات النّصيّة مدينة للنحو التوليدي الذي أسهم بشكل مباشر في الانتقال من بنية الجملة ومكوناتها القاعدية إلى البحث المنظم في العلاقات بين الجمل في بنية اكبر يمثلها النّص)) وهي انتقالة نوعية في تحليل النّص.

      وظهرت في السبعينيات دراسات مهمة تتسم بالعمق والتوغل في فهم النّص وعدم انحسار التحليل في اتجاه معين يكمم أفواه النّص ويبتعد عن الغاية الكبرى لوظيفة اللغة واجتماعيتها ، وتعد دراسات الهولندي"فان دايكT.A.van Dijk " ذات قيمة كبيرة في الدراسات النّصيّة وهو يمثل الثمرة الحقيقية لتلك الإرهاصات في أبحاثه لما عرضه من أفكار توحي إلى الإحاطة والتبصر وقد حظيت بعناية كثير من الدارسين ، وقدم أفكاره وقرّبها بالأمثلة ، التي تنم عن عمق تفكيره وبراعة أسلوبه في العرض، وكانت بدايات مشاركاته في اللسانيات النّصيّة في سنة "1972"عندما نشر رسالته "بعض معاني ضروب نحو النّص some Aspects of text Grammar" ، وهو بهذه المحاولات يسعى إلى تخطي عتبة النّص ومحدوديته ، ولم تقتصر ملاحظاته على نمط خاص من النحو بل تعدتها إلى بعض مجالات الفلسفة والمنطق الفلسفي وعلم النفس المعرفي ، والذكاء الصناعي ، فأصبحت النظرة إلى النّص  بحثاً واستكشافا لا تقييدا أو حصرا في الجملة ، والجمل في النّص تشتبك بعلاقات مميزة لا مجرد تتابع نحوي .

      وقد نضجت دراسات فان دايك في سنة"1977" في كتابه "النّص والسياق" وشملت الترابط الطبيعي بين القضايا وتعدت ذلك إلى شروط الاتساق آخذة بالحسبان المجال التداولي وباعتبار أفعال الكلام وترتيبها، ورأى أنّ النّص واسع المضمار وله مناح عديدة تتعدى اللغة إلى مجال متعدد الاختصاصات ومتداخلة ؛ لذا أشتهر فان دايك في دراسات علم النّص على الرغم من وجود عدد كبير من اللغويين المعاصرين له والذين بحثوا في الدرس النّصيّ أمثال:شتمبل Stempel وجليسون  Gleason وهارفج Harweg وشميث Schmidt ودريسلرDressler وبرينكرBrinker . ثم تتالت الأبحاث في هذا المضمار ومنها ما نشره "هاليدايHalliday " من دراسة حول "سياق المقام context of situation" وأكد أنَّ اللغة ظاهرة اجتماعية , منتقدا لسابقيه في دراسة العلاقة بشكل جزئي معزول بخلاف منهجه الذي يتجه إلى دراسة العلامة بوصفها نظاماً للمعاني sign system وكان الأساس في دراسته للعلامة هو البعد الوظيفي متجاوزا نظم اللغة إلى مجالات التعبير عن المعنى في الفنون المختلفة كالموسيقى والرقص والنحت. 

       وفي كتاب مشترك لهاليداي ورقية حسن سنة"1976" "التماسك في الانكليزيةcohesion in English" وصفا فيه أسس العلاقة بين النّص والتماسك ، وهو كتاب يتألف من مدخل وسبعة فصول تناولا فيه مجموعة من المفاهيم التي تخص النّص، منها :النّص والنّصيّة والاتساق..وعناصر التماسك كالإحالة والاستبدال والحذف , والوصل , والاتساق المعجمي ثم اتجها إلى تحليل بعض النّصوص للتطبيق على تلك المفاهيم، وكانت عناية المؤلفين تدور حول وحدة النّص وتماسكه من خلال التنبيه إلى أن النّص يؤلف وحدة دلالية , وهذا ما ذهب إليه "فان دايك" من كون النّص "وحدة مجردة عليا".

      ويطل علينا اللغوي الأمريكي "روبرت دي بوجراند Robert De Beaugrande" الذي أفاد من جهود سابقيه في هذا المجال ، وقد أشاد بآراء فان دايك ونقل عنه كلاما يقول فيه: ((لا يخضع علم النّص لنظرية محددة أو طريقة مميزة , وإنما يخضع لسائر الأعمال في مجال اللغة التي تتخذ من النّص مجالا لبحثها واستقصائها)) إذن  فليس هناك نظرية أو اتجاه يحكم دراسة النّص , فالأبواب العلمية مفتحة والعلاقات واسعة متشعبة . 

    ويرى دي بوجراند أن نشأة الدراسات النّصيّة تعود بداياتها إلى العلوم البلاغية التي ظهرت في العصور الكلاسيكية القديمة"اليونانية – الرومانية - العصور الوسطى" وكانت حاجة البلاغيين في تلك الحقبة((إلى تدريب الخطباء في أربعة مجالات هي مجال إنشاء الأفكارInvention ، ومجال تنظيمهاDisposition ، ومجال إيجاد التعبيرات المناسبة لهاElocution ، ومجال حفظهاMorization  وذلك قبل عملية الإلقاء)).

     ووسع دي بوجراند دراساته ولم يقبل من الوصفيين تجزئة النماذج إلى وحدات صغرى ، وتجاهل النظرة الشاملة للنص ، ولم يرض من التوليديين الذين اتخذوا من القواعد النحوية مجالا في تحديد الضوابط التي تحدد ما ينتمي إلى اللغة وما لا ينتمي ، وتقضي بافتراض أن المركبات صالحة لإنتاج جمل لانهاية لها باستعمال ضوابط مناسبة معتمدين بهذا على علمي المنطق الصوري والرياضيات ، وهذا ما جعل دي بوجراند ينظر إلى المشكلة من جانب الترابط الرصفي والترابط المفهومي ، فالأول يمثل الجانب النحوي والثاني يمثل النحو الدلالي ، وحاول دي بوجراند- في كتابه النّص والخطاب والإجراء- أن يحدد مجال الدراسات النّصيّة ويضع لها المبادئ العامة بوصفها نشاطا إنسانيا ، يقول:((فلقد كتبت لأوّحد البحوث التي تتناول ذلك من مجالات متصلة باللغة ، كعلم النفس المعرفي والاجتماع اللغوي ، والحاسب الآلي..))

     وعدّ محمد خطابي كتاب"تحليل الخطابDiscourse analysis " لمؤلفيه"يول G.Yule وبراون G.Broun" نقلة نوعية في مجال تحليل الخطاب ، وقد ضمّ هذا الكتاب مجموعة من المقاربات التي تعالج تحليل الخطاب ، فثمة تحليل اجتماعي للخطاب وتحليل نفسي وبلاغي..وقد أكد الباحثان على سلطة الإنسان اللغوية ؛ وذلك بوضعه في قلب عملية التواصل، وعلى هذا نرى أن نشأة دراسة النّص مرت بمراحل إلى أن أصبحت علما استقطب المهتمين بالنّص من اللغويين والنقاد.

       أما في الدراسات النّصيّة العربية الحديثة فظهرت أصوات تنادي بالتوسع في التحليل وان يتجاوز البحث مجال الكلمة المفردة والجملة الواحدة إلى مدى ابعد ، منها على سبيل المثال قول أمين الخولي في تجديد البلاغة:((تبدأ البلاغة على آخر نظام لها بالبحث في المفردات وخصائصها ، وهو علم المعاني ثم البحث في المركبات ودلالاتها ، وهو علم البيان ، ثم تحسين ثانوي وهو علم البديع ، وفي هذا كله لم يتعد البحث دائرة الجملة..أما وراء بحث الجملة فلا تجد شيئا))، وهذا كلام فيه تعسف وقسوة تجاه البلاغة العربية ، والإطلاق في الحكم يجعل منجز البلاغيين في درجة واحدة لا مزية لأحد على آخر، وكأن الخولي بنى حكمه هذا على كتاب مفتاح العلوم للسكاكي الذي عدّ البديع تحسين الكلام أي وجه شكلي، ويقول أمين الخولي:((وأما التحلية فبأشياء , منها توسعة دائرة البحث وبسط افقه فلا يقصر على الجملة كما كان في القديم من عمل المدرسة الكلامية , الذي لم تأتِ المدرسة الأدبية بعده بشيء ذي غناء , فإننا اليوم نمد البحث بعد الجملة إلى الفقرة الأدبية , ثم إلى القطعة الكاملة من الشعر والنثر . ننظر إليها نظرتنا إلى كل متماسك وهيكل متواصل الأجزاء , نقدر تناسقه وجمال أجزائه , وحسن ائتلافه)) وقد أثنى الدكتور جميل عبد المجيد على أمين الخولي في هذا القول ووصف دراسته بأنها الأولى والرائدة ((التي دعت إلى تجاوز البحث البلاغي من إطار الجملة إلى إطار النّص))وهذه الآراء تحتاج إلى وقفة ونظر ويمكن أن نجمل ما نراه بحسب ما يأتي:

1- إنّ الدراسات الحديثة أثبتت أن البحث النّصيّ هو امتداد للبلاغة.

2- إنّ أمين الخولي قد أغفل جهود عبد القاهر الجرجاني في نظريته "النظم"ونظرته إلى النّص عن طريق التعليق ، وأغفل جهود الزمخشري والبقاعي والسيوطي..وغيرهم.

3- لو قال إنّ النحويين لم يتجاوزوا الجملة لكان اقرب إلى الصحة من اتهامه للبلاغيين.

4- ادعى لنفسه الأولية بقوله:"إننا اليوم نمد البحث بعد الجملة إلى الفقرة" ولم يذكر ما جاء من إشارات في الموروث البلاغي تدل على تجاوز الجمل في التحليل.

5- إذا كان علم البديع تحسينا ثانويا"شكليا" ويختص بالجمل- بحسب قول أمين الخولي- فكيف أثبت الدكتور جميل عبد المجيد في كتابه(البديع بين البلاغة العربية واللسانيات النّصيّة) الصلة"الربط" بين البديع والدراسات النّصيّة ، وأنّ في البديع سبكا وحبكا وربطا..وأشار إلى التفاتات البلاغيين في هذا الجانب.

     وظهرت دراسات عربية معاصرة في علم النّص تناولت مفاهيمه وآلياته الحديثة ، منها ما جاء في كتاب"في معرفة النّص" للدكتورة يمنى العيد1983 وفيه إشارات لبعض آليات النّص. وكتاب"دينامية النّص تنظير وانجاز" للدكتور محمد مفتاح 1987 . وكتاب "لسانيات النّص مدخل إلى انسجام الخطاب"لمحمد خطابي 1988. وكتاب "انفتاح النّص الروائي النّص والسياق" لسعيد يقطين1989 الذي تناول فيه بعض أدوات علم اللغة النّصيّ. وبحث للدكتور سعد عبد العزيز مصلوح عنوانه" نحو اجرومية للنص الشعري دراسة في قصيدة جاهلية " مجلة فصول المجلد العاشر 1991، وأعيد طبعه ضمن كتاب "في البلاغة العربية والأسلوبيات النّصيّة2003".  وكتاب"نسيج النّص بحث في ما به يكون الملفوظ نصا" للأزهر الزناد 1993.وكتاب "علم لغة النّص المفاهيم والاتجاهات" للدكتور سعيد حسن بحيري 1997. وكتاب "علم اللغة النّصيّ بين النظرية والتطبيق دراسة تطبيقية على السور المكية" للدكتور صبحي الفقي 2000...وغيرها. وبعد ذلك تتابعت البحوث والدراسات والكتب والترجمات ، وقد تأثر اللغويون والنقاد العرب بالدراسات الأجنبية.

(ت) مصطلحات النّص وتعدد المفاهيم

         لقد سلك اللغويون سبلاً عديدة من اجل الوقوف على المعنى والوصول إليه بدءاً من أصغر عنصر"المورفيم" إلى الكلمة ، ثم إلى الجملة ثم إلى النّص ، وقد برزت العناية بالجملة بشكل كبير ؛ لذلك حدد بلومفيلد الجملة بعدِّها((اكبر وحدة قابلة للوصف النحوي)) ، وإذا كانت الجملة تمثل الوحدة الكبرى فهذا يعني وجود شبكة لسانية داخلية مترابطة تتولى الكشف عن نظمها، والكلمات في الجمل لها وظائف فهي كبقية الرموز والعلامات لها سمة مميزة ((فكل كلمة ، تسمع أو تنطق ، أو تترك في أثرها مجموعة من الانطباعات في ذهن كل من المتكلم والسامع)) تشد ذهن المتلقي لإدراك المغزى وتألّف صوراً داخل الذهن.

      وقد برزت العناية بالجملة ؛لأنها ((من أهم وحدات المعنى ، بل ويعتبرها بعضهم أهم من الكلمة نفسها ، وعند هؤلاء لا يوجد معنى منفصل للكلمة وإنما معناها في الجملة التي ترد فيها)) فالكلمة- بحسب هذا الرأي- تكتسب معانيها من السياق"سياق الجملة" وارتباط دلالتها يأتي من خلال وضعها في نسق الجملة.

    ومصطلح الجملة يصعب حده وتعريفه وقد أخذ معناه صورا مختلفة ، وتعددت تعريفاته حتى وصلت إلى ما يقارب من ثلاثمائة تعريف أحصى"ريزر Razer" منها في سنة"1931" مائة وأربعين تعريفا يختلف فيما بينها إلى نوع ما بحسب تعاطي المعرفين له ، ولعل مرد هذا الاختلاف يعود إلى تنوع المدارس اللغوية وتعدد اتجاهاتها.

      وتضع مدرسة براغ في تحليلها للأبنية التركيبية نوعا من التحليل أطلقت عليه المنظور الوظيفي للجملة ، ينهض هذا المفهوم من جانب اتصالي للغة ، واللغة تستعمل بوصفها وسيلة للتعبير والتأثير وتقع ضمن الواقع الذي تحيا فيه. والجملة بالمعنى الوظيفي تتكون من ركنين المسند والمسند إليه وهذا البناء غالبا ما يمثل الترتيب المألوف أي نسق الجملة المحايد في الاستعمال الاعتيادي ، أما إذا أراد المتكلم جلب الانتباه أو التركيز على عنصر معين في الجملة يلجأ إلى خرق هذا النسق الطبيعي فيقدم ويؤخر ويبادل في مواقع المسند والمسند إليه. 

      وتأليف الجملة من ركنين مسند ومسند إليه – عند النحاة - يعرف في علم اللغة الحديث الجملة النواة "phrase moyau "أو مصطلح "الجملة البسيطة" أو "الجملة الصغرى" وإذا تداخلت أكثر من جملة في التركيب يطلق عليها"الجملة المركبة" وبهذا تكون الجملة البسيطة((نموذج للبنية الأساسية التي تتوالد عنها أشكال نحوية متنوعة ومتعددة)).

    وجعل الأزهر الزناد الجملة جزءا من الكلام وهي عنده - نظريا-على نوعين :

1- جملة نظام  system sentenceوهو شكل الجملة المجرد الذي يولّد جميع الجمل الممكنة والمقبولة في نحو لغة ما.

2- جملة نصيّة text sentence  وهي الجملة المنجزة فعلا في المقام وفي هذا المقام تتوفر ملابسات لا يمكن حصرها.

       فالنوع الأول يمثل نزعة التوليديين التحويليين من النحاة ، وهو يعطي بعدا استقلاليا للجملة بعيدا عن السياق.والنوع الثاني يقوم على ترابط الجمل التي يضمها النّص وتتضمن معنى داخل السياق بناء على ملابسات كثيرة.

       وتؤلف دراسة الجملة هدفا لكثير من الدارسين تجسدت في أبحاثهم إلا أنّ الأغلبية من العلماء رفضوا التقييد بهذه الفكرة وقاموا بتوسيع دراساتهم إلى ما فوق الجملة أي إلى دراسة النّص  ويعود رأي الرافضين لنحو الجملة إلى عنصر التواصل ، الذي لا يتحقق ((في جمل مفردة منعزلة بل في تتابعات مجاوزة للجملة مترابطة)).

      أما النّص(كلمة) فيتعذر تحديد مفهوم خاص به ، وهو في ذلك يشبه مصطلح الجملة من حيث التعدد والاختلاف والكثرة ، وتضع الدراسات اللسانية الحديثة أسماء تلتصق كثيرا بالنّص"text" وكلها روافد تصب في بحر النّص الهدف منها الانعتاق من قيد الجملة والانفلات إلى أفق ابعد يمتد((من دراسة الجملة كمنجز بالإمكان إلى دراسة العبارة كمنجز بالفعل ، كما انتقلت من دائرة التركيب في النحو إلى دائرة التركيب في بناء النّص)) ومادام هذا العلم"النّص" لم تستقر مفاهيمه أو تصوراته أو مناهجه بعد، لذا من الصعوبة تحديد شكله ومصطلحه بصورة دقيقة ، فلم يفرق الأزهر الزناد بين لسانيات النّص ونحو النّص ، وعنده أن النّص علم قديم تشترك فيه عدة علوم متشابكة ، وقد التحق باللسانيات.

     أما مصطلح النّص فقد تعددت تعريفاته وتشعبت نواحيه تباعدت واقتربت بحسب مدارس البحث واجتهادات الدارسين ومناهجهم واتجاهاتهم ويمكن تقسيمها على النحو الأتي:

1- تعريفات بنيوية: وهي عند أصحابها قطع النّص عن مبدعه وعن سياقاته التاريخية والاجتماعية والنفسية ، والنّص عندهم بنية مغلقة.

2- تعريفات سيميائية : وجاءت على أنقاض البنيوية وقرنت مصطلح النّص بالتناص .

3- تعريفات علماء اللغة الاجتماعيين : ربط أصحاب هذا الاتجاه النّص بالأرضية الاجتماعية التي نبت فيها. 

4- تعريفات لسانيات النّص وتحليل الخطاب: وهدف هذه المجموعة هي تجاوز مجال الجملة إلى فضاء النّص ، وهو ثمرة تضافر معارف لسانية واجتماعية وفلسفية اتسمت بالبحث والعناية .

      يرى "هيالمسليف Hjelmslev" أنّ النّص "text" يتخذ معنى واسعا جدا فيطلقه على أي ملفوظ أي كلام منفذ قديما أو حديثا مكتوبا أو محكيا طويلا أو قصيرا ، وكلمة "قفstop "- في نظره – نص كما تُعدّ رواية بكاملها نصاً ، وهذا المفهوم يأخذ بنظر الاعتبار الظروف الاجتماعية والبيئة التي ينتج فيها النّص ، فكلمة "قف" تحمل في طياتها معاني معرفية ومقامية فهي نص مختزل في كلمة واحدة.

     وإذا كانت الكلمة – عند هيالمسليف – تمثل نصا فعند "هارتمانHartmann " النّص ((متتالية من الكلمات تكون ملفوظا منجزا)) ، ومن الكلمة والكلمات يتجه التعريف إلى الجملة وتتالي الجمل ، فيتكئ "تودوروف Todorov" على رأي هيالمسليف في تعريف النّص مع التوسع وذلك في استبدال الكلمة بالجملة ، يقول : ((فالنّص يمكن أن يتطابق مع جملة كما يمكن أن يتطابق مع كتاب كامل)) ويطفح من هذه التعريفات وأمثالها عنصرا الإبلاغ والتواصل داخل المنظومة الاجتماعية ، والنّص- بحسب هذا المنظور- يمثل الاكتمال ولا يقاس بالطول أو الحجم وإنما ينبع من مبنى لغوي يسعى للتعبير عن فكرة واضحة، ويحصر"س.يشميث Schmidt" النّص في الجزء اللغوي من حقل التواصل ، فهو عنده ((كل جزء لغوي منطوق من فعل التواصل في حدث التواصل ، يحدد من جهة الموضوع ويفي بوظيفة تواصلية..[أو]..كمّاً من المنطوقات في وظيفة)).

       وقد اتسع مفهوم النّص بعد أن كان يُنظر إليه بوصفه بنية مغلقة تنشأ بين مكوناتها علاقات حميمة ، فالنّص- بحسب كالماير kallmeyer وآخرين- بات يشمل كل الإشارات النّصيّة التي تأتي في تفاعل اتصالي ، وهذا الانفتاح في التعريف جعل النّص يضم علامات اتصالية غير لغوية ، فصفارة الإنذار أو الصور الرمزية أو إشارات المرور الضوئية وكذلك إيماءات اليد المصاحبة للمنطوق وغير المنطوق "إشارات الأخرس" ، وأشكال التعبير الأخرى مثل حركة الوجه أو ما يسمى بـ "لغة الجسد"..وغيرها إشارات نصّيّة تدخل ضمن إطار الاتصال وهي علامات تعبيرية تستبدل أحيانا بالأصوات والإشارات اللغوية، وغالبا ما تأخذ تلك الإشارات مجالا واسعا عند المبدع ، يقول عمر بن أبي ربيعة:

وَلَمّا الْتَقَيْناَ بِالثَّنيَّةِ أَومَضَتْ    مَخَافَةَ عَيْنِ الْكاَشِحِ المُتَنَمِّمِ   

أَشَارَتْ بِطَرْفِ الْعَيْنِ خَشْيَةَ أَهْلِهَا      إِشَارَةَ مَحْزُونٍ وَلَمْ تَتَكَلَّمِ   

فَأَيْقَنْتُ أَنَّ الطَّرْفَ قَدْ قَالَ مَرْحَباً      وَأَهْلاً وَسَهْلاً بِالْحَبِيبِ المُتَيَّمِ  

        فالطرف يقول ويحيي الحبيب وله لغة اتصالية بعدما تعطلت آلة الكلام مخافة الأعداء المبغضين ، إذن فثمة نص مضمر حكته العين بالنظرات. ويمكن أن يتوزع النّص على وجوه منها:

النّص إبلاغي/تواصلي إبداعي/فني

1.لغوي 

2.علاماتي"غير لغوي"

أصوات

بصري

شمي


اللمس

الذوق

لغة التواصل اليومية"عقود ،معاملات.."


جرس المدرسة، رنة الهاتف،تنبيه الساعة..

علامات المرور، الأسهم الدالة..

الروائح الطبيعية"الأطعمة، الورد.."


لمس الأشياء الطبيعي

الذوق الطبيعي للأشياء شعر ،نثر فني


الموسيقى"التصويرية، السمفونيات.."

الرسوم التشكيلية، رسوم الكاريكاتير..

روائح توحي إلى التماسك والجذب، أو ما تستعمل للطقوس الخاصة 

اللمس القصدي"الضغط على اليد عند المصافحة للدلالة على حرارة اللقاء.."

الذوق الفني"خمر الريق، حنظل الفراق.."


      وإلى مثل هذا ذهبت "جوليا كرستيفا J- Kristeva" في تجاوزها المهمة الاتصالية للغة وتحرير النّص من الانغلاق الذي تبنته البنيوية ، واتجهت إلى التداخل والتقاطع في عالم أشياء النّص من خلال زاوية التناص ، وهي تتجه إلى النّص من منظور سيميائي فالنّص-عندها-((جهاز عبر لغوي ، يعيد توزيع نظام اللغة ، يكشف العلاقة بين الكلمات التواصلية مشيرا إلى بيانات مباشرة تربطها بأنماط مختلفة من الأقوال السابقة والمتزامنة معها))، وهذا الفهم للنص يتعارض مع الرأي الذي صرح به "رولان بارت Barthes" من أنّ النّص سطح ظاهري للعمل الأدبي وهو نسيج من الكلمات المنضوية في التأليف والمنسقة بحيث تفرض شكلا ثابتا ووحيدا ، وقد انطلق "فان دايك" من وجهة نظر نصّيّ إذ لم يحصر تعريفه للنص على البنية السطحية وإنما تجاوزها إلى البنية العميقة معرفا النّص((بأنه بنية سطحية توجهها وتحفزها بنية عميقة دلالية)) ، وأن افتراض بنية عميقة للنصوص – على رأي فان دايك - يدعم الجوانب الآتية:

1- التماسك الدلالي للنصوص وهو ظاهرة تركيبية عميقة.

2- إمكانية اختصار نص في عنوان أو غيره.

3- إمكانية تذكر"مضمون" نص طويل "حتى لو لم نستعمل الوحدات المعجمية للنص ذاته".

4- إمكانية كتابة نصوص مختلفة ذات بنية عميقة دلالية مطابقة كالمحاكاة تقريبا وفي المعالجة الدرامية أو السينمائية لرواية..

     ويضيف"فان دايك"- بعد ذلك- أنّ تمييز خواص الاتساق في متتالية مركبة من الجمل تحتاج إلى دلالة مناسبة فالجمل لا تؤول بشكل نماذج معزولة وإنما ترابط الجمل مندرج في نماذج متصلة. وقد نال تعريف كرستيفا- السابق- عناية أكثر الباحثين بسبب عدم الاقتصار على السياقات السطحية للنص ؛ وإنما يتجه إلى الاعتناء بالوشائج والقرائن التي تحكم بناءه والخوض في تراكيبه العلاماتية البارزة ، فهي ظاهرة لغوية ؛ لكنها متحررة وغير منحصرة في مقولاتها، وهذا النموذج السيميائي كان قائماً عند سوسير على فكرة الأنظمة ؛ لأنّ مفهوم اللغة عنده ((نظام من العلامات ، وهي أيضا نظام من القيم وهي نظام العلاقات الداخلية والخارجية)).ولاشك في أن كرستيفا قد تأثرت بهذا الرأي فأحالت النّصوص إلى مرجعيات تاريخية واجتماعية متحركة لا تقتصر على التقنين النحوي والنظام الثابت للغة التواصلية ، فالنّص يمر عبر بنية مركبة تتم في مادة اللسان والتاريخ الاجتماعي، وعلى هذا المنطلق يكون النّص عملية إنتاجية تنهض بأمرين هما:

1- علاقته باللغة التي يقع ضمنها فتصبح من قبيل إعادة التوزيع عن طريق التفكيك وإعادة البناء ؛ وهذا ما يجعله صالحا لأن يعالج بمقولات منطقية ورياضية أكثر من صلاحية المقولات اللغوية الصرف.

2- يمثل النّص عملية استبدال من نصوص أخرى "تناص".

  ويقتفي"هارتمان " خطى سوسير وكرستيفا فيصف اللغة المستعملة بأنها الموضوع الفعلي أي العلامة الفعلية المنظمة ،وهذه العلامة إمّا تقترب من النّص أو هي النّص ، والنّص - بحسب رأيه -((أي قطعة ذات دلالة وذات وظيفة ، ومن ثم فهي قطعة مثمرة من الكلام )) وقد حدد النّص بشروط "قطعة – لها دلالة – لها وظيفة – مثمرة أي ذات فائدة". 

      ويرى بعض علماء اللغة - ولاسيما الاجتماعيين منهم - أن النّص ظاهرة لغوية لها وظائف اجتماعية تستعمل للتعبير عن تجربة المتكلم إزاء الواقع الذي يعيش فيه سواء كانت العلاقة بالعالم الخارجي أم بذات المتكلم وترتبط بطبقات مقامية هي محل الانجاز وهذه الوظيفة تمكن المنشئ من تأليف النّص ، وفي هذا الصدد يرى "لوتمان "Lotmam أنّ الوقوف على دلالة النّص الأدبي قاصرة من دون الوقوف على معان من الممارسات الثقافية المعاصرة لها في مجال التشابه والتكامل وفي اشتراكها للمحتوى الاجتماعي، والأمر نفسه نجده عند سعيد يقطين ، فالنّص ((بنية دلالية تنتجها ذات "فردية أو جماعية "ضمن بنية نصّيّة منتجة ، وفي إطار بنيات ثقافية واجتماعية محددة)).

       وثمة تعريفات تولي العناية بتماسك النّص في الصورة والإنتاج من خلال عناصره واستثمار مكوناته الأصلية والفرعية في الصياغة والتأليف، فتكسر النظرة الضيقة للنص وتبرز ما فيه من شبكات علائقية تنهض على منطق الترابط الذي يلجا إلى تبني أدوات ووسائل تقوم بتشغيل تلك الأواصر عبر مستوياتها المختلفة بشكل يتناسب وتكوين النّص، وربما تبرز في النّص صور متنافرة أو ألفاظ متناقضة فعمل المحلل إيجاد الخيط الذي يربط هذه الأشياء- وان كان دقيقا في بعض الأحيان- باعتماده الحدس الذهني الذي يفسر جوهر المحتوى. 

      ومن التعريفات التي تذهب إلى تماسك النّص تعريف"هارفجHarweg " الذي يعد النّص ((وحدات لغوية متتابعة مبنية بسلاسل وإضمار متصلة)) وهو بذلك يؤكد الترابط التتابعي للنص من خلال أدوات لغوية تقوم بهذه المهمة.

        ويتوسع "برينكرBrinker" في تحديد تعريف للنص على وفق التماسك إلى ثلاثة أشكال:

1- النّص تتابع متماسك من الجمل.

2- النّص مجموعة منظمة من القضايا أو المركبات تترابط بعضها مع بعض من خلال علاقات منطقية دلالية.

3- النّص ربط أفقي أو متدرج لأفعال كلامية.

     ونستنتج من هذه التعريفات أنّ برينكر قد تجاوز التماسك الشكلي العام في التعريف الأول إلى التماسك الدلالي في التعريف الثاني، فالكلام قضايا ومفاهيم دلالية تجمع بينها وحدة الموضوع، وقد أضاف في التعريف الثالث عنصر التماسك التداولي للنص بوصفه أداة اتصال من خلالها ندرك مقاصد معيّنة.

     وقد تناول "هاليداي ورقية حسن" النّص من ناحية الدرس اللساني الوصفي ومن زاوية لسانيات النّص، وقد أشارا إلى أنّ كلمة "النّصText " تستعمل في العلوم اللغوية لتشير إلى أية فقرة مكتوبة أو منطوقة مهما كان طولها ، بشرط أن تكون وحدة متكاملة وهنا لم يعر المؤلفان أيّة أهمية لعامل طول النّص أو قصره ولا بكونه ملفوظا أو مكتوبا ، وإنما اشترطا وحدته الكلية . ونظرا - من جانب آخر- إلى النّص على ((أنّه وحدة دلالية ASemantic unit، وهذه الوحدة ليست شكلا Form  لكنها معنى Meaning. لذا أنه – أي النّص – يتصل بالعبارة أو الجملة بالإدراك لا بالحجمRealization...)) ، وهذا يعني أنّ اللغة لها وظائف تؤديها في بعض السياقات لتفصح عن الدلالات المقصودة التي يحاول بثها المرسل.

     نستنتج مما تقدم أن النّص لا يُحدد بطول أو بقصر أو بجملة أو عدة جمل وليس تتابع الجمل في كل الأحوال مقبولا فربما تكون سلسلة التتابع غير مألوفة ، فيكون النّص قد اختلت قواعده وفقد مكانته النّصيّة التأثيرية، ولا يحدد النّص بفقرة أو مسرحية أو رواية أو فلم سينمائي بل ربما يتألف من كلمة واحدة لها مرجعية مقامية ،فكلمة "أرسلت"-على سبيل المثال- الذي يدل سياقها الثقافي على نزول الغيث عند العرب ، نص كامل ، كذلك يمكن أن يكون الحرف نصاً إذا تداخل في أسلوب حواري أو حجاجي فالحرف"رِ" يدل على مكون أمري ضمن فعل الكلام النّصيّ إذا وقع في سياقه اللغوي الاتصالي ؛ لأنّ النّص- بحسب دي بوجراند- ((تشكيلة لغوية ذات معنى تستهدف الاتصال)) ولا يقتصر النّص على المنجز اللغوي بل يتعداه إلى العلامات التي تدل على أغراض ولها دلالات نصّيّة تدرس الآن ضمن علم اللغة النّصيّ.

     وقد اتخذ دي بوجراند وزميله دريسلر معايير سبعة في دراسة النّص وتقويمه وهي في رأيهما معايير لا غنى عنها لتوفر صفة النّصيّة في اي تشكيلة لغوية وهذه المعايير هي:الأول:السبك أو التضامCohesion: وهو يشمل على الإجراءات المستعملة في توفير الترابط بين عناصر  ظاهر النّص كبناء العبارات والجمل واستعمال الضمائر وغيرها من الأشكال البديلة.والثاني:الالتحام أو التقارنCoherence :وهو يشتمل على الإجراءات المستعملة في إثارة عناصر المعرفة من مفاهيم وعلاقات ، منها علاقات منطقية كالسببية ، ومنها معرفة كيفية تنظيم الحوادث ، ومنها أيضا مدخل إلى علم النّص.والثالث:القصد أو القصدية Intentionality:  أي قصدية المنتج توفير التضام والتقارن في النّص وان يكون أداة لخطة موجهة إلى الهدف.والرابع:القبول أو التقبليةAcceptability :أي تقبلية المستقبل للنص بوصفه متضاما متقارنا ذا نفع للمستقبل أو ذا صلة ما به.والخامس:المقامية أو الموقفيةSituationality:وهي تشتمل على العوامل التي تجعل النّص ذا صلة بموقف حالي، أو بموقف قابل للاسترجاع.والسادس:الإعلامية Informatively: وهي تشتمل على عامل الجدة"اللايقين النسبي لوقائع النّص بالمقارنة مع الوقائع الأخر المحتملة الحدوث".والسابع:التناصIntersexuality : وهي تتضمن العلاقات بين نص ما ونصوص أخر ذات صلة، ثم التعرف إليها في خبرة سابقة.

     ويمكن حصر تلك المعايير- بحسب رأي الدكتور سعد مصلوح- في ثلاثة أقسام:

1- السبك والحبك :ويتصلان بذات النّص text -centered.

2- القصد والقبول:ويتصلان بمستعملي النّص سواء أكان المستعمل منتجا أم متلقيا User-centered.

3- الإعلامية والمقامية والتناص:وهذه الثلاثة تتصل بالسياق المادي والثقافي المحيط بالنّص.

      وكان "دي بوجراند" قد أشار إلى تقسيم هذه المعايير سابقا جاعلا مما له صلة وثيقة بالنّص في معياري"السبك والحبك" ويمثل معيارا"رعاية الموقف والتناص" الجانب النفسي ، ولا يمكن لأحد هذه المعايير من النهوض من دون التفكير في العوامل الأربعة"اللغة والعقل والمجتمع والإجراء" ولهذا فالحاجة ملحة إلى السعي في تكامل العلوم، ويرى "دي بوجراند" أنّ هذه المعايير تتسم بالأهمية ؛ لأنّ طبيعة تكوين النّص تعتمد على ظروف الواقع واهم من ذلك أن يكون النّص فعالا ومؤثرا ومناسبا ؛ فوظيفة علم النّص هي تأليف نوع من التنظيم بين عناصر نحوية تقليدية وعناصر غير نحوية في اللغة تدخل في صياغة النّصوص ، إذ هي وحدات علامية اتصالية ذهنية غير لغوية أهملها مجال دراسة الجملة.

ونخلص مما تقدم أنّ النسبة الكبيرة من التعريفات للنص غلبت عليها ظاهرة الترابط عبر أنماطه المختلفة وهي خصيصة جوهرية في تكوينه ، خرجت من منعطف نحو الجملة إلى فضاء النّص توخى أصحابها إضفاء طابع التماسك والانسجام في بناء النّصوص ، ومن ترابط الأجزاء بصوره الصحيحة يفهم المغزى العام بصورته الكاملة .

(ث) مُشكل النّص والخطاب     

لقد خلف مصطلح "الخطاب"-كما خلف مصطلح النّص- جدلاً كبيرا في الساحة اللغوية والنقدية والبلاغية ، فهو من المصطلحات الصعبة والعصية على التحديد والإحاطة.ولم يتمكن الدرس اللساني من الجزم في تحديد مفهومه ومساره على الرغم من كثرة المحاولات وتعدد التعريفات.

        يرد الخطاب في اللغة العربية ليدل على معان منها:إنَّ الخطاب يعني مراجعة الكلام، وقد خاطبه بالكلام مخاطبة وخطابا وأخطبه أي أجابه..واسمُ الكلامِ: الخُطْبَة...ورجل خطيب حسن الخطبة.فقد ورد اللفظ -هنا- وهو يقترب من معنى الكلام.والخطاب اللفظ المتواضع عليه المقصود به إفهام من هو متهيئ لفهمه وهو إما الكلام اللفظي أو الكلام النفسي الموجه نحو الغير للإفهام .ونجد معنى المصطلح"الخطاب" واضحاً في قوله تعالى:﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ ﴾[ص:20] والشد:الإمساك وتمكن اليد مما تمسكه..وشد الملك هو تقوية ملكه..والحكمة النبوة ، وهي في الأعم الأغلب العلم بالأشياء..وفصل الخطاب:بلاغة الكلام وجمعه للمعنى المقصود بحيث لا يحتاج سامعه إلى زيادة تبيان .وهذا المعنى اقرب في التفسير لمعنى الخطاب في الدرس اللسانى الحديث.

     إنّ جذور مصطلح الخطاب لها علاقة كبيرة بـ"اللغة والكلام واللسان" التي أثارها سوسير، ثم ارتبط ظهوره- بعد ذلك - باللسانيات وصار جزءا منها حتى عدّ مولوداً شرعياً لها.

     وفي أثناء مرور المصطلح بمراحله التكوينية ظهرت محاولات كثيرة منها ما قدمها الشكلانيون الروس بعد التغيير الذي أحدثه "دي سوسير" في الدرس اللغوي ، إذ تعد النظرية الاتصالية من أهم المنجزات التي جاء بها جاكوبسن ثم أعقبتها محاولات أخر ، ومصطلح الخطاب هو ثمرة من ثمرات التطوير الذي طال الدراسة الأدبية من ناحية ومن ناحية أخرى ما حققته اللسانيات من نجاح في الصعد المختلفة ، ونتج من ذلك تلازم وثيق بين الأدب واللسانيات.

     وجاء اللسانيون بتعريفات كثيرة لمصطلح الخطاب تنوعت بحسب مرجعيات أصحابها وتصوراتهم، فمنهم من جعل الخطاب يشترك مع مفهوم النّص في خصائصه ، ومنهم من عدّ النّص ضمن المظهر الكتابي والخطاب مظهرا لفظيا ،ومنهم من يرى أنّ ثمة فرقا بين"النّص والخطاب والكتابة"ولكن هناك ارتباطا واشتراكا بين هذه المكونات((فإذا كان النّص هو كل خطاب تم تثبيته بوساطة الكتابة ، فإن"الكتابة"هي آخر صيحة في عالم الأدب ، وهي التي تستدعي القراءة المنتجة..من القارئ الذي يعيد إنتاج النّص ، تبعاً لوعيه الثقافي والفني ، وهي التي تسمح بتعدد التأويلات)) فالنّص وإن كان من سماته الظهور ، فإنّه في أمس الحاجة إلى الكتابة ؛ لأنها ضرورة من ضروراته وشرط من شروطه والذي ترجم لفظة "text" بالنّص أخذ بالحسبان أهمية الكتابة والكلام في النّص.

   والخطاب يشبه مصطلح "الجملة والنّص"في صعوبة تحديد المفهوم ، فهو في "معجم اللسانيات1973" له ثلاثة مفاهيم:

1- فهو اللغة في طور العمل، أو اللسان تنجزه ذات معينة"مرادف للكلام عند سوسير".

2- وهو وحدة توازي أو تفوق الجملة، متتالية لها بداية ونهاية"مرادف للملفوظ".

3- الخطاب كل ملفوظ يتعدى الجملة منظورا إليه من وجهة قواعد تسلسل متتاليات الجمل.

       فالتعريفان "الثاني والثالث" يتضمنان تعريف هاريس من أنّ الخطاب((ملفوظ طويل أو متتالية من الجمل تكون مجموعة منغلقة يمكن من خلالها معاينة بنية سلسلة من العناصر بواسطة المنهجية التوزيعية وبشكل يجعلنا نظل في مجال لساني محض)) فقد أكّد هاريس على منهجه التوزيعي ؛ لأنّ مكونات النّص لا ترتبط بعضها ببعض اعتباطا. 

     ويُبقي بنفنست Benveniste الخطاب في درج الملفوظ ، ولكنه اشترط فيه مبدأ التواصل فهو – أي الخطاب – ((كل تلفظ يفترض متكلما ومستمعا وعند الأول هدف التأثير على الثاني بطريقة ما)) ويقصد بـ "طريقة ما " قناة التواصل . وهذه التعريفات تميل إلى شفوية الخطاب وهي محكومة بمنطقة التواصل، ويرى "دي بوجراند" أن التواصل صفة مختصة بالنّص ((الصفة المميزة للنص هي  استعماله في الاتصال وان الخطاب مجموعة من النّصوص ذات العلاقات المشتركة أي أنّه تتابع مترابط في صور الاستعمال النّصيّ يمكن الرجوع إليه في وقت لاحق)) ونستشف من ذلك أَنَّ هناك تطورا في فهم النّص وأنَّ علاقة النّص بالخطاب علاقة جزء بكل ، والنّص وعاء يستوعب الخبرات البشرية والقضايا الحياتية .

      وقد وردت تعريفات يصرح أصحابها بأنّ النّص فعل كتابي ، وهذا المفهوم جاء به ريكور Ricoeur إذ يرى أنّ تأسيس النّص قائم على الكتابة ، فيقول:((النّص خطاب أثبتته الكتابة)) ، وهذه الكتابة "تخطيط وتدوين" هي تسجيل للكلام يضمن بقاءه ، وقد ميز"ليتش وشورت" بين الخطاب والنّص ووصفا النّص بأنَّه((متوالية خطية ذات علاقة مرئية على الورق)).

      وعدّ "هوي Hoey"الخطاب بأنَّه منطوق والنّص مكتوب، ويبدو أَنّ التفكير في جعل النّص مدونة كتابية يرجع إلى ارتباط النّص - منذ القدم- بالمدونات اللغوية وإنْ كانت بعيدة في بدايتها عن هذا المعنى ، لكنها مع تقدم الزمن اقترنت بها ، وبهذا فقد أمسى مفهوم النّص((تلك الكلمات التي تم خطها على الأوراق لتشكل في نهاية الأمر مدونة تعبر عن الأثر الأدبي)).

ونستوحي مما سبق أنّ بين الخطاب والنّص فروقا- ولو أنها غير دقيقة- أجملها أحد الباحثين في الجدول الآتي:

الخطاب النّص

- يفترض وجود السامع الذي يتلقى الخطاب - يتوجه إلى متلقٍ غائب يتلقاه عن طريق الكتابة

- نشاط تواصلي يتأسس أولا وقبل كل شيء على اللغة المنطوقة - النّص مدونة مكتوبة

- لا يتجاوز سامعه إلى غيره ؛ أي انه مرتبط بلحظة إنتاجه - له ديمومة الكتابة، فهو يقرا في زمان ومكان

- تنتجه اللغة الشفوية - تنتجه الكتابة

       ويذهب عدد من الدارسين إلى ترادف المصطلحين"الخطاب والنّص" ولم نلمس منهم تحديدا شافيا يكشف عن حقيقتيهما ، ومن أصحاب هذا الرأي"مايكل ستايبس  Michel Stibls" فهو يرى أن "الخطاب والنّص" مترادفان في المعنى، لكنه في أماكن أخرى يقرر بأن النّص قد يكون مكتوبا والخطاب قد يكون محكيا.

       ويحدد قاموس"كولنز كونسايز للغة الانكليزية 1988" معاني للخطاب أهمها ما يأتي:

1- تواصل فعلي حديث أو محادثة.

2- معالجة شكلية لموضوع الكلام أو الكتابة.

3- وحدة نصّيّة يستعملها اللساني لتحليل ظاهرة إنسانية تتسلسل في أكثر من جملة.

      إذن فقد رادف هذا القاموس في تعريفه الثاني بين الخطاب والنّص، وعلى هذا النحو وسّع"دايفد كرستال"في محاولاته للإحاطة بمدلول"الخطاب والنّص" بعد أن حصر مدلول الخطاب بالملفوظ والنّص بالكتابة، ولم يثبت على ذلك بل انطلق إلى معنى ابعد ، فيقول: ((إن "الخطاب"و"النّص"يمكن استعمالهما بمعنى أوسع ليحتويا كل وحدات اللغة..سواء أكانت محكية أم مكتوبة))، ولم يميز"جنيت ، وتودوروف ، وفاينرش..وغيرهم" من السرديين بين الخطاب والنّص إذ هما يحملان معنى واحدا.واستعملت"شلوميت shlomit" النّص بمعنى الخطاب سواء كان شفويا أم كتابيا، تقول:((فالنّص هو الخطاب المنطوق أو المكتوب المتعهد بالقول..النّص هو ما نقرأ..وما دام النّص خطابا منطوقا أو مكتوبا ؛ فإنه يستدعي من ينطقه أو يكتبه))، ويساوي "فاولر Fowler" بين الخطاب والنّص وعنده ((إن أي نص هو خطاب أو فعل لغوي ينجزه كاتب ضمني لقارئ ضمني)).

     وقد استعملت"سارة ميلز Sarah Miles" مفهوم الخطاب في ميادين معرفية واسعة ، إذ تقول:((مصطلح الخطاب أصبح عملة متداولة مشتركة في مجموعة متنوعة من الحقول:النظرية النقدية ، علم الاجتماع ، علم اللغة،علم النفس الاجتماعي وحقول أخر عديدة )) وهذا التحديد لمفهوم الخطاب أورده"فان دايك" في جملة من التعريفات وهو يعالج علم النّص، وهذا التداخل والخلط في تحديد المصطلحين نشأ عند الغربيين أولا قبل دخوله في الدراسات العربية ، وربما يعود سبب هذا الخلط إلى تباين البيئات واختلاف المدارس ومناهج الدارسين المتبعة ومقاصدهم وأذواق المتلقين((فإننا عندما نتحدث عن النّص text أو الخطاب Discourse من وجهة نظر فرنسية فان الأمر ليس هو نفسه عند حديثنا عن النّص أو الخطاب في أمريكا أو هولندا أو غير ذلك من الدول، بل إن النظر إلى النّص في البلد الواحد يختلف من مجموعة علمية إلى أخرى))،فيطلق على مفهوم علم النّص –على سبيل المثال- في الدراسات اللغوية الفرنسية علم النّص science du Texte وفي الانجليزية  تحليل الخطاب  discurse analysis.  

       وعلى الصعيد العربي ينفي الدكتور احمد المتوكل وجود تعريف شاف وقار لمصطلح الخطاب، ويصف "النّص والخطاب" بأنهما مصطلحان مضطربان مترادفان متعاقبان في التحديد، ثم حاول تأليف تعريف للخطاب فعدّه ((أي إنتاج لغوي منظور إليه في علاقته بظروفه المقامية وبالوظيفة التواصلية التي يؤديها في هذه الظروف ، بهذا المعنى يمكن أن نعدّ خطابا مجموعة من الجمل أو جملة أو جزءاً من جملة))وهذا التعريف اقتباس من آراء "دي بوجراند" في علم النّص ، يقول دي بوجراند:((ينبغي للنص أن يتصل بموقف يكون فيه..)) وإنّ ((الخاصية الأولى للنصوص من باب أولى هي كونها ترد في الاتصال ، و لربّما يأتي أحد النّصوص على صورة كلمة واحدة ، أو جملة واحدة ، أو مجموعة من الأجزاء)) فدي بوجراند يخصص أقواله بالنّص وينقل المتوكل هذه الأقوال من النّص ويسندها إلى الخطاب ولكن بتغيير بسيط ، وعلى هذا الخلط سارت معظم الدراسات العربية متأثرة في ذلك بالدرس اللساني الغربي.              

ونرى أن النّص اعم من الخطاب ؛ لأنه يشمل المنطوق والمكتوب وكل علامة دالة مهما كان شكلها وحجمها ، بينما يغلب على الخطاب- وبحسب الآراء الكثيرة - المنطوق ويشترط في المفهومين"النّص والخطاب" عاملا التواصل بين المتكلم والمتلقي ، والتماسك الذي يجمع وحدات النّص على وفق ترتيب الدلالة ؛ لذا نرجح أن يكون الخطاب في الكلام المنطوق والنّص كلاما مكتوبا وبحسب ما تحتمه الوظيفة الكلامية، حتى يستقرّ المصطلحان وننأى عن الخلط والفوضى في تحديد مفهوميهما.            

(ج) التماسك النّصيّ واضطراب المصطلح

التماسك cohesion يعدّ من المعايير المهمة التي تسهم في جعل النّص نصّاً، وقد اُختِلفَ في ترجمته ونالت مفهومه الفوضى كما هي حال المصطلحات المترجمة الأخرى ، ولعلّ مردّ هذا الاختلاف- في مصطلح اللسانيات خاصة- يرجع إلى طبيعة المترجمين ، فقد كانوا((مدفوعين بالرغبة في إشاعة هذا العلم الجديد في الساحة العربية وتيسير الثقافة اللسانية ونشرها ، وتحقيق السبق والريادة في تقديم مفاهيمها في زحمة العلوم والاختصاصات))، وبذل الدكتور سعد مصلوح جهدا كبيرا في ترجمة مصطلح cohesion إلى السبك ومصطلح coherence إلى الحبك ويعلل هذا الاختيار إلى كونهما شائعين في النقد العربي القديم ويمتلكان صفة الإفصاح والإبانة والتساوق ، أو إنهما قريبان من المفهوم المراد إلاّ أنه – في صنيعه هذا – لم يحل الإشكال والتعدد، فقد ورد cohesion عند احمد عفيفي مترجما إلى ثلاثة مصطلحات متساوية "cohesion = السبك أو الربط أو التضام" ، ونقله عثمان أبو زنيد إلى ((الاتساق أو الترابط النحوي والمعجمي أو الحبك))، وذهب الدارسون"مترجمون وباحثون"أنحاء عديدة وأوردوا أسماء كثيرة في ترجمة مصطلح cohesion نوردها في الجدول الآتي:

ترجمة المصطلح cohesion المترجم أو الباحث

السبك تمام حسانوسعد مصلوحوجميل عبد المجيد عبد الله

الاتساق محمد خطابيوليندة قيّاس

التناسق يوسف نور عوض

التضام الهام أبو غزالة وعلي خليل

التماسك فالح بن شبيب العجمي صبحي الفقي وسعيد بحيري وإبراهيم خليل وجمعان عبد الكريم

الترابط أو الاتساق محمد الشاوش

السبك أو الربط أو التضام احمد عفيفي

الاتساق أو الترابط النحوي والمعجمي أو الحبك عثمان أبو زنيد

       

ولم يسلم مصطلح coherence من الفوضى المصطلحية من تعدد وتنوع واختلاط ، فيمثل((الحبك أو"التماسك" أو"الانسجام" أو الاتساق..الخcoherence )) عند احمد عفيفي ، وعلامة "..الخ" تدل على أنَّ هناك أسماء أخرى عدل عن ذكرها.

        ونجد الأمر نفسه عند عثمان أبو زنيد فـــــ "coherence" لديه تعني((الانسجام أو الالتحام أو السبك)) ،ومما سبق نجد أن الخلط في المصطلح الواحد قد تجاوز إلى التداخل بين المصطلحين ، ويمثل الجدول الآتي اختلاف مصطلح"coherence" في الترجمة:

ترجمة المصطلح coherence المترجم أو الباحث

الاتساق عبد القادر قنيني

الالتحام تمام حسان

الحبك سعد مصلوح وجميل عبد المجيد

التقارن الهام أبو غزالة وعلي خليل

الانسجام محمد خطابيومحمد الشاوش

التناسق فالح بن شبيب العجمي

التماسك المعنوي سعيد بحيري ومحمد لطفي الزليطي ومنير التريكي وصبحي الفقيوعزة شبلوجمعان عبد الكريم

الحبك أو التماسك أو الانسجام أو الاتساق احمد عفيفي

الانسجام أو الالتحام أو السبك عثمان أبو زنيد

الترابط الفكري يوسف نور عوض

     وهناك من درس الاتساق والانسجام تحت عنوان التماسك النّصيّ ورأى أن المقصود((بالاتساق أو السبك التماسك الشديد بين الأجزاء المشكلة للنص من خلال عناصر لسانية)) تسهم في تأليف ذلك النظام.

       وعدم الاتفاق على ترجمة مصطلحي"coherence-cohesion  " يجعل ساحة الانتقاء مفتوحة للدارسين إذ ليس ثمة فرق كبير بين أغلب تلك المصطلحات ؛ إلاّ أنّ اطمئنان المترجم أو الباحث في اختيار المصطلح القريب إلى نفسه أدى إلى حدوث مثل هذا الاضطراب في الترجيح ،فتختار ليندة قياس –على سبيل المثال- مصطلح"الاتساق" في دراستها بدل السبك والتضام والتناسق والترابط الرصفي على الرغم من أن جميع هذه المسميات"المقابلات" – في نظرها- تحمل معنى التماسك.

      ونحن نؤثر مصطلح "التماسك" ونرجح صلاحيته في الدراسة لما يحمله جذر هذه المفردة "مسك" من دلالات قوية في الموروث العربي ، ونقتفي اثر الدكتور محمد مفتاح والدكتور صبحي الفقي والدكتور جمعان عبد الكريم وقد ترك الثاني الخلاف في ترجمة المصطلحين واختلاطهما ، وارتأى توحيدهما في مصطلح"cohesion التماسك" ثم قسمه إلى تماسك شكلي وتماسك دلالي أو معنوي وتبنى تعريف"دايفيد كارتر David carter" من أن التماسك((يعني العلاقات أو الأدوات الشكلية والدلالية التي تسهم في الربط بين هذه الأدوات المرجعية)) التي تتعلق بالنّص وتقوّم وحدته- بحسب رأي فاينريش-على وفق((مجموعة من السياقات الدلالية التي تتضافر معا لتكوين التماسك الكلي))الذي يتجاوز البنية السطحية للنص إلى مجاله الدلالي وينتج عن ذلك ما يسميه فان دايك"البنية الكلية" الذي استطاع النّصيّون من خلالها((مقاومة الفكرة الشائعة عن أن التماسك يتحدد- فحسب- على مستوى علاقات الترابط بين المتتاليات والجمل)).

(خ) آليات التماسك النّصيّ 

     لاشك في أنّ الكلام أنماط من العلاقات تربط الشيء باللفظ والدال بالمدلول، وليس تأليفا تصويريا مجردا كباقي العلاقات أو الرموز ؛ لذا كانت السمة الحقيقية للممارسات اللغوية اليومية تحمل صفة التماسك ،وفي هذا المنحى يقول جاكوبسن:((أنا لا أؤمن بالأشياء بحد ذاتها بل أؤمن بالعلاقات القائمة بينها)) فالناس في تخاطبهم البشري((مع بعضهم البعض ينجزون نشاطا جماعيا يجعلون الفعاليات المفردة فيه متناسقة)) .

      وتماسك النّص يحافظ على استقراره ويجعله نظاما يسعى لإشباع هذه الرغبة عبر تسلسل الوقائع المستندة إلى مبدأ الاستمرارية التي تشي ((بوجود ارتباط بين مختلف وقائع النّص من جهة ، وسياق استغلاله من جهة أخرى)) , والنّص يتكون من كلمات والكلمة – في اغلب الأحيان- تكوّن في نظر الناس كيانا مستقلا منفصلا ، ولكن ((لا يمكن فهم أي كلمة على نحو تام بمعزل عن الكلمات الأخرى ذات الصلة بها والتي تحدد معناها )) ؛ لأنّ اللغة عند اللسانيين شبكة من العلاقات المختلفة وعلى مستويات تركيبية واعية توجه المعنى من خلال النّص بأكمله . 

     والنّص يتفاعل ضمن بيئة ثقافية لا يتخلى عنها المنشئ ، تنشأ من قضايا تاريخية وعادات اجتماعية وواقع معيش.. يتم تركيبها في نص ((يبدو كأنه قطعة واحدة لا يجوز تفتيتها أو تقسيمها)) فالعلاقات بين وحدات النّص من أهم السمات التي تجعله يتجه نحو النّصيّة. 

     وينظر هاليداي ورقية حسن إلى النّص على أنّه مبني على التماسك ، وهذا التماسك يعد شرطا أساسياً في معرفة ما هو نص من غيره وعلى وفق تقنيات معينة تحكمها صفة الترابط ، وقد درسا التماسك على مستويين مترابطين"دلالي- شكلي" فالمستوى الدلالي((يحيل إلى العلاقات المعنوية القائمة داخل النّص)) وفيها يتم تأويل عنصر بالرجوع إلى العنصر الآخر ، ولا يقتصر التماسك على البعد الدلالي فقط وإنما ينظر إليه على أنه بنية أو حدث لغوي"شكلي" يتحقق بثلاثة مستويات:

1- الدلالة semantic"المعاني meanings" 2- النحو المعجميIexico grammatical"الأشكال forms" 3- الصوتي phonological والخطي orthographic "التعبيرات expressions".

           وتتوزع مهمات التماسك الشكلي Cohesion على المكونات الشكلية التي تحكم ظاهر النّص surface text وهي- كما يرى الدكتور سعد مصلوح- ((الأحداث اللغوية التي ننطق بها أو نسمعها في تعاقبها الزمني، والتي نخطها أو نراها ؛ بما هي كم متصل على صفحة ورق..تبعا للمباني النحوية..ويجمع هذه الوسائل مصطلح عام هو الاعتماد النحوي grammatical dependency)) ولا يقوم هذا الاعتماد إلاّ في شبكة هرمية متداخلة من الأنواع هي((الاعتماد في الجملة ، بين الجمل ، في الفقرة أو المقطوعة ، بين الفقرات أو المقطوعات في جملة النّص)) وتُقسّم عناصر التماسك الشكلي على نوعين:

(أ)عناصر التماسك الشكلي النحوي Cohesion Grammatical ويشمل:

     1- الإحالة المتبادلة   Co-Reference

2- الاستبدال Substitution

3- الحذف  Ellipsis

4- الربط Junction

(ب) عناصر التماسك الشكلي المعجمي Lexical Cohesion ويتحقق عبر ظاهرتين:

1- التكرار Repetition

2- المصاحبة اللغوية"التضام" Collocation

     ويختص التماسك المعنوي بالجانب الدلالي الذي يحافظ على استمرارية النّص، ضمن تأليف مفهومي يستمد وجوده من تماسك ظاهر النّص ويضم مجموعة من المعاني يتم الربط بينها بصورة ذهنية غير مباشرة فالنّص ((الخالي من المعنى..هو النّص الذي يعجز مستقبلوه عن اكتشاف مثل تلك الاستمرارية فيه)) وتتم عملية ربط المعاني عبر فعاليات إدراكية تصاحب النّص يشترك فيها منتج النّص ومتلقيه عن طريق ربط تلك العلاقات بحيث تستدعي بعضها بعضا كحلقات وصل تربط مابين المفاهيم.

      إنّ تحديد مجال الظواهر الدلالية في النّص((يقتضي إيجاد علاقات ونسب بين متواليات الجمل ومتواليات القضايا وتسلسل متواليات أفعال الكلام)) والتعالق الذي يقصده "فان دايك" في عالم الخطاب هو"تعالق الوقائع" داخل السياق العام فــــ ((الجمل مترابطة إذا كانت الوقائع التي تشير إليها قضاياها متعالقة في عوالم متعالقة)) ، وأسباب التعالق كثيرة فقد تكون عن طريق الترتيب في الجمل المتتابعة سواء كان طبيعيا أم غير طبيعي أو قد تتبدل أنماط الترتيب تبعاً للحالة الشعورية وقصدية المتكلم ، فالفكرة عند المبدع((وسيلة لظهور التأليف)) أي أنّ النّص تركيب يحركه الباعث ، فالبنية التركيبية "النحوية" بمفردها لا تقدم حلا حاسما لقواعد دلالية واضحة تعين التأويل على الرغم من تأليفها النموذجي الموحي بالتناسق القواعدي الداخل في تركيب البناء. 

ونستنتج مما سبق أن للتماسك عناصر شكلية ودلالية تربط قضايا النّص وتسهم في تعالق الأحداث وتجانسها من خلال الربط بين أجزاء النّص الداخلية أو بين النّص والعالم الخارجي . 


المبحث الرابع:التماسك النّصّي في الصورة البيانية

     حرص الإنسان ومنذ نشوئه على اتّقان فن القول ؛ وذلك لإيصال الكلام إلى المخاطب وهو مفعم بالتأثير والجمال ، وبأساليب لغوية معبّرة تحقق له الهدف المنشود ، وقد استطاعت البلاغة- منذ نشأتها الأولى في أثينا"485ق.م"- أن تستوطن عقول الناس وتستقطب قلوبهم من خلال بعدها التواصلي واللغوي ، وكان سبب وجودها الجوهري هو المطالبة بملكية الأراضي، وهو مبدأ اجتماعي بحت ، ثم تحوّل من عنف المطالبة"الدفاع عن أملاك الناس"إلى فاعلية اللغة وتأثيرها الاقناعي ضمن مجموعة من القواعد والقوانين، وهذا يدل على سوسيولوجية البلاغة وعمقها الاجتماعي ، ثم انتقلت عبر مراحل تكوينها إلى البحث المدرسي والأكاديمي فيما بعد ، وكانت البداية الأولى على يد"كوراكس" الذي وضع أسساً خمسة للخطاب"الاستهلال والسرد أو الفعل والمحاججة أو الأدلة والاستطراد والخاتمة" ثم جاء بعده "جورجياس"، وشهدت البلاغة تطورا ملحوظا عند "أفلاطون وأرسطو" وعند الأخير كانت الوثبة الحقيقية التي مثلت تداخل البلاغة مع الشعرية، ثم تتالت المحاولات فظهر"شيشرون واثر كنتليان وهوراس وبوالو"وصولا إلى بداية القرن التاسع عشر إذ عدت البلاغة الفن القولي الذي لا يضاهيه فن ،وتبنت على مرّ هذه القرون مفهوما وظيفيا تقنيا، إذ يرى بارت أنّ البلاغة فن يعنى بالإقناع والقول الجميل وهذا يؤكد فاعلية البلاغة ووظيفتها الاجتماعية.

     بيد أنَّ آراءً ظهرت من هنا وهناك غايتها الحط من قدر البلاغة والازدراء من مكانتها التي وصلت إليها ، ولم تقتصر على العقول البسيطة ، وإنما تعدت إلى المثقفين من الناس، يقول"بول فيرلين Paul Verlaine":((امسك بالفصاحة والْوِ عنقها)) وتعدى نداء لوي العنق إلى الموت الذي ظهر مع النزعة الرومانسية التي نادى بها "هوجو" بقوله:((الموت للبلاغة والسلام مع النحو)) وقوله:((لنحارب البلاغة)) ويشير الباحثون إلى سبب آخر له أثر بالغ في ظهور هذه الآراء وهو المنهج التاريخي في الدراسة الأدبية الذي برز فيه "هيبوليت تين Hippolyte Taine" وهذا أسهم بشكل أو بآخر في إبعاد الفن البلاغي عن التناول الثقافي.

    ولم يكن موت البلاغة أو ابتعادها عن الساحة الثقافية أمراً سهلاً يمكن التسليم له بسهولة ، فالبلاغة تمثل العمود الفقري في حياتنا ،وهي في الحديث اليومي وفي الندوات الاجتماعية وفي وسائل الإعلام وفي النّصّ الديني وفي الخطاب السياسي..((إلى درجة تجعلنا نعرّف الإنسان بأنه "حيوان بلاغي" ،وهي الصيغة ذاتها التي عبر عنها لاكوف وجونسون والمتمثلة ليس في "الاستعارة التي نحيا بها وإنما في"إننا نحيا بالاستعارة")) وهذه الأهمية جعلتها تتخذ مكانا عليّا بين الفنون اللغوية الأخرى.

     وأقامت البلاغة- منذ بدايتها- علاقات حميمة مع الشعر وذلك نابع من صلب التداخل الوثيق بينهما وارتبطت كذلك بالجدل الذي يقوم على أسس فكرية ومنطقية وبالنحو الذي يعنى بالمحافظة على الاستقامة اللغوية، وهي كذلك متعددة المقاصد ذات نظام((يتخلل أنظمة كثيرة بعضها نفسي وبعضها خلقي وبعضها فلسفي وبعضها علمي)) وكل ما يتعلق بقضايا المجتمع الإنساني.

     وقد زاحم البحث الأسلوبي البلاغة وحاول القفز على أكتافها وسلبها محتواها وأراد أن يكون- بحسب صلاح فضل- وارثا شرعيا ((للبلاغة العجوز التي أدركها سن اليأس وحكم عليها تطور الفنون والآداب الحديثة بالعقم ، ينحدر من أصلاب مختلفة ، ترجع إلى أبوين فتيين هما علم اللغة الحديث والألسنية)) ، ولا يستند هذا القول إلى كثير من الصحة ؛ لأنّ البلاغة فن لغوي واللغة كائن حي يخضع لقوانين التطور و((اللغة تولد اللغة، واللغة تحيل إلى اللغة))؛ لذا من العسير تقبل((فكرة وراثة علم ما لعلم سابق ، طالما أن هذه الوراثة تحمل في طيّاتها الدلالة على إفناء العلم السابق بوصفه علماً مستقلاً له تميزه الخاص ، واقتصار كينونته، فيما بعد تحقيق الوراثة ، على تلك الكينونة الظلية التي لا تكاد أن تبين ، ففرق كبير بين أن نقول:إنّ علما ما قد شهد تطورات كبيرة إلى الإمام ، وأن نقول:إنّ علما ما قد ورثه علم ثان)) فمسألة نفي علم وإقامة آخر - يحمل اغلب صفاته-  مكانه ، تحتاج هذه القضية إلى وقفة أكثر دقة في مجال البحث.

     فمن الصعب أن نجزم انفصال البلاغة عن الأسلوبية فثمة علائق جوهرية بينهما ؛ لأنّ أغلب مباحث الأسلوبية هي مباحث بلاغية وتلتقي في كثير من المفاهيم ؛ لذا أكد"جورج مونان G.Mounin" أنّ((أيّة أسلوبية ،لابدّ من أن ينتهي بها المطاف إلى البلاغة..[و]..أنّ أية "نظرية أسلوبية"لا تفسر لماذا تصبح كل أسلوبية بلاغة، لا تكون بلغت المنابع الحقيقية لسر الأسلوب)) وفي هذا السياق يصرح "غيرو Pierre Guiraud" ((إن موضوع أسلوبية بالي هي دراسة المحتوى الوجداني الطبيعي والمبتعث ، الأمر الذي يجعل لها نسبا مع البلاغة القديمة وتحليلاتها)) إذن هناك اتصال بين البلاغة والأسلوبية جسده غيرو بالنسب ، وعند فان دايك أنَّ الأبنية البلاغية للنّصّ لها ارتباط وثيق بالأبنية الأسلوبية للنّصّ ، بل ومن شدة العلاقة بين البلاغة والأسلوبية أنك تستطيع أن تجعل((كلا منها يقع موقع الآخر أحيانا))

    والبلاغة متوغلة في أغلب العلوم الإنسانية تمد بأجنحتها إلى"الأسلوبية والخطاب والسيميائية وعلم النّصّ..وغيرها من وسائل الاتصال" ولها علائق مع علوم مجاورة لا يمكن الفكاك منها كالنحو والفلسفة والمنطق..وبناء على هذا أصبحت المباحث البلاغية متداخلة وهي - في فكر هنريش بليت-علم نصّ بالمفهوم الحديث تشترك فيه مستويات كثيرة ، وقد أشار إلى قول فان دايك:((إنّ علم النّصّ، بناءً على ذلك ، يلتقي مع البلاغة ، ويمكن القولُ بأنه أصبح ممثلا معاصرا لها))وهذه الآراء من علماء النّصّ الحديث في شان البلاغة تغرينا بالخوض في التحليل النّصّي وفي مقاربة بلاغية منطلقين بالدراسة من الأجزاء المتفرقة إلى النّصّ.

   أما العرب فكانوا امة بلاغة ولسن ، وقد وقر في المأثور القديم(( أنّ السماء قد أنزلت الحكمة على ثلاثة أعضاء من بني البشر،على أيدي الصينيين وعقول اليونان والسنة العرب)) ،فظهرت براعة العرب في هذا الفن ، وكان الباعث لنشوء البلاغة هو حاجتهم لإدراك الشعر وتذوق معانيه فوردت أحكام نقدية تنبئ عن معرفة العرب لها قبل الإسلام ، وسارت في تطورها وكان المؤثر الأكبر في ديمومتها وارتقاء شأنها هو الإعجاز القرآني ، فعكف علماء البلاغة على سن القوانين ووضع الأنظمة لفهم ألفاظه فهما سليما ودراسة تراكيبه بغية الوصول إلى المعنى ؛ بوصفه نصّاً سماويا مقدسا أرسى دعائم الإسلام. واختلفت اتجاهات البحث في البلاغة العربية فقد قسمت بحسب القرون، وجعل شوقي ضيف الجاحظ آخر عصر النشأة وبعده ظهرت الدراسات المنهجية ومنها دراسات الفلاسفة والمتكلمين والمتأدبين، وبعد اختفاء التقسيم الزمني وتقسيم الاتجاهات ظهر تقسيم آخر يتجه نحو النضج والعمق البلاغي ممثلا بعبد القاهر والزمخشري.

     واتجهت البلاغة عند السكاكي نحو المعيارية وغلب عليها طابع التقنين بعد أن اختلطت أبحاثها بالمنطق والفلسفة وعلم الكلام واتسمت بالتقسيم والتجزئة والحدود والتفريع المقنن البعيد عن الفطرية والذوق الجمالي مما نتج عن ظهور مدرستين للبلاغة"الأدبية والكلامية" ،وانقسمت البلاغة فيما بعد على ثلاثة أقسام رئيسة:علم المعاني، وعلم البيان، وعلم البديع، وتلاحقت بعد ذلك كتب التلخيص"الإيضاح، التلخيص.." لكنها لم تتقدم خطوة للأمام أو تأتي بجديد يخدم مسيرة البلاغة أو يحافظ على مكانتها.

    وبقيت علوم البلاغة الثلاثة متفرقة في دراستها لم يضمها تحليل شامل للنّصّ , وإنما دُرس كل فرع بجوانبه وتفصيلاته بمعزل عن الآخر عن طريق تقسيم النّصّ بشكل بيت أو بيتين أو جملة أو جملتين وتتعامل مع المختار في إطار معايير وضعت سلفا ((أي أنّ البلاغة اعتمدت على نحو الجملة ، فكان تركيزها على الشاهد والمثال،أما التحليل الأسلوبي فقد التفت إلى نحو النّصّ))  لكنَّ البلاغة لم تكن بهذا الجمود فقد تناولت الجملة على أنها مترابطة تحمل سمات النّصّية وتجاوزت- في بعض الأحيان- الجملة إلى النّصّ من خلال بعض مباحثها كالتعريض والتشبيه الضمني وسياق المقام والفصل والوصل..

    وإذا كانت البلاغة توصف بأنها فن القول الجميل ، فإن البيان يمثل روح هذا الفن ؛ مما يؤهله في أن يشغل موقع الصدارة في التركيب البلاغي ؛لأنه يشتمل على نظام((متناسق الأجزاء متراصف الحلقات)) ، ومهما تعددت الأبحاث وتنوعت المناهج في تناول البحث البياني فإنها تلتقي في طريق واحد ، وهو ((معرفة الجيد من الكلام وإدراك خصائصه والاقتدار على صنعه)) والبيان وسيلته اللغة ترعرع في كنفها وبنى صرحه من كلماتها؛واللغة– بحسب رأي بوتيبنا- مصدر تكوين الأفكار وأداة تحرك الروح الإنسانية ، وعلى هذا فان الألفاظ إذا ارتبطت بعضها مع بعض ونسقت على نحو واعٍ وأتيح لها أن تنطلق بمهمتها في تكوين علاقات جديدة تستطيع أن تنتج لنا صورا متوجة بتجربة المنشئ وموقفه تجاه العالم الذي يعيش فيه ، فكل فن هو((تعبير عن الحياة)) بطرائق معينة.

      وفي كل أثر أدبي يتحتم وجود صورة ؛ لأنها((تميز العبارة الفنية عن سواها)) والشعر منذ نشأته حتى اليوم لا ينهض إلاّ بالصورة ولا يقتصر تكوين الصورة على عناصر البيان ، فربّما تُؤلف صور من دونها"تقريرية" لكنها مع عناصر البيان تكتسب فاعلية وتأثيراً جمالياً اكبر ؛ وذلك لوجود عنصر الخيال الذي يتولى رسم المشاهد وهندسة عمارة الأفكار ، ويعدّ من مقومات الصورة البيانية ، وهو كما يقول الرصافي:((من أكبر أسباب النجاح في العمل الأدبي)) ،وبه تصبح للجماد حياة وتكتسب المعنويات أجساماً، وربما تسبغ عليهما"المادي والمعنوي" صفات العاقل ويصبح غير الإنسان إنساناً، وتندرج كل هذه المظاهر في عنصر الصورة فيهرع إليها المبدع قاصدا تعميق الدلالة وتقريب الحقائق ، ولا نعني بذلك أنّ الصورة تكون واضحة لا يكتنفها تأمل ، فالصورة التي لا تترك أثراً في وجدان المتلقي هي الصورة التي يأتي بها الشاعر ظاهرة مكشوفة أكثر من المعتاد فيصيبها بذلك الخفوت.

      ومن الصعب تقديم تصورٍ كاملٍ لمفهوم الصورة الذي شغل الدارسين قديما وحديثا ؛ ذلك بأنَّ الصورة فن والفن يقوم به صانع "مبدع" وهذا المبدع يختلف - من حيث الميول والاتجاهات والثقافة والمشاعر وقوة الأفكار وطرائق بثها-عن الآخرين ؛ لذا اختلفت الصورة من مبدع إلى آخر وهذا أدى إلى اختلاف تحديد مفهومها عند النقاد ، وعرف النقد العربي الصورة باسمها أو بمرادفاتها ، وأول إشارة وردت عن الجاحظ بقوله: ((الشعر صناعة وضرب من النسج وجنس من التصوير)) وبنظرة كلية للنّصّ نجد الجاحظ يحدد عملية إبداع الشعر بثلاثة أركان فــــــ "الشعر= صناعة + ضرب من النسج + جنس من التصوير" يعني مهارة الشاعر في ترتيب الألفاظ والربط بينها داخل النّصّ يضاف إليها الخيال الذي يربط تلك الأفكار ، وكأن التصوير عملية ذهنية ؛ لأنّ الشعر فن وهو((وليد العقل والصناعة معا)) .

      وعرض عبد القاهر الجرجاني رأيه في طبيعة الصورة فهي((تمثيل وقياس لما نعلمه بعقولنا على الذي نراه بإبصارنا)) فهي خيال يربط التشكيلات اللغوية عن طريق تجسيم المعنويات وإطلاقها بشكل بصري محسوس ، وهو إذن يؤدي إلى التماسك في جانب من الجوانب.

ويُدخل عبد القاهر الجرجاني الصورة البيانية ضمن مباحث نظرية النظم فهي تتكون منها وتتأثر بها ولا تخرج عنها((هذه المعاني التي هي الاستعارة والكناية والتمثيل وسائر ضروب المجاز من بعدها من مقتضيات النظم)) ويقول في تعليق الحروف"أداة التشبيه" وفاعلية ربطها في الصورة التشبيهية:((ألا ترى أنّك إذا قلت: كأن يقتضي مشبهاً ومشبهاً به؟ كقولك: كأن زيداً الأسد)) ويؤكد أهمية التماسك النّصّي في الاستعارة من سبيل النظم ((أن في الاستعارة ما لا يمكن بيانه، إلا من بعد العلم بالنظم والوقوف على حقيقته )) ؛ لهذا السبب أثنى أغلب الدارسين على جهود عبد القاهر في تعرضه للصورة التي تتمحور عنده في التشبيه والتمثيل والاستعارة والكناية وما يتصل بهنّ من جميل الكلام ، يقول احمد مطلوب: ((دراسة عبد القاهر للصور البيانية خير ما تركه القدماء من حيث التحديد والتقسيم وإظهار روعتها وقيمتها الفنية وتوليد المعاني الجديدة))والسعي نحو التأسيس لمفهومها.

     وقد تبنى الشاعر القديم الصورة البيانية وشغلت جزءاً كبيرا من تفكيره فأودعها شعره ، وكان يهتزّ لقوة التشبيه وتطربه الاستعارة اللطيفة..وكانت تحدوه رغبة جامحة إلى تصوير الأشياء والأحداث التي تتساوق مع بيئته وتتواءم مع تجربته وصياغتها في تشكيلات تستقطب خيال المتلقي آنذاك على الرغم من بساطتها وذاتيتها الموغلة ، والشعر على ذلك((ليس عاطفة صادقة أو وجدانا ملتهبا فحسب بل هو كذلك صياغة فنية))، ونعتقد أن سلطة الصورة البيانية وهيمنتها على الأذواق وخلودها وترحيب الناس بها على مر العصور ليس باختيار الشاعر للفن البياني الموفق فقط ، وإنما يعود إلى مهارته في تنشيط العلاقات الداخلية التي تربط أجزاء هذه الصورة وتعمل على تماسكها في الصورة الواحدة أو مع غيرها من الصور وعلى وفق آليات محددة ، فالألفاظ وحدها((لا تفيد حتى تؤلف ضربا خاصا من التأليف ، ويُعْمَد بها إلى وجه دونِ وجهٍ من التركيب والترتيب )).

      لاشك في أنّ أيّة محاولة لتحديد فاعلية النّصّ الشعري وجماله التصويري يجب أنْ تمرّ عبر المفهوم الكامل للنّصّ الذي يمنح الصورة البيانية صيرورة وجودها وليس بالظاهرة المفردة التي تولّد خلخلة لمجموع إيحاءات النّصّ، وهي- أي الصورة البيانية- لا تستطيع الوصول وحدها إلى المتلقي من دون تركيب نصّي يستفز خياله ويدفعه إلى مواصلة هذا التركيب واستكناه الترابط بين مواقع ألفاظ النّصّ ؛ لأنّ((مواقع العناصر والعلائق فيما بينها هي ما تعطي للعنصر هويته ، فالموقع سواء أكان ذهنيا أم فيزيائيا هو ارض العمليات الدلالية ومنطلقها)) والعمل الفني- كما يرى شكلوافسكي- ينظر إليه في ((علاقته بالأعمال الأخرى وبالاستناد إلى الترابطات التي نقيمها فيما بينها)).

    ويحاول الدرس البلاغي الحديث النظر بشمولية تتجاوز ما كانت عليه من اقتطاع للنصوص ؛ لذلك ينطلق التحليل((ليصبح طريقة في التناول التقني ومنهجا للتحليل العلمي)) والبحث في تماسك الصورة البيانية يقودنا إلى النظر في التناول الجديد الذي لا ينفك عن التواصل مع الموروث الأصيل لفنون البيان ، وهذه الجدة في الدرس تحاول تلمس المناحي الإبداعية في التكوين البياني وتستكشف خصائص النّصّ الجمالية التي تنتظم في صيغ وأشكال متعددة من التعبير تلتحم فيما بينها بأدوات ظاهرة أو بالتلاحم المعنوي وعبر مستويات مختلفة منها ما هو "نحوي ، أو سياقي ، أو إيقاعي..."

     وفي حدود دراستنا لشعر خالد الكاتب سنقف على الجوانب النّصّية المهمة التي جعلت الصورة البيانية تظهر إلى حيز الوجود متماسكة في عمقها التأثيري ، وسنشير إلى قواعد هذا التماسك وآلياته وننطلق من الرؤيا الكلية للنّصّ واكتناه العلاقات وتفاعلها ونحاول أن نحدد نقطة انطلاق الصورة ومراحل نضجها مؤكدين في دراستنا على المزج بين اللغة والخيال والجوانب الأخرى التي يقتضيها التأليف الفني ، ونضع في حسابنا أن كل صورة لابد لها من تركيب "صياغة" يضمها ، ونجاح الشاعر يتوقف على مهارته في إحكام بناء هذا التركيب مستعينا بموهبته وبتجاربه ومدى إفادته من محيطه ومن التراث.



الفصل الثاني: أثر التماسك السياقي في تكوين الصورة البيانية- شعر خالد الكاتب أنموذجا



المبحث الأول:أثر السياق اللغوي"المقالي" في تكوين الصّورة البيانيّة

 

المبحث الثاني:أثر سياق المقام في تكوين الصّورة البيانيّة

     

 المبحث الثالث:أثر السياق الثقافي في تكوين الصّورة البيانيّة 


 المبحث الرابع:أثر السياق النفسي في تكوين الصّورة البيانيّة 

     

 المبحث الخامس:أثر السياق التداولي في تكوين الصّورة البيانيّة


     المبحث السادس:أثر السياق الزمني والمكاني في تكوين الصّورة البيانيّة




الفصل الثاني: أثر التّماسك السياقي في تكوين الصّورة البيانيّة

      دأبت المناهج اللسانية المعاصرة على الولوج إلى مناحٍ معرفية عديدة من أجل تحليل النّصّ والكشف عن علل ترابطه ؛ لأنّ أي تأليف فني مهما كانت صوره ،لا يقوم إلاّ بالعلاقات بين مكوناته وهي التي تساعد المتلقي على تتبع أثر الدلالات للوصول إلى المعنى.

      والنّصّ بناء لغوي((ينمو فيه المعنى من خلال شبكة العلاقات السياقية بين دالاته أو بوصفه معبرا للمعنى الذي يتشكل لدى المتلقي عند قراءته))وتأليف السياق غالبا ما يتركب من وحدتين ، ولا تكتب للكلمة قيمتها في أي سياق ((إلاّ بفضل مقابلتها لما هو سابق ولما هو لاحق بها أو لكليهما معا)) ودلالة الكلمة وفاعليتها الأساسية يحددها السياق، فالكلمة((تُوجد في كل مرة تستعمل فيها في جوٍّ يحدد معناها تحديدا مؤقتا ،والسياق هو الذي يفرض قيمة واحدة بعينها على الكلمة)) والنصوص دائما محاطة بمواقف تواصل لها أهمية في تكوين البناء النّصّي، بوصفها فعلا لغويا يمثل كينونة الإنسان وينتج عن طباع اجتماعية تنبع من رغبته في التواصل مع الآخر في ألفاظٍ ومعانٍ مترابطة.

    ورد السياق في المعجمات العربية ضمن مادة"سوق" وهي تحمل معاني أشهرها: التساوق .. ((و..اسْتَوْسَقَتِ الإبلُ واتَّسَقَتِ وانْسَاقت اجْتَمَعَتْ والوَسِيقة من الْإِبِل وَالْحمير كالرُّفْقة من النَّاس وَقد وَسَقْتُها وُسُوقًا..اسْتَوْدَهَت الإبلُ واسْتَيْدَهَت اجْتمعت وانساقت)) ومن المجاز ما قاله الزمخشري:((وتساوقت الإبل: تتابعت. وهو يسوق الحديث أحسن سياق، وإليك يساق الحديث)). وجاء في المعجم الوسيط بمعنى ((الكلام تتابعه وأسلوبه الذي يجري عليه))وبتتبع أثره في المعجمات نجد أنّ أغلب معانيه جاءت وهي دالة على "الاجتماع والانضمام والتتابع".

      أمّا في الاصطلاح العربي فلم((يوضع له تعريف معين ولم يجر له في كتب الاصطلاح ذكر))  ، لكنّ العرب تداولوا مفهومه في أبحاثهم ، وأدركوا أهميته في فهم المعنى وبانت جهودهم في إظهاره وتتبع أثره ، فثمة إشارات وردت في كتب التفسير وعلوم الحديث والدراسات القرآنية والأصول واللغة والبلاغة.. وغيرها, بشكليه اللغوي"المقالي" أو عن طريق قرائن خارجية تدل على المقام أو الحال. 

     وقد التفت البلاغيون العرب إلى هذا المفهوم وكانوا أكثر وضوحا في إدراكه من غيرهم ونشأت عندهم ((فكرة السياق وربطها بالصياغة أو بمعنى أصح ربط الصياغة بالسياق)) ، وهذا النوع من البحوث يقع ضمن الدراسات اللسانية التي تسعى إلى الكشف عن التماسك الذي يطول النّصّ ؛ لأنَّ هيأة النّصّ وتركيب أحواله الوظيفية ، كل ذلك لا يمكن أنْ ينقطع عن سلسلة السياق الذي بموجبها يتحدد المعنى المراد التعبير عنه ، فإنّ((النّصّ والسياق يكمل احدهما الآخر)).

    ويمثل السياق contextأهمية كبرى في علم اللغة الحديث ولاسيما في تحليل النّصّوص ، فقد تنبه "مالينوفسكي B.Malinowski" إلى السياق عندما وجد صعوبة في ترجمة عدد من عبارات سكان جزر"تروبرياند" التي تحمل معانيها جذورا ثقافية ، ورأى أنَّ الجملة هي المادة الأساس في اللغة والكلمة فكرة ثانوية مجردة مع اعترافه بأنّ تحديد معنى الكلمة يُعَدّ من المشاكل الكبيرة.

   وقد أفاد "فيرث J.R. Firth" من محاولات مالينوفسكي ولاسيما في الاتجاه الذي يرتبط بسياق الموقف على الرغم من أنّ كليهما له رؤى مختلفة في بحثه للسياق ؛ لأنّ مالينوفسكي كان أنثروبولوجيا وفيرث لغويا، والحقُ أنَّ "نظرية السياق contextual theory" بشكلها المنهجي أخذت طابعا مميزا عند فيرث الذي يرى أنّ اللغة عنصر من المبنى الاجتماعي يحمل صفة تواصلية ؛ وعلى هذا فإنّ ((الترجمة الحرفية للكلام تفقده وظيفته الأساسية وهي التواصل بين بني البشر، لذلك فإن معنى العبارات لا يتضح ولا يكون جلياً إلاّ إذا رُوعيت الأنماط الحياتية للجماعة المتكلمة ، وكذا الحياة الثقافية والعاطفية والعلاقات التي تؤلف بين الأفراد داخل المجتمع)) والكلام الابلاغي يخرج من أفواه الناس في الحديث التواصلي بشكل سياق وهذا جعل"تراسك Trask" يذهب إلى القول:((إننا لا نقول الكلام في فراغ بل نقوله في سياق)) متقارب الأبعاد ومترابط الأشكال.

    وقد حدد فيرث مفهوم المعنى وبيّن أنّه ((علاقة بين العناصر اللغوية والسياق الاجتماعي بحيث تتحدد معاني تلك العناصر وفقا لاستعمالها في المواقف الاجتماعية المختلفة ، فقد يكون لكلمة أو جملة ما معنى لا يلبث أن يتغير بالنسبة إلى الموقف المتغير الذي قد يستعمل فيه)) وهذه إشارة إلى سياق المقام ،  إذن فثمة علاقة بين الواقع الخارجي والدلالة اللغوية الداخلية للنّصّ ، وهي علاقة تماسك تربط المعنى الكلي وتمنعه من تبعثر الدلالة.

    وتمثل نظرية السياق خطوة مهمة في اللسانيات النّصّية المعاصرة التي تبحث في علم النّصّ وهي- بحسب رأي اولمان Ullman- ((إذا طبقت بحكمة تمثل حجر الأساس في علم المعنى)) ، ومع وجود بعض الاعتراضات على هذه النظرية إلاّ أنها بقيت راسخة في الدرس النّصّي ؛ لأنّ منهجها((يعد من المناهج الأكثر موضوعية ومقاربة للدلالة ، ذلك أنّه يقدم نموذجا فعليا لتحديد دلالة الصيغ اللغوية)) لغرض الوصول إلى المعنى بتأليف يتوخى الدقة في مجال له صلة وثيقة بالنّصّ الإبداعي.

      ويقوم منهج فيرث على تواشج أجزاء اللغة لتأخذ دورها في إظهار معنى الكلمة داخل السياق ، ويقسم السياق عنده على نوعين:

1- السياق الداخلي للحدث اللغوي ، ويتمثل في العلاقات الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية بين الكلمات داخل تركيب معين.

2- السياق الخارجي ويتمثل في السياق الاجتماعي أو سياق الحال.

ولكن هذا التقسيم ما لبث أنْ تطور إلى تقسيمات أخرى ليبلغ السياق غايته ويستوفي حقه في سبر أغوار النّصّ وتحديد معانيه ، فجاء على أربعة أنواع:"اللغوي والعاطفي والموقف والثقافي أو الاجتماعي" ، وتوسع البحث اللساني في إدراك مفهوم السياق وقدرته على تفسير ما في النّصّ من ظواهر من خلال آلياته المتنوعة وبالرجوع إلى النّصّ نفسه تارة أو ما يدور حول النّصّ من أحداث تارة أخرى، وقد قسم فان دايك السياق مفيدا من تداخل العلوم إلى المستويات الآتية:

1- السياق التداولي

2- السياق الإدراكي أو المعرفي

3- السياق النفسي الاجتماعي"تأثير النصوص"

4- السياق الاجتماعي"النّصّ في التفاعل"

5- السياق الثقافي"النّصّ كظاهرة ثقافية"

وهذا ما رفضته الدراسة النقدية البنائية جملة وتفصيلا ، بل أبعدت النّصّ عن قائله بما يعرف بموت المؤلف إمعانا في عزل السياق النّصّي عن المؤثرات ؛ لأنّ اللغة- عندهم- تمثل نظاما خاصا. 

    وسنتناول من السياقات ما نراها فاعلة في تماسك الصورة البيانية في شعر خالد الكاتب.

المبحث الأول:أثر السياق اللغوي"المقالي" في تكوين الصورة البيانية

       من المؤكد أنَّ اللغة تمثل العنصر الأساس في توصيل الأفكار وهي وسيلة من وسائل التعبير مهمتها نقل الأحاسيس والرغبات وكل ما يستوعب الذهن من مشاريع حياتية مختلفة ، فهي المادة الأولية"الخامة"التي تصاغ منها كل التراكيب الفنية ، إذ لا يمكن تأويل أي نظام دلالي لساني أو غيره"نحت ، رسم.."بمعزل عن اللغة ؛ فهي الأداة التي تعين المبدع في التعبير عن الأشياء والغوص في تفاصيلها، فكل ذلك يوصف عن طريق اللغة.

        وتكتسب الكلمات دلالتها و((تتعدد بتعدد السياقات وتنوعها أي تبعا لتوزعها اللغوي))، ويمثل السياق اللغوي في مفهومه((حصيلة استعمال الكلمة داخل نظام الجملة متجاورة وكلمات أخرى ، مما يكسبها معنىً خاصا محددا))وقد أشار "روبنز Robins"إلى ذلك المعنى بقوله :((إنّ الكلمات تكتسب المعاني عند توظيفها في جمل))، وفي الدراسات الحديثة نجد أنَّ العلامة لا يتم وصفها((إلاّ بالعودة إلى ما يحيط بها)) والكلمة العربية((صيغة ذات وظيفة لغوية معينة في تركيب الجملة تقوم بدور وحدة من وحدات المعجم ، وتصلح لأن تفرد ، أو تحذف ، أو تحشى أو يغيّر موضعها ، أو يستبدل بها غيرها)) فاللفظ يتحدد معناه بحسب موقعه السياقي في النّصّ ، ويصدق ذلك على كلمة "جَنَاح" الواردة في القرآن الكريم، وقد حصر دلالتها نسق التركيب الذي تحرك على أساس البناء الوظيفي القصدي ، فالكلمة ذات قوة انجازية تحمل في كل سياق معنى خاصا ومكونا جديدا بحسب قصد المنشئ في تحديد الخطاب.وتحمل كلمة"جناح" في القرآن معاني منها:

1- جناح الطائر:﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم﴾[الأنعام:38] 

2- جانب الإنسان:﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء ﴾[طه:22]  

3- اللين: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾[الحجر:88]...

     ووردت- في غير القرآن- وهي تحمل معاني كثيرة منها "جناح الرحى:احد شقيها" و"وجناحا العسكر:جانباه".. و"محمد جناح لعلي:تحت رعايته" و"جناح الكتب في المعرض:مكانها الخاص"  

       لكنّها في قوله تعالى:﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً ﴾[الإسراء:24] مثّلت محور المعنى بإسنادها إلى الذّل وفي تكوين نصّيّ سياقي دفع بالاستعارة "جناح الذل" المتلبسة في البعد الكنائي إلى مصاف الذروة في درجة اتصالها التأثيري فـ "جناح" تخلت عن معانيها المعجمية المتعددة وتوحدت في دلالات أخر هي"التواضع والخضوع واللين" وذلك لوجود القرينة"من الرحمة" التي دلت على ذلك المعنى، فالصورة البيانية نهضت بمعونة السياق اللغوي المترابط إذ هي لا تستطيع عزل نفسها مجردة عن السياق.


وَاخْفِضْ لَهُمَا    جَنَاحَ    الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ

      جانب الإنسان+جناح الطائر+جناح الكتب..                      التواضع والخضوع واللين      


وقد ضمّن الشاعر خالد الكاتب - وفي سياقات مختلفة- بعض الألفاظ التي كان لها مساس في تماسك نصّه الشعري؛ لأنّ الكلمة لا تفسر وحدها وإنما يشع معناها في بطن النّصّ وهي في كل موضع لها كشف جديد وانبثاق عن نظام إبداعي يقصده المنشئ ، ويذهب ريفاتيرRifatterre  إلى أنّ الاستعمال((الرمزي للكلمة داخل القصيدة الشعرية يضيف دلالة جديدة إلى دلالتها المرجعية بل قد يلغي تماما هذه المرجعية لتحل محلها مرجعية أخرى))، وألفت كلمة "كلاًّ" حضورا سياقيا فاعلا في المجموعة اللغوية في نص خالد الكاتب:

ألبسْتَ قَلْبِي ذِلّةَ الفِكَــــرِ      وَتَرَكْتُهُ كَلاًّ عَلىْ بَصَــــرِيْ               

لاَ نِلْتُ مِنْكَ مُنَىً أُسَرُّ بِهَــا        وَقَضَيْتُ مِنْكَ بِحَسْرَةِ النَّظَــرِ

          عوّل الشاعر على الاستعارة "ألبست قلبي ذلة الفكر" في إظهار المعنى لكن الاستعارة لا تفي بالغرض بمفردها ، وإنما احتاج التكوين إلى السياق اللغوي في كشفه ؛ لذا((وقف البيانيون أمام كل جزئية من جزئيات النّصّ الشعري ،ابتداء من الكلمة وانتهاء بالقصيدة..وتحدثوا عن علاقة الكلمة بمعناها وبسياقها الذي يحتضنها)) ، ومعجمية"كلاًّ" تدل على معان منها: "الضعف ،وكلّ السيف:لم يقطع ، وكلَّ فلان:تعب ، وكلَّ عن الأمر:ثقل.." وقد حدد موضعها في السياق المعنى المراد ، فقد اقتضى السياق أن يكون معناها"تعبا" ؛ وذلك لوجود القرائن النّصّية المرتبطة به وهي:(تعب القلب والفكر+ عدم نيل المنى والسرور+الاكتفاء بالنظر دون اللقاء"حسرة النظر"). ويقول الشاعر:

سَهِرَ الطَّرْفُ فَمُلِّيْــــــ تَ سُرُوْرَاً وَرُقَـــــــادَا

كَيْفَ أَزْدَادُ اشْتِيَاقـَـــــاً كُلَّمَا زِدْتَ بِعــــــــادَا

       إنّ الخوض في تحليل الصورة البيانية بمجازها المرسل"سهر الطرف" يتوجب قراءة النّصّ بأكمله للكشف عن "أنا" الشاعر القابعة في تلك الصورة ؛لأن((اللغة المجازية هي تحول عن ظاهر اللفظ إلى كشف معناه الباطن"الذاتي" الذي تبدعه تجربة الشاعر)) وقد حشد لها مجموعة من الألفاظ المؤازرة لها لتبيان حيويتها وتأثيرها ، فاختار لذلك المعنى الفعل"ازداد" بصيغته الصرفية"افتعل" الدالة على المبالغة في فعل الاشتياق ليحقق تعادلا موضوعيا في وحدة منسجمة مع سهر الطرف ؛ لأنّ دراسة صيغة بناء الكلمة في الدرس النّصّي الحديث يمثل((جزءاً من دراسة نظم الجملة...ومن هنا كانت صلة الصرف ببناء الجملة وثيقة)) والجملة هي نواة النّصّ كما أسلفنا.

    بيد أنّه استعمل الفعل زاد في"زدت" الذي يعود على المحبوب من غير مبالغة مقرونا بكلمة"كلَّما" التي تفيد التكرار الطبيعي للعمل،كذلك وجود الألفاظ "سرورا + رقادا" الدالة على عدم اكتراث المحبوب بسهر المحب ، ولذا يكون المقصود كلما زاد المحبوب في البعد بالغ الشاعر في شوقه إليه ، إذن فالكلمة ببنيتها الصرفية في السياق قد مسكت النّصّ الشعري سابقه بلاحقه. 

  ومن السياق اللغوي قول الشاعر:

مَا مَـــدَّ طَرْفَاً نَحْوَ أَرْضِ حَبِيْبِــــــه    إلاَّ بَكَتْ نَظَرَاتِـــهِ نَظَرَاتُـــهُ             

ألِفَ السَّقَامَ وَمَا شَكَا أَلَمَ الهَــــــوَى    دَنِفَاً تُخَاضُ بِقَلْبِهِ غَمَرَاتُـهُ

ثمَّة ألم يعصف بقلب الشاعر من الحب وعذابه ، وتمثل الكناية عن صفة"الصبر" في البيت الثاني هذا الصراع ، ونجد أنّ الفعل المبني للمجهول"تُخاض" قد أسهم في إظهار هذه الصورة وشدِّ تماسكها السياقي؛ لأنّ النظر ((في فضاءات العلامة النحوية ، يكشف أن العلامات ليست مختصة بالكلمات فقط ، بل إنها تتوسع تتشعب حتى يصل مداها إلى الجملة كعنصر[كذا]أولي و إلى النّصّ كعنصر كلي ، من هنا كانت العلامات السياقية جزءًا هاما في إظهار المعاني المختلفة))  ومن أسباب تغييب الفاعل- في هذا التركيب- هو جذب الانتباه إلى الصورة البيانية وفتح مجالها التأملي في المفعول ، وحصر النظر في الأشياء التي جعلت الشاعر دنفا يموج بقلبه"البكاء والسقام وألم الهوى وشدة المرض" فقد أظهر تلك المعاني ثم أخفاها ليجعل المتلقي يكتشف الفاعل بالعودة إلى النّصّ وتأليف سياقه ، فجاء اختيار صيغة المبني للمجهول تجسيدا لهذا الشعور الكامن في نفسه((وهكذا لا يمكننا أن نحدد أي قضية يجري التعبير عنها دون معرفة السياق الذي تنطق فيه الجملة)) أو النّصّ بشكله الكامل.     

ومن السياق المقالي الذي أسهم في ربط النّصّ قول الشاعر:

أَصَابَ فُؤَادِي مِنْكَ مَا كُنْتُ أَحْذَرُ وَمَا ذَاكَ إِلاّ أَنَّهُ لَيْسَ يَقْصُرُ     

وَعِيْنِيْ كَعَيْنِ الْمَاءِ مِنْ كَثْرَةِ الْبُكَا                  يُرَىْ نَوْمُهَا شَوْقاً مَعَ الْدَّمْعِ يَنْظُرُ      

إذَا اسْتَتْبَعَ الدّمْعُ الْكَرَى مَرَّ مُسْرِعاً  إِلَى الْوَرْدِ حَيْرانٌ لَهُ عَنْهُ يَصْدُرُ     

وَلَوْ كَانَ صَبْرِي مِثْلَ شَوْقِيْ تَقَاوُماً  وَلَكِنَّ شَوْقِي مِنْ عَزَائِي أَكْبَرُ    

     يتصدر المشبه "عين في البيت2" المنسوبة إلى الشاعر الصورة البيانية ، وقد افرغ هذا المعنى بمشبه به يناسب حاله "كعين الماء" لاستحضار صورة البكاء التي يبحث عنها الشاعر ، وقد مثلت "عين الماء" البؤرة التركيبية الملائمة في الكشف عن إحساسه بتدفق الدموع وجريانها وهو وجه الشبه ، فالفن إحساس شعوري((لا يحمل حلولا وإنما ينقل التجربة بكل تناقضاتها عارضا على العالم نظامه كمثال)) وموقع كلمة عين"المشبه به" وإضافتها إلى الماء في السياق حدد القيمة الدلالية النهائية للكلمة ونأى بها عن المعاني الأخرى"عين الرجل:منظره وعين الجيش: رئيسه وعين القناة:مصب مائها والعين:الذهب عامة والعين:الجاسوس.."،وقد عضّد وجه الشبه"كثرة البكا" تماسك الصورة واتساقها النّصّي؛ لأنّ وجه الشبه هو المعنى الجامع الذي يربط المشبه بالمشبه به، إذن فعين الشاعر نبع لا ينضب وتشتاق حتى في منامها.ويمكن أن نمثل ذلك بالمخطط الآتي:

المعنى المعجمي المعنى السياقي المعنى المشترك رابط1 رابط2 قرائن نصيّة أخر

عين: الباصرة ، وعين الرجل: منظره ، وعين الجيش: رئيسه ، وعين القناة:مصب مائها ،  والعين:الذهب عامة ،  والعين:الجاسوس.. "عين الماء" مشبه به  تحديد الشاعر "كثرة البكا" وجه الشبه"الرابط" بين المشبه والمشبه به    يرى نومها شوقا مع الدمع ينظر


      ومن التماسك عن طريق السياق اللغوي قيام الشاعر بتوسيع أفق النّصّ، كقوله:

قَدْ كُنْتُ أَطْمَـعُ أَنْ أَرَىْ          حُسْنَ الْخُدُوْدِ عَلَىْ الْخُدُوْدِ     

فَالْيوْمَ أَقْصَىْ غَايَتِــيْ          فِيْ أنْ أراهُ مِنْ بَعِيْـــــــــــــــدِ

       يتحرك الفعل رأى في النّصّ ليربط وحداته ويكشف المعنى ، فقد تخيَّل الشاعر أنّه سيلتقي بمن يهواه ويسفر اللقاء بـ "الخدود على الخدود" كناية عن شدة القرب بينهما، وكان يرجو طول اللقاء فمدّ النّصّ بأن المصدرية والفعل المضارع "أن أرى" بدل المصدر الصريح رؤيته ، وهذا الاستعمال من الأساليب يلجأ إليه الشاعر لتمديد العبارة. لكنه لم يحظ بما طمع به من اللقاء القريب ، ولم ييأس وحاول متوسلا رؤيته من بعيد فكرر بسط العبارة نفسها في البيت الثاني"أن أراه" ولم تتحقق غايته في الحالين ، وتنبئ الصورة عن شاعر موغل في العشق يعلل نفسه بالتمني والأمل للقاء المحبوب مسخرا اللغة بسياقاتها لتفصح عن ذلك الإحساس. وخضع في أسلوبه لتوسيع النّصّ في الديوان فاستعمل عبارات من مثل"ذي دنف"عوض  المدنف و"غير فان" عوض خالد و"ذي الحرص"عوض الحريص و"بغير رقاد"عوض السهر و"أن يشبه" عوض شبهه و"لا منام" عوض سهر...وغيرها.

لقد جاء السياق اللغوي ليمزج بين العناصر والدلالات التي تؤلف تماسك الصورة فالعنصر اللغوي بسياقه التركيبي يرتبط بغيره في الأداء البياني ليسهم في تماسك البنية الكلية للنّصّ الشعري. 

المبحث الثاني:أثر سياق المقام في تكوين الصورة البيانية

     ينبغي قبل تحليل أي نص أدبي النظر إلى الأحداث والمواقف التي صاحبت النّصّ وأحاطت به وإدراك مدى تأثيرها في دلالاته الخاصة ؛ وذلك لاستكناه جوانب المعنى بصورتها الصحيحة ، ولا يتم ذلك إلاّ بالإحاطة بما يعرف بسياق الحال"context of situation" أو ما أطلق عليه"فيجنر Wegener" نظرية الموقف ،وورد عن مالينوفسكي أن"سياق الحال=الماجريات" ويسميه جون لاينز سياق الظرف وفضّل كمال بشر تسميته بـ "مسرح اللغة" وسُمِّيَ أيضا((السياق الاجتماعي، وهو مجموع الظروف التي تحيط بالحدث الكلامي ، ابتداءً من المرسل ، والوسط حتى المرسل إليه ، بمواصفاتهم ، وتفصيلاتهم المتناهية في الصغر)) وتكمن أهميته في كونه يمثل الركن الفاعل في تكوين النّصّ ، إذ((لولا الموقف لا يمكن المتكلم أن يختار المفردات المناسبة له ولا القواعد التركيبية ولا التحويلية لتتلاءم الصياغة مع هذا الموقف لا ملاءمة دال مع مدلول ، بل دوال مصوغة على أساس الواقع)) الذي يحيا به مبدع النّصّ.

وقد عرف العلماء العرب قبل غيرهم الاحتفاء بهذا اللون من الدراسة وسبقوا مالينوفسكي في صياغة مصطلحه سياق الحال((بألف سنه أو ما فوقها)) وتعددت مصطلحاتهم لمفهومه فذكره سيبويه في كتابه باسم "الحال" ونعته ابن جني بـ "الأحوال المشاهدة أو مشاهدة الأحوال". ولا ننسى أنّ علم أسباب النزول الذي يدرس ظروف الآية أو سبب نزولها بتفاصيل تركيبها وخصائص دلالاتها ، وتحديد المكي منها والمدني بغية معرفة الأحداث الحافة بها وتحديد زمن نزول الآيات ومكانها للتوصل بعد ذلك إلى المعنى بشكل أشمل وأدق ، هو من الدرس التفسيري السياقي "المقام". 

       وكان للبلاغيين من العرب صولات في هذا المضمار وقد ملأت كلماتهم "لكل مقام مقال ،  ومقتضى الحال" الآفاق ، وكانت العرب تولي ذلك أهمية كبرى ،فقد آثر اكثم بن صيفي استعمال كلمات تتواءم وحال الخطاب مراعيا مقام الحال عندما مثل بين يدي كسرى ، فقال:((إنّ أفضل الأشياء أعاليها، وأعلى الرجال ملوكها)) ، لذلك عيب على البحتري عدم مراعاته سياق المقام في مديح الخليفة المعتز بقوله:

لا العَذْلُ يَرْدَعُهُ ولا الــــ ـتَّعْنِيفُ عَن كَرَمٍ يَصُــدُّهْ

       وصف الآمدي هذا البيت بأنَّه((من أهجى ما مُدح به خليفة وأقبحه ، ومن ذا يعنِّف الخليفة أو يصدّه)) وقال عنه ابن سنان الخفاجي:((وليس هذا المدح مما يصلح للملوك والأمراء فضلا عن الأئمة والخلفاء)) إذن فثمة سياق موقف كان يجب أن يراعيه الشاعر في كلامه ؛ لأنّ((من مظاهر موقف المتكلم في الاستعمال اللغوي أن يراعي معايير اجتماعية معينة يطابقها في الاستعمال ويقيس في كلامه على هذه التعابير)) وهذا ما أفصح عنه فيرث حينما جعل سياق الحال العنصر الأساس في علم الدلالة ، يقول:((إن التصور الرئيس في علم الدلالة كله هو سياق الحال وهذا السياق يشمل المشارك البشري أو المشاركين ، ويشمل ما يقولونه وما يجري هناك)).

والدرس النّصّي يستثمر سياق المقام ويعدّه وسيلة من وسائل فهم المعنى ، والشعر فن ينسج من اللغة ، لكنّ اللغة لا تفصح عن المعنى بمفردها ، بل تحتاج إلى إحاطة بالحدث الكلامي ؛ لذلك قيل:((افهم المقال من المقام)).

    والمبدع في الصورة البيانية يولي عناية كبيرة بالمقام ؛ وذلك لتأثيره المباشر في مجرى الخطاب ومسار الدلالة ، وكشف الغموض عمّا تلتحف به بعض الصياغات التي تحتاج في تفسيرها إلى الاتصال بالمحيط الخارجي الذي يعمل بدوره على تمكين المتلقي من إكمال المعنى الذي اكتنفه الحدث اللغوي. 

   ومن شعر خالد الكاتب المبني على التماسك السياقي في مراعاة مقام الممدوح قوله في مدح الحسن بن وهب الكاتب:

 يَا وَجْهَ أَحْسَنِ مَنْ يَمْشِيْ عَلَى قَدَمِ      بِحُرْمَةِ الْحُسْنِ قُلْ لِيْ:كَيفَ حَلَّ دَمِي؟       

أَمَا وَخَدَّيْنِ يَسْقِي الْوَرْدَ مَاؤُهُـمَا    فِيْ نِسْبَةٍ تَمْنَعُ الدُّنْيَا مِنَ الظُّلَـــمِ      

وَمُقلَةٍ كُلَّمَا دَارَتْ رَأَيَتَ بِـــها    مِنْ جَوْهَرِ اللحْظِ أسْقَاماً بِلاَ ألَــــــــمِ

    ثم يقول في القصيدة نفسها:

وَمَاجِدٍ مِنْ بِنِي وَهْبٍ لَهُ خُلُـقٌ سَمْحٌ يَنُوءُ بِغَيْرِ الْفَضْلِ وَالْكَــرَمِ

مُذَهَّبٌ فِي لُبَابِ الْمُلْكِ أسْرَتُـهُ أَهْلُ الْكِتَابَةِ وَالأَلْبَابِ وَالْحِلْـــمِ

      يستهل الشاعر قصيدته بالغزل ثم ينتقل منه إلى المديح ، وقد هيّأ التركيب البياني بصوره الجزئية:المجاز "يا وجه أحسن من يمشي" والاستعارتين: "حرمة الحسن- يسقي الورد ماؤهما" والتشبيه التمثيلي: "مقلة..أسقام بلا الم" جواً مناسبا في إقامة علاقات تسهم في نقل صورة نموذجية للممدوح على وفق الصورة البيانية الكلية.

      ولعلّ تكثيف صور البيان وربطها بعلاقات فيما بينها يخلق تواصلاً وانسجاما بين تفاصيل الصورة الكلية ، وهذا يصب في خدمة المعنى الذي يسعى الشاعر إلى ترسيخه ؛ لأنّ((إحدى الطرق التي تؤدي إلى المعنى في فن الشعر هي علاقة معينة بين الصور أو ما يمكننا تسميته بتزاوج الصور)) وهي رغبة الشاعر في استغلال طاقة البيان الإيحائية وبمساندة السياق المقامي للنهوض بتأثير الألفاظ وتحريك فاعليتها؛ لذا جاءت الألفاظ "ماجد- خلق سمح- الفضل- الكرم- مذَّهب-الألباب- الحلم" منسجمة مع معطيات المقام المدحي ساعدت في إدراك النّصّ ؛لأنّ((كل لفظة تحمل انبثاقا من انبثاقات المعنى)) تشير ضمن وحدات متتابعة تضمن استعمالها الحي في التعبير . والنّصّ تحوّل من مقام الغزل إلى مقام المدح ، بإعانة سياق الموقف الذي كان دافعا مهما في تنويع الدلالة.


  المبنى البياني                               نوعه                                     تأثيره الدلالي

                    


1- يا وجه أحسن من يمشي            مجاز مرسل"علاقة جزئية"

2- حرمة الحسن                       استعارة مكنية

3- يسقي الوردَ ماؤهما                  استعارة تصريحية

4- ومقلة..أسقاماً بلا الم                تشبيه تمثيلي                              


ويقول خالد الكاتب :

وَعَزِيْزٍ بَيْنَ النَّعِيْمِ وَبَيْنَ الْــــــــــ          ــمُلْكِ فَارَقْتُهُ عَلَىْ رَغْمِ أَنْفــيْ        

لَمْ يَكُنْ يَعْلمُ الزَّمَانُ بِحَبِّيْـــــــــــ          ـهِ فَيَعْدُوْ عَلَيَّ فِيْهِ بِصَــــرْفِ        

صُنْتُ عَنْ أَكْثَرِيْ هَوَاهُ فَمَا يَــــــــدْ            رِي الَّذِيْ بِيْ إلاّ فُؤَادِي وَطَرْفِــي

        إنّ بنية النّصّ تحتم علينا الوقوف على سبب اختيار الشاعر لكلماته ، لنتلمس فحوى المعنى الذي قرره "سياق الحال+ السياق اللغوي" في تكوين معنى جديد فثمة تماسك نصّي في سلسلة من العناصر داخل صورتين بيانيتين هما:

1- الكناية عن موصوف"الحبيبة" التي ضمت البيت الأول برمته،فمن أحبها تحمل صفات العز والنعيم.

2- المجاز العقلي"لم يكن يعلم الزمان" فقد اسند نفي العلم للزمان وأراد أهل زمانه أي انه أخفى حبه عن الناس.

    وفي تأمل السياق المقامي للكلمات"فارقته- رغم أنفي- الزمان- بصرف" نجد اختباء لمعانٍ خلف هذه الكلمات لم يبح بها الشاعر ، وهذا جعله يكتم حبّه عن كل الناس إلاّ عن اثنين:قلبه وطرفه ،فهو مرغم على الفراق"رغم انفه" ، وتؤلف صورة "الزمان" بمجازها علامة مخيفة للشاعر لما يكنه أهل زمانه من وشاة تجلب إليه النوائب.ولم يكشف الشاعر عن حبيبة بعينها وعن سبب مفارقته المرغمة وخوفه ووجله الذي احلّ به بقرينة لغوية، ولكننا بالعودة إلى الأحداث المحيطة بالنّصّ"سياق المقام" نجد أن الشاعر- كما يروي لنا أبو الفرج الأصفهاني- كان يهوى جارية لبعض وجوه بغداد ولم يقدر عليها ، وكان يخشى حتى ذكر اسمها خوفا أو حرصا ؛ لأنّها كانت من علية القوم، ويكشف ذلك قوله:

ويَا مَنْ لاَ أُسَمِّيهِ حَـــــذَارَا أُحِبَّكَ مَا حَيِيْتُ وَمَا حَيِيْـتَا


ويربط الشاعر النّصّ مع السياق الخارجي، فيقول:

أينَ الفرَارُ وَحُبّ مَنْ هوَ قَاتِلِي أَدْنَى إليَّ مِن الوَريدِ الأقرَبِ

إنِي لأعْمَلَ فِكْرَتِي فِي سَلْوتِي عنه فيظهرُ فِيَّ ذُلّ الْمُذْنِبِ

      تمثل الكناية إحدى أدوات تصوير المعنى ومتسعا فنيا خصبا يقتنيه الشاعر من اجل أنْ يكون دعامة يستند عليها التعبير ، ويفرغ الشاعر خلجاته من خلالها، ونقل الإحساس يحتاج إلى طرق تكفل وجوده وتلم بفضاء روحه، وقد استحضر الشاعر كنايته"أدنى إلي من الوريد" من القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾ [ق:16] وهو المصدر الأقوى للصور الشعرية وكثير من الأدباء يحاول ربط موقفه الحياتي بمواقف القرآن ، لما تحمل لغته من مزايا تنبع عن الإفصاح ونمطا يزخر بالإيحاء ، فالألفاظ المقتبسة ((تزيد الكلام قوة وبلاغة كما تضفي عليه حسنا وجمالا)) وأراد الشاعر وصف تعلقه بحب من يهوى وشدة قربه منه فاستعان بالآية الكريمة لتوصيل ذلك الإحساس مستلا دلالة الآية التي ترمي إلى الإفراط في التقرب وشدته من سياق قرب الله للعبد إلى سياق آخر يقع ضمن تجربته ويتوافق مع مقاصده وبصورة معبرة تكشف عن أسرار الجمال وتعمق وجوده وبما يتناسب مع الموقف ، وبهذا يكون تماسك الصورة مع السياق الخارجي((له سيطرة بارزة في تحديد المعاني وتفسير ما أشكل من خصوصيات التركيب والإبانة عنها ، وهو العمود الفقري الذي يحفظ تماسك الكلام))الذي يكتنف النّصّ ويثبت وجوده.

  وقد يوظّف الشاعر الحديث النبوي ليربطه بتجربته إزاء ذلك الحب:

بَلَغَ الْهَوَىْ مِنْ قَلْبِيَ الْمَجْهُـوداَ        وَالشَّوْقُ أَخْلَقَنِي وَكُنْتُ جَدِيْدَا     

يَا عَاذِلِي لَوْ ذُقْتَ مِنْ أَلَمِ النَّـوَى        لَوَجَدْتَهُ مُرّاً عَلَيْكَ شَدِيـــدَا     

يَكْفِيكَ مِمَّا نَالَ طَرْفِي أَنَّــــهُ      أَلِفَ الدُّمُوْعَ وَحَالَفَ التَّسْهِيدَا     

لَوْ مَاتَ مِنْ إثْمِ التَّذَكُّرِ عَاشِــقٌ        حَذَرَ الْوِصَالَ بِهِ لَمَاتَ شَهِيْدَا

    إنّ موقف الشاعر العاشق الذي بلغ به الهوى وحطمه الشوق حتّم عليه تجنيد صياغات خاصة يصب فيها تلك المعاني، فأتاح له التركيب البياني مجالا واسعا لبث لواعجه ؛ وهذا يدل على أنَّ((النّصّ أفكار قبل أن تأخذ شكل انساق نصية))، فكان المجاز المرسل"الشوق اخلقني" والاستعارتان"ذقت ألم النوى- طرفي حالف التسهيدا" خير ما مثل ذلك المعنى وأبعده عن آلية اللفظ ورتابة التركيب ، فهو يوغل في وصف صورة الهوى والشوق ويحب -غالبا- إشراك العذول في ألمه وعذابه ، ويحاول إيصال مايعانيه من الحبّ وصدِّ المحبوب في صور فنية مختلفة ؛ لأنّ ((الصورة جزء من التجربة الإنسانية المتكاملة)) يظهرها الشاعر على وفق طرائق متعددة تتخللها عناصر المفاجأة والانزياح اللغوي الواعي فتبرز - إلى حيز الوجود- مؤثرة تحمل وجهة نظر المنشئ.

    إنّ صور خالد الكاتب موغلة في الذاتية تحكي صدى نفسه ، سلك فيها غرضا واحداً هو الغزل العذري ، الذي ألّف جلّ ديوانه ، ولم يمدح أو يهجو إلاّ نادرا وهكذا بقي وفياً لحبيبة واحدة عفيفا في حبه ، وهذه العفة جعلته يتعامل مع معاناته الكبيرة التي تودي به إلى الموت على أنّها شهادة ، وبهذا ينهي أسلوبه الحجاجي الذي بدأ به ليكلله بالاقتباس من الحديث النبوي:((مَنْ عَشِقَ فَعفَ ثُمَّ مَاتَ مَاتَ شَهِيداً)) وبغض النظر عن صحة الحديث أو عدمها فإننا نجد التعبير قريباً من الحديث وقد ورد هذا المعنى- الشهادة- في موضع آخر من ديوانه ، يقول:

اللهُ يعْلَمُ أننِي لَكَ عَاشِقٌ وَكَفَى بِحبِّكَ أنْ أمُوتَ شَهِيدَا

وبهذا يكون التماسك بين النّصّ والسياق عن طريق الإيماء قد أتاح للأداء البياني تلمس المعنى وربطه بعلاقة خارجية مكّنته من توظيف الموروث لخدمة الصورة التي كانت ذات صلة بموقف الشاعر وتجربته.

  وبناء على ذلك يمكن أن نقول: إنّ علاقة سياق المقام بالنّصّ الأدبي تتيح للصورة البيانية سعة المجال في التعبير وتمنحها الفرصة في تعميق العلاقة بين الدلالات ، فالألفاظ مفردة لا تكفي في توصيل المعنى من دون أنْ تتعانق مع الأفعال الاجتماعية وعناصر المحيط المرتبط بالنّصّ ، من ناحية ، وبين وعي المبدع واستقبال المتلقي واشتراكهما في تركيب وربط المعاني من ناحية أخرى ، ويكون ذلك على وفق عناصر النّصّ المصوغة لتحقيق التماسك.



المبحث الثالث:أثر السياق الثقافي في تكوين الصورة البيانية 

      غدا التحليل النّصّي الحديث ينهل من كل ما له علاقة بمحيط الشاعر وصلته بمجتمعه ، والمعنى الذي ينشده الأديب لا يقتصر على النّصّ وحده بل ما ينتجه الواقع المصاحب من عادات وتقاليد وأفعال تشترك فيها البيئة الاجتماعية والحياة الثقافية.

    والمتلقي الذي لا يمتلك منظومة ثقافية تعينه على فهم مقاصد المنشئ يخلّ بعنصر التواصل ؛ لأنّ من شروط التواصل ((أن يكون القارئ واعيا بالبنية الثقافية التي يطرحها النّصّ)) ، ولكل عصر سلوكه اللغوي وألفاظه المشتركة بين أفراده تميزه من غيره وهي راسخة في ذهن متكلميها ، فمن الكلمات الثقافية التي شاعت عند العرب واستمر وجودها كلمة "أما بعد" ويقال إنّ أول من قالها خطيب العرب قُسّ بن ساعدة الإيادي، وممَّا روي عن الكسائي أنّه قال لغلام بالبادية:مَنْ خَلَقْكَ؟ بتسكين القاف فلم يدر ما قال ولم يجبه ، وردّ عليه السؤال ثانيةً ، فقال الغلام:لعلك تريد مَنْ خَلَقَكَ؟ ، إن سليقة الغلام وثقافته اللغوية أبت عليه أن ينطق بالغلط.

    ومن أعراف الشعراء العرب الثقافية في العصر الجاهلي استعمالهم للمقدمات ولاسيّما الطللية منها فأصبحت((سنة يتعذر تجاوزها أو القفز عليها والخروج عنها لدى الشاعر الجاهلي)) فنجد أنّ الشاعر العربي عاش((عضوا في جسم اجتماعي هو القبيلة فهو بالفطرة شاعر جماعة..إن اتحاده بالجماعة جوهري وكلي)) فهو منغمس في بيئته ذائب فيها يحمل أفكارها ويتغذى من موروثها؛ فالفن لا يمكن أن ينشأ فردياً((تنعدم الصلة بينه وبين المجتمع وتكون له قيمة أو يجد إقبالاً ويضمن نموا أو تطوراً)).

    ولعل أوضح مثال نسوقه لأثر الثقافة  في تكوين الصورة البيانية قول علي بن الجهم في مدح المتوكل:

أنْتَ كَالكَلْبِ فِي حفَاظكَ  للْعَهـ ــدِ وَكَالتَّيْسِ في قِرَاعِ الخُطُوبِ

            فالتشبيهات جاءت مطابقة لثقافته البدوية ، ولما تغيرت ثقافته في بغداد أنشد مادحا المتوكل أيضاً:

عيونُ المَهَا بَيْنَ الرُّصَافَةِ وَالجِسْرِ جَلَبْنَ الهَوى مِن حَيْثُ أَدْرِي وَلاَ أَدْرِي

        فالبيئة الثقافية لها دور فاعل في انتقاء الألفاظ وتأليفها في سياق نصي ساند تكوين الصورة وقوّى من تأثيرها الإبداعي.

    ومن ذلك أنَّ تحليل أيّ نصٍ لغوي بسياق ثقافي يتوجب الإحاطة بمحيط النّصّ الثقافي والاجتماعي الذي تعيش فيه الكلمة ، فكلمة "جذر" تحمل معاني مختلفة إذا وضعت في سياقها الثقافي عند"المزارع واللغوي وعالم الرياضيات"


 

       الجذر

                        جذر الشجرة"المزارع"                          جذر الكلمة"اللغوي"


                                                     الرياضيات"جذر العدد"

    وتبرز مهمة السياق الثقافي جلية في الترجمة إذ تقتضي بعض الألفاظ الوقوف على سياقها الثقافي لفهم الحدث الكلامي بصورة تضمن للمترجم الوضوح والدقة فالترجمة الحرفية والمعجمية لا تأتي أكلها في كل الأحوال، لذا توقف"محمد مرمدوك بكثال" في تفسيره للقرآن الكريم عند لفظ الجلالة "الله" الذي يُترجم عادة بـ "God" في الانجليزية ، فقد أدرك أنَّ كلمة"God" لا تثير عند المتلقي الانجليزي مثلما تثيره كلمة "الله" في وعي القارئ العربي فـ "God" تؤنث بـ "Goddess" وتجمع على"Godds" بينما"الله" وهو واحد لا شريك له لا يثنى ولا يجمع ، ولا يؤنث ، والتصور الذي تشير إليه كلمة "الله" سبحانه وتعالى يقضي على الشرك ، بينما كلمة "God" لا تقضي على هذا التصور ولم يظفر "بكثال" على كلمة في الانجليزية كلها تقابل كلمة"الله" بالمعنى العربي فاحتفظ بكلمة"الله" كما هي ، فترجم"بسم الله الرحمن الرحيم" إلىIn the name of Allah ,the Beneficent, the Merciful.                     

ويربط الشاعر صوره البيانية بثقافة عصره متكئا في بناء شعره((على قدرة الألفاظ على الإيحاء والإثارة)) فينتقي من الألفاظ ما يجدها موافقة لذوق عصره وإدراك متلقيه وفي سياق منسجم متماسك ، وتؤدي الأعراف والتقاليد في سياق الصورة الزمني والمكاني دورا مهما بوصفها جزءاً من الحدث الكلامي الذي يظهر في السياق ويؤلف تكوينه ؛ فالشعر((صور في سياق)) متناسق نصيا.

      وثمة كلمات مشتركة شاعت بين الشعراء – ولاسيّما العذريين منهم- كشفت عن سياقات ثقافية راسخة في وعي الشاعر والمتلقي العربي ، و"البكاء" في الشعر واحدٌ من هذه الكلمات ، يقول خالد الكاتب:

لاَ يُبَالِي سَهَرِيْ مَنْ رَقَــــــدَا          نَمْ هَنِيْئًا لَا طَعِمْتَ السُّهُــــدَا             

مَنْ يَذُقْ طَعْمَ اْلهَوَىْ يَرْثِ لِمَـــنْ          أَلِفَ اْلحُزْنَ وَقَاسَىْ اْلكَمَــــدَا             

أَقْرَحَ اْلعَيْنَ بُكَاْئِيْ كَبِـــــــــــــــدِيْ          لَمْ يَدَعْ لِيْ طُوْلُ وَجْدِيْ كَبِـــدَا              

بَدَنِيْ بَالٍ وَقَلْبِيْ دَنــــــــفٌ          عِشْتَ مِمِّا بِيْ سَلِيْمَاً أَبَـــــــــــدَا

       تتجلى الحال الشعورية وتظهر على شكل صور بيانية متتابعة"لا يبالي سهري- يذق طعم الهوى- أقرح العين بكائي- بدني بالٍ" برز منها البكاء وبصور استعارية ألفت محور النّصّ، وقد عمد الشاعر إلى ذلك ليكشف عن حزنه الداخلي الذي كانت حصيلته في النهاية البكاء بوصفه فعلاً ظاهراً مرئياً ، فالصور انغماسات حزينة تنبئ عن قلب مكلوم تداعت وتبلورت عبر الانزياح اللغوي"أقرح العين بكائي"وهذا التوسع في الصورة يمثل استجابة لدوافع الباعث الشعوري الذي ألحَّ عليه لينقل تجربته الصادقة ؛ لأن الغزل اصدق فنون الشعر.

    وقد كَثُرَ البكاء عند شعراء الغزل العفيف واقترن بهم حتى أصبح ضربا من المسلمات التي تثيرها الذكريات وتحركها الأشجان ، فاختار لذلك الشاعر ألفاظا تنبع من تلك المعاناة وألّفها في صور ، فلواعج الحب تؤجج النفس وتدفعها إلى التعلّق بالمحبوب ، والنفس((إذا تعلقت بالشيء تعلقا شديدا ، ملك عليها مشاعرها ، فأصبحت لا ترى حسنا ولا قبيحا إلاّ من طريقه)) ومن ذلك يقول جميل بثينة:

وماليَ لاَ أَبْكِي وفي الأيكِ نائِحٌ وَقَد فَارَقَتنِي شَخْتةُ الكَشْحِ والخصرِ

     ويقول العباس بن الأحنف:

بَكَيْتُ إلى سِرْبِ القَطَا حِيْنَ مَرَّ بِي فقلتُ وَمثْلِي بالبكاءِ جَدِيـــرُ

      وعلى هذا تكون عناصر النّصّ ومحيطه تعاونت مع كلمة "بكاء" في تماسكها السياقي 

الثقافي في ربط الصورة وتفاعلها على مستوى مقطوعة الشاعر الكاملة.







                                                        









     

ولابد في كل تجربة غزلية من وجود عاذل وهو استعمال ثقافي عرفته البيئة العربية، يقول خالد الكاتب:

زَعَمَ الْعَاذِلُ أَنِّيْ مُفْــــــرِطٌ          فِيْ هَوَىْ مَنْ مِنْهُ يَسْتَحْيِيْ الْقَمَرْ       

لَوْ رَأَىْ بَعْضَ الَّذِيْ عَايَنْتُـــهُ            لَمْ يَزَلْ مَا عَاشَ عَبْدَاً لِلنَّظَــرْ      

      لأجل إقناع العاذل الافتراضي - الذي يتهم الشاعر بالإفراط في الحب- يكسو الشاعر مشاعره بالاستعارة المكنية لرسم صورة المحبوب وتحفيز خيال العاذل بوساطة تشخيص القمر ومنحه تلك الصفة الإنسانية التي تأتي انسجاما مع مجاوزة الحد في ذلك الحب الذي أشار إليه باسم الفاعل"مفرطٌ- المنوّن" الدال على التجدد والاستقبال.

    وينتقل الشاعر للمستوى الثاني المتمم للصورة ليعلل مسوغات الإفراط ويودع المعنى كاملا في وعي المتلقي ؛ لذا هو يطلب من العاذل النظر لمحبوبه ليراجع ذلك اللوم، على أنَّ العاذل قد يكون الشاعر نفسه وليس حتما أنْ يكون غيره ؛ وذلك لرغبته في((إشباع حاجاته التي تثيرها دوافعه المختلفة سواء كانت حاجات عضوية أو نفسية أو اجتماعية.. ؛ لذا نجد الشاعر يحاول توظيف العذل ليكون أكثر قدرة على ضبط المشاعر والتقليل من حدة تلك الانفعالات)) وقد انتشرت ألفاظ العذل ومعانيها كثيرا في ديوان خالد الكاتب.

      ومن السياق الثقافي الذي يربط النّصّ داخله بخارجه ويسهم في التماسك "صورة الليل" التي ألّفت ظاهرة ثقافية بارزة عند الشعراء العرب ، وجاء بها خالد الكاتب مغلفة بإحساسه ، يقول:

رَقَدْتَ وَلَمْ تَرْثِ لِلسَّاهِـــــرِ            وَلَيْلُ الْمُحِبِّ بِلاَ آخِـــــرِ         

وَلَمْ تَدْرِ بَعْدَ ذَهَابِ الرُّقَــــا            دِ مَا فَعَلَ الدّمْعُ بِالنَّاظِــــرِ          

فَيَا مَنْ تَملَّكَنِي حبُّــــــهُ            أَجرْنِي مِنْ طَرْفِكَ السَّاحِـــرِ           

وَخُذْ لِلْفُؤَادِ فِدَاكَ الْفُـــــؤَا            دُ مِنْ طَرْفِكَ الْفَاتِنِ الْفَاتِـرِ

يرى أحد الباحثين أنَّ الكناية أضعف من التشبيه والاستعارة وتكون((العلاقة بين طرفي الصورة في كل منهما محدودة تجري في مسار واحد لا ثراء للدلالة فيه بل الكناية بخاصة تقترب اقترابا شديدا من الحقيقة ، حتى لتلتبس بها في بعض الأحيان)) ،ونحن نوافق هذا الناقد رأيه إذا كانت تجربة الشاعر ضعيفة ، أمّا مع حرارة التجربة وصدق الإحساس وبراعة الاتساق في بناء الصورة فالأمر يختلف ، إذ تمثّل "الكناية عن صفة= ليل المحب بلا آخر" عند خالد الكاتب قمة التأثير والثراء الدلالي ، إذ تنبئ مشاركة الشاعر للطبيعة عن انحسار النهار وغيابه تماما ، وهذا ما لم نجده عند أغلب الشعراء.فالشاعر يصف انتظاره السديم ، فإذا سكنت الناس ليلا هجمت عليه الهموم وتمكنت منه الدموع ، ففاض من نفسه تعبير حي يحكي ألم وجده فالليل عذاب للشاعر"لم ترث للساهر" وغالبا ما يتجه الشاعر نحو الموازنة فهناك محبوب راقد بنعيم ومحب ساهر بجحيم يسلي نفسه بالأمنيات. ونلحظ قوة التماسك بين ليل المحبوب وبقية المقطوعة وكأنها نسيج واحد ؛ لأنّ ((جمال التصوير وروعة البيان وراء كل تأثير تحدثه الصور الأدبية في النفوس)) وجمال هذه الصورة جعل كثيراً من النقاد وعلماء الأدب يثنون عليها ويبدون إعجابهم بها، وليل العذريين يختلف عن غيره لما يحمله من يأس وعناء ، يقول الكاتب:

تَبَاعَدَ الصّبْحُ حَتْى مَا أُؤَمِّلُهُ وَازْدَادَ هَمٌّ فَمَا يُرْجَى تَرَحُّلُهُ 

واللَّيْلُ وَقْفٌ عَلَيْنَا مَا يُفَارِقُنَا كَأنَّمَا لَكَ وَقْتٌ مِنْهُ أوَّلُــهُ

 ولخالد الكاتب صور كثيرة في وصف الليل. وبذلك نجد أن السياق المقامي في النّصّ الشعري قد خدم الصورة البيانية وعضّد تماسكها النّصّي وقد أفاد منه الشاعر في ربط الوقائع والأحداث الحافة بمجريات النّصّ.

المبحث الرابع:أثر السياق النفسي في تكوين الصورة البيانية

    الفن إبداع تفجره شحنات نفسية على وفق ترابط منسجم يحوّل فوضى الانفعالات إلى سلوك قادر على فرض التأثير والجمال وبأشكال تتسم بسلطة القصد وطرق تؤمّن عملية الاتصال بين الباث والمستقبل. 

    واللغة أداة الشاعر ولا يستعملها ((للتعبير عن شيء فحسب بل للتعبير عن نفسه أيضاً)) وتربط الشاعر بلغته علاقة مجهولة لا يعيها إلاّ هو ؛ ذلك أنّ الشاعر ((أكثر انقيادا واستسلاما إلى اللاوعي اللغوي بسبب ما يملك من إحساس مرهف مشحون وروح محتشد زاخم حتى يكاد الشعر يصبح سلسلة من الرحلات في الأعماق الباطنة للغة)) وهذه السلسلة من اللغة تتميز بوجود روابط منها ما هو((حيوي وبيولوجي ونفسي يربط الفرد بالمحيط ويمنحه الاطمئنان النفسي والاجتماعي)) وهكذا فإن أي فن تعبيري ينبجس عن الذات يمثل انطلاقة من قاعدة نفسية.

    ولاشك في أنّ اللغة تولد في سياق يأخذ على عاتقه تبيان وظيفة التركيب اللغوي ومن أهم وظائف السياق التي تربط النّصّ الوظيفة النفسية وهي ((مجموعة الانفعالات التي تؤثر في النفس وتسيطر على القوى الشعورية عند الإنسان فهي وظيفة داخلية تسرح مع المرء في أعماقه وتمتلك عليه عواطفه ، وتبدأ بمشاعره فتشدها شدا)) فتتحول الكلمات والعبارات- التي تلتحم في سياق- إلى بناء يتماسك في روابط خفية  تمتدّ آثاره بين مرسل النّصّ ومستقبله.

    والتحليل النفسي له جذور قديمة في التراث العربي ، فقد فرق الجاحظ بين الشعر الجيد وغيره في التأثير مشيرا إلى وقعه النفسي ، فهو إذا خلا من الفضول والتعقيد ((حُبِّب إلى النفوس ، واتصل بالأذهان ، والتحم بالعقول وهشت إليه الأسماع وارتاحت إليه القلوب)) ووردت إشارات كثيرة تعنى بدوافع الباعث على نظم الشعر أو إبداع القصائد أو أثر الشعر في المتلقي، يقول ابن قتيبة: ((ولله در القائل:اشعر الناس من أنت في شعره حتى تفرغ منه)).

وقد سبق عبد القاهر الجرجاني - وبعدة قرون- الدراسات اللغوية الحديثة ، التي تولي عناية بالنّصّ وبنائه النفسي ، وما تأكيده على أهمية موقع الكلمة في السياق النّصّي إلاّ إشارة إلى مدى تأثير تلك الكلمة نفسيا في المتلقي ، فيقول: ((انك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع ، ثم تراها بعينها تثقل عليك وتوجعك في موضع آخر)) وهذه إشارة واضحة إلى التأثير النفسي للكلمة في سياقها النّصّي.

      أمّا في العصر الحديث وبغض النظر عن بعض الانتقادات التي وُجْهِتْ إلى التحليل النفسي ونظريات فرويد خاصة واتهامه بالعناية المفرطة بمنشئ النّصّ ، غير أنّ بعض تحليلاته تؤكد((أن النّصّ هو المنطلق لا حياة الكاتب)) ، وهذا ما تؤكده الدراسات اللسانية النّصّية التي وجهت نظرها إلى دراسة النصوص المهيمنة وتأثيرها في متلقي اللغة وعلى وفق مستويات:علم النفس الاجتماعي والتواصل الجماهيري ، والأعمال التي تؤدي إلى إدراك المنجز النّصّي ، ويعد "رولاند بارت" أول من اتجه إلى الدراسات النفسية في نقد النّصّ بعيدا عن شخصية المؤلف.

ويرى الدكتور عز الدين إسماعيل أنّ الفائدة من معطيات التحليل النفسي ينتفع منها الناقد لا الفنان ؛ وذلك لما يحققه من إفادة((في إلقاء مزيد من الضوء على العمل الفني واستكشاف أبعاد التجربة أو التجارب التي يقدمها ، وتفسير الدلالات المختلفة التي تكمن وراء الأعمال الفنية)) والتحليل بهذا المنظور يجب أن يمر عبر السياق الذي يوجه دلالة الكلمة في مسار نصي محمل بفيض عاطفي تتفاوت انفعالاته قوة وضعفا فيختار المبدع كلمات مستساغة ومعبأة دفقا شعوريا؛ ليضمن من خلالها قوة الاستجابة.

ولابدّ للمبدع من مراعاة حال المخاطب وميوله ومقامه الاجتماعي ومستوى تفكيره ليستطيع إرسال أفكاره بسهولة ؛ لذا أُقِرَ قديما مراعاة "مقتضى الحال"، على أنّ ثمة فرقا بين وعي المبدع ووعي الناس الاعتيادي ،فحال ((المبدع في لحظة إشراق الفكرة أو المعنى هي حالة خاصة متميزة ليست مما يعرف الناس من الحالة السوية للشخص أو لسلوكه)) وغايته- من ذلك- استبدال الواقع المألوف بما ينسجم مع إحساسه الداخلي فيشعر نتيجة ذلك بالارتياح لإخماد ثورته الداخلية.

       ويسعى الشاعر جاهدا لجعل متلقي الخطاب يذوب في شعوره الداخلي ، ويتضح ذلك في انتقائه المتقن للألفاظ والتعابير التي تصلح لسياقات تنسجم واتجاهات المتلقي ورغباته النفسية ، ومن اجل تحقيق ذلك يصارع الشاعر في مهمته"استجابة المتلقي لإبداعه" ليضمن لنفسه إثبات الوجود الذي يرى فيه انتصارا كبيرا في تحقيق ذاته.وان بؤرة الالتقاء بين تجربة الشاعر وتجربة المتلقي وامتزاجهما في توافق شعوري واحد يمثل مكمن الاستجابة الفاعلة.

      والإبداع عملية شعورية نفسية تحفزها أشياء منها:"الألم ،الفراق، العشق، الحرمان.." إلاّ أنّها ليست نفسية محضة في كل تفاصيلها ، بل هي مزيج من تفاعلات مختلفة ومناخات بيئية وثقافية متنوعة..وكل ذلك يؤثر سلبا أو إيجابا في عطاء المنشئ ، فالشاعر قد يلجأ إلى تراثه لينهل من معينه بوصفه ذاكرة اجتماعية تحمل في طياتها تكوينه الفكري والمعرفي ، إذن فعملية الإبداع عملية مركبة معقدة يحركها الفعل النفسي بالاشتراك مع عناصر مساعدة أخرى.

  واللسانيات النّصّية تدرس الكيفية اللغوية التي يستعملها الشاعر لتحقيق التفاعل بوصفها آلية من آليات التواصل هدفها جذب المتلقي في أثناء إيصال المحتوى الشعري عبر قنواته المتعددة.

ويؤلف التماسك عن طريق الحضور النفسي – في شعر خالد الكاتب- دفقاً للتكوين البياني ونسيجاً تقوم خيوطه بربط المعنى ، وقد سار في نظم شعره على هدى العذريين ولم يتخط بناءهم العاطفي في تأليف صور قائمة على فكرة ((العاشق المستهام المنصت دوما لبوحه الداخلي ، المتوحد أبدا مع حبٍّ يراه عذبا في عذابه ، رائعا في قسوته ، وحلواً في مرّه))، ونستطيع أن نجزم أنّ كل صوره البيانية إلا ما ندر منها تعبير عن حالات من الشعور النفسي تتماسك فيما بينها لغويا ومعنويا وتنضوي تحت ظلال وحدة الغرض الشعري الواحد"الغزل العذري" فتحس بها وكأنها آهات مكتوبة على الورق.

  وتكشف صورة الدموع - في شعر الغزل عامة والعذري بخاصة- مظهراً نفسيا لافتا للنظر ، فالمحب الذي يقع ضحية البعد أو الهجر المر يُسلِّي نفسه بذرف الدموع ويغلو في وصف صوره ، يقول خالد الكاتب:

وَلَمَّا رَأَيْتُ الدَّمْعَ غَاصَ إلَىْ الْحشَـا      وَأَنَّ فُؤَادِيْ مِنْ دُمُوْعِيَ فِيْ بَحْرِ  

نَظَرْتُ إلَى عَينَيَّ لاَ مَاءَ فِيهِـــمَا    فَأيْقَنْتُ أنّ الدَّمْعَ تَحْتَهُمَا يَجْـرِي  

فَلَوْلاَ اسْتِبَاقُ الدَّمْعِ فِي مُضْمَرِ الْحَشَا      تَفَجَّرَ أَنْهَارُ الدِّمُوعِ مِنَ الصَّـدْرِ  

عَلَى أَنَّ قَلْبِيْ يَنْشِفُ الدَّمْعَ حَــرّهُ    وَأَيْنَ بَقَايَا الدَّمْعِ فِي وَهَجِ الْجَمْرِ؟

      المبالغة تجسيد لمشاعر يغذيها الباعث ، فالجفاء والنأي عن اللقاء تعقبه بالضرورة أوجاع وسهر ودموع عند العذريين ، والنّصّ مفعم بالجو النفسي تفيض من جوانبه الغصة والألم ، وقد اعدّ الشاعر لذلك الشعور كلمة"الدمع" بمفردها وجمعها:

الدمع="5 مرات"

الدموع= "مرتان" فيصبح العدد في مقطوعته الرباعية = "7 مرات" وهو عدد يستثير المتلقي. 

    لقد انتزع الشاعر من كلمة"دمع" دلالتها المعروفة وأفرغها في سياقات نفسية عميقة تسفر عن امتداد الوجع وتفاقم الضيق ؛ لذا ضمّن الدمع كل أبيات المقطوعة ليقوم بدور الرابط الذي يُسهم بانسجام النّصّ ، وهذا الرابط السياقي أعطى دفقا للتكوين البياني ، فجاء إحساس الشاعر العميق مضغوطا بصور خمس هي:

1- غاص الدمع               استعارة

2- فؤادي..في بحر               استعارة

3- الدمع تحتهما يجري               مجاز مكاني

4- قلبي ينشف الدمع                 استعارة

5- بقايا الدمع في وهج الجمر               استعارة

من إيحاء الكلمات يكشف الشاعر النقاب عن نفسه المعذبة جاعلا من"الدمع" آلة ذلك العذاب الذي يمثل بمجراه وحضوره المتعدد داخل النّصّ ضياء كاشفا تسير بهداه الصورة لتمسكه وتكشف عن قوة معناه ، وإذا كان الشاعر ((يشعر بما لا يشعر به غيره)) فإنه قد غير من طبيعة الدمع ونزوله على الخد إلى غوصه في الحشا وتجمعه في فؤاده حتى صار كالبحر، ثم غيّر من سجيّته حتى صار يجري تحت العين ومضمر الحشا ، ثم جعل منبعه الصدر ،حتى استقر في القلب"في وهج الجمر".

  لقد اعتمد الشاعر في بناء نصه والتعبير عن معانيه على التصوير الحسي وقد ظهر ذلك جليا في البيت الثالث الذي تميزت صورته بقوة التماسك وجمال الأداء"تفجّر أنهار الدموع" فدلّ الفعل "تفجّر" على المبالغة التي تداخلت مع مبالغة التشبيه البليغ بصيغة الإضافة "انهار الدموع" الموحي بالتقارب الشديد في الصفات ، أمّا تقديمه للمشبه به فقد قصد من ورائه مفاجأة المتلقي ولفت نظره لحجم ذلك الدمع ومدى تدفقه ؛ لأنّ ((المشبه به بوابة لمعرفة المشبه من خلالها..والسر في ذلك إنّ الصفة أو الأمر المشترك في المشبه به يكون أشيع واظهر منه في المشبه)) ، والدمع- في هذا النّصّ- غادر العين إلى مواضع أخرى.      

ويذكر أنّ إبراهيم بن المهدي أرسل خلف الشاعر خالد الكاتب لينشده من شعره فأنشده قائلا: 

رَأَتْ مِنْهُ عَيْنِي مَنَظَرَيْنِ كَمَـا رَأَتْ        مِن الشَّمْسِ وَالْبَدْرِ الْمُنِيْرِ عَلَى الأرْضِ              

عَشِيَّةَ حَيّانِي بِوَرْدٍ كَأَنَّــــــهُ        خُدُودٌ أُضِيْفَتْ بَعْضُهُنَّ إلَى بَعْـــضِ            

وَنَاوَلَنِي كَأْساً كَأنَّ رُضَابَهَــــا        دُمُوعِي لمَّا فَارَقَتْ مُقْلَتِي غَمْضِـــي  

    ينطوي النّصّ على تراكيب بيانية تداعت في سياقات نفسية كشفت عن انفعالات الشاعر الداخلية؛ لأنّ ((النّصّ هو الشكل الأساس للتنظيم الذي تتجلى فيه لغة إنسانية)) وهذا جعل اللسانيات تولي النّصّ عناية خاصة وتنظر في طريقة بنائه بوصفه((حلقة أو نموذج التقاء بين المبدع والمتلقي))، وقد حرص الشاعر على إيجاد تلك الحلقة فجاءت صوره استجابة لضرورة نفسية أحسّ  بها ، فهو في البيت الأول لم يشبه بكل صفات الشمس والقمر بل شبه بما يظهر منها من ضياء ونور على الأرض. وبسياق نفسي يطفح من أركانه شذا المبالغة قمّص البيت الثاني حلة بيانية مثلها التشبيه المقلوب "بِوَردٍ كأنّه خدود" فكان له فتحا كبيرا إذ حقق من خلاله عنصر المبالغة المحبوبة التي هزت بعمقها التأثيري خيال إبراهيم بن المهدي وجعلته يهتزّ لها حتى قيل أنّه ((زحف حتى صار في ثلثي الفراش وقال يا فتى شبهوا الخدود بالورد وأنت شبهت الورد بالخدود فزدني)) وعلى هذا فإن التشبيه ما هو ((إلاّ دعوة دخول المتلقي إلى ما ورائيات الأشياء وتوجه إليه ليحتضن في تعاطف مختلف الإيحاءات التي تظل تحوم على آفاق الصورة التشبيهية)) فالشاعر فاجأ المتلقي بقلب موازين الصورة التشبيهية فأخرجها من ظلمة ابتذالها إلى نور جديد أكثر إشراقا:

الوضع الطبيعي"المتعارف" >>>>>>>>> خدود كأنّها ورد

خرق هذا الوضع"غير المتعارف">>>>>>>>> ورد كأنّه خدود

      إذن فالشاعر حوَّل الصورة البيانية من سياقها المبتذل إلى قوة دكت نفس المتلقي وداعبت مشاعره , فالشعر – كما يقول ابن رشيق- ((ما اطربَ , وهزّ النفوس وحرّك الطباع)) ، لكنّه في البيت الثالث لم يكن موفقا في تشبيهه المقلوب"كأنَّ رضابها دموعي" ولم يحقق منه صفة المبالغة على الرغم من اندماجه مع الاستعارة "كأساً كأنّ رضابها" ؛ لأنّ معنى الرضاب:الريق أو الريق المرشوف ، ورغوة العسل ، وما تقطع من الندى.. وهو لا ينسجم وكثرة دموع الشاعر التي ملأت مساحة واسعة من الديوان ويبدو أنّ جوَّ الصورة النفسي وموضوعها الغزلي الذي استهوى نفس الخليفة إبراهيم بن المهدي قد غطّى على هذه الإخفاقة.

    ومن السياق النفسي قول الشاعر:

بَعْدَمَا أَنفَدَ الْفِرَاقُ الدُّمُوعَــــــا            وَنَفَى الشَّوْقُ وَالْحَنِينُ الْهُجُوعَا           

قَالَ طَرْفِي لِلدَّمْعِ يُسْعِفُ قَلْبِـــــي            أيُّهَا الدَّمْعُ لِمْ رَقَأْتَ سَرِيْعَـــا          

عُدْ دَماً كَيْفَ كُنْتَ مِنْ حَيْثُ مَا كُنْــ              تَ مُجِيباً لِطُولِ حُزْنِي مُطِيعَــا           

غَدَرَ الدَّهرُ بِي فَبَانَ بِإِلْفِـــــــي            حَسَداً مِنْهُ أَنْ نَكُونَ جَمِيْعَـــا

    يبدو من السياق أنّ الشاعر يشكو من ألم العشق وقد أفاد من فاعلية المجاز"أنفد الفراق الدموعا" وعودته ثانية في"نفى الشوق والحنين الهجوعا" لتصوير ذلك الألم وفتح الباب في خلق حوار نفسي بين الطرف ودمعه عبر التشخيص"قال طرفي- أيها الدمع" رغبة في البوح والتنفيس والتخفيف عن النفس ؛ لأنّ التشخيص((عملية نفسية صرف)) تنسجم وحالة العذري الذي لا يجد مكانا يأوي إليه لبث لواعجه إلاّ نفسه ، ويقوم الخيال بدور المساعد لإنجاز هذه المهمة ، فثمة طرف يقول للدمع ويناديه"أيها الطرف" ويلح الشاعر على ذكر الدموع كوسيلة سياقية تتحرك في النّصّ تنبئ عن هموم يحاول الشاعر التحرر منها فتظهر بشكل كلمات مترابطة في صور يهيمن عليها الطابع النفسي؛ لأنّ((أهم ما يمتاز به الشعر عن غيره أنه يتجه أولا وبالذات إلى مخاطبة الوجدان والعواطف لا الإدراك والتأثير)) وكذلك الشعر لا تنتجه الأفكار العلمية ، ولكنّه((مصنوع من الأشياء أو من كلمات تدلّ على أشياء)) فقد دلّ لفظ "رقأت" على جفاف الدمع الذي ولّده الفراق.

      لقد كشفت الصورة عن الدواعي"الألم والكبت والحزن" التي تعتري الشاعر وتمنعه من البوح عن تلك المشاعر ، وإنّ عدم مواجهة الموقف والحوار الخارجي جعله يلجأ إلى ذم الزمان وإلقاء اللائمة عليه في أسلوب مجازي"غدر الدهر"لمكون بديل يلقي عليه أعباءه وتعويضا له عن غياب المحبوب أو من يحاوره ويسمع أوجاعه.

  وقد صرَّح الشاعر بحديثه للنفس قائلا:

أحَادِثُ نَفْساً تَرْتَقِيْ كُلَّ سَاعَةٍ          فَأحْبِسُهَا بَيْنَ التَّرَائِبِ وَالنَّحْرِ    

وَيُبْلِغُنِيْهَا غُصَّتِيْ وَكَأَنَّهَـــا        مُلَذّعَةٌ بَيْنَ الْجَوَانِحِ بِالْجَمــْرِ

       الشاعر يشكو لواعج الهوى لا لأحدٍ من الناس بل لنفسه ، وهي ظاهرة مطّردة في شعر خالد الكاتب ، انطلقت من ذات إنسان معذّب أُشْبِعَ هجرا فآوى هذا الإحساس بالاستعارة "أحادث نفساً" وشخَّصها لتحاكي ما ألمَّ به من أَلَمِ الجوى فتكاد أن تخرج لولا أنَّه يحبسها وتستمر الصورة في انسجامها لتتآزر مع صورة التشبيه"غصتي و كأنَّها ملذعةٌ.." واللذع يمثل نمطا من التعبير عن شكل من أشكال الحب((واصله من لذع النار ، يقال لذعته النار لذعاً أحرقته)) فقد شبه غصة الحب التي تنتابه بحرارة الجمر في صدره ، ونحس بعاطفة الشاعر وهي تتوقد معبرة عن حاله الجواني فتشعل معها عناصر الصورة ، والتشبيه في الصورة يحمل تأثيرا جماليا يقوي تماسك الدلالة ؛لأن ((التشبيه لا يعني تحقق معنى موحد ، ينتقل آليا من المشبه إلى المشبه به ، بل انه يولد إيحاءات متتالية تظل تناوش طرفي التشبيه)) لتحقيق  فعل الصورة النفسي ،  ويتوقف ذلك على مدى قدرة المبدع في انتقاء عبارات قادرة على تمثيل ذلك الإحساس.




المبحث الخامس:أثر السياق التداولي في تكوين الصورة البيانية  

    من أهم سمات الدرس النّصّي الحديث الانفتاح على المعارف والعلوم المختلفة ، فقد أصبحت دراسة النصوص لا تقتصر على البناء أو الصياغة.. بل تتعدى ذلك إلى الكشف عن وظائف العبارات ومقاصدها، وتأتي هذه النظرة من الاعتراف السائد في ضوء المفهوم الحديث من أن اللغة في((جوهرها ليست نظام علامات فحسب بل إنها ، قبل أي شيء وفي الأساس ،  نشاط تواصلي)) يبحث عن العلاقة بين مرسل ومستقبل ، وعلى هذا يكون التحليل النّصّي منهجا شاملا لا يحدد بالعامل النحوي أو الدلالي فقط وإنّما توجهه اتجاهات وأهداف أخرى ((وبما أنّ مؤلف "صانع" النّصّ مرتبط بالعوامل التداولية ، فإن المتلقي مرتبط بها ، وبنتائجها أيضا)).

    وقد ظهرت العناية بالمنهج التداولي في منتصف القرن العشرين وتحديدا في سنة 1965 في مقالات جومسكي Chomsky وميلرMiller ونيوالNewell  وسيمون Simon  ومينسكيMinsky  ، وماك كولوك McCulloch ، وربما تكون الانبثاقة الأولى لبذور التداولية في سنة 1955 حينما ألقى جون اوستين Jon Austin محاضراته في جامعة هارفرد ضمن برنامج "محاضرات وليام جايمس William James Lectures"، ويعني ذلك أنّها علم معرفي نشأَ من التطور الذي واكب اللسانيات ، إذ مثل جانبا من التحول من آفاق اللغة إلى مجال أوسع له علاقة بها على وفق مراحل تدعم وظيفتها وبشكل هادف عملية التواصل حتى وصل إلى التداولية ، وهي بهذا تكون- وبحسب فيرشورن Verschueren- لا تمثل مستوى مستقلا عن التحليل اللغوي ، وإنما تسهم في إنتاج المعنى ، لأنها معنية بالجانب السلوكي للغة.

    ويقترن مفهوم التداولية بالفيلسوف"تشارلز موريس" في أثناء تعرضه لدراسة علم  العلامات"السيميائيات" وقد وزعها إلى فروع ثلاثة: 

1- النحو أو التركيب "Syntax" العلاقة الشكلية بين العلامات.

2- الدلالة "Semantic" علاقة العلامات بالأشياء.

3- التداولية "Pragmatics"  علاقة العلامات بمستعمليها وبمؤوليها.

      ويبدو أنّ أول المحاولات الجادة المتطورة في ظهور التداولية – بوصفها مصطلحاً له مكانته في الدرس اللغوي-جاءت على يد ثلاثة من الفلاسفة اللغويين وهم"اوستن وسيرل وجرايس" وكانوا ينتمون الى المدرسة التي تعنى بفلسفة اللغة الطبيعية بخلاف المدرسة الشكلية التي يمثلها كارناب.

      ولما كانت التداولية درساً معاصرا يُعنى بدراسة العبارات ضمن تفاعلها في النّصّ ؛ فهي تقع ضمن نسيج تواصلي متواشج يعبر عن سلوك إنساني وله مهام وظيفية داخل النّصّ تتعلق بأنماط نفسية واجتماعية تتفاعل تواصليا بين المرسل والمتلقي وهي ((تُحَدد نسقيا لكي تلائم أفعال اللسان وتتمثل هذه الأفعال في المعرفة ، والرغبات ، أو الإرادة ، والتفضيل..)).

  وتعددت تعريفات التداولية وتنوعت اتجاهاتها ومهامها ، فهي تقوم على((دراسة العلاقات بين الرموز والعلامات والمستعملين لها))ويمكن أن تعرف بأنها ((نسق معرفي استدلالي عام يعالج الملفوظات ضمن سياقاتها التلفظية ، والخطابات ضمن أحوالها التخاطبية))وهذا التعريف يحصر مجال التداولية في السياق اللغوي وسياق الحال في تحليل النّصّ ، ويرى "أوستن" أنّ تمييز الأعمال اللغوية يأتي على ثلاثة أنواع:

1- العمل القولي:الذي يتحقق ما إن نتلفظ بشيء ما.

2- العمل المتضمن في القول:الذي يتحقق بقولنا شيئا ما.

3- عمل التأثير بالقول:الذي يتحقق نتيجة قولنا شيئا ما.

      ادخل أوستن- في النوع الثالث- المتلقي ومدى تأثره بذلك القول أي طبيعة الاستجابة للفعل القولي.وكما تعددت تعاريف التداولية كذلك كان الشأن نفسه في تعدد مفاهيمها وتنوع مصطلحاتها، فجاءت على أشكال منها((الفعل الكلامي ، القصدية ، الاستلزام التخاطبي"أو المحادثي"، متضمّنات القول ، ونظرية الملائمة)).

وعُدّت آراء"أوستن" في كتابه"كيف ننجز الأفعال بالكلمات 1962" البذرة الأولى للدراسات التداولية النّصّية ، ثم قام "جون سيرل" بتطويرها في كتابه"أفعال الكلام 1969" وقررا معا ((أنَّ وظيفة اللغة ليست نقل معلومات أو وصف لوقائع العالم فحسب ، وإنما هي وسيلة عمل وتأثير في الغير..انه لا يمكن فهم حقيقة هذه الأفعال إلا بدراستها في الاستعمال)) وبهذا المعنى تتعدى وظيفة اللغة من سمتها النفعية الإبلاغية إلى كونها(( جزءاً كاملاً من التفاعل الاجتماعي..تنمو وتتطور تحت تأثير بنية التفاعل داخل المجتمع)).

    وقد برع العلماء العرب في دراساتهم حين تصدوا لدراسة الخبر والإنشاء أو ما يعرف اليوم بـ "نظرية أفعال الكلام" وحال اللغة العربية حال ((غيرها من اللغات الطبيعية ، تشتمل على طائفة من الصيغ والأدوات التي يستعملها المتكلم للدلالة على القوة الانجازية التي يريد تضمينها كلامه كالتقدير والاستفهام والتمني والأخبار والنفي والإثبات والطلب والترجي..)) ، ومن العجب أنْ يَطلب بعض الباحثين من العرب أن يأتوا بنظرية متكاملة الأبعاد ، وزعموا أنّ البراغماتية بعيدة عن الفكر والمتلقي العربي القديم ، تقول منال النجار:(( إنّ مصطلح المقام قُرئ بَلاَغِياً ونحويا وأدبيا ونقديا وساعد في تطوير هذا التراث ، ولم يُقرأ براغماتيا ؛ لأنّه لا علماء العرب القدامى ولا القارئ كانوا يملكون هذا البعد البراغماتي ومقصديته)) وهذا الكلام يحمل ظلما كبيرا يلغي جهود العرب وأبحاثهم الرائدة في علم المعاني وتطبيقاتهم على النّصّ القرآني والعوامل التي تؤدي إلى تبدلات المعنى ، وإذا كانت الأفعال الكلامية تمثل أفعالاً شخصية ومواقف اجتماعية مقامية وأفعالاً انجازية من أمر ونهي واستفهام وتمنٍّ وتعجب..فان العرب خاضوا غمار هذه الأبحاث وفي علوم مختلفة كالنحو والبلاغة والأصول..

  وقد أفاد الدرس اللغوي الحديث من فاعلية التداولية في تحليل النّصّ ؛ لكونها تخلق صلة بين أفكار النّصّ ومقاصد الباث في مجال اتصالية السياق ، فيصبح للحدث الكلامي في النّصّ وظائف تُفسِّر - من تتابعه- كنه القضايا الملقاة وأبعادها على وفق شروط يقوم بإنتاجها فعل اللسان ليكون موائما للسياق الذي ينجز فيه النّصّ.والحدث الكلامي في السياق النّصّي يمثل إحدى البنى التحتية في تكوين الصورة البيانية ، والشاعر – خالد الكاتب - يُلقي في نصه بعض الصيغ الانجازية بهيأة منطوقات تؤلّف حلقات متماسكة في تركيبها تدل على الموافقة أو الرفض أو الاستسلام... فهو يقول:

يَا طُوْلَ وَجْدِيْ وَيَا شَوْقِيْ وَيَا كَمَدِيْ    وَزَفْرةً بَذَلَتْ عَيْنَيَّ لِلسُّهُــدِ    

إِذَا تَنَفَّسْتُ نَمَّتْ كُلُّ جَارِحَـــــةٍ    بِمَا تَرَدَّدَ فِيْ قَلْبِيْ وَفِيْ جَسَدِيْ     

يَا وَاحِدَ الْحُسْنِ يَا رَامٍ بِمُقْلَتِــــهِ    طَرْفَاً أَغَامَ عَلَىْ التَّسْهِيدِ وَالرَّمَدِ      

إِلَيْكَ أَشْكُوْ وَلاَ أَشْكُوْ إِلَىْ أَحَــــدٍ      فَلَيْسَ مَا حَلَّ بِالأَحْشْاءِ مِنْ أَحَدِ   

          ألّف النداء بؤرة التواصل النّصّي في هذه المقطوعة ؛ لما يحمل من معانٍ تدل على الطلب والتنبيه وتوجيه الدعوة إلى الإصغاء وقصد الاستجابة ، والنداء بـ "يا" يمتلك خاصية ندائية مزدوجة"للقريب والبعيد" ، وذلك لتركيبها من:ياء+حرف لين"الألف" وينادى بها البعيد لانتهائها بصوت مدّ يعين النداء على الإطالة ومد الصوت وإيصاله إلى المنادى البعيد ، وهي تصلح لكل أنواع النداء الحقيقي والمجازي ، كما تصلح للندبة والاستغاثة ، وهذه المزيّة جعلت الشاعر يستعملها بكثرة واضحة في شعره ؛ لأنها تمثل بُعدا تداوليا مكونا من "فعل لغوي+ مكون جملي" ((فالنداء إذن فعل لغوي في حين أنّ المنادى وظيفة ، أي علاقة تقوم بين مكوّن من مكوّنات الجملة وباقي المكوّنات التي تُوارِده)).

بدأ الشاعر نصه التداولي بـ "النداء" وفي نوعه الإضافي"يا طول وجدي- يا شوقي- يا كمدي- يا واحد الحسن" ليربط نصه من ناحيتين هما"التداولي والإضافي" ويتسم أسلوب خالد الكاتب غالبا بالتركيز على الظاهرة التداولية في شعره وزجها في الصورة البيانية بغية الاستفادة من تأثيرها الفعلي.

     لقد قرن الشاعر صوره البيانية في نداء المعنوي"يا طول وجدي- يا شوقي- يا كمدي" بياء المتكلم ؛ لأنها تخص ذات الشاعر فتلك النداءات استنزف وقعها قواه ؛ لأنها ضمت ألفاظا تدل على أصناف الحب المضني ، ولمّا أراد وصف الحبيبة قدم لها الاستعارتين خاليتين من ياء المتكلم"يا واحد الحسن- يا رام بمقلته" فالمحبوب حسن الصورة يصوّب بنظره سهاماً وهو مرتاح البال ، بخلاف محبه الذي يكتوي بالسهر وألم الشكوى . فقد وظّف الشاعر دلالة النداء لانجاز أفعال تكشف عن إحساسه الكامن في مناداة معشوقة حاضرة في النّصّ"خلف الكلمات" ولكنَّها غائبة ذاتا ، فهي قريبة في قلبه بعيدة عن عينه يستغيث بها منها"إليك أشكو".

   وربما يستعمل الشاعر النداء فضاء للتحدث عن ذاته المفتونة بجمال المحبوب ، فيقول:

يَا بَدِيْعَ الْجَمَالِ أَرَمَيْتَ قَلْبِــيْ وَفُؤَادِي بِسَهْمِ جَفْنٍ كَلِيْــلِ

فَهُمَا رَامِيَانِ تَحْتَ ضُلُـــــــــوْعٍ صَائِبَاتٍ سَقَامَ جِسْمٍ نَحِيْـلِ

  تؤلف أداة النداء-هنا- نسقا يمشي على أثره الطلب ومحاولة لجعل المتلقي يستشرف الصورة البيانية بتشبيهها المقلوب"بسهم جفن" الدال على المبالغة ، وكانت أداة النداء في البيت الأول انطلاقة مقصودة لأداء وظيفة نصية هي الإشارة إلى جمال المحبوبة وانتظار حصول الاستجابة منها ، فكان النداء بمثابة مقدمات سهلت عمل الصورة وساعدت في تماسكها الفني وامتدادها إلى البيت الثاني ، فالفعل اللغوي- بحسب تصور فلاسفة اللغة الطبيعية-((هو الحامل الأولي للعبارات والتي لا يمكن أن تعبّر عن محتوى محدد إلاّ داخل سياق معين للفعل اللغوي))                    


يَا بَدِيْعَ الْجَمَالِ               البيت الأول                        البيت الثاني

            


 

ويمضي خالد الكاتب في سياقه التداولي فيقول:

إِذْهَبْ بِجِسْمِيْ إِلَىْ الْمَنُوْنِ مَعَكْ  فَإِنَّ نَأْيَ الْحَبِيْبِ قَدْ صَدَّعَكْ   

يَا قَلْبُ قَدْ طَالَ مَا ابْتُلِيتَ بِــهِ  فَاشْكُ إِلَىْ اللهِ جَاهِدَاً وَجَعَكْ   

وَادْعُ عَلَى الْبَيْنِ وَاشْتَكِ جَزَعَـاً  لَعَلَّ مَوْلاَكَ أنْ يَرَىْ جَزَعَـكْ   

واحْسِنْ يَقِيْنَاً مُوَثَّقَاً أَمَــــلاً  وَالْقُرْبُ وَالْبُعْدُ فِيْهِمَا طَمَعُــــــــــــــــكْ

يؤدي السياق التداولي دوراً كبيرا في الكشف عن المعنى وتحديد معالمه ، وتفسير  القضايا والأحداث التي تكتنفه ، فالنّصّ محراب المعنى يبتغي المبدع من ترابطه وانسجامه- مع عناصر النّصّ الأخرى- الوصول إلى قلب المتلقي ؛ وذلك ((إذا كان الشيء متعلقا بغيره مقيسا على ما سواه كان خير ما يستعان به على تقريبه من الإفهام وتقريره في النفوس)) ومهمة التداوليات في اللسانيات هي دراسة اللغة في استعمالاتها الواسعة والاعتناء((بأقطاب العملية التواصلية فتهتم بالمتكلم ومقاصده بعدّه محركاً لعملية التواصل ، وتراعي حال السامع أثناء الخطاب)) 

    فالشاعر يخاطب القلب جاعلا من أسلوب الأمر مرتكزا أساسيا تقف فوقه الصورة ، وهذا التكثيف في أفعال الأمر المعطوفة "اذهب- اشكُ- ادعُ- اشتكِ- أحسن" تثير المتلقي لمتابعة الصورة للوقوف على مغزى ذلك البناء.

    ويعد المجاز بصورته الاستعارية انحرافاً عن المجرى الحقيقي لفعل الأمر فالقلب"لا يذهب ولا يشكو ولا يدعو.." ولكنَّ العبء الوجداني الملقى على كاهل الشاعر جعله يخاطب غير العاقل مخاطبة العاقل ، فالمجاز ((هو الكسر الأول الذي تحققه لغة الشعر في العلاقات بين الكلمات في الجملة بإعطائها وظائف نحوية لم تكن لتشغلها في غير الشعر وبذلك تصبح اللغة في الشعر غير اللغة العادية)) ، ومخاطبة الأعضاء يشكل ملمحاً أسلوبياً يستعين به الشاعر لبث شكواه متوسلاً بالفعل الكلامي وتبادلاته العاطفية في النّصّ ، فقد بدأت الصورة بانفعال شديد مثله بلفظ "الموت" ثم تدرّج بذلك الانفعال حتى وصل إلى الأمل ، والصورة البيانية على هذا الشكل تتنقل مع الفعل الانجازي داخل النّصّ لتبين ذلك الربط القائم بين ملفوظاته الإيحائية ؛ لأنّ ((الصورة جوهر التعبير الجمالي وقوام اللغة الفنية)) 

ويقول في أسلوب النهي بسياقه التداولي: 

لاَ تَمْتَحِنْ صَبْرِيَ بِالهجــــرِ    فَإنَّنِيْ صِفْرٌ مِنَ الصَّبْــــــــــــــــــرِ    

وَكُنْ عَلَىْ قَدْرِكَ لِيْ وَاصِـــلاً      -لاَ زِلْتَ- وَاهْجُرْنِيْ عَلَىْ قَدْرِيْ

  من خلال قناة السياق يغذي الشاعر النّصّ بصيغ كلامية قصدية ، ينجزها في قالب تداولي تدفع إلى النّصّ طاقة انفعالية إضافية تنتج من تحولات اللغة على وفق أحداث مقامية ونفسية واجتماعية تكشف عن تصورات المبدع تجاه الأشياء.

    والمبدع يتصرف على وفق جو التجربة النفسي فيختار السمة التعبيرية المناسبة لمشاهد الصورة ؛ لتكون قادرة على نقل إحساسه والوصول إلى أعماق المتلقي الذي يقوم بدوره في الاكتشاف التأويلي ليصل منه إلى مقاصد المتكلم.والنهي أسلوب طلبي يراد منه الكف عن الفعل يصدر((من جهة عليا ناهية إلى جهة دنيا منهية)) ، لكنَّ الشاعر خرج عن هذا القيد ليجعل الطلب التماسا حارا فيه مبالغة وتعظيم ، ودلالة التعبير بالنهي "لا تمتحن صبري" والأمر"وَكُنْ عَلَىْ قَدْرِكَ" يفصح عن جزعه من كثرة الهجر واستنفاد الصبر"صفر من الصبر" ؛ وهذا يجعله يلتمس استبدال امتحان الصبر بالهجر؛ لأنَّ الهجر من أقسى ابتلاءات الحب ، وقد زجّ الشاعر تلك المعاناة في مبنى كنائي أفصح عن وظيفة تواصلية حية وثيقة الصلة بحاله المنهك.ولعلّ جنوح الشاعر إلى تلك التعابير يأتي من طبيعة الحب فإذا((كان من خلق الحبيبة الاحتجاز والامتناع والدل ؛ فإنّ المحب يتذرع إليها حين الفراق بشوقه ، ولهفته لعلها أن تنيله بعض الوصال))    

    ومن السياق التداولي بأسلوبه الاستفهامي يقول:

كَيْفَ لِيْ أنْ أَمُوتَ مِنْكَ بِدَائِي    إِنَّ فِيْ الْمَوتِ رَاحَتِيْ وَشِفَائِيْ  

مُنْكِرٌ مَا أَقُوْلُ سَلْ عَبَرَاتِــيْ    وَتَفَهَّمْ إِذَا سَأَلْتَ بُكَائِــــيْ  

بِأبِيْ أنْتَ مَا أَقُوْلُ لَهُ أَيْـــــــــ    ــنَ دَوَائِيْ وَقَدْ عَرَفْتَ دَوَائِــــــــــيْ

    "استفهمَ" لفظ يفيد الطلب ؛ لأنَّ زيادة الهمزة والسين والتاء في الفعل يؤدي إلى ذلك المعنى ، والاستفهام ((طلب العلم بشيء لم يكن معلوما من قبل بأداة خاصة)) ، وقد يستعمله المنشئ في أغراض بلاغية نصية خارجة عن مفهومه الأساس.

    وإذا كانت"كيف" اسم استفهام عن الحال في الفعل الكلامي المباشر، فإنَّ من معانيها الدلالة على التعجب في الفعل الكلامي غير المباشر ، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾[البقرة28] فإنّ "كيف" في سياقها النّصّي أفادت التعجب ثم ألمحت بالاستفهام إلى إنكار الكفر والتوبيخ والاستبعاد والتوعد.

    وعند استنطاق نص الشاعر نجد أنّه غادر حقيقة الاستفهام النحوية المحضة متجها صوب استعماله البلاغي ، لأنَّ البنية النحوية وإنْ كثرت فهي ((محدودة يمكن حصرها ولكنَّ تفسيرات الشعر متنوعة وغير محدودة ولا يمكن حصرها)) ، فالشاعر يتعجب من موته بداء الحب ، وهو راحة له وشفاء ، وهذا التعبير يظهر في صورة كنائية كشفت بضوئها عن إحساس الشاعر المعذب الذي يمد بصورته إلى البيت الثاني ؛ ليؤكد موقفه الأول ويزيل الإنكار فجاء بفعل كلامي مثّله الالتماس الامري"سَلْ" وردفه بفعل انجازي آخر" تفهّم" وفي استعارتين تشخيصيتين"سلْ عبراتي + سألت بكائي" ليعضد الأسلوب البياني مع الفعل الانجازي لخلق شبكة من نسيج فني متماسك الأجزاء ينتقل منه إلى البيت الثالث فيسأل عن دواء لعلله"أين دوائي" ويتكفل هو بالإجابة"عرفت دوائي" في أسلوب سردي نفسي كثيرا ما يلجأ إليه الشاعر ولاسيما في انفعالاته الحادة.

    لقد كشف الاستفهام عن تماسك النّصّ ؛ وذلك لوجود الارتباط في سؤالٍ يتأمل المتلقي منه حصول الجواب ، وفي ذلك ربط لدلالة النّصّ المركزية من خلال الاتكاء على قضايا اللغة وفاعلية تأثيرها في سياق فني يسوده الانفعال المنسجم ؛ وهذا يدل على أنّ ((لغة الفن لغة انفعالية ، والانفعال لا يتوسل بالكلمة وإنّما يتوسل بوحدة تركيبية معقدة حيوية لا تقبل الاختصار نطلق عليها اسم "الصورة")).

   ومن مزايا أسلوبه الشعري في استفهام التصور حذف الهمزة ، فيقول:

وَسَنٌ بِطَرْفِكَ أَمْ فُتُــــــوْر          يَا أَيُّهَا الرَّشَأُ الْغَرِيْـرُ             

وَيَا مَنْ يُنِيْرُ بِنُوْرِ بَهْجَــــ ــةِ وَجْهِهِ الْقَمَرُ الْمُنِيْـرُ             

وَبِحُسْنِهِ وَبَدِيْعِ حُــــــــســ            ــنِ قَوَامِهِ الْغُصْنُ النَّضِيْرُ            

إِنِي بِحُسْنِكَ مِنْ جَفَا          ئِكَ أَسْتَعِيذُ وَأَسْتَجِـــــــــــــــــيْرُ            

      فقد حذف همزة الاستفهام في البيت الأول وكان المتوقع أن يقول: "أوسنٌ" متسائلاً عن طرف الحبيبة الناعس ، ومشبها إياه- أي الحبيب- بولد الظبية الناعم في استعارة تصريحية حسيّة ، ثم يشبه"نور القمر بنور بهجة وجهه ، والغصن النضير بحسنه وبديع حسن قوامه" في تشبيهين مقلوبين إذ ألّف الاستفهام محذوف الهمزة بداية الصورة ثم تداعت الصور الجزئية لتكوّن سياق الصورة الكلي.

   وقد يأتي الاستفهام تاما من غير حذف الهمزة في شعر خالد الكاتب ، يقول:

لَسْتُ أعْصِيْكَ وَإنْ كَا            نَ الَّذِي تَهْوَاهُ قَتْلِيْ           

بِأَبِيْ أَنْتَ فَمَنْ مَثْــــــــ            ـــــــلُكَ لَا يَرْحَمُ مِثْلِيْ           

أَقَلِيْلٌ لَكَ وَجْـــــــــدِيْ            أَمْ كَثِيْرٌ لَكَ وَصْلِــــــي؟            

أَخَذَ اللهُ لِمَنْ يَعْـــــــــ              ــــذِلُنِيْ فِيْكَ بِعَـــــــــــــذْلِ

         ولعلّ الشاعر أثبت الهمزة في هذا السياق لأنّة في مقام حزن وانفعال ، وهذا يحتاج إلى تطويل واتساع في مجال الصورة لبث آهاته القابعة في النفس ، فإحساس الحزن في القلب أعمق وأطول من لحظات الفرح ، تقول مي زيادة: ((إنّ قطرة حزن في عمقها توازي بحر سرور في اتساعه)) والشاعر يسكب آهاته في كلمات لاذعة "لا يرحم- وجدي- وصلي" مصورا ذلك الألم بالكنايتين التي ضمت السياق الاستفهامي في البيت الثاني. والنّصّ الأول وإن ضمَّ صوراً بيانية لكنّها خافتة مكرورة شاعت في شعر الوصف العباسي عبَّر فيها الشاعر عن ذوق عصره بذاتية ضعيفة وسهولة بالغة خالية من معاناته.

إنّ التفاعل بين السياق التداولي والصورة عمّق التماسك وشارك في تناسق البنية النّصّية عبر مجموعة من العلاقات التي تمليها طبيعة التكوين البياني ودوافع الشاعر الداخلية ، وتناول الكاتب لهذا النوع من السياق سعيا منه إلى تلوين الصورة بشكل يسعى فيه إلى تسليط الضوء على تجربته الشعرية.      

المبحث السادس:أثر السياق الزمني والمكاني في تكوين الصورة البيانية

يتخذ الزمان والمكان أبعادا إبداعية مهمة في إنتاج الأدب"شعرا ونثرا" ويندر افتراقهما في النّصّ الأدبي ؛ لأَنّ ((التجربة الفنية يتكون فيها الموقف بحسب طبيعة المكان والزمان ، وتشابكهما فيما بينهما وفيما بين العناصر الأخرى المكونة للعمل الإبداعي ، من لغة ومضمون وموقف وغيرها من العناصر)) ، والعلاقة بين الزمان والمكان متداخلة وقد عالجها الفلاسفة وقاربها(كانت (Kant وأتباعه وعني بها ميخائيل باختين وأطلق عليها مصطلح الزمكانية"Chronotope" وبيّن باختين وظيفته في النّصّ ، إذ إنّه يعمل على خلق ((الترابط الداخلي الفني لعلاقات الزمان والمكان المعبر عنها في الأدب)) ، والتأليف الإبداعي- إذن- هو نسيج متكامل تدخل الزمكانية في تكوينه.

ولم يكتفِ الدرس اللساني الحديث بالعناية ببنية النّصّ فقط بل اتجه إلى العوامل المؤثرة في صناعته الفنية بتحليل يتسم بالاتساع والشمول ، وهو بهذا لا ينفك عن القضايا الخارجية التي تحف بالنّصّ وتسهم في تأسيس قواعد تكوينه ، بيد أنّ ((علاقة النّصّ بالبنى الخارجية ليست علاقة طبيعية ، إنها علاقة صراع ، فالنّصّ يهدم ليبني من جديد)) على وفق بواعث شعورية تلتصق في ذهن المبدع تستحق منه – سياقيا- العناية والرصد لما لها من علاقة بتجربته فاقتضى ذلك منه إدماجها في نصه في فضاء يسعى الشاعر من خلاله إلى تأليف شعري متكامل الدلالة منسجم التركيب ذي طبيعة متماسكة.

فإذا ذُكر في الشعر ما يدل على الزمان والمكان انصرف ذهن المتلقي إليهما مقيما في ذلك نسيجا من الربط بين قضايا النّصّ والزمان والمكان المحال عليهما ، وقول امرئ القيس في صورته التشبيهية:

عُوجَا عَلَى الطّللِ المحيل لأنَّنا نَبكِي الدّيارَ كَمَا بَكَى ابنُ حِذامِ

يدل على الربط النّصّي الذي أقامه الشاعر باقتران فعله الشعوري بالفضاء المكاني"بكاء الديار" الذي أثار تجربته ، فالطلل مكان يبدأ الشاعر فيه تجربته ويفصّل فيها ، وبتشبيهه ببكاء ابن حذام ، فتح الشاعر النّصّ على آفاق مكانية راسخة في ذهن الجاهلي ((مفعمة بالمكانية المأخوذة من حياة الصحراء)) وبحضور السياق الزمني المتداخل مع"الطلل+ الديار" الذي أيقظ خيال متلقي النّصّ لقبول الصورة البيانية المثالية المشتركة بين الشاعر والمتلقي الجاهلي الذي كان الزمان والمكان من متطلباتها الفاعلة. 

أولا:السياق الزمني 

يشغل السياق الزمني – بوصفه قيمة سياقية نصية راسخة- مساحة واسعة في النّصّ الأدبي ؛ لأنّ ((قضية الزمن قضية كل حي ، إذ إنها تتصل بحياة الإنسان)) ، وتتصل بمراحل وجوده وما يكتنفها من تحولات نفسية مصاحبة ، وهي ظاهرة فلسفية قديمة دار حولها كثير من النقاش وتظهر أهميتها ((حينما نعقد مقارنة بين زماننا النفسي الشعوري وزمان الموجودات الخارجية وحينما نقابل بين الزمان المنقضي والزمان الأبدي المطلق)). 

 ويرد الزمن في المعجمات العربية على معان منها:الزّمنُ والزمان اسم لقليل الوقت وكثيره ، والزمن والزمان العصر..وأزمن بالمكان أقام به زماناً وربما يأتي الزمان بمعنى فصل من فصول السنة أو على مدة ولاية الرجل أو البرهة ، واختلف حول الزمان والدهر فمنهم من رأى أنّه واحد ومنهم من فرق بينهما، وقد نشأ تعبير الحال والمقام -عند البلاغيين العرب- وهو مرتبط بالمستويين الزماني والمكاني في أثناء مجرى الكلام ، فالذي يتعلق صياغته بالزمن أطلق عليه "الحال" وما اتصل صياغته على مستوى المكان أطلق عليه "المقام"

والزمان - كما يرى أرسطوAristotle- ((غير موجود في ذاته فهو كالخلاء ليس له وجود ذاتي وإنما يتراءى لنا وجوده في غموض دون أنْ نتمكن من تعيينه وتحديده)) ويتابع أرسطو كلامه ، حتى يقرر أنّ (( أجزاء الزمان وهي الماضي والحاضر والمستقبل ، إن هي إلاّ أقسام اعتبارية لا وجود لها في الحقيقة)) وإنما هي إحساسات نفسية داخلية ، وهو بذلك يشير إلى مفهومه الذهني.

ويقسّم برجسون Bergson الزمن على نوعين:زمن حيوي ويسميه المدة وزمن فيزيائي"زمن الساعات" (( فالأول كيفي لا متجانس ينفذ بعضه في بعض ، أما الثاني فيتسم بالكم والتجانس وعدم النفوذ)) ، ومهما تشابكت الآراء اتفقت أو اختلفت في تحديد مفهوم الزمن يبقى في أساسه يمثل ((مفهوماً ترميزياً للحركة، أو رمزاً لها ، لكنَّ هذا الرمز لا يوجد بمعزل عن وعي الإنسان ، إنّه خبرة معيشة دوما تكتسب تعينها الفعلي من قصدية الوعي)) ولاسيما وعي المبدع.  

ومما سبق نجد أنّه لابد من وجود زمن يحدد حصول حادثة ما في مكان ما ، ويرى أحد النقاد أنّ الزمن هو ((الحركة الشاملة التي تكتنف وجود الإنسان ووجود كل شيء من حوله وتظهر على شكل تغير لا نهائي..إنّ الحركة هي الأسلوب الذي توجد به كل الموجودات والزمان هو المحور التصوري الذي يختزل هذه الحركة اللانهائية ويوحدها ومن ثمَّ ، يعين على فهمها)).

ولمّا كان هناك زمن فيزيائي موضوعي وآخر نفسي"ذاتي" فإن الشاعر يستطيع الربط بينهما سياقيا في بنية النّصّ وفي التوفيق بينهما تتجلّى قيمة الإبداع الفني فالمبدع بخياله الواسع يستطيع أنّ يقارب بين الماضي والحاضر ويرسم من عناصر الزمن تركيبا إبداعيا مؤثراً.

 ويأتي الزمن في النّصّ بطريقتين:

1- الزمن التركيبي"الصرفي والمعجمي" ويضم صيغ الأفعال المختلفة ، أو ما يدخل في ذلك من الأفعال والأدوات كـ "كان وأخواتها ، وحروف التنفيس ، وأدوات النصب والجزم.." ويضاف إلى ذلك أسماء الزمان المشتقة.

2- الزمن المعجمي ويتم بوساطة أسماء الأعلام للأيام والشهور والظروف العامة والتاريخ والأحداث الكبرى.

ويوظف خالد الكاتب الزمن في شعره فيقول:

نَسَبٌ إِلَيْهِ مُوَكَّلٌ بِالنَّاظِـــرِ        فَرَسُوْلُ لَحْظهِ كُلُّ طَرْفٍ فَاتِـرِ   

قَطَعَ الزَّمَانُ بِيَ الْهَوَىْ مُتَلَذِّذَا        مُتَحَيِّراً فِيْ مَلَكٍ أحْوَرَ قَاصِـرِ   

نُوْرٌ أَضَاءَ بِهِ إِلَيْهِ مُكَمَّـــلٌ        بِالحُسْنِ مَمْزُوْجٌ بِغُصْنٍ نَاضِرِ  

لَمْ يَمْتَنِعْ قَلْبٌ دَعَاهُ بِطَرْفِــهِ      مِنْ أَنْ يَكُونَ كَوَاقِعٍ أوْ طَائِـرِ

  المجاز العقلي بناء بلاغي وهو عنصر مؤثر في بناء الصورة يأتي به المبدع لغاية هي جزء من وجوده ، ورؤية تكشف عن أبعاد النفس وتتجلى في اللغة ((الخاصة ذات الأغراض الجمالية المقصودة)) ، ويؤلف المجاز العقلي"قطع الزمان بي الهوى" بعلاقته الزمانية شبكة من العلاقات التخييلية لما قيل عنه بأنّه ((كل جملة أخرجت الحكم المفاد بها عن موضوعه في العقل لضرب من التأول)) ، والتأويل هو تنشيط حركة العقل في ربط الصورة لاستكناه مراميها , وإسناد فعل القطع إلى "الزمان معنوي" تعبير غير حقيقي جاء به الشاعر ليدل على زمن وقوع الحدث , وثمة وجود تماسك نصي بين القصد الشعري والحدث الزمني مما سوغ للشاعر اختيار هذه الصياغة لبيان رؤيته الخاصة المنبئة عن الضعف إزاء موقف اللائم أو العاذل الأمر الذي جعله يقوم بخلق فضاء زمني يحمل في تضاعيفه صورة الصراع النفسي , وقد أشار النقد الحديث ((إلى وجود علاقة بين الحال النفسية والتجربة والواقع الذي يعيشه المبدع , واثر ذلك في نتاج الأديب)) وعمله الإبداعي . 

وهذه الصورة – المجاز العقلي – جزء حي من لمحة نصية مكتملة ضمن كلية متماسكة عمّق علائقها الاتصال الدلالي بين تراكيب الصور أثمرت عن ثنائية أزلية متأصلة "ذكر أوصاف المحبوب ≠ وصف معاناته" وهي غالبا ما تكون صورا قلقة تتنامى بالتحولات البيانية , فيبدأ النّصّ بحركة تشبيهية بسيطة الانفعال "رسول لحظه" ثم يزيدها في المجاز "قطع الزمان" الذي يمثل بؤرة النّصّ ؛ لكنَّه يعود محاولاً تقوية الصورة ومنحها الاستقرار لتثبيت أوصاف المحبوب فيأتي بالاستعارة"ممزوجٌ بغصنٍ ناضرٍ" ويكثف في الصور البيانية"مجاز مرسل جزئية - لَمْ يَمْتَنِعْ قَلْبٌ" و"الكناية عن نسبة - دعاه بطرفه" و"التشبيه - يَكُونَ كَوَاقِعٍ أوْ طَائِرِ" وهذه التحولات بالصورة تعمق إحساس الشاعر بثبات تلك السمات على المحبوبة وإثراء النّصّ واستمرار تماسكه.

ويقول الشاعر مستعملا الظرف الزمني العام:

يَالَيْلَةَ الْوَصْلِ إنِّيْ شَاكِرٌ أَبَـــدَا    فَبِالزِّيادَةِ يُجْزَىْ كُلُّ مَنْ شَكَـــرَا   

رَدَّ الْوِصَالُ عَلَىْ عَيْنَيَّ نُوْرَهُمـَا      وَكَانَتَا تَأْلَفَانِ الدَّمْعَ وَالسَّهَـــرَا  

لَوْ يَعْلَمُ اللَّيْلُ مَا يَلْقَىْ الْمُحِبُّ إِذَا      صَدَّ الَّذِيْ كَانَ يَهْوَاهُ إِذَا قَصَــرَا   

أَوْ ذَاقَ مَنْ صَدَّ عَنْهُ مِثْلَ لَيْلَتِـهِ    أَوْ بَعْضَ مَا كَانَ يَلْقَىْ مِنْهُ مَا صَبَرَا

تدور الصورة البيانية(يَالَيْلَةَ) حول سياق الزمن المتمحور بــ"الليل" ؛ لكونه جاء منتشرا في عموم المقطوعة ، وقد هيّأت أداة النداء"يا" بعدا دلاليا متناغما وموقف الشاعر وظفها لتكون((من الأدوات الانجازية التي تسهم في تحقيق مقاصد التركيب)) ، ولعلّ من مقاصدها في هذا النّصّ نداء البعيد الذي يدل على شحَّة الوصل وانعدامه في اغلب الأحيان ، كذلك أفاد الشاعر منها بتشخيص"ليلة الوصل" وشكرها مستعملا خياله طمعا في إحداث استجابة نفسية ، ولا تكون الاستجابة ((إلا إذا أصبحت وظيفتا الواقع واللاواقع متعاونتين)) ، إنّ نشوة اللقاء أملت عليه اللجوء إلى القرآن الكريم لاقتباس المعنى من قوله تعالى: ﴿ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ﴾[ إبراهيم:7] لتعظيم ذلك الشكر.

وحرَّك الشاعر الصورة إلى المجاز"ردَّ الوصال على عيني نورهما بعلاقته السببية"الذي كشف عن تأثير ذلك الوصال الذي كان سبباً في إزاحة الدمع والسهر ، ويتكرر نسق الإحساس بالزمن فيشخص الليل "لو يعلم الليل" وكأنه من خلال هذا النمط يحاول الكشف عن تجربته من الصدّ والهجر ولكنْ بصورة غير مباشرة ، وحتى يستوفي النّصّ ويختم الصورة اتجه إلى التعبير بالصورة الحسية"ذاق من صدّ.." ليقرِّب المعنى ويكسو الصورة مدلولا حسياً يسري دبيبه إلى المتلقي بشكل يحاكي الواقع.                  

وقد يؤلف الليل زمناً سلبياً لدى الشاعر فيقول:

لَمْ يَشْكُ لَيْلِيَ مِنْ طُوْلٍ وَلا قِصَرٍ    طَرْفٌ يُقَلِّبُ جَفْنَيْهِ مَدَىْ السَّهَـــرِ    

يَا زَفْرَةً سَلَبَتْ عَيْنَيَّ دَمْعَهمَــا    أظُنُّ دَمْعِيْ جَرَىْ ذَاْ الْيَوْمَ مِنْ بَصَرِي

إنَّ الاحتدام النفسي الذي يحس به الشاعر استأثر أسلوب التشخيص"لم يشكُ ليلي" وهذه الاستعارة أنبأت عن حال الشاعر المضطرب الذي أشار إليه بالضدين"طول ≠ قصر"ويظهر الزمن"الليل" اشدّ ارتباطاً في هذه الصورة ، والشاعر اسند الليل إلى نفسه"ليلي" ليفصح عن عمق الزمن الملون بمشاعر الألم ، وقد مدَّ الصورة إلى المجاز العقلي"طرفٌ يُقَلِّبُ جَفْنَيْهِ" واستدعى ألفاظا توحي بوطأة الزمن"مدى السهر" فالليل له علاقة بالسهر ، فأدى ذلك إلى جعل الشاعر يحاول استنطاق دلالته ، في تركيب متماسك ؛ لأنَّ الشعرية ((خصيصة علائقية..تجسّد في النّصّ لشبكة من العلاقات التي تنمو بين مكونات أولية سمتها الأساسية أنَّ كلا منها يمكن أنْ يقع في سياق آخر دون أنْ يكون شعريّاً ، لكنَّه في السياق الذي تنشأ فيه هذه العلاقات ، وفي حركته المتواشجة مع مكوّنات أخرى لها السِّمة الأساسية ذاتها ، يتحول إلى فاعلية خلق للشعرية ومؤشر على وجودها)) ، والليل للعذري محطة أوجاع دائمة يسكب فيه لوعاته ودموعه ؛ وهذا ما جعل الشاعر- في هذه الصورة- يسعى إلى إقامة علاقة زمنية من "الليل والسهر" موسعا الصورة في مجاز جعل فيه الزفرة تسلب من العين دمعها حتى ظن الشاعر أنّ قلبه هو الذي يبكي منتقلا إلى زمن حاضر"ذا اليوم"ومحولاً مجرى الصورة من الخاص"ليل"إلى العام "اليوم".

وتمثل ساعات الهجر زمنا قاسيا عند الشاعر ، فيقول:

أَتُوعِدُنِي بالهَجْرِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ وَلاَ ذَنْبَ لِيْ إنْ كَانَ مِنْكَ صُدُودُ

فَأَظْهِرْ إِذَاً وَعْدَاً أَعِيْشُ بِفَضْلِهِ كَمَا كَانَ قَبْلَ الْوَعْدِ مِنْكَ وَعِيْدُ

إنَّ أكثر صور الشاعر العذري وخالد الكاتب خاصة تحوم حول موضوع الهجر والصدود وما يكتنفه من لواعج وما تصاحبه من مكابدات تستنزف قوى الشاعر وتقلق نفسه ، فنراه في النّصّ محطما يرزح بين التمني والاستسلام.ولا يخلو أي نص أدبي من العنصر الزمني لأنّه احد مقومات نهوضه الضرورية ، وفي هذا النّصّ تلتحم الصورة الكلية في بناء هرمي إذ يتألف من صور تحمل مبنى سياقيا ذا أبعاد زمنية متينة الترابط شكّل الزمن ودلالاته فيها تعبيرا ناجزا عن طريق الانتقال المتلاحق بين دلالات الزمن النّصّي ، وقد جاء الزمن بشكله المعجمي"في كل ساعة" وفي هيكل بياني جاء على شكل التعريض الذي ألمح فيه إلى قصور المحبوب وتهاونه عن اللقاء ، ولم تفلح هذه الصورة في تجسيد رؤية الشاعر بشكل كاملٍ ، لذا استعان بالاستعارة"وعداً أعيشُ بفضلهِ" لترسيخ المعنى.وهذه الصورة وما فيها من توسل لا تخرج عن دائرة النّصّ الزمنية ، فثمة إشارات زمنية كررها الشاعر"أتوعدني + وعداً + قبل + الوعد" وهي مرتبطة بالدلالة الزمنية للنص التي حرّكها الشاعر ، ولكنْ سرعان ما تحولت الصورة من مسارها الطبيعي إلى صورة فيها تهديد من المحبوب"وعيد" لتتصل شعوريا مع بداية النّصّ"أَتُوعِدُنِي بالهَجْرِ" وعلى ذلك يبدو خوف الشاعر من تحقق اللقاء لأنّه كانَ بعيدا.

وقد يكون الدهر زمناً حائلاً بين الشاعر ومحبوبه:

فَأَصْبَحْتُ لاَ أَدْرِيْ لأيَّةِ وِجْهَـةٍ أَسِيْرُ وَلاَ فِيْ أَيِّ حَالٍ لَهُ عُـــــــــــذْرُ

وَلَمَّا رَأَيْتُ الدَّهرَ يَهْوَىْ فِرَاقَنَا وَيَحْسُدُنَا صِرْنَا إِلَى مَا يَرَىْ الدَّهْرُ

يبدو الدهر زمنا له مكانة عند الشاعر العربي ((وإذا كان الوعي الشعري في ذاته صراعا مع الدهر ، فإنّه صراع مع الوعي الاجتماعي الجزئي أو مع اللامعنى ، وأولى أوجه هذا الصراع هو الكشف عن هذا اللامعنى الذي يتضمنه الوجود للدهر ، وتشكيله شعريا ، ليكون منطلقا إلى المعنى)) ، والدهر مثير لانفعال ذاتي يمثل علاقة سلبية يتناوله الشاعر للتعبير عن إحساس داخلي مخزون ناتج – غالبا – عن ألم الشاعر من بعض الناس كالواشين والعاذلين وغيرهم ممن يقومون بإفساد لحظات اللقاء بين الحبيبين ، وقد بين ذلك الشاعر من خلال الصور البيانية بمجازها العقلي"الدهر يهوى + الدهر يحسد + يرى الدهر" وإسناد تلك الأفعال إلى الدهر – زمان الفعل – يفصح عن مدى أذى الشاعر وتبرمه من أهل زمانه حتى يركن إلى الخضوع ليكون مغلوبا في النهاية كما هو الحال في كل مرة ، فالدهر حدد مسار الصورة وهي قبول الشاعر بذلك الواقع المؤلم بحسب ما رسم إليه الدهر"صِرْنَا إِلَى مَا يَرَىْ الدَّهْرُ".

لقد تعددت صور الزمن في المجرى البياني عند الشاعر خالد الكاتب فجاءت على أنواع مختلفة شملت أغلب دلالات الزمن أو ما يتعلق به ، وهي صور تكشف عن واقع مرّ وتجربة صادقة عاشها الشاعر وأفاض عليها من إحساسه.

ثانيا:السياق المكاني 

  النّصّ محتاجٌ إلى ربط أجزائه بالسياق داخليا كان ذلك أم خارجياً ، لأنّ ((الحاجة إلى العناصر السياقية في النصوص الشعرية ،أو التجارب الإبداعية ليست حاجة للتأويل فحسب ، بل هي حاجة للبناء أو الإنتاج)) وثمة تماسك بين عناصر المكان في شكله الخارجي وبين مكونات النّصّ الشعري لما يحمله المكان من تأثير في شعرية النّصّ ، فالنّصّ عمل قائم على ((العلاقات بين عناصر مختلفة تتلاحم في سياق واحد بحيث لا يبدو احدها نشازا)) ، وعلاقة المكان بالإنسان علاقة روحية حميمة تبدأ من اللحظة الأولى لظهوره على وجه الأرض"مسقط الرأس" ثم يتنقل في نشأته من موضع لآخر ضمن حيز وجوده ((يتأثر به ويؤثر فيه وينظمه ويتكيف معه ؛ لذلك .. يمثل حيزا في التعبير اللغوي العادي)) فقد ورد في المعجمات العربية أنَّ المكان هو الموضع والجمع أمكنة وجمع الجمع أماكن ، وهو عند بعض المتكلمين عَرَضٌ وهو اجتماع جسمين حاوٍ ومحويٍّ.

  وتوظيف المكان في الشعر العربي لا يقل أهمية عن توظيفه في الرواية ؛ لأنَّ الشعر بطبيعته لا ينفصل عن المكان بسبب ارتباطه ((بالبيئة التي أنتجته)) ومن تماسك النّصّ وتفاعله مع التجربة ومع الإيحاءات الناتجة من عنصر المكان ينفتح الفعل الإبداعي على مجاله الإنساني الفني لينطلق الأديب بإرسال ما يشعر به للوصول إلى أعماق المتلقي والتفاعل معه شعوريا ، وقد ظهر ذلك جلياً- ومنذ الجاهلية- في المقدمات الطللية فقد خاطب معظم الشعراء الطلل الدارس وربطوا بين معاني المكان وحالاتهم النفسية من خلال التعبير عن موقفهم بمناداة الديار والبكاء لفراق الأحبة ، وعلى هذا لا يصف الشاعر القديم المكان وصفاً مجردا بندائه له أو تشخيصه ، وإنما يسجل انطباعاته الشخصية وارتباطه النفسي إزاء ذلك المكان.

ويكتسب المكان دلالاته بحسب الإطار المعرفي الذي يرد فيه ، فقد جاء مقترنا بعلوم مختلفة كالمكان الفيزيائي والهندسي والجغرافي ، والتاريخي والاجتماعي ، والنفسي.. ، ولا تكون هذه الحقول الدالة بمنأى عن مفهومه الأدبي الإبداعي بطاقاته الخيالية ؛ لأنَّ ((المكان الذي ينجذب نحوه الخيال لا يمكن أن يبقى مكانا لا مباليا ، ذا أبعاد هندسية وحسب ، فهو مكان قد عاش فيه بشر ليس بشكل موضوعي فقط ، بل بكل ما في الخيال من تحيز)).

إذن فالمكان الفني له بعد تصويري ويرتبط في خيوط منسجمة مع المكان الجغرافي الذي يحمل في طياته تجربة الشاعر واشراقاته الذهنية ، فهو((مكان تخييلي نسجته اللغة ، له مقوماته التخييلية التي أهلته لأداء دوره المحوري في تشكيل بنية النّصّ)) ، على مستوى التماسك الدلالي بين الأشياء ، على أنَّ النّصّ الإبداعي – في اغلب الأحيان- لا يفصح عن المعنى كاملا من الوهلة الأولى وإن وردت فيه إشارات إلى ملامح جزئية من مقاصده وعلى ذلك يكون من الصعب التنبؤ والتأويل من دون التأمل والغربلة والتفسير لمرجعياته وعلى وفق إجراءات معرفية وانساق نصية متنوعة.

  ويشغل المكان مساحة واسعة في التصوير الشعري أنارت دلالاته مفاصل المبنى البياني ، إذ يعد مصدرا من مصادر الصورة البيانية يتكئ عليه المنشئ في عمله الإبداعي ، والصورة لا يمكن أنْ تدرس معزولة عن وسائل تكوينها الأخر، والشاعر يندمج في واقعه الحسي المعيش ينتقي منه المشاهد التي تستجيب لها أغوار النفس بحيث تكون دلالاتها محفزة لكوامن إبداعه ، وبعض الأماكن تستبطن مواقفاً لها اثر مباشر في خيال الشاعر وتكوينه النفسي لا يستطيع الفكاك عنها أو إغفالها ، والنزوع نحو المكان ومحاولة استنطاق شعريته يحتاج إلى طاقة تعبيرية عالية إذ إنَّ لكلِّ موقف تحسه الذات الشاعرة ألفاظه المناسبة لا يُعبر عنه إلاّ بها ، وعدم مقدرة الشاعر على ذلك يولِّد قصوراً في تماسك صوره ، فلكلِّ ((ضربٍ من الحديث ضربٌ من اللفظ ولكل نوع من المعاني نوع من الأسماء)) ، والأفكار تنبئ عن مقاصد المبدع يوردها على شكل همسات بيانية في قوالب من الفن التصويري ، لأنّ الفن كما يرى فرويد ((هو المجال الوحيد الذي تصان فيه قوة الأفكار إلى يومنا هذا)) ، وتوسع غاستون باشلار في فهمه للمكان النّصّي وعلاقته بالصورة حتى عَدَّ:((المكانية في الأدب هي الصورة الفنية)) 

وترد الصيغ المكانية في التعبير النّصّي على أشكال:

1- المكان التركيبي ويكون عن طريق الظروف المكانية الجامدة أو المشتقة من مثل"حيث ، ثمَّ ، عند ، والجهات الست ، وقبل وبعد..وبالمشتق من الظروف:مدخل ، مخرج ، مجرى.."وقريب وبعيد..وعال ودان...

2- المكان المعجمي ، وهي أسماء لأماكن جغرافية"مكة ، بغداد ، القدس ، الفرات..".

3- ويرد المكان بأشكال دالة عليه كبعض أسماء الإشارة"هنا ، هناك ، هنالك" التي تعين المتلقي على إدراك المسافة النفسية في المحتوى النّصّي أو خارجه.وكذلك الإحساسات كالغربة والوحشة والألفة والأنس.  

وقد ورد المكان في شعر الكاتب بأشكاله المختلفة ومن ذلك قوله:

بَكَىْ عَلَىْ نَفْسِهِ غَرِيْـــــبُ            نَائِيْ الكَرَىْ شَوْقُهُ قَرِيْـــبُ        

لَهُ بِبَغْدَادَ حَيْثُ يَهْـــــوَىْ        إلْفٌ إِلَىْ قَلْبِهِ حَبِيْـــــبُ        

غُصْنٌ نَضِيْرٌ عَلَتْهُ شَمْـــسٌ        مُشْرِقَةٌ مَا لَهَا غُــــرُوْبُ        

كَيْفَ يُرَجِّيْ الحَيَاةَ صَــــبٌّ          قَدْ غَابَ عَنْ دَائِهِ الطَّبِيْــبُ

تقوم بنية النّصّ على معطيات المكان الذي شكّلّ بؤرة النّصّ الجوهرية في تشابكها مع أبعاد التجربة في بناء نصي كشف عن الاغتراب النفسي المتمثل بالكناية"بكى على نفسه.." عن حال الشاعر المعذّب ، فكان الأثر النفسي ودوافعه وراء لجوء الشاعر إلى توظيف المكان ؛ لأنَّ ((الشعر ليس تعبيراً عن الحقيقة الذهنية ، بل ذلك السراب النفسي الذي يوهم بها))  وقد وزَّع  المكان- في نصّه - على ثلاثة أنواع: 

1- التركيبي"قريب + حيث"

2- المعجمي "بغداد"

3- الخيالي "غصن+ شمس"

والفضاء المكاني "قريب" له صلة معنوية مع"بغداد" المدينة المكان وهي إلماحة لعنصر مكاني مغلق يقطن فيه الحبيب ، وهذا المكان بمعاناته يحمل وظيفة خاصة لفعل ايجابي يرتبط بشخص الحبيب فبغداد قريبة منه جغرافيا وقريبة منه نفسيا، لكنَّ الشاعر ماانفك يعاني من ثنائيته الضدية "القرب ≠ البعد" وهي راسخة في تجربته الشعرية النابعة من قرب الحبيب معنوياً وبعده مادياً ، غيرَ أنّ المعنيين - في هذه الصورة – قد تساويا "القرب= البعد" لأنّ قرب الشوق وآلامه لا يختلف عن البعد ومرارته.وفي ظل هذا الانفعال استطاع الشاعر التوفيق في الربط بين هذين المكانين وبين المكانين الخياليين في الاستعارتين التصريحيتين:

"غصنٌ نضيرٌ+ علته شمسٌ"

فبعد انتهاء الشاعر من وصف لواعجه اتجه إلى وصف الحبيبة مسخرا خياله في تأليف المكان وصياغته على شكل صورتين استعاريتين ، لأنّ ((اللغة المجازية درجات أرقاها الاستعارة)) ، لذلك تظلُّ مخيلة الشاعر متجهة إلى استعارة أخرى "غاب الطبيب" ليختم ومضته النّصّية بعد أنْ حمّلها من تجربته المرة. ومن الملاحظ أنّ المكان المعجمي لم يرد كثيراً في شعره ولاسيما أسماء المدن والبلدان وأسماء الأنهار ..وربما يعود ذلك إلى قلة أسفاره ، أو غياب إحساسه بالأماكن الأخرى.  

ويمضي الشاعر في توظيف العنصر المكاني عبر تأليف الصور البيانية مازجا ذلك بتجربته النفسية فيقول:

فَلَوْ أنَّ خَدّاً كَانَ مِنْ فَيْضِ عَبْرَةٍ        يُرَىْ مُعْشِبَاً لاخْضَرَّ خَدِّيْ فَأعْشَبَا       

كَأَنَّ رَبِيْعَ الزَّهْرِ بَيْنَ مَدَامِعِــيْ        بِمَا اخضَلَّ فِيْهِ مِنْ ضَنَىً وَتَصَبَّبَا       

عَلَىْ أنَّنِي لَمْ أَبْكِ إلاّ مُوَدِّعـــاً        بَقِيَّةَ نَفْسٍ وَدَّعَتْنِيْ لِتذْهَبَــــا      

وَقَدْ قُلْتُ لَمَّا لَمْ أَجِدْ لِيَ رَاحَــةً        سِوَىْ الدَّمْعِ لَمَّا حَلَّ:أهْلاً وَمرْحَبَا

    ينحو الشاعر- غالبا- في التشكيل المكاني للصور البيانية نحو المكان المغلق المحصور في حيّز مكاني واحد ، وأكثر ما نراه لا يتعدى منطقة أعضاء الجسم"قلب ، عين.." وهو بذلك يتصرف على وفق ما تمليه الحال النفسية التي على موجبها يختار الشاعر المكان والنمط البياني المناسب لتصوير تلك الحال.ويستوطن الفعل المكاني المتمثل بالخد صوره البيانية:

~ التشبيه المقلوب         "فيض عبرة"

~ التشبيه                 "يرى معشبا"

~ الاستعارة               "اخضرّ خدي"

فالخد في البيت الأول أصبح محوراً تدور حوله المعاني وهو لا يبتعد عن موضع العين التي تغذي بدمعها صفحة الخد . ومكان العشب الأرض وليس الخد إلاّ أنَّ الشاعر لوّن بإحساسه تشكيل الصورة فاصطنع مكانا خياليا على وفق ما يستدعيه الموقف الانفعالي ؛ لأنّ الشعر خلق وإبداع وهو ((عملية توازن بين الذات والعالم ، يرتب الفوضى المترسخة في الأعماق من خلال تفاعلات مستمرة بين الأشياء الداخلية ، والأشياء المحيطة)) ، وكلمة "فَيْضِ" وإضافتها إلى عَبْرةٍ كما يبدو جاءت مقصودة في النّصّ لدلالتها على الكثرة في سكب الدمع.

ولعلَّ موانع استجابة المحبوب لشكوى الشاعر الدائمة جعلته يتوسّع في الصورة ليرسخ موقفه العاطفي ، فيلجأ إلى سكب المعنى بالتشبيه"كأنّ ربيع الزهر.." الذي بناه على تركيب مكاني ظرفي"بين" واستطاع فيه أن يستلهم روح المكان فيبتكر لنفسه مكاناً خيالياً فـ "ربيع الزهر" لا يمكن أنْ ينبت بين المدامع إلاّ من خلال التخييل ، ليكون ذلك استجابة لتصوير شعوره الذي يمس لباب النفس ((وكلما كانت الصورة أكثر ارتباطا بذلك الشعور كانت أقوى صدقا وأعلى فنا)) ، وتبقى المقطوعة تسير ضمن أجواء البكاء والدموع التي لم يملل الشاعر من تكرارهما في كل بيت من المقطوعة "عبرة – مدامعي – ابك - الدمع" وهذا التكثيف العاطفي أوجد سلسلة من العلائق بين مدلولات الصورة ، وقوّى رباطها وكشف في نهاية المقطوعة عن موقف الشاعر المغلوب على أمره المستسلم لواقعه الأليم ، أي أنّه لما لم يجد سبيلا للخلاص من ذلك العناء رفع راية الاستسلام لحلول الدمع بقوله:" أهْلاً وَمرْحَبَا"

  وقد يلجأ الشاعر إلى عناصر المكان في الطبيعة:

نَمَّتْ بِسِرِّ ضَمِيْرِهِ عَبَرَاتُــهُ          وَتَكَلَّمَتْ بِسِقَامِهِ زَفَرَاتُهُ         

وَدَعَا العَلِيْلَ أَنِيْنُهُ فَتَتَابَعَـتْ          مِنْهُ بَوَادِرُ كُلُّهَا حَسَرَاتُهُ         

مَا مَدَّ طَرْفاً نَحْوَ أرْضِ حَبِيْبِــهِ          إِلاّ بَكَتْ نَظَرَاتِهِ نَظَـــــــرَاتُهُ

  يفتتح الشاعر نصه بالاستعارة المكنية "نمّت عبراته" وهو كلام إبداعي ذو سمة فنية انزاح عن الكلام اليومي لينتظم بصيغة خاصة خطط لها الشاعر ؛ لأنّ ((الشعر ثقافة ، ولكنَّها ثقافة خاصة ، ذات نظام خاص ، مرجع الحكم فيها إلى ذات الشاعر وصدق شعوره)) ،واستعمل الشاعر الفعل"نمّت" للدلالة على امتناع الشاعر عن البوح بآلامه لولا نميمة العبرات ، وفي السياق العاطفي نفسه زجَّ المعنى مرّة أخرى في الاستعارة المكنية"تكلمت زفراته" لإظهار معاناته المكبوتة التي فرضت سطوتها على مساحة المقطوعة ، وأراد أنْ يفتح أبواب الإثارة والمبالغة شخّص الأنين بدعوته للعليل"دعا العليل أنينه" كمعطىً رمزي في تركيب استعاري وألحَّ على الاستعارة ؛ لأنّها ((تحتفظ بخصوصيتها وتميزها ببروز الإبداع والخلق اللغوي)) لتكشف عن شاعر يحترق بنار أوجاعه.

و"الأرض" من الأمكنة الموضوعية المطلقة التي لا يمكن الاستغناء عنها ، وهي تعبير عن مكان مفتوح قام الشاعر بإغلاقه من خلال إضافته إلى الحبيبة"أرض حبيبه" وهي من الأماكن المألوفة والقريبة إلى قلوب الشعراء ويكون ارتباطهم بها ارتباطاً نفسياً يمثل مركز الإثارة العاطفية بكل ما يحمله من مشاهد وما يتعلق به من أشياء ، بيد أنَّ الأمر يختلف في هذا النّصّ فأرض الحبيبة – هنا- مكان عناء وبكاء ، وقد مثلت الاستعارة"بكت نظراته" ذلك الهاجس الأليم ، ويتعاضد الجناس الناقص"نَظَرَاتِهِ نَظَرَاتُهُ" مع الاستعارة في إسباغ جوٍّ موسيقي يرفد عناصر السياق داخل المبنى النّصّي ، وهذا ما جعل الشاعر يستعمل ألفاظ "عبرات- سقام- زفرات- عليل- أنين - حسرات" لتنسجم وحركة الصورة في تفاعلها وحضورها الحزين.

وقد تأتي متعلقات المكان الطبيعية وهي منضوية تحت ظلال الفن البياني ، وغالبا ما يفيد الشاعر من دلالاتها فيخلعها من أصل مكانها الطبيعي ويدفعها في مكان آخر له علاقة بالمحبوب في نظام فني جمالي يحمل سمة التصوير الشعري ، فيقول:

مَا وَقَعَتْ عَيْنِيْ عَلَىْ مَنْظَــــرٍ        كَوَجْهِهِ حُسْنَاً وَ لاَ قَــــــدِّهِ         

مَنْ يُنْسَبُ الْخَمْرُ إلىْ طَرْفِـــهِ      وَيَنْتَمِيْ الْوَرْدُ إلىْ خَــدِّهِ        

قُدْرَةُ عَيْنَيْهِ عَلَىْ مُهْجَتِــــيْ      كَقُدْرَة الْمَوْلَىْ عَلَىْ عَبْـدِهِ        

قَدْ سالَ مَاءُ الحسنِ في خــدّهِ      وضجَّتْ الأغصانُ مِن قدَّهِ

  الشاعر يقسِّم النّصّ على صور جزئية محاولة منه للوصول إلى تأليف بياني كامل يحمل أبعاد النفس فجاءت الصور متلاحقة ضمن تحولات مرتبطة يحكمها سياق نصي متماسك يعجُّ بمعطيات الطبيعة المتحركة ، كشف التشبيه في البيت الأول"عَلَىْ مَنْظَــرٍ كوجهه" عن جمال وجه المحبوب مفصلا في تصويره واصفا جماله فيردف النّصّ بتشبيهين مقلوبين"مَنْ يُنْسَبُ الْخَمْرُ إلىْ طَرْفِـهِ" و"وَيَنْتَمِيْ الْوَرْدُ إلىْ خَـدِّه" وفي التشبيه الأخير يكون الشاعر قد اقترب من متعلقات الطبيعة المكانية ، ولكنَّ الشاعر أبى إلاّ أنّ يكون مكان "الورد" على خدِّ المحبوب ، فهو أي  ((الشاعر لا يستطيع أنْ يرى الأشياء كما هي في واقعها ولا يستطيع أنْ يكون دقيقا فيما يخصها)) وينتقل إلى تأثير أوصاف في نفسه ، فيأتي بمعاني ذلك التأثير على شكل تشبيه تمثيلي يمتد على مستوى البيت الثالث كلِّه ، وكان لجوء الشاعر إلى هذا الأسلوب للإفصاح عن تجربته واستقطاب خيال المتلقي وتحريك نفسه عبر الإثارة والمبالغة.

وبعد أنْ بيّنَ الشاعر حاله عاد مرة أخرى إلى وصف الحبيبة متخذا من متعلقات المكان "ماء- الأغصان" منفذا لبث إحساسه وبتعبير خيالي في اسلوبين بيانيين: تشبيه بليغ(ماء الحسن) + استعارة (ضجت الأغصان) وهذا التكثيف  في معاني الموصوف أدى إلى التكثيف في الصور ، ونجد في معظم صوره تظهر فكرة المقابلة بين "وصف الحبيبة ≠ معاناته النفسية" وقد تنبه إلى ذلك زكي مبارك فقسم النسيب العربي على أصلين:

1- وصف ما يلاقي المحبوب من عنت الحب وما يهيج الوجد ، ويثير الدمع كالفراق والعتاب والذكرى والحنين.

2- وصف الشعراء أحبابهم بكل ما يمتع النفس والعين من جمال الأبدان والأرواح ، كوصف العيون والخدود ..

على أنّ الشاعر"خالد الكاتب" لم يتعرض لأخبار الحبيبة الدقيقة أو ذكر تفاصيل عن أحوالها كبقية العذريين.

ويحمل القبر دلالة مكانية مهمة في حياة الشاعر العذري ، يقول خالد الكاتب:

احْمِلَانِي إنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمَا عَقْــــ      ـرٌ إلَى جَنْبِ قَبْرِهِ فَاعْقِرَانِي     

وَانْضحَا مِنْ دَمِي عَلَيْهِ فَقَدْ كَــا نَ دَمِي نَداهُ لَوْ تَعْلَمَــــــــــــــانِ 

قد يلجأ الشاعر إلى القبر بوصفه مكاناً بديلاً للقاء طويل عجز عن تحقيقه في حياته الدنيا ، وهو شعور يراه الشاعر العذري مألوفاً بسبب العبء الكبير الذي يلاقيه من جراء الهجر وآلام الحب ؛ فنجم عن ذلك تعبير ربما يراه المتلقي مخيفاً في شكله ، لكنَّه لدى العذري مكان مفعم بالأمل والرغبة والمتعة لأنّه - برأيهم- مكان خالٍ بعيد عن أنظار الناس ، وفي هذا المعنى يقول قيس ليلى متمنيا أنْ يَكونَ وَإلفهِ ضجيعين في القبر:

 وَيَا لَيْتَنَا نَحْيَا جَميْعاً وَلَيْتَنَـــــــــــــــا      نَصِيْرُ إذا مِتْنَا ضَجِيْعَين فِي قَبْـرِ    

ضَجِيعَينِ فِي قَبْرٍ عَن النَاسِ معزلٍ      ونُقْرَن يَومَ البَعْثِ والحَشْرِ والنَشْرِ      


وكذلك يقول جميل بثينة:

وَجَاورْ ، إذا مَا مِتُّ، بَيْنِي وَبَيْنَهَا فَيا حَبَّذا مَوْتِيْ إذا جَاوَرَتْ قَبْرِي

ولم يكن القبر عند خالد الكاتب مكاناً لاجتماع حبيبين فقط ، بل مثّل القرب من قبر الحبيب والفداء له"عقرٌ" ليبقى مجاورا قبره أو مذبوحا يُرش دمه على قبره ، ويشكل هذا المعنى استبدالا لواقع نفسي نتج عن شحّة اللقاء بينهما ، وهذا الإحساس بسيميائية المكان والتي أتاحت له الاستعارة "اعقراني"- بثرائها التأثيري العميق- النفاذ إلى شعور المتلقي إذ نقلت المكان من واقع جامد إلى فعل فيه حركة وإيحاء ؛ لأنّ الاستعارة ((آلة سيميائية تتجلى في جميع أنظمة العلاقات ، ولكنْ على نحو يحيل التفسير اللغوي إلى آليات سيميائية ليست من طبيعة اللغة المستعملة في الكلام)) ، لذا أراد الشاعر أن يكون بجنب الحبيب في قبره مضحيا بنفسه.

ومما سبق نجد أنّ المكان يسهم في بناء تعالق نصي دلالي ينتجه المبدع لغاية قصدية ، إذ لا ينقل الشاعر المكان – في نصه وفي المجرى البياني خاصة - نقلا مسطحا جامدا ؛ لأنّ ذلك من شأن آلات التصوير والكلام الابلاغي الاعتيادي لا من المبدع الذي يقوم بتصويره فنيا مسبوغا بتلوينات الذات ليجعله متاحا لتأويلات فنية تتجاوز الشكل الفيزيائي المعروف.



الفصل الثالث: أثر الإحالة في تكوين الصورة البيانية- شعر خالد الكاتب أنموذجا

المبحث الأول:الإحالة بالضمائر الشخصية

المبحث الثاني:الإحالة باسم الإشارة

المبحث الثالث:الإحالة بالاسم الموصول

المبحث الرابع:الإحالة بالنعت

المبحث الخامس:الاستبدال 


الفصل الثالث:أثر الإحالة في تكوين الصورة البيانية

  إذا كان الترابط النّصّي يعني الربط بين أجزاء النّصّ داخليا ، وبين النّصّ ومواقفه الخارجية ، فإن الإحالة تمثل أهم مظاهر ذلك التماسك إذ يرى "ديفد كرستال David Crystal" أنها مصطلح يستعمل لإيجاد علاقة اندماج بين الوحدات النحوية لخلق تعبير قولي متناسق ، وينطلق "كلماير  "kallmeyerفي تحديد مفهوم الإحالة فيرى أنها((العلاقة بين عنصر لغوي يطلق عليه"عنصر العلاقة"، وضمائر يطلق عليها صيغ الإحالة ، وتقوم المكونات الاسمية بوظيفة عناصر العلاقة أو المفسر وكذلك يمكن تسميته بعنصر الإشارة )) الذي يرتبط بعنصر آخر ، ويسري مفهوم العلاقة هذا في تحديد الإحالة عند دي بوجراند فيعرفها بقوله:((العلاقة بين العبارات من جهة وبين الأشياء و المواقف في العالم الخارجي الذي تشير إليه العبارات)) ولم يبتعد- في ذلك- عن هاليداي ورقية حسن في تقسيم الإحالة إلى مقامية ونصية كما سيأتي ذكره.

  إنَّ علاقات النّصّ الفعلية تبرز من خلال تغلب المنشئ على تجاوز التفكك والاضطراب في بنائه الفني ، فيلجأ إلى تكوين نسيج نصي يضمن لإبداعه التماسك الذي((يتآزر مع مجموعة من الأنظمة النّصّية الأخرى للوصول إلى ما يطلق عليه"كلية النّصّ" أي أنّ النّصّ كل لا يتجزأ)) ، والإحالة من أهم عناصر الربط الحية تجذب أطراف النّصّ ولها وسائل كثيرة تعمل على تماسكه كالأسماء الموصولة وأسماء الإشارة والضمائر..وهي وسائل لغوية لا تعطي معنى مفهوما بمفردها دون الرجوع إلى ما تحيل إليه لغرض تفسيرها ، وتمكين تأويلها.

    والإحالة مصطلح حديث إلاّ أنّ مفهومه لم يغب عن الدراسات العربية القديمة ، فقد ورد في كثير من أبحاثهم ولاسيما عود الضمير"العائد" ، يقول ابن جني في قول الشاعر:

((أيا بنَ أناسٍ هل يمينُكَ مطلقٌ نَداها إذا عُدَّ الفعالُ شمالها

    أراد هل يمينك شمالها مطلق نداها ، فـ "ها" من "نداها" عائد إلى الشمال لا اليمين ، والجملة خبر عن يمينها)) فقد فسّرَ البيت من خلال تحديده للإحالة بالضمير الهاء. وقد تكون الإحالة من ضمير إلى ضمير ، فمما ورد في حاشية الصبان على شرح الاشموني في عودة الضمير في قوله تعالى:﴿ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ [البقرة:71] إنّ ((ضمير يفعلون عائد لضمير كادوا كما هو القاعدة رجوع ضمير من الخبر إلى الاسم.. ولا مانع من كون مرجع الضمير ضميرا)).وسنفصل في الصفحات الآتيات دور الإحالة بالضمائر خاصة في ربط العناصر المؤلفة للنص. 

ويرى السكاكي أنّ الضمير مرتبط بالموصوف في باب الكناية ، فيقول:((كيف تجده مضافا إلى ضمير موصوفه في قولك"زيد طويل نجاده" وهو الهاء في"نجاده" العائد إلى"زيد" المطلوب تخصيص طول القامة به..)) ، فقد أشار إلى إحالة الضمير على متقدم وهو"زيد".

  وتبرز أهمية الإحالة بوصفها فعلا وظيفيا نصيا في((الاقتصاد في اللغة)) وخلق نوع من الانسياب بآلة الكلام وذلك بالنأي عن حشو الألفاظ غير المجدية في التعبير القولي ، وقد أشار إلى ذلك عبد القاهر الجرجاني في دلائله إلى جملة "جاءني زيد وهو يسرع" يقول:((وذلك انك إذا أعدت ذكر زيد ، فجئت بضميره المنفصل المرفوع كان بمنزلة أنْ تعيد اسمه صريحا فتقول:جاءني زيد، وزيدٌ يسرعُ)) فالضمير"هو" اختزل إعادة الاسم الذي لا موجب لتكراره في هذا المقام.

      ومن أهمية الإحالة أنها تستطيع بطبيعتها الحفاظ على عناصر التواصل الذي يربط أعضاء النّصّ المتباعدة أو المنفصلة ، وتسهم في تجميع الفكرة ؛ لأنَّ النّصّ مجموعة من التراكيب تنشأ بينها حزمة من العلاقات المنتظمة في النّصّ ، تسعى لتحقيق تماسك شكلي ودلالي بين تلك الصيغ والأفكار ، وتساعد ((الروابط التركيبية والروابط الزمانية والروابط الاحالية في تحقيقهما ، يُضاف إلى تلك العلاقات الداخلية علاقات أخرى بين النّصّ ومحيطه المباشر وغير المباشر ، ويؤدي الفصل بين هذه العناصر الداخلية ، أو إسقاط  أي منها وإغفال أية علاقة سواء أكانت داخلية أم خارجية إلى العجز عن إثبات الوحدة الكلية أو التماسك والانسجام الدلاليين للنص)) ، ومن أهمية الإحالة أنّها تسهم في تنشيط المعلومات المدخرة من موروثات بيئية وثقافية داخل العقل الجمعي عن طريق تحريك مدلولات تلك المعلومات من خلال العودة إليها والإشارة لها في الإحالات المقامية ، كالإحالة إلى مثل أو حكمة..

  والإحالة من دون سياق - مقامي أو نصي تعمل فيه - تكون ضربا من العبث ؛ لأنَّها تحتاج إلى مرجع تعود عليه يقوم بتحديد مجالها ، ولا بدَّ من وجود توافق دلالي بين مكونات الإحالة"المحيل والمحال عليه" ، وان لا تكون أطراف الإحالة بعيدة بحيث يصعب على المتلقي إنجاز عملية الربط في المجرى النّصّي.

   ولعملية الإحالة النّصّية المتكاملة عناصر تقوم عليها هي:

1- المتكلم أو الكاتب"صانع النّصّ" وبقصده المعنوي تتم الإحالة إلى ما أراد.

2- اللفظ المحيل إمّا ظاهر أو مقدر كالضمير أو الإشارة..

3- المحال عليه ، وهو موجود إما خارج النّصّ أو داخله من كلمات أو عبارات أو دلالات.

4- العلاقة بين اللفظ المحيل والمحال عليه ، ويكون التطابق مجسدا بينهما.

وتناول الدارسون الإحالة وقسموها على نوعين رئيسين: 

1- إحالة مقامية Exophoric Reference وتشير إلى عنصر خارج النّصّ ، ويحدد مرجعها سياق الحال.

2- إحالة نصية Endophoric Reference ومهمتها الربط داخل النّصّ وتتفرع إلى إحالة قبلية ، وإحالة بعدية.



                         الإحالة Reference  

        

      

"المقامية" إحالة على خارج النّصّ Exophora               "النّصّية" إحالة داخل النّصّ Endophora 

                                                                 

                                         

                                           "على سابق" قبلية Anaphora      "على لاحق" بعدية Cataphora

    

        يحصر هاليداي ورقية حسن عمل الإحالة المقامية في أنها ((تساهم في خلق النّصّ ، لكونها تربط اللغة بسياق المقام ، إلاّ أنها لا تساهم..في اتساقه بشكل مباشر)) وربما ذهبا إلى هذا الرأي ؛ لأنّ إدراك المعنى لدى المتلقي يحتاج إلى فسحة كي يتوصل بها إلى التأويل . أمّا الإحالة النّصّية فتعد –عندهما- أداة فعالة في تماسك النّصّ وهي أنموذج له أهمية كبرى في كتابهما.

1. الإحالة القبلية Anaphora

      وهي إحالة على متقدم أو العودة على سابق ، وهي أكثر حضورا في الكلام ويسهل تعيينها وإدراكها ، ومن ذلك قولنا"جاء محمد راكبا سيارته" فـالضمير"الهاء" في سيارته يعود إلى محمد.

2. الإحالة البعدية Cataphora

      وهي بخلاف سابقتها يكون المحيل يسبق المحال عليه أي الإحالة على لاحق أو متأخر وهي قليلة الورود في الكلام العربي ، إلاّ أنها موجودة في جميع استعمالاته ، فجاءت في القرآن الكريم في مواطن منها قوله تعالى:﴿وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾[القصص:78] فالضمير "هم" يحيل على المجرمين ، وفي الشعر  يقول زهير بن أبي سلمى:

إنْ تَلْقَ يَوْماً عَلَى عِلاَّتِهِ هَرِمَاً تَلْقَ السَّمَاحَةَ مِنْهُ وَالنَّدَى خُلُقَا

وفي الأمثال((في بَيْتِهِ يُؤْتَى الحَكَمُ)) ، وفي الكلام العربي ((في أكْفَانِهِ لُفَّ الميِّتُ)) وعلى ذلك فالإحالة البعدية واردة في فصيح كلام العرب ، ولم يصمد إزاء البحث قول أحد الباحثين بانتفاء ورودها انتفاء تاما.

    وتقسمت الإحالة بحسب المجال الفاصل بين الإحالة ومفسرها على:

1- إحالة ذات مدى قريب:وتجري في مستوى الجملة الواحدة.

2- إحالة ذات مدى بعيد :وتجري بين الجمل المتصلة أو المتباعدة في فضاء النّصّ.

وتقسم الإحالة في ضوء المفسِّر"المحال عليه" على ما يأتي:

1- إحالة معجمية:تجمع كل الإحالات التي تعود على مفسر دال على ذات أو مفهوم مفرد وهي متوافرة في كل النصوص"وهذا لا يعني أنها ضرورية"

2- إحالة مقطعية أو نصية:تجمع كل الإحالات التي تعود على مفسرٍّ هو مقطع من ملفوظ"جملة أو نص أو مركب نحوي"     

      وسيخوض البحث في إحالات خالد الكاتب الخارجية وإحالاته النّصّية الداخلية وتبيين مدى إفادة الشاعر من قدرتها على ربط مكونات الصور البيانية في النصوص الشعرية.

المبحث الأول:الإحالة بالضمائر الشخصية 

    تعدّ الإحالة بالضمائر من عناصر الربط الشائعة في الاستعمال اللغوي لما لها من دور في ربط العناصر وتماسك التراكيب ، و بها يعدل المنشئ عن الأسماء الظاهرة أو العبارات طلبا للاختصار ورفع الالتباس والرقة ومحاكاة الذوق واجتناب التكرار المخل بالتعبير الذي يبعث الملل في الممارسات القولية.

    ويرى الدكتور تمام حسان أنّ نيابة الضمير عن الاسم مقيد بشرطين هما:المطابقة باللفظ والمطابقة بالقصد ومثل لذلك بقوله تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ ﴾ [ص:24] فيقول:(( تحققت المطابقتان ؛ لأنّ الأصل وظن داود إنّما فتنا داود فاتحد اللفظ والمعروف أنّ داود الثاني هو نفسه داود الأول فاتحد القصد)) ، ونأى بالتركيب عن قبح الإظهار والإطالة غير المسوغة.

    والضمير بدلالاته المعروفة"متكلم ، أو مخاطب ، أو غائب" اسم جامد مبني وهو لا يثنّى ولا يُجمع أي لا تدخله علامة التثنية أو الجمع ((وإنّما يدلُّ بذاته وتكوين صيغته على المفرد المذكر ، أو المؤنث أو على المثنى بنوعيه المذكر والمؤنث معا أو على الجمع المذكر ، أو المؤنث)) والضمائر مبهمة تشبه الحروف في حقيقتها ؛ وذلك لأنها تحتاج إلى مفسر ، فالحرف لا يفهم إلاّ إذا تعلق بلفظ يكشف من خلاله معناه.

  وتستعمل العرب في كلامها ضميرا تفسره الجملة الاسمية أو الفعلية التي بعده أطلقوا عليه ضمير الشأن أو ضمير القصة يأتي لأغراض منها التعظيموالتفخيم وسماه الكوفيون ضمير المجهول ، وورد في القرآن الكريم منه قوله تعالى:﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ [الإخلاص1] فالضمير"هو" يحيل على الله تعالى، أو هو كقولهم:(("هو زيدٌ منطلقٌ" ، ومعنى "هو":"زيد منطلق" أي معنى الضمير هو معنى الجملة فيكون المعنى هكذا:الشأن زيد منطلق ، أو الأمر زيد منطلق ، ويعني بالأمر ما بعده)) ؛ لذا لم يكن أحد الدارسين دقيقا في حكمه المطلق على ضمير الغيبة في قوله: ((إذا كان الضمير للغائب فلابدّ من تقديم مفسر له من السياق)) على حين أرى أنّ ضمير الشأن وهو((ضمير غيبة مفسرا بجملة بعده خبرية)) لم يتقدم عليه مفسِّر وإنّما جاء بعده المفسر وهو مطرد في كلام العرب كما أسلفنا.

       ويعدّ تشكيل الارتباط والربط عن طريق الضمائر من الوسائل المهمة في بناء الصورة البيانية فمن اتساق النّصّ ينشأ التماسك البياني ، ففي قوله تعالى: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ﴾[النمل:10] ثمَّة تعالق شكلي ودلالي شديد في النّصّ صنعه الضميران في"رآها وكأنّها" وهذا التماسك النّصّي أسهم في تماسك الصورة التشبيهية ، واتصال الضمير"ها" بأداة التشبيه ساعد على ربط الصورة بإحالة الضمير على مرجع سابق"العصا" محاولة في تفخيم أمر العصا وإظهار خفة حركتها، وبذلك يكون للإحالة دور نفسي كبير في ترسيخ مقاصد المنشئ ؛ لأنّه تعالى ذكر العصا ثلاث مرات ، واحدة باسمها والاثنتان بالإحالة عليها وكأنه بذلك يريد تثبيت قلب نبيه موسى u الخائف من تحوّل هيأة  العصا. 

أولاً:الإحالة بالضمائر المنفصلة

وهذه الضمائر"الرفع ، والنصب" ينحصر معناها((في التعبير عن عموم الحاضر أو الغائب ، فلا يدل على مسمى كما يدل الاسم ولا على الحدث والزمن كما يدل الفعل ولا على موصوف بالحدث كما تدل الصفة ، ولا على الإفصاح عن موقف انفعالي أو تأثري كما تدل الخالفة ، ولا على الظرفية الزمانية أو المكانية كما يدل الظرف ، ولا يقوم بوظيفة التعليق من حيث الأساس كما تقوم الأداة)) وهي-على ذلك- لا تنهض بدلالاتها منفردة وإنما تحقق تماسكها النّصّي بعلامات وجودها وعند الوقوف على بنائها السياقي ، وتحديد مفسرها.

ومن الإحالة بالضمائر في شعر خالد الكاتب قوله:

أنَا لَمْ أسْتَطِعْ لِحُبِّكَ كَتْمَــا      لَمْ يُحِطْ بِالَّذِي بِقَلْبِي عِلْمَـا       

عِشْ سَلِيماً وَلاَ تَبِيْتَ بِوَجْـدٍ      رُعْتَ قَلْبَاً بِهِ وَأَنْحَلْتَ جِسْمَا       

سَكَنَتْ فِي جَوَارِحِي حَسَرَاتٌ      جُرِّحَتْهَا فَكُلُّهَا بِكَ تَدْمَــى        

كُنْ رَحِيْمَاً فَقَدْ مَلَكْتَ سَقِيْمَاً      لاَ تَزِدْهُ بِطُوْلِ هَجْرِكَ سُقْمَا

       فالضمير المنفصل "أنا" للمتكلم المفرد يؤدي وظيفة كلامية خاصة ، وهو -هنا- مكون إحالي لغوي يحيل على ذات الشاعر خارج النّصّ"المقام الخارجي" ليكشف عن الأحداث التي صاحبت الشاعر في أثناء إجراء الخطاب ، فهو معذبٌ بذلك الحب لا يستطيع كتمانه ، وفي خضم هذه المعاناة يظهر الفن البياني"الكناية عن صفة- نفاد الصبر" و"الاستعارة - سكنتْ في جوارحي حسراتُ" بوصفه تعبيرا إبداعيا يتسع لسكب آلام الذات المحبَطة التي لم تنل من حبيبها إلا الهجر والصدود ، محاولا تحريك تلك الصورة بأفعال كلامية وبحلة إنشائية مجازية"عشْ- لا تبيتَ- كنْ- لا تزدْه" وكلها تدور مرتبطة بـ "أنا" الشاعر الذي قرن تلك المعاني بنفسه المعذبة التي تدعو للمحبوب "عش سليما" وتتوسل إليه أن يرفق بحالها"كن رحيما" وبهذه المعاني تجاوز الربط بالضمير عموم النّصّ.

    ومن الإحالة بضمير المخاطب يقول الشاعر:

أَيُّهَا المُخْتَالُ فِي نَشْــــ      ــوَتِهِ إشْرَاقٌ وَطِيـــبُ          

إنَّمَا أنْتَ هِــــــــلاَلٌ    وقَضِيْبٌ وَكَثِيـِــــــــــبُ

        لقد أثّرت الإحالة عن طريق الضمير"أنت" تأثيراً فاعلا في تماسك وحدات النّصّ فالضمير أصبح حلقة الوصل بين البيت الثاني والأول ، لانّ مرجعه "المفسِّر" هو المنادى "أيها المختال" وقد ارتبطا معا بعلاقة لغوية داخلية إلاّ انه ليس المحال إليه الفعلي لأنّه كناية عن محبوب الشاعر الذي يقع خارج النّصّ فالضمائر إذا نظر إليها((من زاوية الاتساق أمكن التمييز فيها بين ادوار الكلام speech roles التي تندرج تحتها جميع الضمائر الدالة على المتكلم ، والمخاطب ، وهي إحالة لخارج النّصّ بشكل نمطي ، ولا تصبح إحالة داخل النّصّ ، أي اتساقية إلاّ في الكلام المستشهد به ، أو في خطابات مكتوبة متنوعة من ضمنها الخطاب السردي)) وعلى هذا تكون الإحالة مقامية.  

    إنّ ذلك التماسك النّصّي الاحالي قد ألقى بظلاله على الصورة البيانية بنمطها"التشبيهي" حيث ربط تشبيه الجمع أجزاء البيت الثاني ، فقد شبه المخاطب"المحبوب" معوضا عنه بالضمير الاحالي "أنت" بتشبيهات ثلاثة معطوف بعضها على بعض"هلال- قضيب- كثيب" وتعدد المشبه به أراد منه الشاعر أنْ يحقق أمرين هما:إظهار أكثر من صفة للمحبوب من جهة وتحقيق الانسجام النّصّي من جهة أخرى ، إذن فلابد في تحليل النّصّ بيانياً من النظر في السياق المقامي الذي يجري فيه مخاض الصورة. 

                                                    

                                                                                                      

  

 

وقد يتخذ الشاعر من الحوار الداخلي المتمثل بمحاورة النفس أو احد أعضاء جسمه منفذا للتنفيس عن همومه ، ومثّل ذلك مجالا واسعا في شعره ، يقول:

أيُّهَا الطَّرْفُ كَمْ حَـــــــذِرْ        تَ فَلَمْ يَنْفَعِ الْحَـــــــذَرْ                

كَيْفَ أَبْصَرْتَ مَنْ تُحِــــــ          ـــــــبُّ وَلَمْ تُبْصِرِ الْقَدَرْ                

لَمْ أَزَلْ مُشْفِقَاً عَلَيْــــــــ          ــــــكَ مِنَ الدَّمْعِ وَالسَّهَرْ                

أَنْتَ أهْلَكْتَنِيْ وَكُنْــــــــ          ـــــــتَ غَنِيّاً عَنِ النَّظَـــــــــرْ

        فالإحالة القبلية بضمير المخاطب"أنت" التي تعود على المنادى"الطرف" وقد اتحدت معه في التذكير والعدد ربطت الصورة الاستعارية الكلية ببنائها التشخيصي من بداية النّصّ إلى آخره وقد عزز ذلك التماسك الحوار الذي كشف عن تجربة الشاعر النفسية المعقدة التي يمر بها فحاول بثها بأسلوب سردي يخالف المألوف افترضه الشاعر للخروج عن ذلك النمط السائد في تغليب أحادية الخطاب.

    ويمضي الشاعر في تقديم مقطوعاته في الحب بأسلوب التماسك الاحالي الضميري ، فيقول:

أَنْصِفْ مُحِبَّكَ وَاسْمَعْ مِنْ مَقَالَتِهِ      أُرْفِقْ بِهِ وَأَعِذْهُ مِنْ مَلاَلَتِهِ

مَا يَصْنَعُ الْقَلْبُ بِالدُّنْيَا وَزَهْرِتِهَا      وَلَمْ يُقَلْ ذَنْبُهُ عِنْدَ اسْتِقَالَتِهِ      

جَفَاهُ مَنْ هُوَ يَشْفِيْهِ وَيُسْقِمُـه      ظُلْمَاً فَذَلَّ لَهُ عِنْدَ اسْتِطَالَتِهِ

      تمثل الصورة الاستعارية"من هو يشفيه ويسقمه" صلب النّصّ إذ فيها كان الالتحام أولا ثم امتدّ إلى النّصّ ثانيا ثم إلى خارجه ثالثا بالإحالة المقامية التي جسدها ضمير الغائب "هو" العائد إلى الحبيب.ولو استظهرنا شعر خالد الكاتب لوجدنا أنّ اغلب إحالاته مقامية وهي سمة قارة ، عمد الشاعر منها إلى إخفاء اسم من يحب في كل شعره وهو بهذا يختلف مع شعراء الغزل العذري الآخرين الذين ذكروا أسماء محبوباتهم ، ولهذا كانت الإحالة بالضمائر قد خدمت طبيعة الشاعر الكاتم عن البوح باسم الحبيبة الصريح.

   ويقول الشاعر:

يَا عَزِيْزَ الْمِثْلِ فِي الْبَشَرِ    جَلَّ عَنْ نِدٍّ وَعَنْ قَــدَرِ          

أَكْبَرَتْهُ الْعَيْنُ فَانْصَرَفَـتْ    وَهْيَ بَيْنَ الدَّمْعِ وَالسَّهَرِ

  يدرك مستقبل النّصّ أنَّ ثمة إحالة قامت مقام الظاهر وشاركت في تماسك الصورة ، فالضمير"هي" مبهم يعود في تفسيره إلى"العين" وهي لفظ مجرد اكتسب دلالته النّصّية من إسناده إلى تركيب استعاري بالتشخيص ؛ وهذا يعني أنّ((الكلمة في نص ما إنما تكتسب دلالتها الأسلوبية من تحاورها مع الكلمات الأخرى التي تقع معها في خط أفقي)) وفي ميدان سياقي منسجم يسمح بالتأويل الصحيح ، والإحالة القبلية بـ "هي" ساعدت في خلق التحام بين صدر البيت وعجزه وتعيين مكان العين التي تتأرجح بين"الدمع والسهر".


 أكبرته "العين" فانصرفت

و"هي" بين الدمع والسهر

                              إحالة نصية قبلية


ويستمر الشاعر في بث شكواه من الهجر وامتناع اللقاء فيقول:

تَنَاسَيْتَ مَا أَوْعَيْتُ سَمْعَكَ يَا سَمْعِي  كَأَنَّكَ بَعْدَ الضَّرِّ خَالٍ مِنَ النَّفْـــعِ    

أَمَا عِنْدَ عَيْنَيْكَ اللَّتَيْنِ هُمَا هُمَــا    فِداؤهمَا نَفْسِي سِوَىْ الْهَجْرِ والْمَنْعِ

    في البيت الثاني إحالة ضميرية مكررة"هما هما"أضفت على النّصّ تماسكا واضحا بفعل مد حبال العودة إلى المحال إليه "عينيك" بالإحالة القبلية وذلك ؛ لأَنَّ ((ضمير الغائب يحتاج إلى مفسر)) والضمير الاحالي رسم توافقا تركيبيا في الغيبة والعدد والنوع ووجه الاستعارة في كشف مهام العينين اللتين لا تعرفان سوى الهجر والمنع وهو المعنى المهيمن على الصورة.


هما العوامل المشتركة"بين المفسَّر والمفسِّر" عينيك

ضمير الغائب العدد2- النوع مؤنث اسم ظاهر

 

ويربط التشبيه بالإحالة فيقول:

سِحْرُ هَارُوْتَ مِنْكَ فِي اللَّحَظَاتِ    وَاهْتِزَازُ القَضِيْبِ فِي الَحَرَكَاتِ     

وَضِيَاءُ الحِجَابِ فِي سَالِفـَـاتٍ    بِاحْمِرَارِ النَّعِيْمِ مُخْتَضِبَــاتِ     

هُنَّ أَنْحَلْنَنِي وَوَكَّلْنَ قَلْــــبِي    بِلِبَاسِ الهُمُومِ وَالزَّفَـــــــــــــــــــــــرَاتِ

    إنّ رؤية الشاعر للحبيبة تمتزج بين الانبهار بجمالها وبين الإحساس بظمأ الحب وتعذيبه والشاعر بمكان وسط بين هذا وذاك فتارة يحلّق في وصفها وتارة يشكو من الم تعذيبها ، وعلى هذا فان أي متكلم في عملية الاتصال اللغوي((حينما يوجه خطابه إلى المستمع فانه لا يريد فقط أن ينقل إليه بعض الحقائق ، ولكنه يريد أيضاً أن ينقل إليه مشاعره تجاه الحقائق)) ، والمبدع يسلك دروبا شتى في مناحي التعبير لتضطلع بإنتاج تراكيب تصور واقعه الداخلي ، لذا آثر الشاعر انتخاب الأسلوب البياني للكشف عن خبايا الذات ، فجاء به مكثفا في ست صور بيانية مؤثرة:

1- التشبيه:"سحر هاروت منك في اللحظات" و"اهتزاز القضيب في الحركات" و"ضياء الحجاب"

2- الاستعارة: "باحمرار النعيم مختضبات" و"بلباس الهموم والزفرات"

3- المجاز: "هنَّ انحلنني ووكَّلنَ قلبي" 

إنَّ التلاحم الصوري عن طريق العطف في البيتين"1 ، 2" وتفاعله تركيبا ودلالة وبدافع شعوري ساير إشعاعات النفس وأسهم في انسجام النّصّ ، فأدت الإحالة القبلية بوساطة الضمير المنفصل"هن" دورا رابطا في سلسلة النّصّ الذي عمل بدوره في تماسك الصورة البيانية الكلية فالمعاني الواردة في البيتين"1 ، 2" كانت بمثابة المفسرات للإحالة الضميرية ، فالشاعر لم يذكرها ثانية ويبعث الملل ، وإنما جاء بالإحالة للإفادة من فعلها الوظيفي الذي قام بمهمة التماسك.

البيت1                      البيت2           إحالة قبلية                         هن البيت3


ومن إحالاته البعدية يقول:

لَمْ يَثْنِ عَنْكَ الرَّدَى يَا قَلْبِي الْحَذَرُ  هَذَا الَّذِي لَمْ تَزَلْ يَا قَلْبُ تَنْتَظِرُ       

هُوَ الْفِرَاقُ وَآهٍ بِالفِرَاقِ فَـــلاَ    تَقُلْ إِذَا حَلَّ إِنِّي سَوْفَ أَصْطَبِرُ

وجد الشاعر في نداء القلب مجالاً إيحائيا وأنموذجا يرمي من خلاله استدعاء صورة للذات المعذبة التي أضناها الانتظار والترقب ، ونداء القلب معادل موضوعي لنداء الروح الذي يسعى الشاعر لإظهاره وبصورة تخيلية تشخيصية مخطط لها تستدعي بناءً نصيا ينبئ عن هرب الشاعر من واقعه الحقيقي الذي يخشى البوح به أو الشكوى للناس.

    وقد غيّر الشاعر في نمط الإحالة من القبلية إلى البعدية لينتفع من طاقاتها التعبيرية ، فالضمير"هو" مبهم وهو إحالة متقدمة على مفسرها"الفراق" وهذه الإحالة تتعلق دلاليا مع انكسار الشاعر وحيرته من سطوة انتظار المكروه.ويرى عباس حسن أنّ سبق الضمير المحال على المحال عليه يكون أوضح في الدلالة وأكثر تأثيرا في النفس ثم يأخذ رأيا من شرح الرضي على الكافية ولم يشر إليه وهو أن من الأسباب المهمة في تقديم الضمير((الإجمال ثم التفصيل بعده ، بقصد التفخيم بذكر الشيء أولا مبهما ، ثم تفسيره بعد ذلك ، فيكون شوق النفس إليه اشد ، وتطلعها إلى التفسير أقوى ، فيكون إدراكه وفهمه أوضح ، بسبب ذكره مرتين ، مجملاً فمفصلا ، "أو: مبهما فمفسرا")) وعلى هذا تكون الإحالة على لاحق"البعدية" أكثر عمقا في التعبير من القبلية على الرغم من قلة استعمالها في اللسان العربي. 

ثانيا: الإحالة بالضمائر المتصلة

    وهذه الضمائر لا تقع في بداية الكلام وترد متصلة أما بالأفعال أو الأسماء أو الأدوات وتأتي على ثلاثة أنواع:  "ما اقتصر على الرفع ، ومشترك بين النصب والجر، ومشترك بين الرفع والنصب والجر".

ومع قلة حروف الضمير وما يمثله من مزيّة في الايجاز الكلامي وفي تعويضه عن الاسم الظاهر ، فإن الدرس اللساني العربي في حال احتاج الكلام إلى الضمير المتصل يوجب اختياره على الضمير المنفصل ((لأنّ المتصل أكثر اختصاراً في تكوينه وصيغته ، وأوضح وأيسر في تحقيق مهمة الضمير)) وقد أشار ابن مالك إلى هذا المعنى بقوله:

وفي اختيارٍ لا يجئُ الْمُنْفَصِلْ إذَا تَأَتَّى أنْ يجئَ الْمُتَّصِلْ

  ولعله في ذلك يشير إلى خصائص الضمير المتصل ويوحي إلى وجود نوعين من الربط الأول: بين الضمير وما اتصل به ، والثاني:بين الضمير والمحال عليه وهذا يسهم بشكل كبير في تماسك النّصّ وشدّته.

      ووردت الضمائر المتصلة بأنواعها في شعر خالد الكاتب ومن ذلك قوله:

صَافَحْتُهُ فَاشْتَكَتْ أَنَامِلُـــــهُ        وَكَادَ يَنْدَىْ بَنَانُهُ بِيَـــدِي        

وَكنْتُ إذاَ صَافَحَتْ يَدَاهُ يَـــدِي      كَأنَّنِي قَابِضٌ عَلَى البَــرَدِ       

وَكِدْتُ مِنْ لِيْنِهِ وَنِعْمَتِــــــهِ      أفُكُّ مِنْ زَنْدِهِ إلَى الْعَضُــدِ       

لَو رَمَقَتْهُ الْعُيُوْنُ مُدْمِنَـــــةً      لَذَابَ مِنْ لَحْظِهَا فَلَمْ يَجِــــــــــدِ

ولمّا كانت البلاغة نظاما من القواعد((تقوم مهمته على التوجيه في إنتاج النّصّ الأدبي ، وهي نظام يتحقق في النّصّ ، تؤثر على القارئ بإقناعه أو تؤثر على المتلقي في عملية الاتصال)) لذا كان الفن البياني جزءا من هذا التأثير وهو نتاج فني جاء متراكما في هذه المقطوعة ، فجاءت الاستعارتان"اشتكت أنامله - يندى بنانه" فشكلتا إطارا لمعنى أراد الشاعر -من خلاله - إشاعة عنصر المبالغة في نعومة جسم الحبيب ورقته ؛ وذلك بحذف المشبه به في الصورتين ؛ لتكتسي ملامح التعبير ثوب الإثارة والجمال. ويمثل التشبيه التمثيلي في البيت الثاني دفعا آخر للصورة ، فهو يدور حول المعنى المركزي ذاته ويهيئ المجال لاستقبال التشبيه الضمني في البيت الثالث ثم منه إلى الاستعارة المكنية في البيت الرابع"ذاب من لحظها" ، ويمثل هذا التنقل في أروقة البيان تنقلا في تقديم أجزاء الفكرة ؛ لأنّ التنويع البياني إذا وُظّف توظيفا مبدعا يدفع الملل ويجدد في حيوية الصورة وينحو بها صوب الخلود.

إنَّ تلك المعاني"أوصاف الحبيبة" تدور في محيط الصورة الكلية التي حاول الشاعر بثها عبر وسائل نصية مترابطة ألّف ضمير المتكلم"تاء الفاعل:صافحته + كنت + كدت" أساس ذلك التماسك وعلى شكل إحالات مقامية ندركها من سياق الموقف الذي يدل عليه النّصّ وهي تعود على  الشاعر وليس إلى النّصّ.    

الشاعر

                       صافحـ + تُ            كنــ + تُ            كد + تُ

 

ومن نماذج استعماله الإحالة الدالة على الخطاب قوله:

فُقْتَ حُسْنَاً حَتَّى  مَلَكْتَ الْقُلُوبَا    وَمَلأْتَ الْعُيُونَ حُسْنَاً وَطِيْبَا  

وَأَقَامَ الْهَوَى عَلَيْكَ فَأَصْبَحْــ      ـتَ إِلَى كُلِّ مَنْ رَآكَ حَبِيْـــــــــبَا

بلغ إعجاب الشاعر بمن يحب حدّ الذروة ، وأراد أن يصف ذلك الإعجاب فتحوّل عن نظام اللغة بتعبيره "ملكت القلوبا" وكان هذا المجاز مقدمة لمجاز آخر"ملأت العيون" وقد حرّك هذه الصور ضمير المخاطب الذي يشير إلى محبوب يقطن خارج النّصّ ، لذا قسّم البيت الأول إلى صورتين متماسكتين في بناء تواصلي جمع بينهما رابط العطف وتستمر الصور الجزئية بالنمو لتأسيس صورة ثالثة قامت عناصرها على التشبيه الذي جعل من المخاطب محبوبا يهواه الجميع.

ولو أنعمنا النظر في تكوين هذه الصور لوجدنا أنّ الرابط الذي احكم انسجامها وشارك في انجازها هو "تاء الفاعل المخاطب" فالأفعال"فاق+ ملأ+ أصبح" لم تكن أفعالا حرة في معناها بل شاركتها التاء في تحديد ذلك المعنى التي أحالت على مخاطب أراد الشاعر الإشارة إليه من داخل النّصّ. 

                                            فقتَ

المحبوب(خارج النّصّ)                               ملأتَ

                                                   أصبحتَ


ويستعمل الشاعر الإحالة بأسلوب ضمير المخاطب للمثنى ، فيقول:

يَا كَبِدِيْ فِي الْهَوَى وَيَا بَصَرِي        أَصْبَحْتُمَا فِي عَناً عَلَى خَطَرِ    

لاَ تَبْلَيَا مَا شَقِيْتُمَا أَبَــــداً        إلاّ بِمَا نِلْتُمَا مِنْ النَّظَـــــــــــــرِ

          ينادي الشاعر "كبده وبصره" ويحاورهما وينزلهما منزلة الإنسان عن طريق نافذة التشخيص الاستعارية ، ومخاطبة الأعضاء هي مخاطبة النفس بصورة غير صريحة"بالتلميح" ، وان عناء الكبد والبصر في الهوى هو عناء النفس الذي يحس به الشاعر فصوّره في أسلوب فني ؛ لأنّ الصورة في الشعر((ليست مجرد شكل زخرفي أو قالب مادي أجوف ، اجل إنّ الصورة برموزها اللغوية وعناصرها الحسية شكل ، ولكنها شكل خاص حافل بالدلالة والإيحاء، فهي بنية دينامية حية ، تتفاعل علاقاتها وتتآزر عناصرها في تجسيد الواقع النفسي والشعوري)) ، وقد اتكأ الشاعر في هذه الصورة على الإحالة بالضمير التي حلت محل الأسماء الظاهرة"كبدي + بصري" وهي 

إحالة قبلية لسابق عملت على ربط المعاني داخل الصورة البيانية.

      الكبد                                       الكبد        الكبد                      الكبد


أصبحتما في عناً على خطرِ... لا تبليا ما شقيتما أبداً... إلاّ بما نلتما من النظـــــــــرِ


       البصر                                    البصر      البصر                     البصر


وتتراكم الإحالة بضمير الخطاب المتصل "الكاف" بمقطوعته ، فيقول:

فِيْ الْقَلْبِ نَارٌ مِنْ صُـدُوْدِكْ        فَأَعِذْ بِوَعْدِكَ مِنْ وَعِيْدِكْ         

يَا وَاحِدَاً فِي حُسْنِـــــهِ        مَاذَا أَرَدْتَ إلى وَحِيْـدِكْ         

بِفُتُورِ لَحْظِكَ رَاعِـــــهِ      مِنْ مُقْلَتَيْكَ وَحُسْنِ جِيْدِكْ        

أَلاَّ بَذَلْتَ لَهُ الْوِصـَــــا      لَ وَمَا يُؤَمِّلُ مِنْ مَزِيْـــدِكْ        

      إنَّ الصورة الاستعارية التصريحية "في القلب نار" تفيض بلواعج حارة وهي جزء من تجربة الشاعر المضنية التي تتمثل بالصد والفراق((وهذا يعني أنّ اللغة ليست مجرد وسيلة تعبير فقط بل إنها نبع إيحاء)) والمقطوعة في تكوينها تبرز وكأنها لحمة واحدة تحكي ذات الشاعر وإحساسه تجاه واقعه ، فهو بين وصف حاله"في القلب نار" من ناحية ، ووصف جمال المحبوب من ناحية ثانية"في حسنه+ بفتور لحظك+ حسن جيدك" وبين عتابه له بطول الهجر من ناحية ثالثة "فأعذ بوعدك+ راعه+ ألا بذلت الوصال". وقد استثمر خالد الكاتب الإحالة الضميرية"الكاف" للربط بين الدلالات الموجودة في النّصّ ، فأصبحت في تأليفها نسيجا نصيا متماسكا تتحرك مع حركة التجربة وألوان الشعور الحاد المرتبط بحرارة موقف الشاعر الذي عدّ لاتساقه نصيا"8 إحالات" . وثمة تماسك نصي صوتي ولّدته القافية فصار النّصّ مرتبطاً موسيقيا من بدايته إلى آخر كلمة فيه.

 

صدودك بوعدك وعيدك وحيدك لحظك مقلتيك جيدك مزيدك


                                       

       

                                            المحبوب

ومن إحالاته بالضمير الغائب"الهاء" قوله:   

أَيَا مَنْ تَغَيَّرَ لِي قَلْبُــــهُ    يُحِبُّكَ قَلْبِي فَمَا ذَنْبُـــهُ     

وَيَا مُبْعدِي ظَالِمَاً وَالَّــذِي    تَمَنَّيْتُ مِنْ رَبِّهِ قُرْبَــــــــــهُ

يَبِيْتُ يَلَذُّ الْكَرَى طَرْفُـــهُ    وَيَمْنَعُ طَرْفِي الْكَرَى حُبُّـهُ     

سُرُوْرِيَ أَنْ لاَ يَذُوْقَ الضَّنَى    وَأَنْ لاَ يُعَاقِبَهُ رَبُّــــــــــــــــــهُ

  شارك ضمير الغائب الرابط "الهاء" في تكوين أربع صور بيانية تستدعي إحداها الأخرى إذ ألّف المجاز المرسل بعلاقته الجزئية "يحبك قلبي" بداية ذلك التماسك ، إذ قام الضمير المتصل بالاسم "ذنبه" العائد على سابق "قلبي" بمهمة الربط بالصورة المجازية الواردة بتركيبها الطلبي "الاستفهام" الذي كان له علاقة مع مقدمة النّصّ.

ومع سعي الشاعر لإقامة موازنة بين أفعال الحبيب وإحساسه الأليم بالبعد ، وهي موازنة غير متكافئة فالمحبوب ينعم بالنوم الذي حُرّم على الشاعر ، وهذا حتّمَ عليه اختيار الضمير المناسب ليجعل المتلقي يبحث بشوق عن مرجعيته بين تعابير الكلمات ، ويوسع الشاعر نصه بالاستعارات "يلذ الكرى طرفه -  يمنع طرفي الكرى - يذوق الضنى" وفي تراكيب تجري في وحدة نصية متآلفة ؛ لأنَّ ((أداء الصورة لوظيفتها التعبيرية إنّما هو رهن بتماسك عناصرها والتآخي بينها في تجسيد ما تساق لتصويره)) ؛ لذا كان للصورة البيانية دور في إتاحة المجال لمتلقي النّصّ ليتعرف مدى فقدان الشاعر لبصيص اللقاء الذي قابله بالدعاء لمحبوبه حتى لا يُمس بسوء أو يُعاقبه الله على فعله.وعلى ذلك تكون الإحالات مقامية تعود إلى محبوب خارج النّصّ باستثناء واحدة نصية قبلية في "ذنبه" التي تحيل على قلب الشاعر.

إحالة مقامية خارجية قلبه + ربّه + قربه + طرفه + حبه + يعاقبه + ربّه 

إحالة نصية داخلية ذنبه

  ومن أثر الإحالة في تماسك النّصّ قول الشاعر:

جَرَّعْتَنِي غُصَصَ الْعِتــَـابِ      وَجُزْتَ بِي حَدَّ التَّصَابِـي      

وَكَسَوْتَ غُصْنِي بِالْجَفـَـــا      ءِ ضَنَىً فَخِفَّ عَلَى شَبَابِي      

وَأَذَقْتَنِي حَرَّ الجَــــــوَى      وَمَنَعْتَنِي بَرْدَ الثَّــــــــــــــــــوَابِ

  هذا النّصّ يضم إحالات بضمير"الياء" يعود على المتكلم وفي أمثلة مختلفة جعلها تشترك في بناء النّصّ وتوجه دلالاته عن طريق التنقل بين مستويات الانفعال ، فجاءت الياء متصلة بالأفعال"جرّعتني- أذقتني- منعتني" فكونت جملا كاملة مستقلة "فعل + فاعل + مفعول به" وكل جملة تحتوي على ضميرين ، وهذا كوّن شكلاً تعبيريا حقق في تركيبه وحدات انسجام صغرى في النّصّ ، ولم يكتف بذلك بل قام بوصلها بالأسماء"التصاب+ ي / غصْن+ ي / شباب+ ي" وبحرف الجر"ب+ ي" وكلها إحالات مقامية جاء بها الشاعر لتصوير همّ ذلك العتاب المتجذر الناتج عن مغامرة خاسرة رحلة حب إلى الضياع لا راحة للشاعر فيها.

    ومن تلك الإحالات حاول توظيف ذلك الإحساس وقذفه في صور بيانية افتتحها بالتداخل الصوري الاستعارة "جرعتني غصص العتاب" والتشبيه"العتاب غصص" فهو كالمعترض طعامه في الحلق ، وقد تعلّق هذا المعنى بالفعل"تجرّع" الدال على تناول الشيء على مضض ، ويستعمل عادة لتناول الدواء ، فالفن الشعري يمثل في جزء منه انتقاء الألفاظ الدالة ، يقول جون لويس جوبير: ((التسليم بان الشعر هو ابتكار لشريحة خاصة في اللغة)).

وتؤلف الاستعارة التصريحية "كسوت غصني بالجفاء" ملمحا آخر يدور في فلك الذات المعذبة ؛ فقد شغلت الأنماط البيانية حيزاً في هذا النّصّ ، فينحو الشاعر صوب البيان مرة أخرى وبشكله المتداخل"استعارة +  تشبيه" في "أذقتني حرّ الجوى" ومنه إلى التشبيه "برد الثواب" وهي صور مكثفة تحكي آلام الشاعر ترتبط من خلالها المعاني كما ارتبط البناء ، وبإجالة النظر نجد أنّ تلك الصور البيانية متضمنة للضمير الرابط "الياء" في نسيجها وبهذا التماسك النّصّي كان للصورة تأثيرها الفعلي عبر تماسكها التكويني. 

ويفيد الشاعر من الإحالة البعدية بالضمير المتصل في تأليف الصور البيانية في نصه فيقول:

لَيْتَهَا أَخْطَأَتْ مَكَانَ الســَّــوَادِ    فَأَصَابَتْ مَكَانَ غَيْرِ السَّـــوَادِ   

إنَّهَا مُقْلةٌ رَمَتْ دَنِفَ الْقَلْــــ        ـبِ طَلِيْقَ الْبُكَاءِ عَانِيالرُّقَادِ  

    الضميران في"ليتها- إنها" يحتاجان- لغرض إماطة اللثام عن إبهامهما- إلى تقديم مفسر يتماشى ونسيج التركيب ، وبهذا يكون الضمير علامة تحتاج إلى مرجعية توضحها بحسب السياق النّصّي ، وبتتبع النّصّ نجد أن الضميرين يحيلان على "المقلة" وهي إحالة على عنصر لاحق في سياق يحتم على المتلقي متابعة المعنى بشوق ليجعله حاضرا في النّصّ يشارك المبدع في خطابه.

مقلةٌ="+غير عاقل+ مؤنث+ مفرد+ عضو من الجسم+ نكرة"

الهاء في"ليتها وإنها"=إحالة إلى "+غير عاقل+ مؤنث+ مفرد+ عضو من الجسم+ نكرة"

والمقلة لا ترمي ولكن الشاعر جعلها رمت عن طريق الاستعانة بالقدرات الأدائية للاستعارة المكنية "مقلة رمت" التي كان لها أثرٌ فاعلٌ في سحب المعنى الإنساني إلى المقلة بالتشخيص الذي يعد ظاهرة فنية يعبّر الشاعر من خلالها عن أحاسيسه ولواعجه تجاه الأشياء ؛ لذا أفاد من طاقة الاستعارة في توجيه الصورة ؛ لأنّها ((تخلق...من التشخيص عالمها الخاص)) ويلجأ الشاعر- غالبا- إلى هذا النوع من الانحراف اللغوي في تشخيص أجزاء الجسم"أُشْهِدُ عينيك- القلب يحسد- العين تحسد- أيها الطرف- يا كبدي- له يدٌ تسأل..." . وفي اتصال سياقي مرتبط بالإحالة بالضمير يسند المعنى بتشبيهين بليغين"طليق البكاء- عاني الرقاد" ليفصح عن كثرة البكاء وقلة النوم. وعلى هذا تؤلف الضمائر المتصلة قيمة مهمة في إيجاد الترابط النّصّي ؛ لقدرتها على أنْ تكون عنصرا فاعلا لإدامة عمل التواصل وحفظه من القطع الذي قد يسبب في حصوله إخفاقة كبرى في تصدع النّصّ.

ثالثا:الإحالة بالضمائر المضمرة"المستترة"

    ذكرنا أن للضمائر وظائف كثيرة والسمة الجوهرية التي تتسم بها هي الربط بين مكونات النّصّ وهي بين ظاهرة "متصلة أو منفصلة" ومستترة ، ويقوم السياق بتحديد طبيعة وجودها في النّصّ ، والضمير المستتر على نوعين:

1- واجب الاستتار ما لا يحل محله الظاهر.

2- جائز الاستتار ما يحل محله الظاهر.

ويؤكد النحاة أنّ الضمير المستتر يعمل في حكم الموجود على الرغم من انه مختف لفظا وكتابة ، ولا يعد في مقام الضمير المحذوف الذي كان موجودا وأهمل أو ترك، ولا يأتي استتار الضمير إلا في حالة الرفع بخلاف المحذوف فيأتي من ضمائر الرفع وغيرها"أي في محل رفع أو نصب أو جر" بحسب مكان وروده.

ويرى الرضي أنّ ((أصل الضمائر:المتصل المسستتر ؛ لأنّه أخصر ، ثم المتصل البارز عند خوف اللبس بالاستتار ؛ لكونه أخصر من المنفصل ، ثم المنفصل عند تعذر الاتصال)) وبهذا يكون المستتر من ركائز الجملة التي يختل معناها بدونه ، وهو منتمٍ إلى الضمير المتصل وليس إلى المنفصل ، ولا يأتي المستتر وحده أو مقترنا بغير الفعل أو ما يشبهه((لأنّ الفعل لابد له من فاعل ، ولا يخلو فعل من فاعله ؛ لأنه حدث والحدث لابد له من محدث)) ، وعلى الرغم من وجود الضمير المستتر وأصالته في اللغة العربية نجد هناك من حاول إنكار وجوده ، ومن ذلك الدعوة التي قام بها ابن مضاء القرطبي"513- 592هـ" ودعوة مجمع اللغة العربية في مصر بحجة تيسير النحو.

غير أنّ هذه المحاولات لم تجد صدى واسعا ، لأنّ الضمير المستتر يمثل علامة ذهنية ندرك وجودها من خلال العقل((ولذلك كان من المعقول النظر إليه على أنّه يُنشئ علاقة ارتباط في كل المواضع التي رآه النحاة فيها رابطا)) ، ثم إنّ الضمير المستتر يمثل احد طرفي عملية الإسناد التي تكوّن من بنائها مركزا ينطلق منه ارتباط النّصّ وتماسكه.

ويوظف خالد الكاتب الضمير المستتر في الصورة البيانية ، فيقول:

أيَا طَرْفُ مَالَكَ لاَ تَرْقُـــــدُ        وَمَا لِدُمُوْعِكَ لاَ تَجْمَـــــدُ        

أَلَيْسَ عَلَىْ الخدِّ مِمَّا جَـــرَى        عَلَىْ الْدَّمْعِ مَا بِالْهَوَى يَشْهَـدُ          

وَثَائِرَةٍ فِي الْفُؤَادِ الَّـــــذِي        تَقَسَّمَهُ الشَّوْقُ لاَ تَخْمَــــدُ         

إذَا بَثَّ خِيْفَ عَلَى مُدْنَــــفٍ        مِنَ الوَجْدِ زَفْرَتُهُ تَهْمَــــــــدُ

  حشد الشاعر - في هذه المقطوعة- عدداً كبيراً من الأفعال التي تقطن فيها الضمائر المستترة ، والأفعال -هنا- لا تستطيع أن تعطي لنفسها معنى من دون التركيب ؛ لأنها تحتاج إلى من يحدد معناها ويشير إلى مرجعية فاعلها.

وظهر التماسك في النّصّ وبانت أبعاده من خلال العلاقات الأفقية التي أحكمت ترابطه ، فالضمائر المستترة في الأفعال"ترقد – تجمد – جرى – يشهد – تخمد - تهمد" تحيل على أسماء في النّصّ إلاّ ضميرا واحدا في الفعل"بثَّ" يحيل على الشاعر خارج النّصّ ، ونستطيع أن نمثل ذلك بالجدول الآتي:

الأفعال الضمائر المستترة المحيلة المحال عليها نوع الإحالة 

ترقد أنت الطرف نصية – قبلية

تجمد هي الدموع نصية – قبلية

جرى هو الحدث"سهر ودموع" نصية – قبلية

يشهد هو الخد نصية – قبلية

تخمد هي ثائرة نصية – قبلية

بثَّ هو الشاعر "خارج النّصّ" مقامية- قبلية

تهمد هي زفرة نصية – قبلية

إنّ هذا الترابط في الضمائر المستترة ولّد ترابطا دلاليا حيا يمسك أجزاء البيت الواحد ، فان"لا تجمد" للعين له علاقة دلالية بـ"لا ترقد" للطرف في البيت الأول ، و"يشهد" فيه ضمير يعود على "الخد" في صدر البيت الثاني ، ويعود الضمير في"تخمد" على"ثائرة " في صدر البيت الثالث ، ثم جمع الشاعر هذه المعاني وأحالها على نفسه في الفعل"بثّ" الذي ارتبط معنويا مع الفعل"تهمد" في عجز البيت الرابع الذي يعود ضميره على"زفرته" التي ربطها الشاعر بضمير غيبة يعود إلى ذاته خارج النّصّ.

ومن ذلك التماسك حاول الشاعر بثّ تجربته في الصورة البيانية الاستعارية"أيا طرف مالك لا ترقد.." لتستوعب حزنه وشقاءه في الحب ؛ لأنّ((الصورة والاستعارة كلتيهما تعكسان"كذا" بطريقة وبأخرى عواطف الشاعر وإحساساته على أن يصوغهما بطريقة حية متجددة ، ولا يمكن أن تكون الصورة في إطار الشعر إلاّ تركيبا لغويا خاصا من شانه أن يخلق التآلف والانسجام))، ولا تختلف هذه الصورة الاستعارية عن سالفاتها في مناداة وتشخيص أعضاء الجسم ، وهذه الصور تتكرر في شعر خالد الكاتب كثيرا، ولعل سبب ذلك يعود إلى الاقتصار على الغرض الشعري الواحد ، والإحساس بالاغتراب الذي جعله دائم الشكوى إلى ذاته وأعضاء جسمه لا إلى الناس.

ويحيل بالضمير المستتر على محبوبه فيقول:

بَاتَ لاَ يَذْكُرُنِي فِيْمَنْ ذَكَـــــرْ        نَائِمُ الطَّرْفِ وَوَلاَّنِي السَّهَــرْ    

تَاهَ لَمَّا أَصْبَحَتْ صُوْرَتُــــــهُ        بِالَّذِي فِيْهَا إِمَامًا لِلصِّــــورْ    

طَلَعَتْ حِيْنَ بَدَا بَدْرُ الدُّجَـــــى        فَيَرَاهَا النَّاسُ شَمْسَاً وَقَمَــــــــــــرْ

نوّع الشاعر في أسلوب إحالة الضمير المستتر فقد ورد وهو يحيل على مذكر خارج النّصّ في الفعل "باتَ" ومن هذا الاتصال أخذت الصورة البيانية في مجازها المرسل"نائم الطرف" والاستعارة "ولاني السهر" نصيبها من التماسك الذي عمّ البيت الأول وامتدّ أثره إلى البيت الثاني فجاء بالفعل"تاه" وهو بدوره إحالة قبلية مقامية مرجعها المحبوب خارج النّصّ وقد شاعت هذه الإحالة في شعر الكاتب ؛ وذلك تلبية لرغبته في عدم التصريح باسم من يحب ، فكان الضمير المستتر ملاذاً يستر فيه شخص المحبوب الذي لا تفارق صورته خيال الشاعر ، وقد كشف التشبيه "أصبحت صورته مثالا للصور"عن ذلك الإحساس الدال في بنائه على المبالغة في رسم الصورة ؛ لأنّ ((التشبيه الجاري على السنن المألوفة لا يخلو من المبالغة)).  

ويغيّر الشاعر في نمط الضمير المستتر إذ جعله مؤنثا في الفعل "طلعت" وفي إحالة نصية داخلية وهذا اللون من البناء فسح المجال للتركيب النّصّي بان يكتسب انسجاما جديدا ، وترابطا قصده الشاعر ؛ لأنّ المتكلم في أيّ موقف لا يتكلم((مع غيره إلاّ إذا كان لكلامه قصد)) ، وهذا يعني أنّ للتداعي النفسي أثره في صياغة طرائق التعبير ؛ وذلك للإفادة من قيمتها الفنية ، وعلى ذلك فقد أدّى التماسك النّصّي دوره في تماسك الصورة التشبيهية الذي جعل الضمير المتصل الهاء في"يراها" مشبهاً للمشبه به"شمس وقمر". 


المبحث الثاني:الإحالة باسم الإشارة

لكي يتحقق تماسك النص واستمرار فعاليته في التأثير يستعين الشاعر- في بناء نصه -بكل ما يخدمه من أدوات اللغة لتحقيق ذلك الهدف ، فيقوم بنسج خيوط وحداته التعبيرية ؛ وهذا مايجعل ذلك المعطى يشكّل عمقاً في اتساق الصورة البيانية وتقوية أواصر تكوينها ، وأسماء الإشارة بطاقاتها الاحالية تمثل إحدى هذه الروابط ، وهي تدور بدلالاتها اللغوية في الإشارة كما ينبئ اسمها((أي أن اسم الإشارة بطبيعة دلالته يحدد المراد منه تحديدا ظاهرا ويميزه تمييزا كاشفا ، وهذا التحديد قد يكون مقصدا مهما للمتكلم)) يُكسب المشار إليه قوة ووضوحا يسهل في الولوج إلى مداخل المعنى.

وتشير أسماء الإشارة في مستوياتها المختلفة إلى أشياء حسية مشاهدة أو غير مشاهدة أو تشير إلى ما لا يدركه الحس عن طريق المجاز ، وهي عند جمهور النحاة تقسم على ثلاثة مراتب:قريب ومتوسط البعد وبعيد أو مرتبتين:قريب وبعيد ، ولها ألفاظ ذات دلالات خاصة بها ، ولها مهام وظيفية احالية مهمتها ربط أجزاء النص كالضمائر ، إذ إنها تشبه في عملها ضمائر الغياب من كونها تحيل عادة على شيء في النص وتحتمل تقسيمات كثيرة بحسب خصائصها النصية فهي- كما يرى هاليداي ورقية حسن- تصنف أما بدلالتها الظرفية من زمانية كـ "الآن ، غدا.." أو مكانية"هنا ، هناك.." أو..حسب الانتقاء"هذا ، هؤلاء.." أو البعد"ذاك ، تلك.." أو القرب"هذه ، هذا.."وتقوم الإحالة الاشارية بالربط بنوعيه القبلي والبعدي"إحالة لسابق ولاحق" ما يجعل النص نسيجا متماسكا تتقارب أطرافه ، ويؤكد هاليداي ورقية حسن أن الإحالة باسم الإشارة المفرد له طبيعة متميزة من خلال قدرته على الإحالة إلى جملة أو متتالية من الجمل ويسمياه "الإحالة الموسعة".

وقد استعمل الكاتب اسم الإشارة المفرد بوصفه رابطا نصيا في شعره ، ومن ذلك قوله:

نَمْ عَلَى أنَّ جُفُونِي لَمْ تَنَمْ    سَاءَهَا مَا بِكَ مَا بِي مِنْ أَلَمْ       

يَا قَرِيرَ الْعَيْنِ هَذَا بَدَنِـي    مِنْكَ فِي ثَوبِي نُحُولٌ وَسَقَـــــــــــمْ

    بدأ الشاعر نصه بأسلوب تداولي جسده الفعل"نم" الدال على الالتماس الأمري ، وفيه عودة"إحالة" بالضمير على محبوب خارج النص"إحالة مقامية" بوساطة ضمير المخاطب المستتر ، والتشخيص - كما نرى- يمثل فعلا متسلطا في بناء خطاب الشاعر الذي ينأى في صياغته عن التقريرية ومنطقية التعبير ، ويعني ذلك((أن الصورة تعد معيبة إذا افتقدت وظيفتها التعبيرية ، كأن تجيء مجرد شكل"فوتوغرافي" يقتصر دوره على الوقوف عند عتبات الواقع وتسجيل العلاقات الحسية بين عناصره دون أن يشف ذلك عن جوهر التجربة ورصيد الشعور لدى الأديب)) ، فـ"الجفون لم تنم ساءها ما بك" استعارة مشخصة وهي علامة تحكي قلق الشاعر وألمه وسهر أجفانه ، ولذلك ((يمكن أنْ تُفهم البلاغة على أنها مجموع المفاهيم والقواعد للظهور بمظهر مؤثر لدى الجمهور)) وعلى هذا فالشاعر يتعامل مع نصه تعاملا فنيا وعلى وفق معايير خاصة.

ويبقى الشاعر متصلا في السياق ذاته مناديا الحبيب في مجاز مرسل"قرير العين" يرتبط نصيا مع المكون الاحالي "هذا" الذي يشير في دلالته إلى قريب مفرد لاحق"بدني" وهو عنصر ضروري ربط جزئيات الصورة ؛ لأنّ"الجفون- الألم- العين" لها تعلق وثيق بالبدن الذي أشار إليه الشاعر.

وقد يسهم أكثر من فعل إشاري في تماسك الصورة:

بِاللهِ وَالدَّمْعِ أَسْتَعِـــــــيْنُ            فَإِنَّهُ لَيْسَ لِي مُعِـــــينُ            

طَالَ اشْتِيَاقِي إِلَيْكَ حَتَّـــــى            تَكَلَّمَ الْجِسْمُ وَالجُفُــــونُ            

هَذَا بِسُقْمٍ وَذَا بِدَمْـــــــعٍ            وَهَكَذَا يَفْعَلُ الْحَزِيْــــــــنُ

يستعمل الشاعر لإحكام تماسك صوره ثلاث إحالات إشارية دالة:

هذا= حرف تنبيه + اسم إشارة + مفرد + مذكر + قريب

ذا= اسم إشارة + مفرد + مذكر + قريب

هكذا= حرف تنبيه + كاف التشبيه + اسم إشارة + مفرد + مذكر + قريب

وألّفت هذه الإحالات تناسقا وتتابعا في مكونات الصورتين الاستعاريتين"تكلم الجسم والجفون" وساعدت في الكشف -عبر الصورة الكلية- عن آلامه الموغلة في الروح من طول الاشتياق ، وحقق أسلوب تراسل الحواس في"تكلم الجسم والجفون" تأثيرا آخر للصورة بنقل مدركات الحواس من"بصري لمسي للجسم/ وبصري للجفون"الى مدرك سمعي"تكلم" وذلك بفعل التأجج الوجداني وقوة المشاعر التي تحتم على الشاعر التعبير بصورة غير طبيعية تتلائم وانفعالاته القوية ، فيكون هذا النمط من التعبير استجابة نفسية لكوامن الشاعر.

إنّ محاولة الشاعر ربط النص بالإحالة الاشارية في النص ، هي للحفاظ على عمق المعنى واتساع رقعة اتصاله فـ "هذا" تحيل على"الجسم" وذلك بقرينة "بسقم" و"ذا" تحيل على الجفن بقرينة "بدمع" و"هكذا" إحالة على المعنيين السابقين ، الأول الذي يتكلم بالسقم والثاني الذي يتكلم بالدمع ، وشبههما بفعل الحزين.

              تكلّمَ     الجسم      و    الجفـون

                       هذا بسقم  و     ذا بدمع              هكذاـــ يفعل الحزين

وتضم الصورة البيانية مكونا إحاليا باسم الإشارة"ذاك"

يَا هِلاَلاً طَالِعَاً فِيْ غُصُنٍ لَيْتَنِي مُلِّكْتُ ذَاكَ الْغُصُنَا

أُشْهِدُ اللهَ وَمَنْ يَعْذِلُنِـي أنَّنِي أَحْبَبْتُ شَيْئَاً حَسَنَا

يحيل الشاعر في صورته البيانية على مشار إليه باستعمال اسم إشارة متوسط في البعد وفي استعارتين تصريحيتين"يا هلالا طالعا- في غصن" واختار الغصن الذي يمثل جسم الحبيب ليحيل عليه ؛ وذلك لمعنى مقصود وهو كون الحبيب- هنا- حاضرا لكنّ حضوره ليس بقريب فيملكه ولا هو بعيد فيفقده فالغصن- في النص- بعيد عن اسم الإشارة ومجاورا له ؛ لذا جاء بالمكون"ذاك"المتوسط البعد لخدمة الدلالة ؛ لأنّ ((لفظ الإشارة في صورته المجردة "ذا" الإيماء إلى حاضر"المعنى الأساسي" ، فإذا أضيفت إليه الكاف"أي قوة اللفظ" في الإشارة إلى ما هو ابعد من الحاضر أي:الإشارة إلى متنحٍّ متباعد"أي قوة المعنى")) ، وقد أومأت كاف الخطاب إلى حال المشار إليه"المخاطب" ، فجاءت متطابقة في الإفراد والتذكير ، ويبدو انه أشار إلى الغصن"جسم الحبيب الحسن القوام" من دون الهلال"الوجه المشرق" ؛ لأن الجسم اعم وهو يشمل الوجه وبقية الأعضاء.

ويحيل الشاعر باسم الإشارة الدال على البعيد ، فيقول:

أَلِفْتِ الدَّمْعَ أَيَّتُهَا الْجُفُـــونُ      وَسَهَّدَكِ التَّذَكُّرُ وَالْحَنِــــيْنُ         

فَإنْ أُسْهِدْتِ شَوْقاً مِنْ فُــؤَادٍ      يُجِيبُ دُعَاءَ زَفْرَتِهِ الأَنِيْـــنُ        

أُمَنِّيْهِ الإِفَاقَةَ كُلَّ يَوم      وَأَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ لاَ يَكُــــوْنُ

  استوطن التذكر والحنين جفون الشاعر حتى ألفتِ الدمع وأضناها السهر ، فواجه الشاعر تجربته الشعورية تلك بمناداة الجفون وإكسابها عناصر الإنسانية"سهدك- التذكر- الحنين" وهذا التشخيص قاد إلى بناء تشخيصين آخرين هما:"الفؤاد والأنين" وذلك لجعل الصورة تنساب على خط شعوري متماسك عبر الأسلوب الاستعاري ؛ لأنّ الصورة فن ، والفن((تعبير عن تجربة شعورية في صورة موحية)) لا تتمكن اللغة التقريرية من القيام بها.

وتؤلف الإحالة الاشارية "ذلك" استرجاعا لمعنى سابق "جزء من النص" فجاءت الإحالة بما يتواءم والمحال عليه "أمَنّيه الإفاقة كل يوم" وضمن الصورة المجازية ، فالشاعر يستسلم لواقع حاله المؤلم الذي لا فكاك منه سوى الأماني التي لا تتحقق ؛ فاتخذ لهذا المعنى اسم الإشارة"ذلك" كمعادل يقوم مقام مقطع من النص يمثل ذات الشاعر في هيكل نصي محبوك جاء موافقا لبناء النص الفني فالعلامة الاحالية تشير إلى معنى بعيد قصده الشاعر ، وهو أنّ إفاقة القلب من الأنين بعيدة"صعبة المنال أو مستحيلة" ؛ وذلك لاعتماد الشاعر على التمني"أمنّيه" الذي استدعته الصورة لتكشف عن عالم الشاعر المحبط ، والبناء الاشاري"اسم الإشارة + لام البعد + كاف الخطاب" من زيادة اللام والكاف أضاف قوة للفظ وزيادة بالتباعد((أي:وصلت الإشارة إلى ابعد مدى وهو معنى أقوى مما سبق لم يتوفر إلا بتلاحم تلك العناصر الثلاثة معا)).

وقد يرد اسم الإشارة في الصورة البيانية وهو يحيل على مكان قريب:

كَتَبْتُ إليكَ بِمَاءِ الجُفُـــونِ      وَقَلْبِي بِمَاءِ الْهَوَى مُشْرَبُ      

فَكَفِّي تَخطُّ وَقَلْبِي يَمــــلُّ      وَعَيْنَايَ تَمْحُو الَّذِي أَكتُبُ      

فَلَيْسَ يَتُمُّ كِتَابِي إِلَيْــــكَ      لِشَوْقِي فَمِنْ هَا هُنَا أَعْجَـــــبُ

    يكشف النص عن صراع نفسي متداخل تتجاذبه الصور الفنية بتراكيبها البيانية ، والمبدع يستطيع أن يرفد النص بمجموعة من التحولات الأدائية في بناء الخطاب الذي((ينطلق في الأصل من الذات الشاعرة التي هي أساس تشكّل الخطاب ، ثم يتجه إلى المتلقي بوصفه المستقبل الذي ينتهي إليه الخطاب ، ولكن هذا الأداء لا ينتهي كما يبدو لنا عند المتلقي ، وإنما يرتد في عملية الإرسال إلى الذات الشاعرة مشكلا بذلك نهاية الأداء)) 

بدأ الشاعر نصه الإبداعي بالكناية عن نسبة فاسند الماء إلى ما له نسبة بالعيون ، وبالكناية إخفاء للمعنى يثير خيال المتلقي للبحث عنه ؛ لذلك ((يتجاوز اللغة المألوفة بكسر قيودها لينطلق في رحاب التعابير الفنية الجمالية ، ومن ثم فان الفهم لمجازية العبارة الكنائية أولى بل هو المقصود والمستهدف)) فالدمع أصبح مدادا يكتب فيه الشاعر للحبيب ، ويضيء الشاعر بانفعاله أسلوبا بيانيا آخر كمحاولة لتوسيع الصورة وإسباغ عنصر التجسيم في استعارة مكنية"بماء الهوى" لتبيّن انغماسه في ذلك الحب ، ويستمر الشاعر في البوح عن ذلك الزخم الشعوري وتدفقه فينسج من المجازين"كفي تخطّ" و"قلبي يملُّ" خيوطا تربط مفاصل الصورة وتزيد من فاعليتها ، فالكف "بدلا من القلم" تخطّ والقلب يملي ، بيد أنّ الاستسلام والهزيمة الملازمة للشاعر في نهاية معظم مقطوعاته جعلت من الكتابة فعلا غير مكتمل وقد أنبأت عن ذلك الصورة الاستعارية المكنية "عيناي تمحو الذي اكتب" ولم ينهِ الشاعر صورته بعد كل هذه المكابدات ، ويعلل سبب عدم إتمام الكتابة فيرده إلى الشوق الذي حلّ محلها وقد نبه عليه بـ "ها" التي تدل ((على حضور المشار إليه وقربه وللمبالغة في إيضاحه)) والإشارة المكانية القريبة"هنا" قد ربطت المعاني السابقة وأسهمت في الكشف عن سمات الصورة بشكلها النهائي المعبر عن تمكن الشوق في قلب الشاعر.



المبحث الثالث:الإحالة بالاسم الموصول

وتمثل الأسماء الموصولة شكلاً من أشكال التماسك النصي ، وركنا من أركان علم لغة النص استرعت اهتمام الباحثين شأنها – في ذلك- شأن الضمائر وأسماء الإشارة فهي((تشدّ من أزر التلاحم النحوي بين ما تقدم ذكره ، والعلم به ، وما يراد من المتكلم أن يعلم به أو يضمه إلى ما سبق من العلم به)) ، والاسم الموصول كالضمائر وأسماء الإشارة مبهم يتطلب فك غموضه والكشف عن مدلوله صلة توضح وظيفته وهي أما جملة أو شبه جملة ، أي أنّ معناه((لا يتم بنفسه ، ويفتقر إلى كلام بعده تصله به ليتم اسماً ، فإذا تمّ بما بعده ، كان حكمه حكم سائر الأسماء التامة)) وهو بذلك لا يتم معناه إلاّ بصلة وعائد يوضح دلالته وينبئ عن معناه ، لذا ((وجب بناؤه ؛ لأنّه صار كبعض الكلمة ، وبعض الكلمة لا تستحق الإعراب ، أو لأنه أشبهَ الحرف من حيث إنّه لا يفيد بنفسه .. وإنما معناه في غيره)) من تعبير مركب من((جملة معهودة المضمون لدى المتكلم و السامع )). 

وتقسم الأسماء الموصولة على قسمين:

1- خاصة:وهي التي تُفرد ، وتثنى ، وتجمع ، وتذكر ، وتؤنث بحسب مقتضى الكلام.

2- مشتركة:وهي التي تكون بلفظ واحد للجميع ، فيشترك فيها المفرد ، والمثنى ، والجمع ، والمذكر ، والمؤنث.وعلى هذا يكون الاسم الموصول الخاص قائما على الموافقة والاتساق بين الاسم الموصول وصلته في العدد والنوع ، بخلاف المشترك الذي لا يتحدد بنوع أو عدد في تركيبه النصي.

ويرى الدكتور تمام حسان أنّ الربط بالموصول يتسم بطاقة كبيرة في عملية التماسك التي تحدث بين أجزاء الجملة أو على مستوى النص ، ويقول مستشهدا بكلام البلاغيين في إمكان استبدال الاسم الموصول بالضمير((فلو عدلت عن الموصول واستعملت الضمير المطابق له لحدث الربط المطلوب)) واستشهد بقوله تعالى : ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطاً قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا﴾[العنكبوت:32] وأوَّل الموصول بقوله: ((أي به وبغيره)) وفي ذلك نستطيع أنْ نقول:

1- إنّ الأسماء الموصولة تحمل سمة الربط كالضمائر وأسماء الإشارة ، لكنها لا تحمل الدلالة نفسها من حيث المعنى والدقة في التركيب النصي. 

2- إنّ التعبير في قوله تعالى:" بِمَن فِيهَا" يختلف عن تأويل تمام حسان "به وبغيره" فالضمير يحدث ربطا ولكنّه ليس"الربط المطلوب" الذي تبحث عنه الآية ولو كان كذلك لاستبدله الله تعالى.

وفي ضوء ذلك تكون وظيفة الموصول ربط النص وتقريب وحدات المعنى ؛ ليكشف النص- من خلاله- عن حيويته اللغوية ودلالاته التعبيرية.

ومن توظيف الشاعر للاسم الموصول "الذي" قوله:

أَنَا فِي حُبِّكَ مِمَّـــــــنْ            لَامَنِيْ أُوْضِحُ عُـــــذْرَا                    

أَيُّهَا الغُصْنُ الَّذِيْ حُمِّــــ              ــــــلَ فِي أَعْلاَهُ بَدْرَا                    

وَمَصُوْناً أَصْبَحَ الْعِـــــ            ــــزُّ لَهُ مِنِّيَ سِــتْـــــــــــــرَا

في البيت الثاني"الذي" اسم موصول وتُلحق به"ال" لجعل الجمل صفة للمعارف ، وذلك لتعذر وصف المعرفة بالجملة ، ويصح وصف النكرات"رأيت رجلا يضرب أخاه" من ذلك يكون نعت المعرفة بـ "ال" إذا كان اسما"اقبل الرجل الكريم" فالكريم صفة للرجل وقد اقترن بـ "ال".

ودلالة الموصول "الذي= مفرد+ مذكر+ عاقل أو غير عاقل" وهو في النص صفة لمعرفة"الغصن" وقد حدده السياق بإحالته على عاقل"أنا في حبك.." و"مصونا" ومن ذلك أصبح المتلقي على علم بوظيفة الموصول"الذي" شكّل تماسكا بين حلقات النص وانسجاما داخليا مثلته الصورة البيانية.لقد قام الموصول وصلته بدور الماسك لمكونات الاستعارة التصريحية"أيها الغصن" عن طريق"الترشيح" الذي لاءم المشبه به واتصل بالاستعارة الأخرى"أعلاه بدرا" وعلى ذلك يكون الاسم الموصول قد توسط الصورة الكلية وحافظ على اتساقها وهيأ للخيال مجالا يلج منه إلى رسم الصورة الاستعارية التي حاول الشاعر إظهار فاعليتها في وصف المفعول لما تفعله من إيحاء يخدم المعنى ويقوي من تأثيره.وقد ألّف الاسم الموصول"الذي" حضورا واسعا في شعر خالد الكاتب.

ويستعمل"التي" رابطا نصيا في التكوين البياني، فيقول:

أيَا شَمْسِي وَيَا قَمَــــــرِي          وَيَا سَمْعِي وَيَا بَصَـــــــرِي                   

وَيَا نَفْسِي الَّتِي ذَهَبَـــــتْ          بِهَا عَيْنَايَ بالنَّظَـــــــــــــــــــــرِ

يميل المبدع إلى اختيار لغة تتسم بالإيحاء ؛ لتكون إحدى وسائله للتعبير المؤثر ؛ لأنّ((في وسع منتجي النص خلق تسلسل مخطط للتوقعات من اجل الحفاظ على الاهتمام أو الوفاء بالمقاصد)) والشاعر يبحث عن البناء الفني الذي يجسد ما أحسه من تجربة ويبدو أنّ النمط الاستعاري هو الذي يستهويه دائما فجاء به مكثفا"أيا شمسي- يا قمري- يا سمعي- يا بصري- يا نفسي" لتوسيع بنية الصورة كي تستوعب نقل معاناته المرّة المتزاحمة ، فهو يستغيث منبها على ذلك من خلال النداء المصاحب للصور.

ولابد للصور الجزئية من رابط يجمع أبعادها ويوضح دقائق مغزاها ، إذ لا تستطيع اللغة والخيال النهوض بالنص دون الترابط الذي يحكم البناء ويبعد الصورة عن التفكك، والتعبير الاحالي بالموصول اخذ دوره في التماسك فقد عملت"التي" على إيجاد نسيج رابط بين نفس الشاعر ومعاني البيت وهي لا تنفصل عن الربط النصي داخل الصورة الكاملة التي اقترنت صورها الجزئية بياء المتكلم المحيلة على ذات الشاعر خارج النص.

وقد أفاد الشاعر من قدرة"مَنْ" الموصولة في تماسك الصورة قائلا:

يَا مَنْ بِهِ حَلَتِ الذَّنُــــــوبُ          وَتَنَافَسَتْ فِيْهِ القُلُــــــوبُ           

مَنْ فَاقَ بِالْحُسْنِ الأَنَــــــا          مَ فَكُلُّهُ حُسْنٌ وَطِيْـــــــبُ           

مَلَكَ العُيُونَ فَكُلُّهَــــــــا          دَاعٍ إِلَيْهِ لَهُ مُجِيْـــــــبُ           

فَمُرِيْبُهَا فِيْ مُلْكِــــــــهِ          وَتَقيُّهَا فِيْهِ مُرِيْـــــــــــــــــــــبُ

يؤلّف الموصول"مَنْ" - في البيت الأول- حلقة وصل بإحالته المقامية ، فالمتلقي على علم بمحبوب متوار خارج النص يشير إليه الشاعر دائما ، وقد دلت عليه الإحالات الضميرية"به- فيه- كله- إليه- ملكه- فيه" ويفترق الاسم الموصول عن الضمائر وأسماء الإشارة بوجود الصلة التي تحكم وجوده ؛ لأنّه((لا يتم بنفسه ، ويفتقر إلى كلام بعده تصله به)) وثمّة رابط نحوي آخر جاء ليضيف قوة نصية إلى الرابط الأول ، فالجملتان في الشرط"من فاق..+ فكلُّه.." تتشابك فيكون بالأولى فعل شرط يستدعي الجملة الثانية ليتم المعنى ، يقول الزركشي:((أصل الشرط والجزاء أن يتوافق الثاني على الأول)) وقد اقترنت بفاء الجواب التي تربط الشرط بجوابه وهذا أدى إلى وجود تماسك نصي في  الصور:

- حكت الذنوب = استعارة

- تنافست القلوب = استعارة

- كلّهُ حسن وطيب = تشبيه

- فكلها داع إليه مجيب = تشبيه

وقد امتدَّ نسيج ذلك الترابط إلى بقية النص ليؤلف صورة كلية متماسكة فمن الضروري((أن تكون الصور في داخل القصيدة بينها صلة تقيمها لضرورة باطنية بأقوى من النزعة المجردة للكلمات لتحتشد في أنماط)) تعبر عن رؤية مسبوغة بنفسية الشاعر التي تستدعي المواقف وتخلق الروابط على المستوى الشكلي والمعنوي فالحبيب تحلو معه الذنوب وتتنافس فيه القلوب..وهكذا تتوالد الصور في مشاهد متتابعة.

ومن التماسك بالاسم الموصول يقول خالد الكاتب:

الشَّوْقُ يُبْلِيْ شَبَابــــــــِـيْ                وَالْعِشْقُ غَضٌّ جَدِيْــــــدُ                 

وَدَمْعُ عَيْنِيَ بِالْجـــــــــوْ                دِ نَاطِقٌ وَشَهِيْــــــــدُ                

لَيْتَ الزَّمَانَ أَتَانِــــــــــيْ                بِمَا يَسُوْءُ الْحَسُـــــــوْدُ                

طُوْبَىْ لِمَنْ عَاشَ يَوْمَـــــــاً                  وَلَيْسَ فِيْهِ صُــــــــــــدُوْدُ

الحبُّ بآلامه يمثل بؤرة النص التي تدور حولها المعاني ، فالشاعر يحاول استنطاق الكلمات لاستخلاص ما تخبؤه النفس عامدا إلى تحويل المعاني"الشوق- الشباب- العشق- الزمان" إلى مدركات حسية لها فعلية الحركة تستمد وجودها من البيئة والطبيعة ؛ لأنَّ((القول بالتأثير الحسي يعني أنَّ التواصل لا ينحصر بالرسالة فقط ، بل بالشفرة أيضاً)) ؛ لذا ضمّن ذلك الإحساس في صور بيانية منجزة:

- الشوق يبلي شبابي

- العشق غضٌ                    استعارة

- دمع عيني بالجود ناطق..

- ليت الزمان أتاني             مجاز

- طوبى لمن عاش يوما..            كناية

إنَّ اسمي الموصول"مَا- مَنْ" في النص تجاوزا حدود الجملة في الربط إلى فضاء النص الواسع من خلال التماسك الحاصل في وحدة الموضوع للمقطوعة وانسجامه مع ما في النفس للصورة الكلية فـ "ما" الموصولة عملت في النص في ما لا يعقل وهو عملها الغالب ، وجاءت صلتها معلومة للمتلقي على الرغم من حذف الضمير العائد في "يسوء" أي "يسوؤه" وربما فعل ذلك لجعل مستقبل النص يشاركه الدفق الشعوري ، فالشاعر يتمنى الخير الذي لا يروق للحسود.أمّا"من" فجاءت دلالتها للعاقل وفي فعل الصلة "عاش" ضمير مستتر يحيل على كل محب خارج النص .وعلى ذلك قام الاسمان الموصولان بوظائف نصية نمثلها بالمخطط الآتي:


الاسم الموصول الربط القريب نوع الصورة الربط البعيد

مَا حدود البيت- صورة جزئية استعارة وحدة الموضوع- صورة كلية

مَنْ حدود البيت- صورة جزئية كناية وحدة الموضوع والإحالة الخارجية



المبحث الرابع:الإحالة بالنعت

النص الإبداعي بناء محكوم بمجموعة من الأنظمة والقوانين"نحوية- صرفية- بلاغية.." تساعد المبدع في انجاز عمله الأدبي من ترتيب الأفكار وبث الانطباعات ، لتسهيل عملية الكشف عن مقاصد الذات وتسهيل مهمة المتلقي ليتلقف المعنى متأثراً بصياغته وجماليته.

وتعدّ الإحالة بالنعت من وسائل التماسك النصي في تكوين الصورة البيانية ؛ لأنّ النعت تابع لمنعوته ((ولأنّ التابعَ متأثرٌ بمتبوعه إعرابا ، فهو متحدٌ معه ، ولهذا يُعدّان معاً عنصراً نحوياً مركباً)) وعلى ذلك يكون تحقيق التماسك في التوابع عن طريق المتبوع بوسائل متعددة أبرزها المطابقة الإعرابية.

والنعت من الروابط المعنوية عند النحاة العرب ، فقد وجد الخليل أنّ ((النعت وصف الشيء بما فيه)) وفي وصف الشيء تنشأ علاقة بينه وبين الموصوف ((فالتابع هو المشارك لما قبله في إعرابه الحاصل والمتجدد غير خبر)) وعدّ سيبويه النعت والمنعوت بمنزلة ((الاسم الواحد)) لما بينهما من اشتراك واتصال.

ولم يفرّق ابن يعيش بين الصفة والنعت وعنده أنّ ((الصفة والنعت واحد ، وقد ذهب بعضهم إلى أنّ النعت يكون بالحِلْية ، نحو:"طويل" و"قصير" ، والصفة تكون بالأفعال نحو"ضارب" و"خارج" فعلى هذا يقال للبارئ سبحانه:موصوف ، ولا يقال له منعوت ، وعلى الأول هو موصوف ومنعوت)) ، ويبدو أنَّه لا فرقَ بينهما في المفهوم والوظيفة إلاّ أنّ مصطلح النعت اشتُهِرَ وتداوله النحاة.

ويأتي النعت في الكلام بحسب غايات المنشئ ، وقد صنفه النحاة على نوعين:

1- النعت الحقيقي:وهو ما يدل على معنى في المنعوت نفسه ، أو فيما هو بمنزلته وحكمه المعنوي ، فثمة صلة وثيقة بين النعت والمنعوت في النعت الحقيقي وتأتي هذه العلاقة من طبيعة الارتباط بينهما ؛ وذلك بعلاقة الشيء بنفسه فنتج عن ذلك استحالة العطف بالواو بين النعت والمنعوت ؛ لأنّه يؤدي إلى المغايرة ، فوجب - في الأغلب- مطابقة النعت للمنعوت في أربعة أمور مجتمعة تشتمل على شروط عشرة هي"الإعراب:الرفع والنصب والجر+ التعريف والتنكير+ التذكير والتأنيث + الإفراد والتثنية والجمع".

2- النعت السببي:وهو ما دلَّ على صفة في شيء بعده لها علاقة متصلة بالمنعوت  فالجملة"شاهدت رجلا عزيزا طبعُهُ" جاء فيها بعد النعت:

(أ‌) اسم ظاهر مرفوع بالنعت"طبعُهُ"

(ب‌) يرتبط- هذا الاسم- مع النعت بالضمير"الهاء"

ويرى الدكتور مهدي المخزومي أن حمل النعت السببي على النعت فيه تكلف وتمحل بسبب عودته بالمعنى على ما بعده لا على ما قبله ، ولا يوافق النحاة بتسميته تابعاً ((والذي دعا النحاة إلى تسميته نعتا هو ما لاحظوه من اتفاق بين إعرابه ، وإعراب ما قبله ، أمّا المعنى فلم يعبئوا به)) ، ويؤكد بعد ذلك في المثال الذي ضربه"زارني رجلٌ كريمٌ خلقُهُ" أنّ هذا القول ((ليس من النعت في شيء ، وأن الاتفاق في الإعراب لم يقم على أساس من كونه نعتا تابعا لما قبله ؛ لأنَّه ليس صفة له ، ولكنه يقوم على أساس من الإتباع للمجاورة ، وما تقتضيه موسيقى الكلام من انسجام في الحركات))

ويبدو أنّ النحاة اخذوا حركة التابع(النعت) لعلاقته الحميمة بالمنعوت الحقيقي ؛ وفي هذا الصدد يقول أستاذنا الدكتور علي كاظم أسد:((ليس الأمر كما ذهب إليه أستاذنا الكبير المرحوم المخزومي- تغمده الله برحمته- من أنّ الجملة ليس لها علاقة بالنعت أو أنّ النحاة هنا لم يعبؤوا بالمعنى لأنّ أصل الجملة:شاهدت رجلا عزيز الطبع ولذلك جُعلت جملة تتصل بالنعت بالتأويل وليس بالبنية السطحية المنجزة الماثلة في التعبير أما جملة:شاهدت رجلا طبعُه عزيز فهي بالتأويل الآخر الذي اعتمد عليه الدكتور المخزومي- رحمه الله- فهي جملة أشبه بالمستأنفة لأنها خبرية واتصال الخبر بالمبتدأ معروف فهو كالشيء الواحد ، وهذا ما دعاه إلى أن يبرأها من النعت ، وإلاّ أصلها:شاهدت رجلا عزيز الطبع ، أما عدم اهتمامهم للمعنى فلأنّ الجمل كلها المنجزة والمؤولة لا يختلف فيها المعنى اختلافا جذريا وكان للمخزومي- رحمه الله- أن يستوفي جوانب التأويل لا دفاعا عن النحاة بل لأنّ استيفاء وجوه البنية العميقة يحتم الوصول إلى سبب لجعل النحاة هذا من النعت)). 

وفي كل الأحوال فإنّ النعت السببي له أثر مهم في التماسك النصي لما فيه من ربط بين النعت والمنعوت في الحركة الإعرابية والتعريف والتنكير وما يفعله عن طريق الإحالة القبلية بالضمير العائد من تماسك على صعيد الجملة.

وكما يكون النعت بالمفرد كذلك يكون بالجملة وشبه الجملة ويشترط في نعت الجملة أنْ يكون المنعوت نكرة أمّا جملة النعت فيشترط فيها أنْ تكون جملة خبرية وان يكون فيها ضمير يتصل بالمنعوت ظاهرا أو مقدرا ، ففي قوله تعالى:﴿وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام:92] فالضمير في جملة النعت"أنزلناه" يحيل على المنعوت"الكتاب" ويربط جملة النعت.إذن فالنعت- كما مرّ- من وسائل الربط المعنوية ينتج فيه التماسك في طرق هي:

1- الإسناد ـــــــــ النعت المفرد

2- الإعراب والضمير الرابط ـــــــــ النعت السببي

3- الضمير المحيل ـــــــــ نعت الجملة

4- التعلّق ــــــــ في الجار والمجرور والظرف.


والنعت من مقومات التماسك النصي الحديث ، تناوله علماء النص وعدّوه من عناصر الإحالة ، إذ يرى زتسيسلاف واورزنياك أنّ ((من التعبيرات القادرة على الإحالة...أسماء عامة مع توابع"الصفات ، وأشكال البدل والمشتقات وجمل الصلة")).

ويساعد التماسك النصي بالنعت في بناء الصورة البيانية وتقوية روابطها المعنوية ، ففي قوله تعالى :﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء{24} تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ{25} وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ{26}﴾[إبراهيم:24- 26] نجد أنَّ الصورة البيانية تتحرك معانيها ، ويرتبط وجودها على وفق فاعلية النعت فـ "الكلمة منعوت" ارتبطت بنعتين متضادين"طيّبة + خبيثة" في تعبير مجازي استبدالي مثلته الاستعارتان"كلمة طيبة= الإيمان/ كلمة خبيثة= الكفر" لينتج من التماسك الذي حققه عنصر النعت مشبهين"كلمة طيبة + كلمة خبيثة" ويكرر النعت في المشبهين بهما"شجرة طيبة + شجرة خبيثة" ليكشف تجاذب النعت في أطراف الصورة عن تجسيد لدور الكلمة في هذين التركيبين"كلمة طيبة - كلمة خبيثة" فادى النعت غرضه التخصيصي في الكلمتين فاتحدا مع منعوتيهما في الإعراب والتأنيث والإفراد والتنكير ، وقد فعل الخيال فعله في تجسيم المعاني وإحالتها إلى صور وهيآت ، أبرزت المعانى وقوّت تأثيرها ، فالشجرة الطيبة راسخة الأصل جميلة المنظر وفيرة الثمر ، بخلاف الشجرة الخبيثة التي اجتمعت بها كل الصفات المضادة للشجرة الطيبة.

وقد استعمل الشاعر - خالد الكاتب- النعت بأنواعه المختلفة ليفيد من فاعليته في الربط النصي للصورة البيانية ، ففي النعت الحقيقي يقول:

شَاهِدُ الْوَجْدِ عَلَىْ مَـــــا              بِيْ مِنَ الْدَّمْعِ طَرِيْــــدُ             

كَيْفَ يَخْفَاكَ وَمَا ألْــــــ              ـقَاهُ ، وَالْدَّمْعُ شَهِيْـــدُ             

عِنْدَكَ الصَّبْرُ وَعِنْدِيْ الشــ                ـشَوْقُ وَالوَجْدُ الشَّدِيْــدُ             

وَلِيَ الْقَلْبُ الْمُعَنَّــــــىْ                وَلَكَ الْقلْبُ الْجَلِيْـــــــــــــدُ

    ليس بنا من حاجة إلى تفسير حال الشاعر الذي اشتدَّ به الوجدُ وألم به الشوق حتى جعل من المعنوي والجماد"الوجد - الدمع" مما يعقل في استعارتين"شاهد الوجد + الدمع شهيد" وهذه الشهادة – من الوجد والدمع- جاء بها الشاعر لتقوية موقفه النفسي المتمثل بالذوبان في الحب مسخرا لذلك ألفاظاً دالة قريبة المعنى"الوجد2 + الدمع2 + الشوق + القلب المعنى" وهي متعالقة في التركيب تنسجم وتجربة الشاعر وإحساسه ((ذلك أنَّ الصيغ لا تعرف بالقياس إلى مادة غريبة عنها)) ؛ لذا ألّف النعت مع المنعوت تماسكا بين وحدات الصورة فورد مقصودا لتوضيح المنعوت وإزالة الشك في أربعة مواضع"الدمع شهيد – الوجد الشديد – القلب المعنى – القلب الجليد" كان للفن البياني نصيبٌ فيها ، فالاستعارة في تركيب النعت"القلب المعنى" أبانت عن وضع الشاعر المعذب بخلاف الاستعارة الثانية"القلب الجليد" التي تدل على برودة قلب المحبوب وقلة مبالاته تجاه المحب ، وقد ارتبطت الصورتان شكليا ومعنويا عن طريق الإسناد من ربط النعت بالمنعوت مما حدا بالشاعر أنْ يعقد موازنة في البيتين"3-4"بين ما يشعر به من الم وما يراه من المحبوب من برود وعدم اكتراث ونمثل ذلك في الجدول الآتي:

شعور المحب"الشاعر" شعور المحبوب

عندي الشوق والوجد الشديد=2 عندك الصبر=1

القلب المعنى=1 القلب الجليد=1

=3 آلام عميقة محرقة =2 احساس طبيعي + بارد"جليد"

وقد يرد تكوين الصورة –عند خالد الكاتب - من النعت المفرد ونعت الجملة:

حَالَ دُونَ السُّلُوِّ شَوْقٌ شَدِيْــدُ        وَهَوَىً كُلَّمَا صَدَدْتَ يَزِيْـــدُ        

أفَبالعَذْلِ يُدْفَعُ الْوَجْدُ هَيْهَـــا        تَ وَحُبِّيْكَ ذَاكَ مِنْهُ بَعِيْـــدُ        

أيْنَ سُقْمِيْ إذاً وَأَيْنَ بُكَائِــيْ؟        بَدَنِيْ نَاطِقٌ وَدَمْعِي شَهِيْــدُ       

يَا بَدِيْعَ الْجَمَالِ قَدْ ذَهَبَ الْقَلْــ          ــبُ فَقُلْ بَعْدَ أخْذِهِ مَا تُرِيْـــــدُ؟

    العمل الأدبي استجابة لبواعث نفسية تخضع لمؤثرات داخلية وخارجية"ظروف محيطة" لها مساس كبير في نفس المبدع ، ولعلّ المؤثرات النفسية جعلته يعيد ويكرر في كثير من الألفاظ والمعاني كـ "شوق شديد – دمعي شهيد" وهي مكررة في النص السابق.

لقد شارك النعت في تماسك الصورة في البيت الأول "شَوْقٌ شَدِيْدُ نعت مفرد + هَوَىً..يَزِيْدُ نعت جملة"إذ طوّع الشاعر النعت لبناء صورته المجازية"حالَ شوقٌ شديدٌ" ليجعل من الشوق سببا للحيلولة دون ذلك السُّلُوّ الذي ينشده من دون جدوى فأدى به إلى توظيف مجاز سببي آخر ومن خلال نعت الجملة"هوى يزيد" ليؤكد ذلك الإحساس ويرسخه عبر طاقات اللغة ((فاللفظة لا تظل أسيرة المعجم وإنما هي طاقة تتفجر معاني وصوراً جديدة)) نابضة بانفعالات المبدع وذوقه الفني.ويمضي الشاعر في صورته محافظاً على السياق النفسي ذاته يشكو من وطأة الوجد وتسلطه متعجبا في أسلوب استفهامي استعاري"أفبالعذل يدفع الوجد" لكنَّه يستبعد ذلك..فيعود ثانية إلى الأسلوب الإنشائي الطلبي"الاستفهام" وفي معطى مكاني ، فيستفهم عن السقم والبكاء"أين سقمي- أين بكائي " والجواب في موضع البدن والعين"بدني ناطق – دمعي شهيد استعارتان مكنيتان" وقد أعطت تلك الأفعال في المبنى البياني دفعا إضافيا لتماسك الصورة ، فهناك ارتباط معنوي بين السؤال والجواب له علاقة بمناخ الصورة الكلي: 

                          أين سقمي                             دمعي شهيد

                        أين بكائي                         بدني ناطق

ونجده بعد أنْ ذكر معاناته من السقم والبكاء والصد والدموع يفصح - في نهاية المقطوعة- عن شاعر مغلوبٍ على أمره مذعن للمحبوب.

ويربط الصورة عن طريق تنويع النعت ، فيقول:

لَمْ تَدَعْ زَفْرَتِيْ لِعَيْنِيْ دُمُوْعاً              وَكَفَاهَا أَنْ لاَ تَذُوْقَ هُجُوْعَا        

وَدَمتْ بالسَّقَامِ جِسْمَاً وَقَلْبَاً            مُسْتَهَامَيْنِ يَبْكِيَانِ جَمْيِعَــــــــــــا

مِنْ حَبِيْبٍ أَرَاهُ يَزْدَادُ تِيْهاً              كُلَّمَا ازْدَدْتُ ذِلَّةً وَخُضُوعَـــــــــا

 يضمّ النص نوعين من النعت:

1- النعت المفرد "مستهامين" وقد تعلق بمنعوتين "جسما وقلبا"

2- نعت الجملة "يبكيان جميعا + أراه يزداد تيهاً"

كثّف الشاعر من الوحدات البيانية ليستثمر آلاتها الفنية ؛ لكي تقوم بدورها في تسهيل عملية نقل المعنى محاولا تقديمها في صور جزئية متماسكة خلع عليها من إحساسه الملفع بآهات الحب لتكتمل بعذابها صورة كلية بدأها الشاعر بالمجاز "لم تدع زفرتي لعيني دموعا" فالزفرة كانت سببا في نضوب دموع العين ويحاول الشاعر إبقاء الصورة على نسقها الشعوري واستمرار ديمومتها أردفها بمجاز استعاري آخر خالف فيه بين مدركات الحواس"العين لا تذوق هجوعا" فالعين مدرك بصري أسبغ عليها صفة الذوق ليعمّق الصورة مفيدا من قدرة المجاز في توليد الخيال ؛ لأنَّ ((المجاز هو والد الخيالات الشعرية)) ، وقد قوّى حرف العطف "الواو" شبكة الاتصال بين البيت الأول والثاني فالزفرة بتركيبها الاستعاري لها أسلحة تحطم"بالسقام جسما وقلبا" ، وأراد الشاعر ربط الصورة عبر تداخلها الاستعاري وقد أعانه النعت"مستهامين - يبكيان جميعا" في تحقيق ذلك التماسك ؛ لأنَّ ((النعت تابع مكمل لمتبوعه لدلالته على معنى فيه أو في متعلق به)) وهذا التعلق هو الذي جعل الصورة متماسكة في ترتيب الأفكار والمعاني بحسب إحساسه الشعوري.

ومن تلك الصور الجزئية يتجه النص إلى نعت ثالث وبالجملة الفعلية "حبيب أراه يزداد.." ليربط الصورة من ناحيتين:

1- الإحالة باتصال النعت بالمنعوت عن طريق مرجعية النعت.

2- الإحالة بالضمير "الهاء" الموجود في جملة النعت.

ومن هذا الترابط يبني الشاعر صورتين كنائيتين متضادتين ليكشف عن الفضاء النفسي للصورتين المتقابلتين "صورة المحبوب المتكبر≠ صورة الشاعر الخاضع الذليل" وفي معادلة دلالية يمثل المحبوب الطرف السلبي فيها ، فخضوع المحب"الشاعر" المتزايد جعلت المحبوب يتمادى في طبعه المتكبر ، وكل زيادة في الخضوع من طرف الشاعر يقابلها زيادة في الزهو من الجانب الآخر ، وفي هذا استغلال لعواطف الشاعر الذي حاول البوح به معاتبا محبوبته من خلال المبنى البياني.

وقد يأتي التكوين البياني متماسكا في مجرى النعت بالاسم الموصول ومن ذلك قوله:

فُؤَادِيْ الذي تَعْـــــــــرِفُ            بِطُوْلِ الهَوَىْ مُدْنــــَفُ        

وَعَيْنِيْ الَّتِيْ لاَ تَـــــــــزَا              لُ مَطْرُوْفَةً تَــــــــــــــذْرِفُ    

أَيَا مَنْ يَدُقُّ بِمَعْنَىْ الصِّـــــفَا              تِ عَنْهُ فَمَا يُوْصَــــفُ        

إذا أَنْتَ لَمْ تَكْشِفِ الَّـــــــ            ــذِيْ بِيْ فَمَنْ يَكْشِــــــفُ 

أفاد النعت"فؤادي الذي تعرفُ" التوضيح ، فالشاعر لا يقصد أيَّ فؤادٍ وإنما أراد الكشف عن فؤاد يحمل سمات خاصة لا يعرفها إلاّ المحبوب ، وهذا النعت أسس لبناء بياني اكتسب من وسيلة النعت صفة التماسك ؛ لأنَّ الصورة المجازية شملت البيت الأول كله"فؤادي--- مدنف" ولفظ "مدنف" في حقله - الغزلي العفيف- يدفع بالنص إلى التداعي الدلالي ، فقد استدعى التعبير العين دائمة الدمع لتكون ضمن المعنى العام للصورة ؛ لأنّ المقطوعة أو((القصيدة كلها نص واحد ، ولابد..أن يكون بين أبياتها تماسك نحوي ودلالي وكل منهما له رسائله اللغوية التي يستعملها لأداء وظيفته)) والمقطوعة تعبير نصي مكثف عن تجربة شعورية مرتبطة بفكرة الحب ولواعجه ، ولم يغادر الشاعر الصورة فحتمت عليه أن يعززها بنعت آخر وبالاسم الموصول أيضاً"عيني التي لا تزال.. " لينشأ من النعت صورة بيانية قام بها المجاز"عيني--- تذرف. عقلي مكاني" ونلحظ من المجازين أنّ الشاعر أراد أنْ يشير إلى موضعين يتركز فيهما الألم"الأول: باطني= الفؤاد المدنف" و"الثاني: ظاهري= دموع العين" وبهذا يكون هناك تداخل صوري في الأداء البياني نفسره كالآتي:


الاداء البياني نوعه الدلالة البيانية الأولى الدلالة البيانية الثانية

فؤادي--- مدنف مجاز مجاز مرسل – جزئية"فالقلب العنصر الأكثر تأثرا بلواعج الحب  " مجاز عقلي- مكانية"إشارة إلى مكان الم الحب الداخلي" 

عيني--- تذرف مجاز مجاز مرسل-سببية"فالعين سبب في سيل الدمع والمسبب هو الحب وآلامه" مجاز عقلي- مكانية"إشارة إلى مكان الم الحب الخارجي"  


ويبدو أنَّ الاستعانة بوسيلة النعت بالاسم الموصول كان مقصودا من الشاعر ؛ وذلك لما يحمله النعت من قوة الربط من ناحية وتماسك الصلة مع الموصول من ناحية أخرى وهو ما ولّد إحساسا نفسيا أسهم في تصعيد حركية الصورة ، وهو أمر الجأ الشاعر في النهاية إلى "الله تعالى" في شكواه عن طريق الكناية عن موصوف ؛ وذلك بذكر صفات تخصه دون التصريح باسمه ليكشف عن ضره وبلواه.

ويساعد النعت المكثف بناء الصورة وتأسيس هيكلها:

إِلَىْ كَمْ يَنْحُلُ الصَّبُّ الْكَئِيْـــبُ    أَتَهْجُرُهُ وَأَنْتَ لَهُ حَبِيْــبُ؟          

وَكَمْ أدعُوْكَ يَا مَنْ لَسْتُ أهْـوَىْ  سِوَاهُ وَلاَ يَرِقُّ وَلاَ يُجِيْـبُ          

أَيَا قَمَراً عَلَىْ غُصْنٍ رَطِيْــبٍ  وَيَا غُصْناً تَضَمَّنَهُ كَثِيْــــــــــــبُ

يكني الشاعر عن نفسه في صورة مركبة من النعت المفرد"الصَّبُّ الْكَئِيْبُ" فذكر جزءاً مما يقاسيه من ذلك الحب الذي يتساءل فيه بتعجب عن كيفية الانعتاق من معاناته"الى كم..؟- أتهجره..؟- وكم ادعوك..؟" والاستفهام في هذه الحالة- كما يهدينا إليه النص وما اهتدينا إليه في معظم نصوص الديوان- يمثل فعلا تداولياً لحركة داخلية مغلقة"حوار النفس" ويؤيد ذلك النص نفسه"..لا يرقُ ولا يجيبُ" ، ويفعل الشاعر كل ذلك - مستعينا باللغة - للبوح بثورته النفسية أولاً وتقوية أواصر البيان ثانياً ((فللفظة أو الكلمات قوة خلاّقة على صياغة الصورة بأحد أشكال التعبير التي تؤلف أساليب البيان المعروفة)) ويحرص الشاعر على أن تكون الصور التي يبنيها ضمن أسلوب النعت ليحظى بأسباب تماسكها فجاءت صوره البيانية وهي ممزوجة بالنعت:

> أَيَا قَمَراً عَلَىْ غُصْنٍ=أيا قمرا استعارة  + عَلَىْ غُصْن نعت شبه جملة  // غُصْنٍ رَطِيْبٍ = غُصْن استعارة + رطيب نعت مفرد.

> وَيَا غُصْناً تَضَمَّنَهُ كَثِيْبُ= يَا غُصْناً استعارة + تَضَمَّنَهُ كَثِيْبُ نعت جملة فعلية.

ومما سبق نقرر أنّ النعت بطاقته المهيمنة في النص قد كوّن صوراً بيانية متشابكة الخيوط كل منها يحمل علامة دالة تكشف عن مخبوء الشاعر في نسيج نصي منسجم أضاء معالم الصورة الكلية وبيّن مواطن جمالها. 

   المبحث الخامس:الاستبدال 

أكّد النصيون أنّ الاستبدال Substitutionيمثل عنصرا من عناصر التماسك ، يعتمد عليه المبدع في إنتاج نصه ، وهو استعمال لغوي يتم في المستوى النحوي- المعجمي فنحصل من تأليفه على نص ينتظم في انساق متلائمة ترتبط من خلالها وحدات الدلالة ، ((وهو مصطلح لغوي يشير إلى استبدال كلمة معينة بأخرى تفيد المعنى نفسه)) وربما يتسع في علم اللغة ليشير إلى استبدال فقرة بدل أخرى في مكان معين في التركيب ، فالبنية اللغوية لا تستقيم تراكيبها إلاّ من خلال الارتباط الذي يجمع بين العلاقات المتعددة وفي تأليف منطقي يجمع معاني النص عن طريق تشكيل المعاني داخل ذهن المبدع ومن خلال التداعي النصي.

والاستبدال نمط بديل أو نوع آخر من التعالق بين الجمل ، وهو((عملية تتم داخل النص ، إنّه تعويض عنصر في النص بعنصر آخر)) يحمل المزايا التركيبية نفسها في أثناء عملية التحويل ، فيكون الاستبدال في ترابط النص((في العلاقة بين العنصرين المستبدِل والمستبدَل ، وهي علاقة قبلية بين عنصر سابق في النص وبين عنصر لاحق فيه)) ، ومن ذلك فلا وجود للصلة بين البدل في النحو العربي والاستبدال الذي تناولته الدراسات الحديثة ، ولا تخلو الدراسات القديمة من بعض الإشارات في هذا المجال إلا أنّها لا تشكل ظاهرة عرفتها العرب أو افردوا لها حيزاً في تأليفاتهم.

ولما كان الاستبدال((تحريك يستهدف تعويض وحدة ما بوحدة أخرى في سياق معين ، تهدف إلى..تحديد وحدات اللسان)) لذا عُني به النصيون وقسموه على ثلاثة أقسام:"استبدال اسمي وفعلي وقولي"

أولاً:استبدال اسمي Nominal substitution

ويتحقق باستعمال عناصر لغوية يكون الاستبدال فيها بالاسم ، ويأتي في العربية في أسماء منها:"أخرى ، آخر ، آخرون ، واحد ، واحدة.." ، أما في اللغة الانجليزية فتتم في العناصر"on , ones , same".وقد كثر الاستبدال الاسمي في القرآن الكريم ومن ذلك قوله تعالى:﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الأنعام:164] فجاء سبحانه بكلمة"أخرى"عوضا عن"وازرة" والمعنى((لا تؤخذ نفس آثمة بذنب نفس أخرى)) وورد في نهج البلاغة من قول للإمام علي uمخاطبا الأشعث بن قيس((واللهِ لقد أسَرَكَ الكفرُ مرةً ، والإسلامُ أخرى ، فما فداك مِنْ واحدةٍ منهما ، مالك ولا حَسَبُك)) فقد تمّ الاستبدال:

1- استبدل الاسم"الأخرى" بدلا من الاسم"مرة"

2- استبدل الاسم"واحدة" بدلا من الاسم"مرة أو أخرى"                                                                        

ثانياً:استبدال فعلي Verbal substitution 

وهو تعويض فعل مكان فعل آخر سابق عليه يؤدي الوظيفة نفسها ويبنى من الأفعال"فعل ، عمل.." ويتم بناؤه في اللغة "الانجليزية" بالفعل"do" وقد جاء هذا النوع من الاستبدال في القرآن الكريم ، قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:67] فقد جاء بالفعل"تَفْعَلْ" بديلا عن الفعل"بَلِّغْ" ليقوم مقامه في التركيب والوظيفة وبتوسيع في الدلالة ؛ لأن "لم تفعل" فيه تبليغ بصورة تهديد يوحي بوجوب تبليغ الأمر لأهميته ، وإذا كان فيه خطر على شخص النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فإنَّ اللهَ قَدْ ضَمِنَ سلامته.

وورد في كتب الحديث عن ابن عباس أنّ أبا جهل قال:((لئن رأيت محمدا يصلي لأطأنّ على عُنقهِ فقال النبي( صلى الله عليه وآله وسلم ): "لو فَعلَ لأخَذتهُ الملائِكةُ عَياناً")) فقد استبدل الفعل"فعل" محل الفعل"أطأ" فجاء الاستبدال لربط البناء النصي ؛ ولفت الانتباه بمكانته ( صلى الله عليه وآله وسلم )عند الله.

ثالثاً:الاستبدال العباري"الجملي"Clausal substitution   

وهو استبدال لقول- جملة أو جمل- لا لكلمة واحدة ويُنجز هذا الإجراء عبر كلمات       متعددة منها"هذا ، ذلك ، كذلك ، نعم ، لا.." وتتحقق في الانجليزية بالكلمات"so , not" والتراكيب"do so, do the same" ، ومما ورد في القرآن الكريم من هذا النوع من الاستبدال قوله تعالى:﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُواْ نَعَمْ ﴾[ الأعراف:44] فقد قامت كلمة"نعم" بدور البديل عن تعبير جملي كامل وهو قول أهل النار:"وجدنا ما وعدنا ربنا حقا" أي العقاب.

وقد تشترك الإحالة مع الاستبدال في التداخل فالكلمات مثل"هذا ، ذلك ، كذلك" أسماء إشارة تقع ضمن عناصر الإحالة وكذلك بإمكانها أنْ تكون من عناصر الاستبدال ، فعندما نقول: أكمل علي دراسته في بغداد ، وحقق بذلك رغبته .نجد أنّ "ذلك" حلّ محل القول:أكمل علي دراسته في بغداد.

وقد حاول هاليداي ورقية حسن أنْ يضعا فروقا بين الإحالة والاستبدال((فالاستبدال لا يقع إلاّ داخل النص على حين تقع الإحالة داخل النص وخارجه ، والاستبدال يعد علاقة على المستويين النحوي والمعجمي ، على حين تعدّ الإحالة علاقة على المستوى الدلالي ، هذا بالإضافة إلى أنّ العناصر المستبدلة يشترط اشتراكها فيما بينها في البنية الوظيفية على حين لا يشترط ذلك في الإحالة)).

وكما يعمل الاستبدال في تماسك النص ، فانه يقوم حتما في رفد عملية التماسك التي تحدث في جوانب الصورة البيانية ؛ لما له من فاعلية في الربط الداخلي بين المستبدِل والمستبدَل منه يحتاج إليه المبدع في تقوية التكوين البياني ، وهذا ما جعل الشاعر خالد الكاتب يستثمره كثيرا في شعره ، فهو يقول:

اللهُ يَعْلَمُ أَنَنِي كَمِـــــــدُ          لا أستَطِيعُ أبثُّ مَا أجِــــدُ    

نَفْسانِ لِي نَفْسٌ تَضَمَّنَـــهَا            بَلَدٌ وَأخْرَى حَازَها بَلَــــدُ    

أمّا المُقيمَةُ ليْسَ يَنْفَعُهَــــا            صَبْرٌ وَلَيْسَ يَقَرْبُهاجَـــلَـــــدُ    

وَأَظُنُّ غَائِبَتِي كَشَاهِدَتِي          بِمَكَانِهَا تَجِدُ الذِي أَجِــــــــــــــدُ    

تحكي المقطوعة عن شاعرٍ حزين لا يستطيع البث بما في داخله إذ يعلن عن ذلك في تجربة تتفجر ولكنها تقذف- دائما- في غرض فني محدد"الغزل العفيف" لا يستطيع الفكاك منه ، وقد مثل الحزن العنصر الأساس في تلوين صوره العاطفية جاعلا من البيت الأول منطلقا اشهاريا لبث ما يكنّه من كمد وهذا الحال جعله يحسّ وكأنَّ له نفسين متفرقتين كل واحدة في بلد"نَفْسانِ لِي" في تشبيه ضمني(البيت الأول والثاني) أتاح له الاستبدال النصي الربط بين حلقات الصورة فقد استبدل الاسم "نفس" بالاسم"أخرى" وفي صورة استعارية تجسيمية والتقدير"نفسٌ تضمنها بلد ونفسٌ حازها بلد" وترك للمتلقي مشاركته في عملية التبادل اللفظي ؛ ذلك أنّ ((الخطاب يقتضي وجود اتصال يتمثل في قناة طبيعية وارتباط نفسي بين المرسِل والمرسَل إليه)) لتتم عملية الاستجابة ،وتستمر الصورة في جريانها وتماسكها البياني الى تشبيه التضاد(غَائِبَتِي كَشَاهِدَتِي) فلا راحة لنفس الشاعر، وأرادَ أنْ يشدّ من قوة التعليق بين أجزاء الصورة استعمل الإحالة القبلية في الألفاظ"تضمنها+ حازها+ ينفعها+ يقربها+ بمكانها" 


                   

                    نَفْسانِ لِي نَفْسٌ تَضَمَّنَهَا       بَلَدٌ وَأخْرَى حَازَها بَلَدُ


وقد ورد الاستبدال بالاسم"أخرى" في الصورة الكنائية في قوله: 

عَيْنٌ مؤَرَّقةٌ وأخرَى تَدمَعُ       ومُتَيَّمٌ دَنِفٌ بِذكرِكَ مُوْلَعُ

ومن ربطه النصي بالاستبدال قوله:

أَمَا وَانْحِدَارُ الدَّمْعِ مِنْ جَفْنِ مُقْلـَةٍ      غَرِيْقٍ عَلَى خَدٍّ مِنَ الدَّمْعِ مُخْضَـلِّ 

لَقَدْ ذَابَ كُلِّيْ بالصَّبابَةِ وَالضَّنَــىْ وَأدْنَفَنِي شَوْقٌ إلَى الْحَسَنِ الْكُلِّــي  

إلَى مُشْرِقٍ مِن وَجْهِ بَدْرٍ مُرَكَّــــبٍ      وَآخَرَ مَبْسُوطٍ مِنَ النُّورِ مُنحَــــــــــــلِّ

ضِيَاءٌ مُنِيْرٌ فَوقَ شُعْبَةِ بَانَـــــــــــــــةٍ عَلَى رَمْلَةٍ رَيّا مِن الْوَبْلِ وَالْهَطْـــــــــلِ 

لا يقتصر نظم الشعر على اللغة - وان كانت أساسه - من دون تلوينها بأحاسيس المبدع ((فالدراسة المعجمية وحدها ، تسيء إلى النص الشعري ؛ لأَنّها تفصل الألفاظ عن سياقها التركيبي أي عما قبلها وما بعدها..ان المعجم ليس إلاّ مادة خاما لا يكتسب ماهيته إلاّ بالصورة التي يتشكل فيها)). وفي ظل ذلك يستطيع النص الفني أن يخلق استمراره ويحقق التناسب الذي يجعله يتميز بلغته الإيحائية النابعة من الاختيار الموفق الذي يجعل من اللغة ذات قيمة تعبيرية مؤثرة إذ ((يرتبط بقاء النص واستمراره بما يقدمه من تفسيرات متعددة من خلال قراء تختلف قدراتهم فتختلف نتاجاتهم المسجلة)).

ويمكن أنْ نتلمس ما يجري في النص من توظيف للغة وتكثيف للدلالة المنبثقة في إحساس الشاعر الذي أدى به إلى تكثيف وسائل البيان ، فجاءت الصور البيانية يربطها محور الوحدة العضوية ، فالتشبيه المقلوب"انحدار الدمع" يوحي بقوة تدفق الدمع على الخد ومن تلك اللحظات المؤلمة يتجه الشاعر إلى البناء الاستعاري"ذاب كلي بالصبابة.." فقد توسع أثر الحب من مجرى الدموع إلى كل الشاعر ، ويستمر الخيال في خطاه إلى المجاز"ادنفني شوق" فقد تغلغل في قلب الشاعر البعد وجدب اللقاء ، فكانت الألفاظ"الصبابة- الضنى- الدنف- الشوق" خير ما يمثل حاله الوجدانية المتأصلة في صور قصدها الشاعر ؛ لأنّ((التصوير الشعري أداء تعبيري راق يصاغ –غالبا- في سياق بياني تستعمل فيه طاقات اللغة وإمكاناتها قالباً للتعبير عن جوانب التجربة الشعرية)).ويبقي الشاعر نصه مرتبطا ومحافظا على تماسكه النصي عن طريق التضمين رابطا البيت الثاني بالثالث بحرف الجر"إلى" متخذا منحى آخر في سياقه النصي ، فقد تحوّلَ من وصف حاله إلى وصف الحبيبة وهذا التحول في الأسلوب له مردوده التاثيري في مجرى النص فالحزن تحول إلى بهجة وإشراق في تداخل صوري منسجم أرسى تماسكه الاستبدال:

1- إلى مشرق  ــــ استعارة تصريحية

2- وجه بدر مركَّب ــــ تشبيه

3- آخر مبسوط ـــــ تشبيه

فقد ربط الاستبدال عجز البيت الثالث بصدره حين استبدل"مشرق" بـ "آخر" وفتح طريقا للربط مع البيت الرابع من خلال الاستعارتين"ضياء منير- شُعبة بانة"

ومن الاستبدال النصي يقول:

سَعِدَتْ جُفُونُكَ بالْكَـــــرَىْ          وَرَقَدْتَ أنْعَمَ مَنْ رَقَــــــدْ                    

وَأَنَا الْمُسَهَّدُ فِيْ هَـــــوَىً          بَاقٍ عَلَىْ طُوْلِ الأمَدْ                   

لاَ نَالَ جِسْمَكَ مَا بَـــــرَا          نِي مِنْ سَقَامٍ أو كَمَــــــدْ                     

وَإلَيْكَ مِنْكَ الْمُشْتَكَـــــىْ          مِنْ ذَاكَ لَيْسَ إلى أحَــدْ

إنّ نفس المبدع- لا محالة- لها الأثر الفاعل في توجيه النص الشعري وتعيين حركة الصورة ؛ لأنّ ((عملية الخلق الفني تعتمد على القدرة الباطنية في إثارة القوى الانفعالية للذات)) التي تهجس في ذهن المبدع من تأوهات النفس فيقوم بإنتاجها على هيأة خطاب أو نص يحمل سمات من مرسله ، ولاسيّما إذا كان صادق التجربة . ومن ذلك ينتقي الأداء البياني المناسب لدفقه الشعوري ؛ ومجيء الاستعارة"سعدت جفونك بالكرى" بهذا التلوين العاطفي كان نتيجة لذلك الضغط الذي نلمسه من دلالة الكلمات ، فالحبيب نامت جفونه وهو مغتبط منعم برقاده ، والشاعر يقظ طوَّقَه السهر الطويل"وأنا المسهد" وأنهكه المرض وأضناه الحزن بيد أنّه لا يرجو هذا العذاب للحبيب"لا نال جسمك" فالصورة تتنقل من معنى إلى آخر باتصال ذاتي وفكرة واحدة تتحرك على مساحة النص ، وأراد أنّ يشكو مما المّ به لحبيبه في اللمسات الأخيرة للصورة اتكأ على الاستبدال بالتركيب الاشاري"ذاك" الذي اختزل به الجمل السابقة بدلالاتها ؛ وذلك للاقتصاد اللغوي وتكثيف المعنى في ربط نصي متماسك.

    انا المسهد+ براني من سقام+ كمد    = ذاك

وبهذا كشفت الإحالة عن موقع المرجع ومكانه في النص الشعري ؛ وذلك بالعودة إليه ليتم الربط النصي وهي في الوقت نفسه تعبر عن رؤية الشاعر في إقامة العلاقة بين مكونات النص لتفسح مجالا رحبا في تقريب الدلالات وتماسكها ، وهذا يجعل النص يتخذ طابع التماسك.          

                                                            


الفصل الرابع:أثر التماسك البلاغي في تكوين الصورة البيانية- شعر خالد الكاتب أنموذجا

المبحث الأول:التماسك بالحذف 

الحذف البياني وأثره في تكوين الصّورة البيانيّة

أولا:الحذف في التشبيه

(أ‌) حذف الأداة

(ب‌) حذف وجه الشبه

ثانيا:الحذف في الاستعارة

المبحث الثاني:الطباق"التضاد" 

المبحث الثالث:التماسك  بالتكرار 

1- إعادة الكلمة نفسها

(أ‌) التكرار المباشر

(ب‌) التكرار الجزئي

(ج) الاشتراك اللفظي

2- الترادف وشبه الترادف

3- الكلمة الشاملة

4- الكلمة العامة

- التماسك بالتكرار التشبيهي"المصدر المبين للنوع"

- رد الأعجاز على الصدور

المبحث الرابع :مراعاة النظير



الفصل الرابع:أثر التماسك البلاغي في تكوين الصورة البيانية

لا يَخفى أنّ أغلب مباحث علم اللغة النّصّي مباحث بلاغية ، ويمكن تحسّس ذلك من خلال بعض الظواهر التي تناولها البلاغيون ودرسوها تحت أبواب مختلفة كشفوا عن أنظمتها ، وعن طبيعة تحرّكها في السياق النّصّي، فالبلاغة لا تقتصر على وصف النّصوص وطريقة إنتاجها فقط ، وإنّما تميل إلى رصد المقاصد والعلامات المكونة والظروف المحيطة للإبداع وتنظر إلى النّص من زوايا مختلفة وهذا واضح منذ القديم ،فقد ظهرت بوادر(( بزوغ النظرات النّصّية في بحوث البلاغة القديمة ؛ إذ إنّ البحث في ممارسة الخطاب"الكلام" في البلاغة القديمة يضم عددا من النظرات والقواعد الخاصة بتنظيم نصوص محددة)) وعلى هذا المفهوم تكون البلاغة- والحديثة منها- قد وجهت عنايتها إلى التأليف((لتشمل القول أو النّص بأكمله وتجعل هذه المقولة من الفصل بينهما وبين علم لغة النّص أمراً مستحيلا)) ويعني هذا أنّ ثمة تواشجاً كبيراً بين البلاغة والدرس النّصّي.

والشاعر في التكوين البياني يبحث عن وسائل رسم الصورة ويقوم بتنظيم تلك الوسائل في صياغات تنشأ بينها علاقات تحقق غاياته وتفسح له المجال في بث تجربته ،ونقل أحاسيسه عبر مستويات بلاغية تشترك مع وحدات الصورة البيانية((فالشاعر- عادة- يوظّف الأساليب البلاغية في النّص الأدبي للوصول بالمتلقي إلى مرحلة من الاندماج مع عناصر تكوين النّص في تداخلاته المختلفة)) ،ومن ذلك المنطلق فإنّ تحليلنا النّصّي لا يقتصر على عناصر البيان في الصورة بمعزل عن سياقها المتكامل ؛ فذلك - لاشك- يكون تحليلاً ناقصاً لا يكشف عتمة الدلالة التي ينشدها المبدع.وسنتناول بعض الأساليب البلاغية التي تشترك في بناء هيكلة الصورة البيانية وتأليف أجزائها.    

المبحث الأول :التماسك بالحذف  

الحذف أسلوب قولي أصيل يتكئ عليه المنشئ للإفادة من ((إمكاناته الإيحائية))وهو في اللغة العربية لفظ جاء ليدل على معان منها:ما ذكره الخليل:((قطف الشيء من الطرف كما يحذف طرف ذنب الشاة)) وتبعه الزمخشري بغير لفظ القطف ، فقال:حذف ذنب فرسه إذا قطع طرفه.. وحذف رأسه بالسيف:ضربه فقطع منه قطعة ، وهذا يعني أنّ الحذف قطع شيء من شيء أكبر منه له علاقة بالمقطوع منه .وأورد ابن منظور معاني مختلفة للحذف منها:القطع من الطرف ، الطرح ، والإسقاط ، والقطف.

أمّا الحذف أسلوباً فإنَّ مفهومه الاصطلاحي تداوله علماء العربية بناء على أهميته الفنية ،أو الجمالية في التعبير ، إذ لم يغفلْ الخليل عن أثر سياق الحال في الكشف عن المحذوف وقد أجاب الخليلُ سيبويه عن جواب الشرط في قوله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾[الزمر:73] وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾[البقرة:165] وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ﴾[الأنعام:27] فقال الخليل: ((إن العرب قد تترك في مثل هذا الخبر[الجواب] في كلامهم ، لعلم المُخْبَر لأيِّ شيءٍ وضع هذا الكلام)) ،أو يأتي اختصاراً لعلم المخاطب به ، فثمة كلام محذوف يعيه المتلقي ويؤلفه في نفسه ، ليكمل المعنى المراد ويفهم مقصوده ضمن ألوان دلالية يغذيها السياق. 

ويبدو الرّماني أكثر وضوحاً وأبعد غوراً في تعريفه للحذف ، فهو عنده ((إسقاط كلمة للاجتزاء عنها بدلالة غيرها من الحال أو فحوى الكلام)) ، ونفهم من ذلك أن الرّماني ينظر إلى الحذف على وفق خبرتين إحداهما دليل اللفظ (سياق المقام) والأخرى إيحاءات النّص ، فيكوّن بذلك حركة ذهنية لدى متلقي الكلام تجعله((أبلغ من الذكر ؛ لأنّ النفس تذهب فيه كل مذهب)).

وأولى ابن جني عناية كبيرة بهذه الظاهرة ؛ وذلك لما لها من فائدة في جودة الكلام ،وحسن تأليفه فأفرد لها بابا سماه"باب شجاعة العربية" تناول فيه أنواع الحذف ومسوغاته ، مؤكداً وجود الدليل لإدراك المحذوف ،  فيقول: ((..وليس شيء من ذلك إلاّ عن دليل عليه ، وإلاّ كان فيه ضربٌ من تكليف علم الغيب في معرفته)) ويؤكد وجود الدليل كذلك ابن الأثير"ت- 637ه" فيقول: ((فإن لم يكن هناك دليل على المحذوف ؛ فإنّه لغوٌ من الحديث ، لا يجوز بوجه ولا سبب)) ولا يشترط ابن هشام (ت-761ه) وجود الدليل مع حذف الفضلة ويسّوغ ذلك بقوله:((وأما إذا كان المحذوف فضلة فلا يشترط لحذفه وُجْدان الدليل ، ولكن يشترط أن لا يكون في حذفه ضرر معنوي)) ويبدو من كلامه أنه يشير إلى الترابط الذهني في سلسة الكلام (بنيته العميقة) وعدم توفر ذلك الترابط يحدث قطعاً يفسد طبيعة الكلام ، فقولنا (ما شاهدتُ إلاّ عليا) يؤدي حذف الفضلة"المفعول به"إلى الإبهام. ويلحّ الزركشي أيضا على وجود الدليل ويرى أنَّ الحذفَ ((إسقاط جزء الكلام أو كله لدليل)) فلابدّ – إذن- من وجود قرينة تسهل عمل مفسّر النّص لاستكناه دقائق النظم وأسرار بنائه ، والدليل هو إشارة إلى إدراك الحذف عن طريق ألفاظ النّص وسياقه ؛ لأنّ من شروط الحذف بحسب الزركشي ((أنْ تكون في المذكور دلالة على المحذوف إما من لفظه ،أو من سياقه ، وإلاّ لم يُتمكن من معرفته فيصير اللفظ مخلّاً بالفهم..وهو معنى قولهم:لابد أن يكون فيما أبقى دليل على ما ألقى)) ويمكن أن نضيف إلى كلام الزركشي شيئا آخر وهو مراعاة حال المتلقي"المخاطَب" الاجتماعية والثقافية وبما يحمله من ذخيرة معرفية وظروف بيئية تؤهله لاكتشاف المحذوف.

  وللحذف أنواع تأتي على وفق نوع المحذوف فمنها: حذف الاسم ،أو الفعل، أو الحرف، أو الجملة أو الكلام، أو الحركة.. وقد عيَّن النحاة أسباباً للحذف ذكر منها سيبويه الاستخفاف والاختصار ، وكثرة الاستعمال أو على الاتساع في الكلام.. ، وحددوا شروطا للحذف حصرها ابن هشام في ثمانية مواضع ، وبينوا أغراضا لم يتطرق إليها ابن هشام لكنه أوكلها إلى البلاغيين وأصحاب البيان والمفسرين. 

أما الحذف في البلاغة فيأتي لأغراض كثيرة فصّلها البلاغيون ، وقد حاول مصطفى أبو شادي أنْ يجمع أهم تلك الأغراض فجاءت عنده بإحدى عشرة نقطة.

  ويثني عبد القاهر الجرجاني على أسلوب الحذف ويكشف عن مكانته ، فيقول : ((هو باب دقيق المسلك ، لطيف المأخذ عجيب الأمر ، شبيهٌ بالسحر، فإنّك ترى به تركَ الذكر أفصحَ من الذكر، والصمتَ عن الإفادة أزيدَ للإفادة ، وتجدُك أنطقَ ما تكون إذا لم تنطق، وأتمَّ ما تكون بياناً إذا لم تُبِنْ)) ويرد بلاغة الحذف في النّص الشعري إلى تأثير الواقع النفسي على المتلقي مستشهدا بأمثلة شعرية كثيرة منها قول الأقيشر الاسدي:

سَرِيعٌ إِلى ابْنِ الْعَمِّ يَلْطِمُ وَجْهَــهُ وَلَيْسَ إِلى دَاعِي النَّدَى بِسَرِيْعِ

حَرِيْصٌ عَلَى الدُّنْيَا مُضِيْعٌ لِدِيْنِهِ وَلَيْسَ لِمَا فِيْ بَيْتِهِ بِمُضِـــــــــيْعِ

  فيقول في هذين البيتين وفي غيرهما: ((فتأمل الآن هذه الأبيات كلها، واسْتَقْرِها واحداً واحداً ، وانظر إلى موقعها في نفسك وإلى ما تجده من اللطف والظرف إذا أنت مررت بموضع الحذف منها، ثم فَلَيْتَ النفس عمّا تجد، وألطفت النظر فيما تحسّ به ، ثم تكلّف أن ترد ما حذف الشاعر، وأن تخرجه إلى لفظك ، وتوقعه في سمعك فإنك تعلم أن الذي قلت كما قلت، وأن رُبّ حذف هو قلادة الجيد، وقاعدة التجويد)) ويقول في موضع آخر: ((ألا إنك تَرى النفسَ كيف تَتفادى من إظهارِ هذا المحذوفِ وكيف تأنسُ إلى إضمارهِ وترى الملاحةَ كيف تذهبُ إن أنتَ رمتَ التكلم به )) ، وهذا يعني أنّ الحذف- عند الجرجاني- يؤلف مع الصورة الشعرية بناءً فنياً عاليا يزخر بالإيحاء ويشع بالجمال لما يحسّه المتلقي من لذة عندما يحاول الكشف عن ذلك المحذوف ، وهو بهذا يتجاوز الجملة في تفسير الظاهرة ويبحث في النّص وفعله النفسي في متلقي الخطاب ، لذلك نراه يذكر مناسبة النّص ودقائق الحدث ليربط في تحليله لهذه الظاهرة بين النّص من جهة والأحداث الحافة به"النّص الموازي" من جهة أخرى.

أما الدرس النّصّي الحديث فينظر للحذف Ellipsis على أنه شكل من أشكال التماسك الذي يقوم بربط النّص ويحافظ على استمرار ترابطه المعنوي ؛ وذلك ((باستبعاد العبارات السطحية التي يمكن لمحتواها المفهومي أن يقوم في الذهن أو أن يوسع أو يعدل بواسطة العبارات الناقصة)) عن طريق تعويض المكوّنات اللغوية المحذوفة ، وهو – عند"ديفيد كرستال David Crystal " ((مصطلح يستعمل في التحليل النحوي للإشارة إلى حذف جزء من التركيب للاقتصاد، أو التوكيد، أو ضرورة الأسلوب))  أو لتوسيع دائرة المشاركة من جهة المتلقي ، فالحذف له علاقة بالتركيب في الجملة وبالترابط داخل النّص وهو غالبا ما يكون في الجزء الثاني إذا وقع في النّص بين جملتين وفي ذلك اتفاق بين النحاة العرب والغربيين ، ففي قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾[البقرة:219] فالحذف قد أوجدَ تماسكا عبر ارتباط المحذوف المتأخر"ينفقون" بالدليل الموجود"ماذا ينفقون" المتقدّم وبمرجعية سابقة"ينفقون":


                وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ

                      مرجعية قبلية داخلية

                    

                      قُلِ[ينفقون] الْعَفْوَ


وقد يكون المرجع متأخرا والمحذوف متقدما ومن ذلك قول الشاعر:

دَعَوا لِنِزَارٍ وَانْتَمَينَا لِطَيِّئٍ كَأُسْدِ الشَّرَى إقَدَامُهَا وَنِزَالُهَا

فقد حذف في قوله: "كأسد الشرى" ((المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، كأنه قال: وكإقدام أسد الشرى إقدامها ونزالها)) وبهذا يكون قد أحال الحذف على مرجعية بعدية أي فسره ما بعده: 

                    كــ [إقدام] أسد الشرى إقدامها ونزالها


ونستشف من ذلك أنّ الحذف في النّص القرآني الكريم والبيت الشعري قد قام على أسس هي من سمات التماسك النّصّي فهو في تكوينه التركيبي متداخل مع التكرار والاستبدال والإحالة وهذا التشكيل يمنح النّص ترابطا وقوة في تماسكه المعنوي ، ويمكن إيضاح ذلك عبر المخطط الآتي: 

            = التكرار بلفظ يعيده المتلقي في ذهنه

الحذف     = استبدال لا يترك أثرا أي لا يحل شيء مكان المحذوف ، وهو – بحسب رأي هاليداي

                ورقية حسن- استبدال بدرجة الصفر

           = الإحالة وفيها يقوم الذهن بتقدير المحذوف وإحالته إلى مرجعه ؛ وقد وجدنا بعض الدارسين يدرج الحذف ضمن مباحث الإحالة

ويرى محمد خطابي أن عملية التماسك النّصّي في الحذف لا تتضح في الجملة الواحدة ((وذلك لأنّ العلاقة بين طرفي الجملة علاقة بنيوية لا يقوم فيها الحذف بأي دور اتساقي ، و..دور الحذف في الاتساق ينبغي البحث عنه في العلاقة بين الجمل وليس داخل الجملة الواحدة)) ويرى باحث آخر انه يمكن أنْ يحصل الربط النّصّي من جراء الحذف ((في العملية الذهنية الدينامية التي يقوم بها المتلقي لردم فجوة الحذف أي أنّه استبدال ذهني ، وهنا تتضح أيضا مدى أهمية الجوانب الأخرى المحيطة بالنّص في القيام بإكمال فجوات النّص لتتسق عندئذٍ عملية التماسك الكلي للنص)).

ويعدّ الحذف من عناصر النظرية التحويلية فهو ((الذي يسجل في الجملة أو الوحدة الاسنادية التوليدية الاسمية أو الفعلية لغرض في المعنى ، وتبقى معه هذه الجملة أو الوحدة الاسنادية الوظيفية حاملة معنى ما)) وهذا يدلّ على أنّ الجمل لها بناء عميق ذهني وآخر سطحي ظاهري وعلى وفق ذلك وجب دراستها من جانبين داخلي ينطلق من الذهن وخارجي(الانجاز النهائي بحسب المواقف) ينطلق من طبيعتها الفيزيقية بوصفها اصواتا منطوقة فالمعنى يمثل البنية العميقة في كلِّ لغة ؛ لذا اعتنى المنهج التحويلي بعملية تحوّل ذلك المعنى وربطه ببنية السطح وعلى وفق ما تستدعيه ظروف القول ، فيكون الحذف – بذلك – سبيلا لمحاولة اكتشاف البنية العميقة من جانب المتلقي ؛ لأنّ ((البنيات السطحية في النّصوص غير مكتملة غالبا بعكس[كذا] ما قد يبدو في تقدير الناظر)) وقد يحتاج استكمال المعنى إلى التقدير في بعض الظواهر وهذا الأمر"التقدير" في حقيقته يشترك فيه النحو العربي ((مع النظرية التحويلية فكلتاهما تصدر عن أساس عقلي ، والبنية العميقة عند التحويليين هي – غالبا- الأصل المقدر عند النحويين القدماء)) والحذف احد أهم تلك الظواهر.

ومادام الحذف يحتاج في إدراكه إلى حركة ذهنية لها دلالة في النّص تظهر في التراكيب ؛ فإنَّ ((أي حذف يكون مستند وجوده موجوداً في النّص معجمياً ونحوياً يعد حذفا ذا فائدة نصية رابطية)).

وللحذف تأثير فاعل في تكوين الصورة البيانية وتبرز وظيفته الأسلوبية لكونه يمثل أحد العناصر المشاركة في تماسكها النّصّي وقد تجلى ذلك في نماذج كثيرة في النّص القرآني الكريم والكلام العربي ، ففي الصورة التشبيهية في قوله تعالى:﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾[البقرة:74] نجد التعبير – في الصورة- يتصف بشدة التماسك وهذا ما يعود أكثره إلى ما فعله الحذف من إحداث الربط في النّص الذي شارك في إسقاطات المعنى على التركيب ، فحذف الضمير "هي أو قلوبهم" من العبارة"..أشدّ قسوة" الذي يعود في إحالته إلى مرجعين "هي- قلوبهم" وهما اللذان قويا العلاقة النّصّية.    

        ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ... أَشَدُّ قَسْوَةً﴾




فالتشبيه بُنِيَ على أركانه الأربعة"المشبّه قلوبكم + الأداة الكاف + المشبّه به الحجارة + وجه الشبه القسوة" ويبدو أنّ اجتماع هذه الأركان إنّما هو لإيضاح مدى قسوة قلوب هؤلاء- قوم موسى u الذين عمدوا إلى العصيان على الرغم من كل المعجزات والدلائل ، وجاء بأفعل التفضيل"أشد"((لكونه أبين وأدل على فرط القسوة)).

والحذف من الأساليب التي يلجأ إليها الشاعر في بناء صوره وإسباغ سمة التأثير في نصِّه ، لما له من إسهامات فاعلة تدعم صياغة التركيب البياني في الصورة ؛ وهذا ما جعل الشاعر يسعى إلى تنسيق الأشياء باعتماده لغة مكثفة تتسم بالإيجاز ،فتظهر للوجود في وحدات تحقق مقاصد المبدع في اشتغالاتها التواصلية ، ويمثل الشعر - بوصفه فناً- ((إحدى الطرق التي بوساطتها يمكننا قول الكثير بكلمات قليلة...فتكون القصائد مشحونة ومكتنزة بالمعاني)) يحتاج فك شفراتها إلى وعيِّ المبدع لطبيعة النّص ،وعناصر تكوينه. وقد يكون الحذف اضطراريا تحتمه طبيعة التركيب الوزني وموسيقى الشعر(الوزن والقافية).                            

ومن ظواهر الحذف في الصورة البيانية في شعر خالد الكاتب قوله:

يَا أَحْسَنَ الْعَالَمِيْنَ قَــــــــــــــــــــــــــــدَّا    مِنْ أَيْنَ لِلْغُصْنِ مِثْلُ قَـــدِّكْ؟ 

وَأَيْنَ فِيْ نَوْرِ كُـــــــــــــــــــــــــــلِّ أَرْضٍ    وَوَرْدِهِ مِثْلُ وَرْدِ خَــــــــــــــدِّكْ؟ 

أَقْسَمَ بِالْحُسْنِ كُلُّ شَــــــــــــــــــــــيْءٍ      أَنَّكَ فِيْهِ خُلِقْتَ وَحْــــــــــــــــدَكْ

فالنّص محاولة للكشف عن ملامح من جمال المحبوب كونه يتمتع بصفات عالية تفوق في حسنها الآخرين ، فاعدّ لذلك مستويات من التراكيب ، وجاء الحذف ليسهم في ربط تلك المكونات التي اشتملت على إيماءات أشارت إلى ذلك الحذف في تماسك نصي انسجم مع متطلبات الموقف ، وجاء الحذف بالأنواع الآتية:

1- حذف اسم:مِنْ أَيْنَ لِلْغُصْنِ [قدّ] مِثْلُ قَدِّكْ ــــ المحذوف= [قدّ] بدليل"يا أحسن العالمين قدّاً"السابق"+ مثل قدك" اللاحق وعلى هذا تكون المرجعية قبلية وبعدية.

2- حذف حرف: وَ[من]أَيْنَ فِيْ نَوْرِ كُلِّ أَرْضٍ ــــ المحذوف= مِن بدليل "من أين للغصن" وبمرجعية قبلية.

3- حذف اسم: وَوَرْدِهِ[ورد] مِثْلُ وَرْدِ خَدَّكْ ــــ المحذوف= ورد  بدليل "مثل ورد خدك" والمرجعية بعدية.

لقد بنى الشاعر تلك التراكيب بتوازن عميق موظفاً كلمات دلالية"القد – الغصن - الورد" لها أبعاد ثقافية في الموروث العربي وهي كثيرة الورود في المبنى الشعري العربي ولاسيما في وصف المرأة ، وهي من آثار البيئة ، وبما أنّ الآثار الأدبية تمثل (( صورة البيئة بحدودها اللغوية والفكرية ، وتياراتها النفسية والاجتماعية)) فإنّ إدراك الألفاظ ومعانيها من المنشئ والمتلقي يمنح النّص قدرة خارقة في تسهيل عملية التفاعل، فضلاً عن أنّ فك رموز الألفاظ واستكناه خياراتها ((يسهم في نجاح ظاهرة الحذف في صنع الترابط داخل النّص ، فالكاتب يقوم بالحذف عندما يدرك أن قارئه سيدرك المحذوف ، ولن تعوقه عملية الحذف عند القراءة)) ، وفي خضم هذا التماسك يرسم الشاعر أسلوبه البياني الذي حاول فيه قلب التشبيه"من أين للغصن مثل قدك + ورده مثل ورد خدك" والمجاز"أقسم كلُّ شيء" ليشيع في النّص عنصر المبالغة الذي طغى على التعابير ، وليس من المصادفة أن يبلغ الوصف ذلك الحد ، فالشاعر مغرم حد الجنون ، وهذا ماحدا به أن ينزاح عن مسار تشكيل الصورة الطبيعي ، إذ جاءت متوشحة بأفعال كلامية مبنية على هيأة استفهامين:

- مِنْ أَيْنَ لِلْغُصْنِ مِثْلُ قَدِّكْ؟

- وأين ـــ  مِثْلُ وَرْدِ خَدِّكْ؟

ولم يكن الاستفهام حقيقيا تُنتظر منه الإجابة وإنّما خرج عن معناه إلى النفي فالشاعر أراد تثبيت معان لا تليق إلاّ بمحبوبه ، فهو واحدٌ في الحسن لا يصل إلى جمال قده الغصن ولا يرتقي لحسن خده الورد ، ثم تجاوز هذه الأوصاف الجزئية إلى أنْ جعله فريد زمانه وبهذا رسم الفعل التداولي للكلام الخطوط العريضة للمعنى في الصورة وأعطى قيمة للنص كشفت  بأنّ ((تحليل أفعال الخطاب "speech Acts" أمر مهم يُظهر كيف ينجز الناس أفعالهم عن طريق اللغة ، فضلا عن ذلك فأن مثل هذا التحليل يدعم الفكرة القائلة بأنّ المعاني حصيلة أنظمة متداخلة ))

ومن حذف الفعل في الصورة البيانية قوله:          

دَعَاهُ ثُمَّ التوى عَلَىْ كَبــــــِدِهْ        وَأَنَّ مِنْ شَوْقِهِ وَمِنْ كَمَــــدِهْ     

لَمْ تُبْقِ أَحْزَانُهُ لِمُقْلَتِــــــــهِ          دَمْعَاً فَيَبْكِيْ عَلَىْ جَسَـــــدِهْ     

مَنْ يَبْلُغُ الشَّوْقُ فِيْهِ غَايَتَـــــهُ        شَوْقَاً إِلَى مَنْ فُؤَادُهُ بِيَــــــــــــــــــــــدِهْ

      الشاعر يبتعد عن النمطية في تركيبه النّصّي فيخلق المنعطفات الأسلوبية ويتلاعب في مسار التواصل في بناء الصور ؛ ليظهر مدى قوة بعض التراكيب وفاعليتها في إظهار المعاني والابتعاد عن التعابير التي لا تثير متلقي النّص ، ويمثل الحذف أحد المنبهات التي تساعد في إنتاج الدلالة ؛ فالتراكيب والكلمات أو الكلمة الواحدة تعدّ ((تنبيها يمكن أنْ يؤشر أو يرمز إلى خبرة معينة أو حديث معين من خلال الاشتراط ، أو الارتباط وما يميّز اللغة عن الرموز والإشارات الطبيعية هو قدرتها الهائلة على توفير الإشارات والرموز الدالة)) فقد قام الشاعر بحذف الفعل "أنَّ" وذلك بوجود المرجع "المحال عليه" الذي يعدّ عاملاً مهماً في التماسك ، والكلمة أو النّص الذي يفتقد في تركيبه إلى المرجع يبدو وكأنّه غريب في السياق الذي يرد فيه وذلك لأهمية المرجع في الربط والإحالة:

وَأَنَّ مِنْ شَوْقِهِ    /    وَ....مِنْ كَمَـدِهْ



ومما خلفه الحذف من ارتباط أسهم في إثراء النّص وتماسك الصور الكنائية الجزئية"التوى على كبده + أنَّ من شوقه ومن كمده" في صورة كنائية كلية استوعبت حاله وأبانت خفايا نفسه ؛ لأنّ الكناية أسلوب فني ((ينبض بالحركة والحياة)) يشير الانتقال من بنيتها السطحية إلى البنية العميقة إلى إحساس سلبي لشاعر أنهكه الألم والضيق والحرمان ، وهذا جعله يتوسع بالصور فيمد بالأداء البياني لتفريع الصورة عن طريق التداعي الحر فـ "الشوق والكمد" استدعيا الحزن والدمع والبكاء وهي ألفاظ ذات حقل دلالي قريب صاغ الشاعر منها صورته المجازية"لم تبق أحزانه دمعا" فالأحزان بهذا تكون سبباً للدمع وهو متعلق بما قبله"الشوق والكمد" وما بعده"البكاء" وبناء على ذلك ((يكون الارتباط وثيقا بين الصياغة والمعنى إذ تتحول الصياغة على وفق المعنى بموجب غرض المبدع إذ تتشابك العلاقات بين الكلمات حين تتسق بنظام تأليفي)) وقد كوّنت التراكيب المؤلفة من الأنين والشوق والكمد هرما دلاليا استدعى "الأحزان + الدمع + البكاء"


                  الأنين                                                الأحزان

                                

 الشوق                           الكمد                الدمع                             البكاء



ومن أشكال الحذف المقامي قوله:

ظَاعِنُ الصَّبْرِ مُقِيْمُ الْـــــــــــــــــــــــــ    ـــحُزْنِ  مَكْلُوْمُ الْفُــــــــــؤَادِ        

أَنِسَ الدَّمْعُ بِعَيْنَيْـــــــــــــــــــــــــــــــــــ    ـــهِ لإِيْحَاشِ الرُّقَــــــــــــــــــادِ        

مُذْعِنٌ لِلشَّوْقِ مُنْقَـــــــــــــــــــــــــــا    دٌ لَهُ سَهْلُ الْقِيَــــــــــــــــــــــادِ        

أَثَرُ السُّقْمِ بِهِ مُــــــــــــــــــــــــــــــــــذْ    غِبْتَ عَنْ عَيْنَيْهِ بَـــــــــــــــــــــــــــــــادِ 

حذف الشاعر المسند إليه"المبتدأ" وترك التصريح به"...ظَاعِنُ الصَّبْرِ + ... مُقِيْمُ الحُزْنِ + ... مَكْلُوْمُ الْفُـؤَادِ + ... مُذْعِنٌ لِلشَّوْقِ مُنْقَـادٌ لَهُ + ...سَهْلُ الْقِيَـادِ" وهذا يعود إلى التركيز على وظيفة الاسم المحذوف"المسند إليه" الذي يشغل في النّص المكون المحور"Topic" الذي تدور حوله الأحداث وتتعلق به الوقائع ، والمتلقي – في هذه الحال- سوف يبحث عن جزء مفقود من النّص لن يحصل عليه بوسيلة مقالية "لغوية" بل من خلال سياق المقام الذي يحفز المتلقي ليسهم بمهمة الكشف عن العنصر المحذوف وطريقة ربطه مقاميا بخارج النّص ؛ لأنَّ المتلقي يشاطر الشاعر دلالات اللغة واستكناه معانيها.

والمحذوف"هو" ضمير يعود على الشاعر استعمله للإيماء إلى قصديّة النّص ،وتقوية أواصر العبارة ، فالحذف ((تصرف تُصفى به العبارة ، ويشتدّ بها أسرها ، ويقوي حبكها ، ويتكاثر إيحاؤها ويمتلئ مبناها)) ، ومن التماسك الذي أحدثه الحذف تكوّنت الصور الكنائية"ظاعنُ الصبر – مقيم الحزن – انس الدمع – مذعن للشوق" وذلك وصف لما يعتري الشاعر من آلام الحب وهو نتاج انفعالات يثيرها الهجر واتساع هوة اللقاء ، فأسبغ ذلك حضورا مؤلما وسوداويا امتدّ حتى وصل تأثيره إلى البكاء والمرض ، ووفقا لدوافع النفس وموجات الأحاسيس يتحول بمجريات النّص فيبادل في أنماط الفن البياني فينتقل بالصورة من الكناية إلى المجاز العقلي"مكلوم الفؤاد" وجرح القلب سبب لما آلت إليه تلك المعاناة المضنية ، وإن الاتساق بين الكناية والمجاز خلق نوعا من التفاعل والتأثير ، لا يستطيع التعبير الاعتيادي القيام به ؛ لأنّ ((المجاز أبلغ من الحقيقة...وأنّ الكناية أبلغ من الإفصاح)) ، ونستشف من الألفاظ المملوءة بالأسى "الصبر ، الحزن ، مكلوم ، الدمع ، مذعن الشوق ، السقم" أنّ الشاعر يعرّض بالوصل في خاتمة مقطوعته وهي عقدة يشكو منها  وتشيع في معظم صوره الشعرية. 

وقد يحذف الضمير العائد على المحبوب في الصورة البيانية ومن ذلك قوله:

أَنْتَ وَكَّلْتَ بِعَيْنِي السَّهَــــــــــــــــــــدَا    وَأَذَبْتَ الْقَلْبَ مِنِّيْ كَمَـــدَا      

بِأَبِيْ أَنْتَ تَرَىْ لِيْ جَلَـــــــــــــــــــــــدَا    قَدْ وَحُبِّيْكَ عَدِمْتُ الْجَلَدَا     

لَا ابْتَلَاكَ اللهُ مِنْ أَمْرِ الْهَــــــــوَىْ    بِالَّذِيْ أَنْحَلَ جِسْمِيْ أَبَــــــــــدَا 

إنَّ الضمير المتصدر"أنت" يحيل على محبوب خارج النّص نستشفه من سياق المقام ومن تحركه السياقي داخل النّص في"وكلت ، أذبت ، بأبي أنت ، وحبيك ، لا ابتلاك الله" ،وحذف الضمير يؤلف فراغا يحاول أنّ يملؤه المتلقي من خلال منافذ النّص والمقام إذ ((إنَّ العلم بمواقع المعاني في النفس ، علم بمواقع الألفاظ الدالة عليها في النطق)) ،إذن فثمة مخاطب يمثل بؤرة النّص يعنيه الشاعر ويحيطه بدوائر دلالية مكبلة بعذاب الحب يستمر دويّها إلى نهاية الصورة.

وجاء الحذف ليسبك الصورة البيانية"الاستعارة المكنية" بشكل مباشر"[أنت] أذبت القلب".وإنّ حذف الضمير قد أثرى المعنى ؛ لأنّ ((الإيجاز بالحذف أقوى دليلاً على زيادة المعاني على الألفاظ)) فأدى ذلك إلى انسجام التعبير وتأثيره من خلال إسناده إلى الضمير الظاهر"أنت" والمقام المهيمن خارج النّص عبر اختباء اسم المحبوب أو تذكيره في اغلب الأحيان.والصورة مكرورة تحكي حال الشاعر المتعكز على ألفاظ ذكرها كثيراً في شعره حتى تكاد تكون مبتذلة من كثرة تكرارها.

          أَنْتَ وَكَّلْتَ بِعَيْنِي السَّهَدَا 

        

        وَ[...]أَذَبْتَ الْقَلْبَ مِنِّيْ كَمَدَا

ويقول في حذف العبارة:

يَا جُفُونَ الْعَيْنِ أَيْنَ الْوَسَنُ؟    قَلَّ مَا يَبْقَى عَلَى ذَا بَدَنُ            

اسأَلُوا عَيْنَيَّ مَا بَالُهُمَـــــــــــــا؟    أَهَوَىً أَبْكَاهُمَا أَمْ حَــــــــــزَنُ؟

الشاعر يستثير خيال المتلقي حينما يضعه في موقف المقدّر في تعويض العنصر المحذوف ولاسيما إذا كانت الصورة يرسمها الخيال ، فالسؤال"أين الوسن؟" يتطلب جواب تعيين:

- أَيْنَ الْوَسَنُ؟  والجواب= الوسن بعيد عني /  والقرينة = قَلَّ مَا يَبْقَىْ عَلَىْ ذَا بَدَنُ

وفي البيت الثاني يتحول التعبير من السؤال المباشر في نداء الجفون إلى تكليف غيره ليقوم بسؤال العين"اسأَلُوا عَيْنَيَّ" ويأتي مركبا من استفهامين يتضمنان في سياقهما الحذف:

- مَا بَالُهُمَـا؟  والجواب = عيناي تبكيان  /  والقرينة = باقي البيت

- أَهَوَىً أَبْكَاهُمَا أَمْ حَزَنُ[أبكاهما]؟  والجواب = تعيين احد الطرفين

ومناداة الجفن وتوجيه السؤال إليه من الأساليب الانزياحية التي يلجأ إليها الشاعر وهو في أوج فوران التجربة ليجد نفسه يتفاعل مع الأشياء القريبة بعيدا عن التقريرية والحسية الخالصة ، فيصطنع لصوره مواقف تنسجم والإحساس الذي من شأنه أن يهيمن على أطر التعبير في تراكيب مكثفة تحمل سمات النفس ؛ ذلك أنّ ((التعبير بوضوح كامل عمّا نريد يتطلب قدرا كبيرا من الإسهاب وهو ما ليس سهلا تحقيقه)) ، لهذا لجأ الشاعر إلى الإيجاز في حركات فنية مترابطة قامت على مرتكزات الاستعارتين"يا جفون العين- اسألوا عيني".

  الحذف البياني وأثره في تكوين الصورة البيانية:

الحذف البياني:هو حذف مقصود ينال أطراف الصورة البيانية يسهم في تكوينها ولا يخرج عن ضوابط التراكيب النحوية أي لا يتأثر به بناء الجملة أو النّص نحويا ، وإنّما هو حذف ينبع من تصورات المبدع ،ومواقفه النفسية يحدث في فضاء المبنى البياني ؛ليقوم بتأليف صور متماسكة يبرز دورها التاثيري على وفق نظام لغوي خاص يؤسس لصياغة مفاهيم تحاول التقريب بين مقاصد الشاعر وخيال المتلقي في نزوع بياني نفسي يسهم في استنطاق مراميها ؛ وذلك عبر أساليب دلالية تكشف عنها الألفاظ ومستويات التركيب ؛ لأنّ ((الصورة تشكيل لغوي يكوّنها خيال الفنان)) ويلونها بإحساسه. 

والحذف من عناصر النظم الذي تناوله الجرجاني بالدرس وهذا يعني أنّ عبد القاهر لم يفصل بين علوم البلاغة الثلاثة ولم يبعدها عن معاني النحو ، وبحث الصورة البيانية بحثا بلاغيا شاملاً مطبقا ((عليها فكرة النظم ، وما يستتبعها من دلالات إضافية)) تتعلق بها.

  ويتوقف توظيف الحذف على بواعث المبدع ودوافعه وما تقتضيه الصورة من متطلبات فنية ((لأنّ الباعث يقف وراء الفعل الإبداعي ويتدرج الشاعر في فعله الإبداعي حتى يصل إلى ثمرة ما يصبو إليه تفكيره ، ولا يمكن عزل الفعل الإبداعي عن تكوين المنشئ وما يحيط به من ظروف بيئية واجتماعية)) ويستثمر الشاعر كل أنماط التعبير ليستوفي بها ظلال الصور وإيحاءاتها البيانية ،ويسعى إلى تعضيد إنتاجه ببعض الأساليب ؛ليتمكن من بث ما يكنه من إحساس داخلي في عمق وتأثير.وفيما يأتي أنواع الحذف الذي يطال الصورة البيانية ويشد من تماسكها:

أولا:الحذف في التشبيه(الحذف التشبيهي)

إذا كان الإبداع في الشعر يبدأ من حضور ذات الشاعر ووجدانه وصدقه الشعوري فإنّ نظم الشعر- على رأي الجاحظ- يكتمل في الوزن وانتقاء الألفاظ..((وجودة السبك فإنما الشعر صناعة وضرب من النسج وجنس من التصوير)) وإذا كانت هذه المفاهيم"السبك ، النسج ، التصوير" راسخة في أذهان علماء العربية وبنى كثير منهم أحكامه عليها ، فإنّ الشعر كان ميدانا لمعظم هذه الأبحاث ، ولأنَّ التشبيه يمثل جزءاً كبيراً من شعر العرب وكلامهم ((حتى لو قال قائل: هو أكثر كلامهم لم يبعد)) فهو في طبيعته يعود إلى الوصف ، يقول أبو هلال العسكري ((التشبيه الوصف بأن احد الموصوفين ينوب مناب الآخر بأداة التشبيه)) وهي إلماحة إلى قوة العلاقة بين الطرفين. 

وقد يرد التشبيه للدلالة على أمور منها:

1- تشبيه الشيء لا يكون إلا وصفا له بمشاركته المشبّه به في أمر والشيء لا يتصف بنفسه فضلا عن أن عدم الاشتراك بين الشيئين في وجه من الوجوه يمنعك محاولة التشبيه بينهما.

2- مشاركة أمر لأمر في معنى.

3- صفة الشيء بما قاربه و شاكله ، من جهة واحدة أو جهات كثيرة لا من جميع جهاته ؛ لأنه لو ناسبه مناسبة كلِّيَّة لكان إِيَّاه. 

وهناك تعريفات كثيرة تناولت مفهوم التشبيه جمعها علي الجندي في كتابه"فن التشبيه" لكنّها لا تخرج عن كون التشبيه ((بيان أنّ شيئاً أو أشياء شاركت غيرها في صفة أو أكثر ، بأداة هي الكاف أو نحوها ملفوظة أو مقدّرة ، تقرّب بين المشبّه والمشبّه به في وجه الشبه)) نستشف من تلك التعريفات أن لأسلوب التشبيه مقومات يرتكز عليها هي"المشاركة بين طرفيه + المشابهة في صفة أو عدة صفات + المقاربة + المشاكلة + أداة ملفوظة أو ملحوظة" وكلها دلائل توحي إلى ضرورة وجود تماسك بين وحدات الصور التشبيهية ، فالتشبيه- على هذا النحو- يقوم على أربعة مكونات تؤلف عناصر تماسكه ، وهذه المكونات هي:) طرفان وركنان).

1- الطرفان "المشبّه والمشبّه به" ولا يجوز حذف أحدهما أوكليهما ، ويجوز حذف المشبّه لوجود قرينة مثل"كالأسد" وأنت تريد عليا مثلاً أو كقوله تعالى:﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾[البقرة:18] فحذف المشبّه - الذي يعود على المنافقين- والأداة ووجه الشبه مقصود في الآية لاكتفائه بذكرهم فيما سبق من السورة.

2- الركنان "الأداة ووجه الشبه" ويجوز حذفهما أو إبقاؤهما. وهناك تقسيم آخر – بحسب الأداة ووجه الشبه- وهو ((تشبيه تام أو كامل الأركان ، وتشبيه ناقص وهو المحذوف الوجه أو الأداة ، وتشبيه بليغ وهو المحذوف الوجه والأداة)) ومن مجموع تلك الأركان ينشأ التماسك بين مكونات الصورة التشبيهية فقولنا:"محمد مثل الأسد شجاعة" فهناك ترابط في التركيب والمعنى "الأول: بالأداة والثاني:بوجه الشبه":

               مشبه"محمد"

         

               أداة "مثل" الرابط1                              وجه الشبه"شجاعة" الرابط2

           

                مشبه به "الأسد"


ولا يتقيد المبدع بذكر الأداة ووجه الشبه وقد يحذف احدهما أو كلاهما لأغراض تتوخاها التجربة ويقتضيها الحال أو المقام:                                                              

(أ):حذف الأداة:الأداة هي الماسك الذي يربط بين طرفي الصورة التشبيهية(المشبّه والمشبّه به) وقد تحذف لفظا ولكن لا يزول تأثيرها إذ تبقى تقديرا لتدل على وجود الرابطة التشابهية بين الطرفين وتقدير حذفها ابلغ من ذكرها في الكلام الإبداعي لوجود مبدأ المشاركة بين الباث والمتلقي الذي تقع على عاتقه تقدير المحذوف "الأداة":

محمد أسد في الشجاعة = في الذهن:محمد [مثل] الأسد في الشجاعة

(ب):حذف وجه الشبه:وجه الشبه هو المعنى المشترك بين الطرفين"المشبّه والمشبّه به" وهو في المشبّه به أقوى منه في المشبّه  ،وقد يذكر ،أو يحذف ،وحذف الوجه يكون اختياريا يشترط به علم المتلقي. قال تعالى:﴿ وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾[ الرحمن:24] وهذا التشبيه – كما يبدو- ثلاثي الأبعاد"مشبه + أداة + مشبه به" والطرفان يلتقيان في صفات ويفترقان في أخرى ويجمعهما وجه الشبه المحذوف الذي يمثل القطب الذي يدور حوله المعنى.

في الصورة تماسك نصي شامل تتركز ذروته في وجه الشبه المحذوف وذلك باشراكه الطرفين في المعنى"الضخامة" وربط الصورة عن طريق لفت الأنظار إلى العلاقة القائمة بين السفينة والجبل.وحذف الوجه هنا يعود على مرجعين(السفينة والجبل) بينهما صفة مشتركة وهي"الضخامة" 

وقد تحذف الأداة ووجه الشبه في البناء التشبيهي فيجعل هذا الحذف الصورة اشدّ تماسكاً وأقوى في الترابط الأدائي لما يفعله من تلاحم بين الطرفين حتى يكونا بمنزلة الشيء الواحد من تقارب صفاتهما ، ويتجلى ذلك في التشبيه البليغ الذي تبرز فيه دعوى الاتحاد وقوة الترابط وعمق الاشتراك ، ففي قوله تعالى:﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورا﴾[الفرقان:47] انزياح عن أفق التوقع لحذفه الأداة ووجه الشبه ، إذ إنّ السياق الطبيعي للصورة  في غير القرآن يكون:"جعل لكم الليل[مثل] اللباس[في الستر]" إلا أنّه سبحانه أراد أن يُظهر بعض نعمه على الخلقِ في جعل الليل كاللباس يستر ما يجب ستره من حوائج الناس وفي حذف الأداة والوجه في هذا المنحى يكون ((إبرازًا للنعم ، لما في ذلك من دعوى الاتحاد ، وحمل المشبّه به على المشبّه)) للتنبيه على فحوى المعنى.    

  لذا يفتح الحذف- إذا وظف بإتقان- منافذ التشويق والإثارة في الصورة البيانية فينشأ من أثره توسيعا في الدلالات وفي امتدادات الصور ليستطيع المبدع من خلاله الكشف عن ملامح تجربته وتحقيق أغراضه.

ومن حذف الأداة قول الشاعر:

بِأَبِيْ مَنْ لاَ يَزَالُ الْـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــحُسْنُ مَنْسُوْبَاً إلَيْــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــهِ

وَالَّذِيْ كُلُّ بَدِيْـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــعٍ مُشْرِقٍ فِيْ وَجْنتيْـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــهِ

أَيْنَ لاَ أَيْنَ خَـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلاَصٌ لِمُحِبٍّ مِــــــــنْ يَدَيْـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــهِ

كَيْفَ لِلْمَمْلُوْكِ أَنْ يَعْــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــطِفَ مَوْلاَهُ عَلَيْـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــهِ

لقد كشفت نصوص الديوان عن شاعر يتارجح بين وصف جمال المحبوب ، وبث انفعالاته ولواعجه إزاء ذلك الحب وقد اظهر في هذه الثنائية مستوى عالياً من الانفعال النفسي ، والشاعر في ذلك ((يعبر عن عاطفة إعجابه بجمال هذه المرأة كما يراها هو لاكما يراها غيره ، وهو في الحالين يصّور مشاعره ويصف آلامه وآماله ، ويكشف عمّا يختلج بقلبه ويعتلج بنفسه)) ،وفي هذا النّص يجمع الشاعر بينهما ويقسم المقطوعة على جزأين متساويين هما:

البيتان 1+2 = ذكر أوصاف المحبوب

البيتان 3+4 = ذكر لواعج الحب

ويظهر الحذف بوصفه أسلوبا فنيا يسعى الشاعر من خلاله إلى إماطة اللثام عن المعنى الذي يكتنفه شفيف من الغموض في تركيب العبارة ، وإنّ غاية الشاعر من الحذف في التشبيه هو السعي لإيجاد التماسك بين عناصره للوصول إلى الصورة ، وتحقيق وظيفتها ؛ إذ إنَّ ((لكلِّ صورة في القصيدة وظيفة تتعاون بها مع قريناتها من الصور الأخرى كي تحدث الأثر الذي يهدف إليه الشاعر)) والتشبيه يحرك كيان الصورة ؛ لأنَّ فيه انتقالا علائقيا بالمعنى من المشبّه إلى المشبّه به. وهنا يقيم الشاعر علاقة بين البديع ووجنة الحبيب"كل بديع في وجنتيه" وجعل الوجنتين ظرفا لــ "كل بديع" فتوحي الصورة إلى تشبيه مقلوب ؛ لأنّه جعل الظرف أوسع من المظروف وجاء ذلك من قوة الشحن العاطفي وشدة انفعال الشاعر بجمال المحبوب ، وهذا جعل شعوره يتفجر إلى المبالغة منذ البداية "لاَ يَزَالُ الْحُسْنُ مَنْسُوْبَاً إلَيْهِ".

وتعدّ عملية حذف الأداة في التشبيه ظاهرة ربط متمكنة تسهم بشكل فاعل في تماسك الصورة لما لحذف الأداة من أثر في تواشج المشبّه والمشبّه به ، وهذا الاقتراب أدى إلى تعانق المعنى وامتزاجه ، ومن ثمَّ تنشيط لحيوية الاستجابة.

وليس التشبيه وحده هو المعتمد في إبداع هذا النّص بل تضافرت حزمة من الأداء لتكون عوامل مساعدة فجاءت الكنايتان عن موصوف في البيت الرابع "للمملوك = الشاعر" و"مولاه = المحبوب" داخل تشبيه ضمني كبير شمل البيت"4 ، 5" ليخلق تماسكين الأول:على مستوى البيتين"4 + 5" فهو يشبه حاله وعدم خلاصه من بين يدي المحبوب بحال المملوك الذي لا يعطف مولاه عليه ، والثاني:على مستوى النّص ليلتحق بالبيتين"1 ، 2" بوساطة الإحالة القبلية بالضمير في"يديه".

ومن الحذف في أركان التشبيه ، يقول الشاعر:

عَهْدِيْ بِهِمْ وَرِدَاء الْوصْلِ يَجْمعُنَا وَاللَيْلُ أطوَالُهُ كَلَمْحَةِ البَصَـــــــــــــــرِ

فالآنَ لَيْلِيَ مُذ بَانُوا فَدَيْتُهُـــــــــــــــــــم لَيْلُ الضَريْرِ فَصُبْحِي غَيْرُ مُنْتظَرِ

اختار الشاعر - في هذه الومضة – تشبيهين أراد منهما الوقوف على تحولات الزمن إذ يؤلف عند العذريين بعدا خاصا وحالا مرتبطة بتركيبه النفسي وقد صنفه الشاعر إبداعيا إلى نوعين هما:

1- زمن اللقاء:ويكون عادة قصيرا جدا"كلمحة البصر"

2- زمن الهجر:طويل جدا"ليل الضرير"

 والليل في الحالين هو الليل نفسه ، لكنَّ للشاعر نظرة أخرى تنطلق من قوى مركبة كامنة في تجربته ((ذلك أنّ الشعر حالة إبداعية تباغت الإنسان إثر تجربة انفعالية تعرض له أو موقف شعوري يتمثله فناً)) وانتقاء موقع التشبيه في النّص يمنح السياق تفاعلا منتجاً ألّف الليل بؤرة وجوده الفاعل الذي تدور حوله الأحداث فكرره ثلاث مرات جاعلاً إياه تشبيها في صورتين ، الأولى ذكر فيه الأداة وحذف الوجه فيكون الليل المقترن بالوصل قصيرا ولحظاته سريعة"كلمحة البصر" وهو إحساس مطرد يومئ إلى انحسار اللحظات الجميلة في حياة العذري.وفيما يأتي مخطط يوضح التماسك بين المشبّه والمشبّه به بوساطة  أداة التشبية ووجه الشبه:



المشبّه"الليل" الأداة"الكاف" المشبّه به"لمحة البصر" وجه الشبه المحذوف"قصر المدة"

                        


وخفاء وجه الشبه عمّق إحساس المتلقي في الرغبة لاكتشاف عنصر الزمن لما أسبغه الحذف من خلق علاقات بين المعاني من خلال حركة العناصر التشبيهية وهذا هيأ إلى الانتقال بالصورة وبانفعال أعلى إلى التشبيه البليغ في البيت الثاني ، وتأليف تركيب زمني مضاد للصورة الأولى وخلق معادل مغاير لسير الأحداث ، فتحول الليل من زمن محدد"كلمحة البصر" إلى زمن مفتوح لانهاية له في صورة تشبيهية غاية في التأثير وفي مبالغة لطيفة تلامس إحساس المتلقي ضمن تشبيه بليغ مركب"ليلي مذ بانوا..ليل الضرير" وقد فعل حذف الأداة ووجه الشبه فعله في تماسك الصورة وكشف تأثيرها النفسي ؛ فضلا عن قدرة التشبيه العالية ((في تلوين الشكل بظلال مبتكرة وأزياء متنوعة لم تقع قبل التشبيه ولم تجر بها العادة إلاّ بلحاظ مجموعة العلاقات الفنية في التشبيه ، وعند ضم بعضها إلى البعض الآخر)) فليله طويل لا آخر له ولا انكشاف لظلمته ، وقد أفصح عن ذلك المشبّه به ؛ لأنّ الضرير ليله ونهاره سواء ظلام لا صبح فيه.    


                                                  الأداة

                                                 محذوفة

       


وقد يأتي الشاعر بتشبيهات متتابعة ينوّع فيها بطرق الحذف ، ليقوي ارتباطه النّصّي ومن ذلك قوله:

مَا وَقَعَتْ عَيْنِيْ عَلَىْ مَنْظَـــــــــرِ كَوَجْهِهِ حُسْنَاً وَلاَ قَـــــــــــــــــــــــــــدَّهِ

مَنْ يُنْسَبُ الْخَمْرُ إِلَىْ طَرْفِـــــــهِ وَيَنْتَمِيْ الْوَرْدُ إِلَىْ خَـــــــــــــــــــــدِهِ

قُدْرَةُ عَيْنَيْهِ عَلَىْ مُهْجَتِـــــــــــــيْ كَقُدْرِةِ الْمَوْلَىْ عَلَىْ عَبْــــــــــــــدِهِ

بعد أنْ ذكر الشاعر عناصر التشبيه كاملة "منظر كوجهه حسنا" أراد الإيجاز في هيكلية الصورة لوجود علاقات لغوية تربط أجزاءها وحتى تكتمل الصورة فنيا مال إلى الحذف في تشبيه الغصن بقد الحبيب في اللين فحذف المشبّه والأداة ووجه الشبه لدلالة ما قبله عليه ، ولعله كان مضطرا إلى عمل ذلك لمراعاة الوزن الشعري الذي يختل عند إعادة المحذوفات او جزء منه:

 مَا وَقَعَتْ عَيْنِيْ عَلَىْ مَنْظَـــــــــرِ كَــــــــــــــــوَجْهِهِ  حُسْنَاً    +  وَلاَ [غصن  كــــــ ] قَـدَّهِ [ لينا ]

                      1      2       3        4              1      2     3     4

وهذا الأسلوب في الحذف أدى إلى إنتاج صورة جزئية جديدة تحوّل فيها من وصف الوجه إلى وصف القد في إطار علاقة الاتصال القائم بين العلامات في سياق النّص ؛ لأن النّص – بحسب ما يرى"برينكر Brinker" ((سلسلة محدودة من العلاقات اللغوية التي يتسق بعضها مع بعض وتضطلع في جملتها بوظيفة تواصلية واضحة)) ومن تتابع التشبيهات واتصالها المعنوي والشكلي جعل الشاعر يحذف الأداة والوجه من مكوّنات الصورة في تشبيهين مقلوبين"ينسب الخمر إلى طرفه + ينتمي الورد إلى خده"  فولّد حركة ذهنية عمّقت صفات المحبوب الحسية في رومانسية خاصة نأى فيها عن الابتذال أو ما يخدش الذوق على الرغم من أنها في الأفق التقليدي للصور البيانية في عصره وعصر من سبقه.

وللعينين قدرة على مهجة الشاعر وهي قدرة يحسّ بقوتها وتأثيرها ، فأعدّ لها مقابلاً دلاليا يبرز كنه هذا الإحساس فشمل التشبيه البيت كله وبإضمار وجه الشبه الذي تركه للمتلقي ليربط المعنى بين الحالين "قُدْرَةُ عَيْنَيْهِ وقُدْرِةِ الْمَوْلَىْ" ولعلّ اختياره لكلمة "قدرة" ليدلل من خلالها على عمق الصلة بين المعنيين ليندفع المعنى نحو السطح بأسلوب فني متماسك تربط وحداته علاقات دلالية هيأت المجال لاتساق الصورة البيانية وتنظيم أبعادها.

ثانيا:الحذف في الاستعارة(الحذف الاستعاري) 

الاستعارة من الفنون الجمالية التي شغلت حيّزاً واسعاً في النّصوص الأدبية ، والدراسات النقدية والبلاغية قديما وحديثا؛ لما فيها من مقاربة في المعنى يحتاجها المبدع في البناء وترتيب معاني صوره ؛ لأنها ((أمد ميدانا وأشدُّ افتناناً، وأكثر جرياناً، وأعجب حسناً وإحساناً، وأوسعُ سعَةً وأبعد غَوْراً، وأذهبُ نَجْداً في الصِّناعة ... وأسحَرُ سِحْراً، وأملأ بكل ما يملأ صَدْراً، ويُمتع عقلاً، ويُؤْنِس نفساً، ويوفر أُنْساً..وأبدت من الأوصاف الجليلة محاسنَ لا تُنكَر)) وتأتي هذه الأهمية من كونها تجمع بين((التشبيه والاختصار والمبالغة)) وهو ما يبحث عنه المنشئ لإظهار مكنونات النفس وتصوير الأشياء بلغة وصياغة خاصة تنسجم وانفعاله العاطفي وتجربته النفسية ؛ لذلك عُدّت من ((أعمدة الكلام وعليها المعول في التوسع والتصرف وبها يتوصل إلى تزيين اللفظ وتحسين النظم والنثر)) وهي كما يرى بعض النقاد منتشرة بكل ممارساتنا الحياتية نتعاطاها كل يوم ولا تقتصر على اللغة فقط.

والاستعارة عند البلاغيين مجاز لغوي علاقته المشابهة أي تشبيه حذف أحد طرفيه وبهذا الصدد يرى أرسطو ((أنَّ الإجادة في المجازات معناها الإجادة في إدراك الأشباه)) ويقول في موضع آخر: ((إنَّ إحكام الاستعارة معناه البَصَرَ بوجوه التشبيه)) فهي بهذا الشكل ارتباط بين طرفين يقوم على المقارنة والتبادل في أماكن الألفاظ عن طريق انتقالها أو استبدالها بوساطة الحذف.

والنقل "في الكلمة أو العبارة" والتشبيه سمتان في الاستعارة عرفهما الدرس العربي ، يقول القاضي الجرجاني"ت-366ه": ((ما اكتُفِي فيها بالاسم المستعار عن الأصل، ونقلت العبارة فجعلت في مكان غيرها. وملاكُها تقريب الشَّبَه، ومناسبةُ المستعار له للمستعار منه ، وامتزاجُ اللفظ بالمعنى؛ حتى لا يوجد بينهما منافرة ، ولا يتبين في أحدهما إعراض عن الآخر)) وقد نبّه القاضي الجرجاني - في هذا التعريف - لأمور:

1- الإشارة إلى سياق المقام "الأصل"

2- نقل العبارة "جعلت مكان غيرها"

3- التناسب بين المعاني"تقريب الشبه ومناسبةُ المستعار له للمستعار منه" 

4- نشوء علاقات بين مكونات الصورة"وامتزاجُ اللفظ بالمعنى"

5- التماسك الذي يربط الألفاظ"لا يوجد بينهما منافرة"

ولم يُخرج عبد القاهر الجرجاني"ت-471ه" الاستعارة من دائرة التشبيه فقد عرَّفها بقوله:((أن تريد تشبيه الشيء بالشيء، فتدع أن تفصح بالتشبيه وتظهره، وتجيء إلى اسم المشبّه به فتعيره المشبّه وتجريه عليه)) ويُبقي السكاكي"ت-626ه" على العلاقة الجدلية بين التشبيه والاستعارة ولم يختلف موقفه عن الجرجاني وهي عنده ((أن تذكر احد طرفي التشبيه وتريد به الطرف الآخر مدعيا دخول المشبّه في جنس المشبّه به)) فقد أشار السكاكي وقبله عبد القاهر الجرجاني إلى فكرة الادعاء ((أي أنّ المشبّه والمشبّه به فردان من أفراد كلّي واحد ، ثم إنّ مرد هذا الادعاء هو الإغراق في التخييل والمبالغة فيه بتجسيم وجه الشبه وتعظيمه حتى يطغى على أوجه التخالف بين المشبّه والمشبّه به)) ويتابع القزويني السكاكي في مفهوم الاستعارة ويعدها مجازا (( علاقته تشبيه)) إذن فهناك علاقة حميمة بين التشبيه والاستعارة حتى قيل أنّ التشبيه أصل والاستعارة فرع وهو ((تشابه كالتحام وتقارب كانسجام ؛ لأنّه مفضٍ إلى فناء أحد الطرفين في الآخر)) وعلى هذا يؤدي حدوث الحذف في بناء الاستعارة إلى التلاحم بين مكونات الصورة ؛ لأنّ بقاء طرف واحد من التشبيه يفصح بدلالته عن شدة تقارب الصفات وامتزاجها في معان مشتركة تتجه نحو المبالغة وتجعل التعبير يزخر بالدلالة.

ومن أشكال الحذف الاستعاري عند خالد الكاتب قوله:

عَلِيْلُ اللَّحْظِ وَالطَّــــــــــرْفِ مَلِيْحُ الشَّكْلِ وَالظُّـــــــــــــرْفِ

لَقَدْ جَاوَزَ فِي البَهْجَــــــــــــ ــةِ وَالْحُسْنِ مَدى الْوَصْفِ

لَهُ وَرْدٌ عَلَىْ الوَجْنَـــــــــــــــ ـةِ مَمْنُوعٌ مِنَ القَطْـــــــــــــــفِ

يَبُثُ السُّقْمَ مِنْ عَيْنَيْــــــــــ ــــهِ لَكِنْ لَحْظُهُ يَشْفِــــــــــــــي

المجاز نوع من اللغة يتكفل المنشئ بتوظيفه ، ينتظم في البنى النّصّية بحسب تجربة المبدع وتغلغل المواقف المؤثرة في نفسه و((التجربة الشعرية تستمد وجودها من ذات الشاعر ورؤيته التي تدخل في تكوينها العناصر الباعثة. ومن هنا يعمد الشاعر إلى تغيير المعنى والعدول باللغة عن أصل وضعها ويسمي الأشياء بأسماء ليست لها ؛ لأنها تصطبغ بأحاسيسه وانفعالاته)) لذا نجد خالداً الكاتب ينتقي المجاز في بناء صورته الحسية"الاستعارة التصريحية له وردٌ على الوجنة" وهي صورة منسجمة في النّص متشابكة التركيب ، وقد أسبغ الحذف الاستعاري لحمة في التكوين النّصّي إذ حذف الشاعر المشبّه"المستعار له" ووجه الشبه والأداة وأبقى على طرف واحد هو المستعار منه"وردٌ" لتجتمع فيه كل الصفات ورشح الاستعارة"ممنوع من القطف" لخلق استمرارية في مسار الصورة والتركيز على المعنى وهو كشف جمال وجنتي المحبوب.


لَهُ[حُمرة ورواء خدين مثل]       وَرْد           عَلَىْ الوَجْنَة مَمْنُوعٌ مِنَ القَطْفِ    

 المشبّه المحذوف والأداة     المشبّه به الموجود              القرينة


ثم تحول من وصف الوجنة إلى وصف العين وما تفعله بحركاتها من مرض وشفاء في استعارتين"تصريحية يبث السقم + مكنية لحظة تشفي" أسهمتا في إظهار التفاعل النّصّي في مجرى الصورة عبر انتقالات الألفاظ ودمجها في تعبير واحد"المستعار منه".وساعد التضاد في الصورة "السقيم ≠ يشفي" في زيادة العناية والتواصل ، فالعين تبث المرض ولحاظها تشفي ، فقد خرج الشاعر عن الأشكال النمطية للغة في العدول عن طبيعة التركيب ، فجعل المتلقي يشاركه التأليف وذلك عندما يقوم بردم فجوات النّص وترتيب السياق كاملا في ذهنه.

ونلمح حذف المستعار منه في قول خالد الكاتب:

أَضَرَّ بِطَرْفِهِ السُّهُـــــــــــــــــــــــدُ وَأَنْحَلَ جِسْمَهُ الْكَمَـــــــــــــــــــــدُ

وَأَقْلَقَهُ مِنَ الزَّفَـــــــــــــــــــــــــــــرَا تِ وَالأَحزَانِ مَا يَجِـــــــــــــــــــــدُ

يَطِيْرُ فُؤَادُهُ شَوْقَــــــــــــــــــــــــــاً فَتَحْبِسُهُ عَلَيْهِ يَـــــــــــــــــــــــــــــدُ

           تركَّز المعنى في البيت الثالث في صورة استترت بعض ألفاظها عن البنية الأصلية القارة في ذهن الشاعر ومتلقي النّص مع بقاء الدليل على ذلك المحذوف ؛ لوجود المسوغ الذي يبيح للشاعر الاستغناء عن بعض العناصر بمحض اختياره ؛ لأنَّ العمل الابداعي تتدخل فيه ((قوة الطبع الكامنة عند نظم الشعر ، وعلى أنّ الشاعر واعٍ بعمله مدرك له متحكم فيه ، ومن ثم يكون مماثلاً للصانع)) واتجاه الشاعر إلى الحذف وخروجه عن النسق العام في بناء النّص يأتي للإفادة من أسلوبه التاثيري الذي يضع المتلقي في موقف استكشاف المستعار منه المحذوف في الاستعارة المكنية "يطير فؤاده" ويشارك المبدع في ملء فراغ الحذف وربط أجزاء الصورة معنويا وبناء تماسكها من خلال الارتباط السياقي بين الدالات الموجودة:                             

           كلام الشاعر                          تأويل المتلقي



نخلص مما تقدم أنّ استعمال أسلوب الحذف- بوصفه وسيلة نصية- زاد الصورة تماسكا لما فيه من عوامل ربط تستبطن تراكيب السياق وتساعد على تجاذب أطرافه ، فحضور جميع وحدات النّص لا تمنحه كثيرا من العمق والتأثير واللذة ؛ لأنّ المتلقي يتسلم المعنى جاهزا من دون عناء أو حركة في الذهن الأمر الذي يجعل النّص يفقد سمة التكثيف التي يبحث عنها المبدع والمتلقي على السواء ؛ لذا اتخذ الشاعر الحذف وسيلة لتنشيط خيال المتلقي ورفع المستوى الإيحائي في الصورة بإشراك المتلقي لإكمال الجزء المحذوف وترميم النّص بإعادة حلقة التماسك المفقودة. 


المبحث الثاني:التماسك بالطباق"التضاد" 

يقدّم المبدع الطباق بوصفه حركة تأثيرية غير متوقعة في مسار النمط السياقي ؛ لأنّ النفس تواقة إلى التغيير وكسر المألوف المعتاد من القول ((وبالتغيير يكتسب الوجود رسوخه وثباته ، وما دام التغيير جوهر الوجود فالتناقض كذلك من أصله وأسسه ؛ لأن التناقض في أعماقه لا يعدو أنْ يكون ضربا من اضرب التغيير)) ينتظم- عند المبدع- في مستويات بنائية لها نظام وأعراف يستطيع بوساطتها إظهار المعنى بوسائل أفضلها ما تكتنفه الحركة والإيحاء.

والطباق الترتيب الثالث من فنون ابن المعتز ، وهو في اللغة يعني الموافقة ، يقول الخليل:((طابقت بين الشيئين إذا جمعتهما على حذو واحد)) ويرى الأصمعي أنَّ المطابقة في الشعر ((أصلها من وضع الرجل موضع اليد في مشي ذوات الأربع هو مساواة المقدار)).

أما في الاصطلاح فهو الجمع بين الشيء وضده في جملة أو نص من الشعر مثل"طويل≠ قصير // حياة ≠ موت.." ويرى بعض البلاغيين أنّ ليس هناك علاقة بين المعنى اللغوي والمفهوم الاصطلاحي للطباق ، فالمعنى اللغوي يعني الموافقة والاصطلاحي الضدية بين المعنيين على حين يرى آخرون أنّ هناك مناسبة تجمع بينهما.وقسّمه البلاغيون على طباق سلب وإيجاب ، ويأتي طباق الإيجاب على أربع صور:بين اسمين ، بين فعلين ، بين حرفين ، بين اسم وفعل.

والمقابلة فن يتداخل مع الطباق ، وهي إيراد معنيين متوافقين أو أكثر ومقابلتهما على الترتيب، ومن ذلك قوله تعالى:﴿ فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً ﴾[التوبة:82] 

ونظر علماء المناسبة إلى التضاد وعدوه من عناصر التناسب التي تربط أجزاء الكلام وتقيم علاقات بين وحدات النص الداخلية أو بين عناصر النص وخارجه ، وعندهم أنَّ ((علاقة التضاد هي التي تبيح التماسك)) فقد عده الزركشي ((من أنواع العلاقات ، أو التلازم الذهني كالسبب والمسبب ، والعلة والمعلول والنظيرين والضدين ، ونحوه..)) 

أمّا الدرس النصي الحديث فيَعدُّ التضاد Contradictionنوعا من المصاحبة المعجمية"التضام Collocating" يسهم في عملية التماسك المعجمي ؛ لأنّ علاقاته تتجلى من خلال التركيب المعجمي في السياق ، وهذه العلاقات تجعله ينعم بالاستمرارية التي يحاول الشاعر أنْ يعمق وجودها بين دلالات ألفاظه ؛ لما تظهره من كشوف جديدة تخلفها حركات اتساق التضاد المنتظمة في النص الذي هو((وجه من وجوه الوحدة ؛ لأنّ المعاني إنما تتناسب في حالتين:إذا تماثلت وتقاربت وإذا تضادّت)) وعلاقة التضاد بهذا المعنى ((يمكن أنْ تساهم[كذا]كآلة في نسج الخطاب)) وهذه الأهمية للتضاد تجعله مكونا من مكونات البناء الفني الأصيل للخطاب الأدبي و((ليس صورة طارئة وتوشية عارضة بقدر ما هو كشف شعري عن حركة تجد تحققها في الخيال المبدع)). 

وينتمي التضاد ببنيته العميقة- بحسب ما يرى الدكتور محمد عبد المطلب- إلى أسلوب التكرار ، وينتج ذلك عن طريق دينامية "الغياب والحضور" أي كلام ظاهر ملفوظ وغائب تقديري فاللفظان الحاضران يستدعيان طرفين غائبين لتُستكمل دائرة المعنى بالتكرار:

 

 الخط الأفقي الحضور"ملفوظ"           ابيض                            اسود

 

الخط الرأسي التقديري"الغائب"                  

                                    اسود                             ابيض

إذن فثمَّة حركة ذهنية يقوم بها المتلقي عن طريق التأويل الذي يثيره الباث في بنية النص السطحية للوصول إلى التفاعل النصي ولاسيما في الصورة البيانية التي يقوم التضاد فيها بوظيفته في تعميق الدلالة التي يسعى المنشئ إلى تثبيتها ، ففي قوله تعالى:﴿ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ﴾[البقرة:257] جاء التضاد بتقابل الظلمات بالنور - وبأسلوبه الاستعاري- لتأكيد الخير والإيمان الذي دلّ عليه "النور" في مقابل الضد"الظلمات" الدال على الشر والكفر ، وآية ذلك هو مجيء النور بالمفرد والظلمات بالجمع وفي ذلك إشارة إلى وحدة الحق وتعدد أصناف الضلال والباطل.

وهكذا تظهر قيمة التقابل في البناء الشعري من خلال المخالفة في التأليف كي تنبسط فيه النفس عبر المشاركة في تفسير التحولات الناتجة وكشف الألفة للعديد من التقابلات التي يحدثها الشاعر.ومن ذلك قول خالد الكاتب:

غَلَبَ الْعَزَاءُ فَبُحْتُ بِالْكِتْمَانِ عَجْزَاً عَنِ الزَّفَرَاتِ وَالأَحْزَانِ 

أَسْرَرْتُ حَتَّىْ ضَاقَ ذَرْعِيْ بِالْهَوَىْ وَبَكَيْتُ حَتَّىْ كَلَّتِ الْعَيْنَانِ 

وَاسْتَنْطَقَ السُّقْمُ الطَّوِيْلُ جَوَارِحِيْ فَتَكَلَّمَتْ وَشَكَتْ بِغَيْرِ لِسَانِ 

وَلَطَالَمَا كَتَمَتْ عَلَيَّ فَصَرَّحَتْ بسَرَائِرٍ مِنْ دَمْعِهَا الإِعْلَانِ 

لم تكن الصورة البيانية المؤلفة من الاستعارتين"استنطق السقمُ..جوارحي- جوارحي تكلمت وشكت بغير لساني" وليدة من بناء مفرد من دون الاستعانة بفضاءات النص ، فهناك صور متقابلة شاركت في تكوين دلائل الصورة ، والتضاد بوصفه قيمة تقنية مجسمة له قدرة عالية في نقل حركة الشعور الناتج عن انكسارات النفس ، وقد ظهر ذلك جليا في الصراع الداخلي بين"الكتمان" في مطلع القصيدة وبين "الإعلان" في نهايتها ، وهذا التضاد أسهم في تماسك المقطوعة ؛ لأنه جعل المتلقي ينفعل بالصورة ويتنقل بين مفاصلها إلى آخر النص ليعثر على التقابل المضاد. والنظرة العميقة للنص تكشف عن واقع حزين يعيش فيه الشاعر، إذ لم يعلن صراحة بسرّ ذلك الحب وإنما وكّلَ ذلك الأمر لجوارحه لتقوم مقام الكلام في البوح والإعلان ، وهو بهذا يكون وفيا لتجربته الصادقة التي تظافرت عليها أجزاء النص وتراكيبه البيانية والبديعية لإظهارها في اتساع وتأثير((فليس ما في الشعر من استعارات وغيرها من صور البيان وضروب البديع بالزينة التي تضاف إلى التركيب ، بل هي المادة الشعرية ذاتها يفجرها الشاعر من اللغة)) للإفادة من تأثيرها في عملية الخلق والإبداع الفني.

وربما تستدعي الصورة تقابل فعلين ومن ذاك قوله:

ضَحِكْتَ مَسْرُوْرَاً وَأَبْكَيْتَنِي  وَنِمْتَ عَنْ سُقْمِيْ وَأَضْنَيْتَنِيْ  

لاَ سَهِرَتْ عَيْنُكَ بَلْ لَا بَكَتْ  وَلاَ رَمَتْهَا أَسْهُمُ الأَعْيُنِ  

يَا حَسَنَ الْوَجْهِ أَنَا الْمُبْتَلَىْ  وَأَنْتَ بِالْجَفْوَةِ أَبْلَيْتَنِيْ  

حَسِيْبُكَ اللهُ فَلَوْ كُنْتَ لِيْ  تَزُوْرُ وَالْحُبِّ لأَحْيَيْتَنِــــــــــــــــيْ  

    في علاقتين متخالفتين بين الفعلين"ضحكت ≠ أبكيتني" ألَّفَ الشاعر من خلالهما صورتين كنائيتين حسيّتين قابل فيهما بين حال المحبوب الضاحك المسرور"اللامبالي" وحاله الحزين"الباكي"


ضحكت مسرورا "صفة المحبوب"                         أبكيتنــــــــــــي"صفة الشاعر"


ومن اجل تماسك العلاقات لترسيخ المعاني في النفس انزاح عن الرتابة ليربط أبعاد الصورة في وسيلتين فنيتين هما:

1- ثنائية التضاد"تقابل المعاني".

2- ثنائية الكناية"المعنى الحقيقي + المعنى المجازي".

فثمة حركة ذهنية يقوم بها المتلقي بالانتقال والربط بين اللفظ وضده من ناحية وبين المعنى الحقيقي وتحولات المعنى المجازي للكناية من ناحية أخرى ، وهو انتقال ضروري قصده الشاعر لتغيير النمط في النسق السياقي المعتاد.ولتكريس الدلالات المتصلة بالدفق البياني يمد الشاعر الصورة بمتعارضات أخر نستشفها من السياق النصي لها علاقة بالصورة المركزية ، فهناك مقابلة نلمحها بين عين الشاعر وعين المحبوب:

عين الشاعر: بكت + سهرت=حزن                  عين المحبوب:لا سهرت + لا بكت= سرور 


فالربط –على هذا- يكون قد تمّ عن طريق توقع المتلقي للكلمة المضادة ، فالمنشئ بمهارته يساعد المتلقي على تأمل النص ليتسنى للثاني القبض على العلاقات النصية التي تضمرها بعض السياقات.

ويسهم التضاد في تماسك الصورة الاستعارية ومن ذلك قول الشاعر:

يَا مَنْ حَكَتْ وَجْنَتُهُ الْوَرْدَا  مَا كَانَ لَوْ أَصْفَيْتَنِيْ الْوُدَّا 

يَحْسُنُ بِالْمَوْلَىْ وَقَدْ مَلَكَتْ  كَفَّاهُ أَلاَّ يَرْحَمَ الْعَبْدَا؟ 

تَرْغَبُ فِيْ الصَّدِّ وَفِيْ أَهْلِهِ  كَأَنَّمَا تَسْتَظْرِفُ الصَّدَّا 

لاَ خَيَّبَ اللهُ فَتَىً مُدْنَفَاً  ولاَ جُفُوْنَاً قرَّحَتْ خَـــــدَّا 

يستثمر الشاعر- للتعبير عن تجربته- طاقة التضاد فيزجها في النص لتؤلف أهم عوامل تكوين الصورة ؛ لأنّ التضاد من وسائل البديع التي تمنح النص ((بنية دلالية تدعم أساليب البيان)) وعلى عادته في نسج التقابل بينه وبين المحبوب يقيم الشاعر تقابله بين"المولى ≠ العبد" ليسهم التضاد في بناء الصورة بشكل مباشر في استعارتين متضادتين"المولى= المحبوب // العبد= الشاعر" شملت آثارهما أبعاد النص فأعطتهما طاقة شعورية أنبأت عن حال الخضوع الذي يعيشه الشاعر ؛ لأنّ كل مقطوعة أو قصيدة متكاملة فنيا((هي بحد ذاتها صورة)) وقد حدث التماسك في البيت الثاني بطريقتين هما:

1- التماسك بالتضاد بين صدر البيت وعجزه"المولى ≠ العبد"

2- التماسك بالحذف الاستعاري"حذف المستعار له" والاستدعاء فالاستعارة بالمولى استدعت الاستعارة بالعبد.ويمكن أنْ نضيف تماسكا آخر شارك في اتساق الصورة وهو الحذف التشبيهي لوجه الشبه في"حكت وجنته الوردا".

     وقد يكثّف الشاعر في التضاد ليزيد من قوة التلاحم ، فيقول:

إنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ رَحْمَةٌ فَحَيَاءُ    إنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ نِيَّةٌ فَدَنَاءُ    

دَعْنِيْ أُقِيْمُ عَلَىْ رَجَائِكَ فِيْ الْهَوَىْ    فَأَقَلُّ مَا لِيْ فِيْ هَوَاكَ رَجَاءُ   

يَا مُوْرِدِيْ سُقْمَاً بِأَوَّلِ نَظْرَةٍ    فِيْ نَظْرَةٍ أُخْرَىْ إِلَيْكَ شِفَاءُ   

فَلَئِنْ صَحِحْتَ لَقَدْ سَقِمْتُ مِنَ الْهَوَىْ    ولَئِنْ رَوَيْتَ فَلِيْ إِلَيْكَ ظِمَاءُ 

فالصورة البيانية قامت على أثر مجموعة من التقابلات:

1- التضاد بين اسمين"سقم ≠ شفاء"

2- بين فعلين"صححت ≠ سقمت"

3- بين فعل واسم"رويت ≠ ظماء"

وهذا يدل على أنّ الصورة الاستعارية"يا موردي سقما" اكتسبت عناصر تكوينها من التضاد الذي ارتكز عليه الشاعر في إقامة التقابل بين النظرة الأولى وهي نظرة عشق محرقة أسقمت الشاعر وبين النظرة الأخرى التي تمثل الشفاء وهو أسلوب فيه تعريض باللقاء ، وهذه الرغبة جعلته ينطلق بخياله إلى إنشاء تقابلات أخر شاركت في بناء الكنايات "صححت ≠ سقمت // رويت ≠ ظماء" ودعمت عمل أجزاء الصورة الأخرى في تعميق الأثر النفسي والتنبيه على خلل في ميزان المعادلة بين متناقضين يمثلهما"موقف الشاعر ≠ موقف المحبوب" فثمة محب يعاني الم الحب ومحبوب لا يكترث بذلك العشق. 

وتتناغم المقابلة مع التضاد في تأليف الصورة البيانية ومن ذلك قوله:

يَا سَائِلِيْ عَنْ مَنَامِيْ          مِنْ أَيْنَ لِلْعَيْنِ نُـــــــــوْمُ؟        

هَذَا لِهَجْرِكَ حَوْلٌ        فَهَلْ لِوَصْلِكَ يَوْمُ؟       

قَدْ سُرَّ بِالْهَجْرِ قَوْمٌ          وَسُرَّ بِالْوَصْلِ قَوْمُ       

يَا رَبِّ فِيْ الْوَصْلِ لَوْمٌ          ولَيْسَ فِيْ الْهَجْرِ لَوْمُ؟         

  أساليب الطلب"نداء + استفهام.." يدفعها الشاعر في النص كوسائل سياقية يفيد من تأثيرها في إلقاء الضوء على الجوانب العميقة الثاوية في النص ، فمن الاستفهام المجازي الدال على النفي تتركب الصورة"أين للعين نوم- مجاز مرسل" ليبرز الخيال حركة إلغاء النوم لدى الشاعر في صيغة تساؤل غير منقطع ينفتح على التقابل"2×2= هجرك حول ≠ وصلك يوم" وفي نسق زمني:

                                           تضاد زمني

     هجرك   حول                      وصلك   يوم

                             1      2                         1     2

   

 فقد حقق الشاعر من التضاد نوعا من المبالغة - وان كانت سلبية - إلاّ أنها راسخة في ذهنه فالتضاد بين"الهجر ≠ الوصل" بقي حاضرا لم ينفصل عنه وظل يكرره بين صدر البيت وعجزه حتى نهاية المقطوعة وهي تقابلات أفرزتها الحوافز النفسية لتسهم في بناء الصورة ؛ لأنّ الصورة في الشعر ((بروز متوثب ومفاجئ على سطح النفس)) يظهره الشاعر باللغة.

وقد يفيد الشاعر من فاعلية التضاد"طباق السلب"في تكوين المجاز ، فيقول:

هَبْ لِعَيْنِيْ الرُّقَادَ يَا مَنْ يَنَامُ إِنَّ جَفْنِيْ مِمَّا بِهِ لاَ يَنَامُ  

فَلِطُوْلِ الْبُكَاءِ عَيْنِيْ ، وَلِلزَّفْـــــ ـــــــرَةِ جِسْمٌ أَتَىْ عَلَيْهِ السَّقَامُ  

فبين"ينام ≠ لا ينام" يحدث التضاد وفيه يقابل الشاعر بين صورتين مجازيتين"هب لعيني الرقاد + إنّ جفني لا ينام" وغالبا ما يلجأ الشاعر إلى التضاد للإفادة من معطياته الدلالية للربط بين ما هو منظور متخالف في المستوى الخارجي وبين ما هو متخيل متآلف في المستوى النفسي الداخلي ينفتح على مساحات واسعة في التأويل وهو ((إجراء يقوم به الكاتب ليضفي الشمولية على معنى ما ؛ وذلك بإظهار الشيء ونقيضه ، كما أنّه يعمل على تميز المعنى وبلورته وبالتالي تناسبه)) لذا جمع التماسك النصي بين صورتين في اتساق دلالي:"صورة المحبوب المنعم بالراحة = ينام" + "صورة الشاعر المعذب = لا ينام" ولم يجعل الطباق مبتورا دون وصله بمعان أخر تزيد من دلالته فسهر الشاعر"جفني..لا ينام" تحول إلى معاناة استدعت طول البكاء وسقم الجسم. 

وعلى هذا يكون التضاد قد أسهم في إقامة علاقات ترابط بين المتقابلات في النص ؛ لأنّ ((الانسجام يتولد من التباينات والعالم كله يتكون من عناصر متقابلة و...الشعر الحق يحرك العالم بطريقة اشد جوهرية ومفاجئة بقدر ما تكون التباينات منفرة حيث يبرز تناسب خفي)) يستطيع المتلقي من خلال تأليفه اللغوي استكشاف دلالات العناصر المتخالفة وفسح منافذ التأويل لفك شفرات النص ومحاولة إدراك مقاصد الشاعر في عملية الإبداع لتبنيه أسلوبا فنيا دون آخر. 


المبحث الثالث:التماسك  بالتكرار   

إنّ لكلِّ أسلوب لغوي وظيفة خاصة يقوم بها، تتجلّى مهمتها في تلبية طموح المبدع وحاجاته في إظهار رؤاه وهي مجسدة بأشكال تسري في النّص على وفق فضاءات تتسم بالاتساق العلائقي للإبداع الفني منطوقا أو مكتوبا ، والتكرار من الوسائل التي تتسم بها طبيعة اللغات الحية ومن الدوال التي تساعد في اتساق البنى النّصّية ؛ فهو يُعدّ((من ابرز صور التناسق الجمالي في ظواهر الأشياء)).

والتكرار من الظواهر المعروفة في كلام العرب ، يقول ابن فارس"ت-395هـ": ((ومن سنن العرب التكرير والإعادة)) ويأتي في اللغة على معان منها:الدلالة على جمع وترديد ، والكرّ:الرجوع.. وكرر الشيء أعاده مرة بعد أخرى.وكررت عليه الحديث ..رددته عليه وعلى هذا يكون المعنى اللغوي للتكرار "الجمع ، الترديد ، الإعادة ، والرجوع " وهو قريب من المفهوم النّصّي الحديث للتكرار الذي يعود بالإحالة على مرجع سابق تم ذكره في النّص.أمّا اصطلاحا فلم يتغير مفهومه كثيرا عن المعنى اللغوي كونه:((دلالة اللفظ على المعنى مرددا لمن تستدعيه"أسرع أسرع" فإنّ المعنى مرددا واللفظ واحد)) وظل هذا المعنى يتكرر في الموروث العربي، وقد توسع هذا المفهوم فيما بعد حتى أصبح التكرار يشمل إعادة العنصر اللغوي لفظا ومعنى أو باللفظ وتغاير المعنى أو بإعادة المعنى أو بإعادة التركيب..

ويعدّ التكرارRepetition في الدراسات اللسانية من وسائل التماسك النّصّي وهو عند النّصّيين من أنماط التماسك المعجمي  وطبيعة تكوينه تقوم على ((إعادة لفظ أو عبارة أو جملة أو فقرة ، وذلك باللفظ نفسه أو بالترادف وذلك لتحقيق أغراض كثيرة أهمها تحقيق التماسك النّصّي بين عناصر النّص المتباعدة)) وفي ذلك يكون التكرار محكوما بمرجع تتنوع دلالاته بحسب تكوينه السياقي((لكن اتحاد الإحالة يظل واضحا)) ،والتماسك بإحالة التكرار يمنح النّص الانفتاح على آفاق دلالية واسعة إذ ((يعطي منتج النّص القدرة على خلق صور لغوية جديدة ؛ لأنّ احد العنصرين المكررين قد يسهل فهم الآخر)) فضلا عن قوته الدلالية التي تزيد من تماسك وحدات النّص وأجزائه إذا استغل استغلالا فنيا صحيحا ؛ لأنّ ((إعادة الكلمة أو الكلمات مرة أخرى داخل النّص نفسه يمثل دعما للربط الدلالي)) الذي يسهم – بوصفه أداة – في تأكيد بعض المفاهيم التي تموج في نفس المبدع وإظهارها على سطح النّص. ويرى الدكتور تمام حسان أن التكرار اللفظي هو الأقوى في صنع التماسك ؛ لأنه ((فيما يبدو هو الأصل في الربط من حيث كان التكرار خير وسيلة للتذكر بما سبق)).

وللتكرار أنواع وهي عند هاليداي ورقية حسن أربعة: "إعادة الكلمة نفسها the same word ، والترادف أو شبه الترادفThe synonym or near-synonym  ، والكلمة الشاملةA Superordinate  ، والكلمة العامة A general word" ويمكن تسليط الضوء عليها فيما يأتي: 

1- إعادة الكلمة نفسها:وينقسم على ثلاثة أنواع:

(أ) التكرار المباشر:وهو تكرار للعنصر اللغوي نفسه أو ما يسمى بالتكرار التام أو المحض ، كقوله تعالى:﴿ الْقَارِعَةُ(1) مَا الْقَارِعَةُ(2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ(3)﴾[القارعة]ويتوجب لهذا النوع المساواة مع المرجع والتطابق الكلّي.

(ب) التكرار الجزئي:وهو التكرار الذي يعود فيه عنصر لغوي على آخر ينتميان إلى جذر صرفي واحد ولكنهما يختلفان في طبيعة التركيب كــ "جاهد -جهاد" أو كما جاءَ في قول ابن هاني:

أَقَمْنَا فمنْ فُرساننا خُطباؤنا          وَمَنْبَرُنَا مِن بِيضِ مَا تَطْبَعُ الهِنْدُ    

وَلَو لَمْ يَقُمْ فِيْهَا بِحمدِكَ خاطِبٌ            عَلَيْنَا وفِيْنَا قامَ يخْطبُنَا الحَمْـــــــــدُ    

فقد جمع التكرار بين " أقمنا – يقم – قام"

(ت)الاشتراك اللفظي :وهو اتفاق الكلمتين باللفظ واختلافهما في المعنى وهو كالجناس التام ، كقوله تعالى:﴿ ..يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ(43) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَار(44)﴾[ النور] فالأبصار الأولى تدل على العيون والثانية تدل على العقول.

2- الترادف وشبه الترادف:الترادف ظاهرة لغوية تعني اجتماع ألفاظ مختلفة لمعنى واحد أي ((ألفاظ متحدة المعنى وقابلة للتبادل فيما بينها في أي سياق)) والترادف منه نادر الوقوع في اللغة أو مستحيل وهناك خلاف حوله بين القدماء والمحدثين ، فيرى بالمر Palmer ((أنّه من غير المرجح أن تتعايش كلمتان تمتلكان المعنى نفسه بالضبط في عصر واحد وفي لغة واحدة))أما شبه الترادف فهناك اقتراب شديد في التشابه بين الألفاظ مثل:سنة ، عام ، حول.وهذه العلاقات بين الألفاظ والتقارب الدلالي يسهم في تماسك النّص وتمتين الروابط ، لأنّ التعبير بالترادف يفسح المجال أمام المبدع في التنويع الدلالي وانفتاح رقعة الإيحاء الفني.

3- الكلمة الشاملة:هي لفظ شامل يحمل سمة مشتركة بين ألفاظ أخر تنتمي إلى مجموعة دلالية واحدة فـــــ"الإنسان" لفظ شامل للأسماء :الناس ، الشخص ، الرجل ، المرأة ، الولد ، الطفل.

4- الكلمة العامة :وهي إحالة بكلمات عامة تُستعمل لربط كلمات النّص ، كالكلمات"مشكلة- سؤال- فكرة – أمر- مكان- شيء- الناس"

وثمة صور أخرى للتكرار تساعد في عملية التماسك في النّصوص منها:ما أطلق عليه الدكتور سعد مصلوح اسم "شبه التكرار" وتُبنى صياغته في ((جوهرها على التوهم ؛ إذ تفتقد العناصر فيه علاقة التكرار المحض ، كما تفتقد في الوقت نفسه العلاقة الصرفية القائمة على الاشتقاق أو تغاير صرفيمات الإعراب...ويتحقق شبه التكرار غالبا في مستوى التشكيل الصوتي)) وهو يكثر بما يسمى بالجناس غير التام"الناقص" مثل"ليل/ دليل"" يكتبون / يكبتون".وكذلك عد التفصيل بعد الإجمال من صور التماسك النّصّي لما للتفصيل من صلة قوية بالإجمال لأنّه موضح له ومحيل عليه .ويسهم التشاكل التركيبي "توازي التركيب" في تكوين الترابط إذ إنّه يشحن النّص موسيقيا عبر ترتيبه النغمي فــــــــ ((الكلام المنسجم المنتظم اقل عبئا على الذاكرة السمعية وأيسر في إعادته وترديده))فهو يحمل في طياته فضلا عن التركيب النحوي عمقا معنويا يرفل بالتأثير.

والتكرار فن بديعي تعمّق فيه البلاغيون أكثر من اللغويين والنحاة وكشفوا عن أغراضه التي منها: ((تأكيد الوصف أو المدح أو الذم أو التهويل أو الوعيد أو الإنكار أو التوبيخ أو الاستبعاد أو الغرض من الإغراض)) ووردت إشارات تنمّ عن عنايتهم بهذا الفن واستشراف ألوانه الترابطية وأبعاده التحويلية فالمعنى الباطني العميق القابع في النّص يحتاج إلى بناء سطحي يكشف خفاياه الدلالية وقد عُدّ التكرار((الممثل للبنية العميقة التي تحكم حركة المعنى في مختلف ألوان البديع)) فالبديع بهذا المفهوم يتجسد بالتكرار ، والتكرار من وسائل التماسك النّصّي ، ولعل أوضح دليل على ذلك قول ابن معصوم حيث عدَّ "تشابه الأطراف" ((دلالة على قوة عارضة الشاعر وتصرفه في الكلام ، وإطاعة الألفاظ له ، ولا يخلو مع ذلك من حسن موقع في السمع والطبع ، فإن معنى الشعر يرتبط ويتلاحم به ، حتى كأنّ معنى البيتين أو الثلاثة معنى واحد)).

وتكمن وظيفة التكرار في بث الروح في الألفاظ ، وهو- بذلك- يعتمد على مهارة الشاعر ومقدرته في حسن تأليفه وزجه في الموضع المناسب من النّص لئلا يقع في دائرة الابتذال ، فالتكرار الموفق ((يقرع الأسماع بالكلمة المثيرة ويؤدي الغرض الشعري)) إذن فعلى الشاعر- بحسب نازك الملائكة- الانتباه في إيراده له خوفا من أن يقع نصه في هاوية الرتابة والملل ، وتشترط بالعبارة المكررة أنْ تتسم بالقوة والتماسك وتنطلق من ((قوة التعبير وجماله ومن الرسوخ والارتباط بما حولها بحيث تصمد أمام الرتابة)).

ومثلما نجد للتكرار أنواعا وأغراضا فله مثيرات تدفع المتكلم إلى استثمار تقنياته ولعل أهمها العامل النفسي وقصدية المنشئ.وهو في الصورة البيانية يمثل حركة محفزة لأثر يتركه المبدع للمتلقي الذي يقوم بدوره في تتبع مواقع الأشياء واستكناه دلالاتها ، فهو ((يضع في أيدينا مفتاحا للفكرة المتسلطة على الشاعر ، وهو بذلك احد الأضواء اللاشعورية يسلطها الشعر على أعماق الشاعر فيضيئها بحيث نطلع عليها)) لذا يحمل وهو في النّص تداعيات نفسية مضمرة تؤدي دورها في عملية التأثير وتفعيل الاستجابة ويعلل حازم القرطاجني ذلك بقوله:(( فإنّ للنفوس في تقارن المتماثلات وتشافعها والمتشابهات والمتضادات وما جرى مجراها تحريكا وإيلاعا بالانفعال إلى مقتضى الكلام)) وقد يعول الشاعر في صورته البيانية على التكرار لتأكيد فكرة ما يحاول ترسيخها في ذهن المتلقي لقصد.ومن ذلك قول أبي فراس الحمداني:

 تَبَسَّمَ إذْ تَبَسَّمَ ، عَنْ أقَاحِ          وَأسْفَرَ ، حِينَ أسْفَرَ ، عَنْ صَبَاحِ    

      هناك تشاكل تنظيمي كبير في الصياغة على مستوى التركيب النحوي بين صدر البيت وعجزه وقد حتَّم ذلك في تأسيس رابط دلالي شدَّ عضد الصورة البيانية في الاستعارتين"تبسم عن أقاح + أسفر عن صباحِ" فتكرار التركيب في صدر البيت جاء مساويا لعجزه حتى في عدد الكلمات.

 صدر البيت="فعل ماض + ظرف + فعل ماض + جار ومجرور"                           

عجز البيت= "فعل ماض + ظرف + فعل ماض + جار ومجرور"

وورد التكرار بأنواع مختلفة في شعر خالد الكاتب ، فمن تكراره المباشر "الخالص" يقول:

هُوَ عِنْدَ الْشَّمْسِ مِثْلُ الْـــ          شَمْسِ عِنْدَ الْعَالَمِيْنَـــــــــا             

وَهُوَ عِنْدَ الْغُصْنِ فَوْقَ الْــ                ــغُصْنِ إِشْرَاقـــــــــــــــــــــــــــــَاً وَلِيْنَـــــــــــــــــــــــــــا                      

فِتْنَةٌ مَلَّكَهَا الْحُسْــــــــــــــــــــــــــــــ          ـــنُ عُيُوْنَ النَّــــــــــــــــــــــــــاظِــــرِيْــــنَـــــــــــــــــــا                       

لَيْتَ مَا ظَـــــــــنَّ بِهِ النَّــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــا            سِ وَبِيْ كَانَ يَقِيْنـــَــــــــــــــا            

يقوم التكرار في المقطوعة على مجموعة من الألفاظ لتولِّد في مواقعها السطحية إحساساً يستند عليه الشاعر لبسط الفكرة واستهداف ذهن المتلقي لفك الشفرات الظاهرة في النّص ((للوصول إلى البنية العميقة ومعرفة الرؤية الماثلة فيها)) فالتكرار الكلّي بالكلمات"هو2 + عند3 + الشمس2 + الغصن2" أصبح مصدرا للاستثارة والجذب ، وعنصرا فاعلا في بناء الصورة البيانية"هو مثل الشمس" وجرّ التماسك إلى مديات أوسع لترتبط في سياقها الاتصالي مع البيت الثاني لتؤلف تشبيها آخر يزخر بالمبالغة"هو فوق الغصن" وسعى إلى دمجهما بعلاقة مشتبكة في وجه الشبه"إشراقا ولينا" فالأول للشمس والثاني للغصن.ويزيد في كثافة التكرار فيتجه إلى تكرار تركيبي لربط النّص بين البيتين "1 ، 2" والتركيز بالصورة على صفات المحبوب:

هُوَ عِنْدَ الْشَّمْسِ = هو"ضمير" + عند"ظرف" + الشمس"اسم معرفة"

هُوَ عِنْدَ الْغُصْنِ = هو"ضمير" + عند"ظرف" + الغصن"اسم معرفة"


ويبدو أنه كرر الظرف "عند" ثلاث مرات للإفادة من مدلوله المكاني الذي يشير إلى علو مكانة المحبوب بين العالمين والإشارة إلى جماله الحسي المماثل لجمال الطبيعة.

وينوّع الشاعر بالتكرار بين الكلّي والجزئي ، فيقول:

هَبْنِيْ أَسَأَتُ وَكَانَ ذَنْــــــــــــــــــ ــــــبِيْ مِثْلَ ذَنْبِ أَبِيْ لَهَـــبْ

فَأَنَا أَتُوْبُ كَمَا أَســـَــــــــــــــــــــــأْ تُ وَكَمْ أَسَأْتَ وَلَمْ تَتُـــــــــبْ

تتكرر أفعال الإساءة وتهيمن على النّص وتمتد إلى نهايته وتتعانق مع التضاد في حركة رأسية"أسأت(ذنب) × أتوب" لتنجز شبكة دلالية مكثفة تنبئ عن اعتراف الشاعر بذنبه العظيم كــ"ذنب أبي لهب" فالتكرار شغل حضورا مسيطرا وظفه الشاعر للفت النظر للحال الشعورية التي تنتابه فتحركت في النّص بوساطة الأفعال التي يحافظ تزاحمها على استمرار الحركة وتعاقبها فينتج من اثر ذلك تنوعٌ في الدلالة ، فتكرار الفعل"أسأتُ = أسأتُ" بالتكرار الكلّي الذي يحيل على الشاعر والجزئي الذي يحيل على الشاعر والمحبوب"أسأتُ / أسأتَ" بتغيير الحركة واستدراكه بتكرار الاسم"ذنب" وتعلقه بالتكرار الأول ، وعلى هذا يكون التكرار:

ما يخص الشاعر/اسأت2 + ذنب2 =4  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ اعتراف ولين + توبة

ما يخص المحبوب/ أسأتَ1    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ لا اعتراف + لا توبة

 وارتكز الشاعر على التكرار في تكوين الصورة البيانية وفي تشبيهين"ذنبي مثل ذنب أبي لهـــب - أتوبُ كما أسأتُ" كل ذلك جاء لغرض أراد منه الشاعر تأكيد اعترافه بالذنب وإعلان توبته والإشارة إلى عدم مبالاة المحبوب ويكشف النقاب كذلك عن أبعاد نفسيه تمثل حاله الخاضعة للمحبوب. 

وقد يسهم التكرار في التركيب البياني المباشر ، ومنه قول الكاتب:

تَمَلَّكْتَ يَا مُهْجَتِيْ مُهْجَتِيْ              وَأَسْهَرْتَ يَا نَاظِرِيْ نَاظِرِيْ           

وَفِيْكَ تَعَلَّمْتَ نَظْمَ الْقَرِيْضِ              فَلَقَّبَنِيْ النَّاسُ بِالشَّاعِرِ         

وَمَا كَانَ ذَا أَمَلِيْ يَا ظَلُوْمُ              وَلَا خَطَرَ الْهجرُ فِيْ خَاطِرِي           

فَجُرْ بِالْوِصَالِ فَدَتْكَ النّفُوْسُ              فَلَسْتُ عَلَىْ الْهَجْرِ بِالْقَادِرِ     

فإنّ"يا مهجتي / مهجتي = يا ناظري / ناظري" تكرار تركز في التكوين الاستعاري وصيغ بطريقة الاشتراك اللفظي أو ما يسمى"الجناس التام" فــــ"مهجتي مهجتي" تكرار متغير الدلالة فالأول يشير به إلى المحبوب والثاني إلى دم القلب ، وكذلك"ناظري ناظري" فالأول المحبوب والثاني عين الشاعر ونستطيع أن نطلق عليه التكرار الاستعاري ، على اعتبار أنّ أحد طرفيه مبني على الاستعارة ، وما دام جوهر الاستعارة قائماً على النقل في أصل اللفظ أو العبارة ، فإن التعبير بـــــ"يا مهجتي- يا ناظري" قد انحرف عن ذلك الأصل لقصد أراده الشاعر ليكون عونا له في تصوير التجربة ؛ ذلك أنّ ((لغة الشعر لغة تحاول أنّ تصل إلى الخفي خلف الظاهر ، والغامض وراء الواضح ، وتترامى إلى معادن الحقائق واستجلاء الروح الكامنة في الأشياء)) فالصورتان الاستعاريتان اشتدَّ ارتباطهما عبر عناصر التماسك النّصّي المتمثل بالتكرار أولا وبالحذف الناشئ من التحول الاستعاري في حذف المشبه الذي يحيل مقاميا على شخص المحبوب خارج النّص ثانيا وبالتماسك المقطعي من تساوي المقاطع الذي ساعد في انسجام النغم ثالثا.والمشترك اللفظي قليل في الشعر بيد انه يضطلع بمهام أسلوبية لها أثر في تحفيز الإعلامية لدى المتلقي لما يفعله من تأثير موسيقي وتشويقي في اكتشاف الاختلاف الناتج من التقابل في المعنى وتمكينه من النفس  وهناك مجموعة من التكرارات ظهرت في النّص وأسهمت في مساندة الصورة لتأخذ دورها في عملية الإيحاء:

النداء/ = يا / يا                  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ   تكرار كلي

الفعل والاسم= خطر / خاطري    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  تكرار جزئي

الاسم = الهجر / الهجر         ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  تكرار مباشر

ونجد الشاعر يكرر الجملة كوحدة نصية يرفد بها المعنى:

أَيُّهَا الْمُسْهِرُ طَرْفِــــــــــــــــي                نَمْ هَنِيْئَاً نَمْ هَنِيَّـــا                  

مَا الَّذِيْ ضَرَّكَ لَوْ كُنْــــــــــ                ــتَ بِمَا قُلْتَ وَفِيَّا                 

يَا مَلِيَّاً بِالَّذِيْ أَهْــــــــــــــ                ـــوَاهُ بِالْحُسْنِ مَلِيَّا                 

صِلْ فَقِيْرَاً كَانَ لَوْلاَ              سِحْرُ عَيْنَيْكَ غَنِيـَّــــا              

"أيّها المسهر طرفي" صورة مجازية مرتبطة بتكرار الجملة"نم هنيئا" وبأسلوب كنائي يدل على قلة اكتراث المحبوب ، وهو تعالق سياقي وبياني في الوقت نفسه جاء به للتوسع في رقعة الصورة ، لكنّه معنى مكرر فاقد لحركة التأثير والإيحاء ؛ لأن تقابل التضاد في المعنى"كلف الشاعر × محبوب لا يعبأ بذلك" ثنائية سالبة تمثّل محنة الشاعر الكبرى يرددها في معظم ديوانه ، وتكراره هنا يمثل ذلك المعنى فقسم المقطوعة على قسمين: عتابه للمحبوب لعدم مبالاته ووصفه لمحاسنه ، ولتحقيق ذلك الغرض كرر - بعد تكرار الجملة- كلمة"مليا" لتوافق تحولات الذات العاشقة المعذبة التي ينتقل فيها من حركة التوتر إلى درجة منخفضة من الانفعال، وهو يسعى بلا جدوى في أسلوب طلبي التماسي"صل فقيرا" وفي تماسك نصي آخر لم يتجاوز فيه حدود الصورة مثله التضاد"فقيرا ≠ غنيا" ليكشف لنا عن إخفاق متواصل في تحقق اللقاء. 

وقد يتكئ الشاعر على الترادف في بناء صورته البيانية:

وَلَمْ أَشْكُ طُوْلَ اللَّيْلِ حَتَّىْ رَأَيْتُنِيْ      أُقَلَّبُ طَرْفَاً يَرْقُبُ النَّجْمَ بَاكِيَا         

وَإِنْسَانُ عَيْنِيْ أَنْحَلَ الدَّمْعُ جِسْمَهُ      خَمِيْصَ الْحَشَا مِنْ لَذَّةِ النَّوْمِ طَاوِيَا         

وَقَلْبَاً أَبَىْ إِلاّ التَذَكُّرَ فَارْتَوَىْ      بِسُلْوانِهِ شَوْقٌ وَأَصْبَحَ صَادِيَـــــــــا         

أَنَاخَ إِلَيْهِ الهَمُّ فَاعْتَاضَ زَفْرَةً      مِنَ الشَّوْقِ لاَ تَبْلَىْ وَإِنْ كَانَ بَالِيَا         

فالترادف في المقطوعة بين"خميص الحشا = وطاويا"الدالين على الجوع أسهما في تماسك التشبيه "إنسان عيني" لأنّ ((الترادف وسيلة من وسائل الربط المعجمي ، يسهم في امتداد المعنى داخل النّص باعتباره شكلا من أشكال التكرار))وقد أفاد الشاعر منه في تصوير العين بعد تحويلها خياليا من عضو بشري إلى إنسان انحل جسمه الدمع فأصبح خالياً من الطعام والنوم، وهذا المعنى يرتبط نصيا مع الكناية"أُقَلِّبُ طرفا يرقب.." في البيت الأول ، وكغيرها من الصور ينتقل الشاعر من العين إلى تصوير القلب مسبغا عليه صفات إنسانية فهو"يأبى ويتذكر ويرتوي ويشتاق ويعطش وينيخ ويعتاض.." وقد هيأ لهذه الصورة الاستعارية وسيلة نصية أخرى وهي التضاد في"ارتوى ≠ صاديا ، ولا تبلى ≠ باليا" بوصفه مثيرا لغويا يكشف تماسكه النّصّي عن معاناة قلب أثقله الهمّ وأبلاه الشوق ، وهكذا تكون في المقطوعة روابط شكلية وأخرى دلالية تحكم نسيجها ، لأن ((لغة الشاعر أو الأديب ليست مجرد علامات لغوية تطلق على مسمياتها ، ولكنها – في جوهرها- تعبير عن جوانب عقلية وانفعالية يبدو فيها الخلق والإبداع))              

ومن أنواع التكرار بالكلمة الشاملة ، قول خالد الكاتب:

وَمَاجِدٍ مِنْ بَنِيْ وَهْبٍ لَهُ خُلُقٌ    سَمْحٌ يَنُوْءُ بِغَيْرِ الْفَضْلِ وَالْكَرَمِ    

مُذَهَّبٌ فِيْ لُبَابِ الْمُلْكِ أُسْرَتُهُ  أَهْلُ الْكِتَابَةِ وَالأَلْبَابِ وَالْحلْــــــــــمِ 

يكني الشاعر عن الممدوح ويرمز له بصفات تومض عن مكانة المكنى عنه المستور"الحسن بن وهب" بتنويعات لغوية متناغمة تتماسك فيما بينها لتحقق الاتساع الدلالي والبعد القصدي ، فكلمة "خُلُق"- التي تمثل محور الحركة في النّص- لفظ شامل انضوت تحته أسماء تنتمي إلى مجموعته الدلالية"الفضل والكرم واللباب والحلم" وهذا جعلها تدخل ضمن دائرة ألفاظ ذلك  الخلق السمح وتحدد معالمه في نسيج من العلاقة المرجعية فهذه الصفات تحيل على"خلق سمح" وهو يحيل على الممدوح في الضمير الهاء"له خلق" وعلى هذا يسهم السياق((اللغوي والحالي في اتساق النّص اللغوي وتماسكه تماسكا كليا ، بحيث ترتبط مكوناته في علاقات جدلية بعضها مع بعض)) وهذه الصفات جاءت مرادفة للكلمة الشاملة"خلق" ولكنه ترادف من طرف واحد فــــ"الفضل والكرم.." ترادف الخلق الحسن وهو لا يقتصر على هذه الصفات بل يتعداها إلى كل السجايا الحسنة.


         خُلُقٌ

                                             


ومن أشكال التكرار الذي أسهم في تكوين الصورة البيانية الكلمة العامة قول الكاتب:

أَتَرَىْ مَا رَجَا الْفُـــــــــــــــــــــــــــــؤَادُ        مِنْ تَلاقٍ يَحْيَا بِهِ الْمَحْزُوْنُ       

غَدَرَ الدَّهْرُ بِيْ وَلِلدَّهْرِ- لَا كَا          نَ-خُطُوْبٌ كَثِيْرَةٌ وَفُنُوْنُ       

فنَأَىْ عَنْهُ حُبُّهُ فَنَأَىْ الصَّبْــ        ــرُ وَحَلَّتْ عَنِ الجّفُـــــــــــــــــوْنُ      

لَيْتَنِيْ قَدْ رَأَيْتُ إِلْفِيْ سَرِيْعَاً        وَطَوَتْنِيْ مِنْ بَعْدِ ذَاكَ الْمَنُوْنُ          

جاء الدهر في الصورة المجازية"غدر الدهر" وهو لفظ عام لزمن مفتوح ، فالدهر يعني الزمان أو الأبد .. أو مدة الدنيا كلها فهو - إذن- لفظ عائم الدلالة قام السياق بتوضيح مغزاه من خلال الكلمات"للدهر خطوب كثيرة وفنون"التي لها إحالة على مرجع سابق"الدهر"في الصورة وأردف مع تلك الصورة تكرار اللفظ"فنأى" لإظهار قابلية التكرار بالفعل الذي يدل على تجدد الهجر وابتعاد المحبوب.فالنقل الدلالي بالمجاز يوحي بان أهل زمانه حالوا بينه وبين من يحب ، وتلك الإشارات غذتها تجربة الشاعر المعذبة التي لم تجن من المحبوب إلاّ الهجر فجاءت في تآلف وانسجام ؛ لأنّ ((الخطاب الشعري الناجح في نقل تجربة الشاعر هو ما كانت وحداته الدلالية منسجمة تستدعي الواحدة منها الوحدة التي تليها ، وتبقى على صلة بما قبلها)).

وقد يأتي الشاعر بتعبير يتكرر على مستوى الديوان ومن قوله في ذلك:

يَا نَائِياً أَيْنَ دَمْعِــــــــــــــيْ              إِسْعَدْ فَقَدْ ضَاقَ ذَرْعِيْ             

تَضِنُّ بِالْوَصْلِ عَيْنِـــــــيْ            مُذْ كَانَ أَنْتَ وَسَمْعِــيْ             

مِنْ كُلِّ ضَـرِّيْ إِلَىْ لَحْــــــــــ              ـــــــظِ مُقْلَتَيْهِ وَنَفْعِـيْ            

وَيُحْبَسُ الدَّمْعُ يَا مَــــــــــنْ              يَزِيْدُ بِالْقَلْبِ فَجْعِــــــــــــــــــــيْ            

   إن مشقّة الهجر"البعد" وبخل الوصل تجلب للشاعر الضجر والألم فهو يشعر بالضيق من تداعياته وهذا حدا به أنْ يوظف الكناية"ضاق ذرعي" ليجسد ذلك الإحساس ، وقد تعددت هذه الصورة "الكنائية" في الديوان عدة مرات ليتصل بعضها مع بعض وتتماسك عن طريق التكرار.

-التماسك بالتكرار التشبيهي (التشبيه البليغ بالمصدر المبين للنوع)

يرى البلاغيون أنّ التعبير الغامض أو الغريب الذي يحتاج في تفسيره إلى نمط من التأمل والتأويل يكون في طلبه لذة تتعلق بها النفس ((لأنّ المعاني الغريبة أبلغ وأحسن من المعاني المبتذلة)) والتشبيه البليغ بطبيعته التركيبية البعيدة عن المباشرة يحمل تلك السمات ، فقد عُرِّف بأنّه ((إخراج الاغمض إلى الأظهر بالتشبيه مع حسن التأليف)) وهذا يعني أنّ نسيج التشبيه يحتاج إلى إتقان في ترتيب الألفاظ بغية الوصول إلى ترتيب العلاقات بين المعاني في التكوين البياني.

ولابدّ لمبدع النّص من معرفة سبل بناء التراكيب وسبك المفردات وحسن الانتقال بها بين مواقع النّص للإفادة من وظائفها في السياق النّصّي ؛ ذلك بأنَّ((الكلمة تتفاعل مع وظيفتها تفاعلا خاصاً يكسبها معنى خاصا ، وقدرة الوظيفة النحوية على التفاعل مع كل كلمة قدرة هائلة لأنّ هناك عنصرا مهما يتفاعل معها هو عنصر الموقف والسياق)) ويمتزج النحو مع البيان في إنتاج الصورة ، فالمفعول المطلق"المبين للنوع" يشترك بصورة مباشرة في تكوين التشبيه وهو مصدر ((يؤكد عامله، أو يبين نوعه، أو عدده ، وليس خبرا ولا حالا ، نحو: "ضربتُ ضربًا" أو: "ضربَ الأميرِ"أو: "ضربتين")) ولو أنعمنا النظر في صياغة المفعول المطلق لوجدنا أنّ التوكيد يدخل في الأنواع الثلاثة إلاّ أنّ الأول: "يحمل توكيدا خالصا" والثاني: "التوكيد + نوع الحدث" والثالث:"التوكيد + بيان العدد" وهذا الاشتراك بين الأنواع الثلاثة تجسد في الحالة الإعرابية"النّصب" وترتيب المتعلق المصدر بعد الفعل وتشابه حروف الفعل والمصدر ، وبذلك فالتوكيد ((لازم للمفعول المطلق مطلقا وان كان لا يقصد)).

وإذا كان التشبيه البليغ من أجود أنواع التشبيه لما يحمله من المبالغة والقوة في تلاحم الأجزاء بفعل حذف الأداة ووجه الشبه ، فإن التشبيه بالمصدر أحد أقوى أنواع ذلك التشبيه وتكمن سر هذه القوة بفعل تأثير المصدر المشارك في تكوينه إذ يؤلف الفعل مع المصدر تكراراً جزئيا حيث يعود المصدر على فعل يشترك معه في جذر لغوي واحد وهو ما يسمى بالتكرار الجزئي ؛ لأن المصدر ((كل اسم يدل على حدث وزمان مجهول وهو وفعله من لفظ واحد والفعل مشتق من المصدر)) وفضلا عن إحالة المصدر على مرجع سابق عن طريق التكرار فإن هناك انسجاما صوتيا بين الفعل ومصدره يدعم تشاكله وظيفة التشبيه البيانية فاقتران التشبيه بفن بلاغي أخر يزيد من قوة الصورة ويضاعف تأثيرها فالبديع المتمثل في التكرار الجزئي في التشبيه البليغ بالمصدر يضفي على الصورة بعداً إيحائيا كبيرا ؛لأنّ ((انضمام شيء حسن إلى حسن مثله ، يضاعف روعتمها وبهاءهما ، ويولّد من اتصالهما مزايا جديدة لم تكن لأحدهما منفردا قبل هذا الازدواج))، ومن اجل ذلك استعمله خالد الكاتب في شعره ، فهو يقول:

بَكَيْتُ دَمَاً حَتَّىْ بَقِيْتُ بِلاَ دَمٍ    بُكَاءَ فَتًى فَرْدٍ عَلَى شَجَنٍ فَرْدِ     

أأبْكِيْ الْذِيْ فَارَقْتُ بِالدَّمْعِ وَحْدَهُ    لَقَدْ جَلَّ قَدْرُ الدَّمْعِ فِيْهِ إذاً عِنْدِي     

  إنّ حضور ألفاظ البكاء والدموع في المقطوعة وإلحاح الشاعر على تكرارها"البكاء= 3 / الدموع= 2" في النّص اكسبه حزنا كبيرا ، فرحلة الدموع متأصلة لا تنتهي عند الشاعر العذري وهي رحلة عذاب ناتجة عن تراكمات العشق ، والشاعر يريد أنْ يلفت النظر إلى تسرب معاناته عبر الدموع ويؤكد ذلك الإحساس ليصبح مصدر إدهاش في الصورة البيانية ؛ لأنّ ((الصورة نتاج الحرية وتعبير عن دينامية خلاقة ، بفضلها ومن خلالها تنبثق الدهشة وتتفتح الذات على روعة الخلق وجمال الوجود)) فيعدل الشاعر عن التعبير المعتاد المباشر فيلقي الضوء على فكرته بوسائل بيانية متماسكة اعتمد فيها على عنصر الحذف في الاستعارة"بكيت دما" وهي أيضا كناية عن عصر الروح ونفاد الدمع.ويكثّف الشاعر من تماسك الصورة لاستنطاق دلالاتها البيانية ومقاربة معانيها فيزاوج بين الاستعارة والتشبيه البليغ بالمصدر المبين للنوع فتكون الاستعارة قد وقعت داخل التشبيه.

أمّا التماسك بالتشبيه فشمل ظلاله معظم أقسام النّص وارتبط بتكرار الكلمة المحور"البكاء" فجاء على نوعين هما:

1- التكرار العام: في المقطوعة بالألفاظ"بكيت + بكاء + ابكي"

2- التكرار الخاص:في التشبيه البليغ"بكيت + بكاء"

وقد تعلّق المصدر "بكاء" بالفعل المرجع"بكيت" عن طريق الاتصال اللفظي بالمصدر والاتصال المعنوي بالصورة وهذا الاستدعاء وسّع من مساحة التمثيل والتخييل حيث شغل المشبه صدر البيت الأول والمشبه به عجزه وارتبط هذا التشبيه بالتكرار"ابكي" في البيت الثاني ، وهذا التماسك مع وجود التماثل الصوتي"بكيت- بكاء" عزز تماسك التشبيه الذي ضمّ نوعين آخرين من التماسك"حذف الأداة + حذف وجه الشبه".

ويتضافر التكرار مع التشبيه البليغ بالمصدر في تكوين الصورة البيانية في قول الكاتب:

يَا وَاكِفَ الدَّمْعِ مِنَ الْحُزْنِ          وَنَائِيَ الْجَفْنِ عَنِ الْجَفْنِ       

فَطَأْ عَلَىْ الْقَلْبِ لأَنَّ الْهَوَىْ          أَخْرَجَهُ مِنْ مَوْضِعِ الأَمْنِ        

فَفَارَقَ الْحَيَّ عَلَىْ ظَنِّهِ        بِهِ فِرَاقَ الْخِدْنِ لِلْخِدْنِ       

مَاذَا جَنَىْ لَحْظِيْ عَلَىْ وَاحِدِيْ          بِلَحْظَةٍ مِنْ وَاحِدِ الْحُسْنِ       

فالأسلوب البياني- في هذه الأبيات- كان وسيلة الشاعر يلوذ به لتعميق المعاني فتعبير الشاعر بالكناية"نائي الجفن عن الجفن" المقترن بالتكرار اللفظي المباشر ، يأتي ليعبّر عن مخاض التجربة التي يعدّ لها القالب البياني الأفضل لصبّها فينزاح المجال الدلالي لينفتح على صورة أخرى عبّأ فيها التشبيه البليغ بالتكرار"البيت3" ليفيد من فاعليته في التماسك فقد جمع بين الفعل ومتعلقه المصدر"فارق..فراق الخدن" فغالبا ما يأتي ((في الجملة الفعلية بعد تمام الإسناد كلمات تؤدي وظائف لغوية ينبني عليها تمام المعنى ، وتكون هذه الكلمات مكمّلات للمعنى المعبر عنه بأصل الجملة ، فيبعثْنَ في الجملة حياة لم تتأتَّ لها بدونهنّ)) فــــ"الفعل + المصدر" ألّف أطراف التشبيه البليغ وربط الصورة برباط وثيق وبمعنى متواشج عن طريق التعلق بين الفعل ومصدره"التكرار الجزئي" من ناحية وبين علاقة المشبه والمشبه به من ناحية أخرى ، ليركز على نوع الفراق وعظم درجته كونه فراق حياة ، وعلى هذا يتحقق مع التكرار ((دفع المعنى إلى النمو تدريجيا وصولا إلى الحد الذي يحسن الوقوف عنده ، حتى يمكن أنْ نعتبر اطّراد المعنى تداخل مع وجوه الحال المناسبة فيه)) ولم يقف الشاعر مع ذلك التكرار وإنّما أردفه بتكرارين"لحظي = لحظة / واحدي = واحد"لاستكمال اللحظة الشعورية التي تنتابه من أثر الفراق وهي الفكرة المهيمنة.

ويزاوج الشاعر بين شبه التكرار وتكرار المفردة في التشبيه ، فيقول:

يَا نَاحِلَ الأَجْزَاءِ مِنْ طُوْلِ الضَّنَى      وَمُتَيَّمَ  الأَحْشَاءِ مِنْ حَرِّ الْهَوَى   

وَمُوَكَّلاً بِالْحُزْنِ آنَسَ طَرْفَــــــــهُ      أُنْسَ الدُّمُوْعِ بِهِ وَأَوْحَشَهُ الْكَرَى   

وَلَيَذْهَبَنَّ زَفِيْرُهُ بِعَزَائِــــــــــــــــهِ      بِالشَّوْقِ حَتَّى لَا يُحِسَّ وَلاَ يَرَى   

            يلحُّ الشاعر على تأكيد معاناته في الحب فيأتي بالكناية"ناحل الأجزاء" ويستعمل وسيلة شبه التكرار لضمان تماسكها النّصّي في الألفاظ"الأجزاء - الأحشاء" فهناك اندماج في العلاقات بين أساليب البلاغة في البيان"الكناية" والبديع"الجناس الناقص" ولا شكّ في أنّ هذا التزاوج يقوي من فعل التماسك بين التراكيب فيؤدي هذا إلى زيادة في القيمة الفنية للصورة وهذا دفعه إلى خلق تماثل تركيبي وإيقاعي وفي مقاطع صوتية متشابهة: 

                            الأجزاء     مِنْ     طول     الضنى


                          الأحشاء   مِنْ    حَرِّ     الهوى

وهذا الإجراء التكراري يتناسب وحركة التشبيه البليغ بالمصدر المضاف"آنسَ..أُنسَ الدموع" وإضافة "انس" للدموع تماسك ساند النمط التكراري في التشبيه ومنح الصورة تعبيرا موجعا ، فالمركب الإضافي في السياق ينطلق من علاقة تواشج بين المعاني وهي ((أشبه بالتوحد يقوم إحداها على الآخر ويفيد التخصيص)) فالشاعر مبتلى بالحزن حتى غدا أنيس طرفه ، يلاطف دموعه ويطرد النوم عن عينيه.وتتماوج الأساليب تبعا لتموجات النفس فتتمدد الصورة وتزدحم بالتكثيف الدلالي فيظهر على السطح تقابل في التضاد بين"الحزن ≠ انس" ليبيّن في ترابط آخر صراع الشاعر المفجوع من خلال البنية العميقة الثاوية خلف التضاد ، فيكشف المعنى عن واقع العاشق العذري الذي لا ينفك عن تسلية نفسه بالحزن والدموع والسهر كرد فعل سلبي لساعات الهجر والغياب الذي ينوء به قلبه.

ولهذا أجد أنّ التشبيه البليغ بالمصدر أقوى أنواع التشبيه من حيث الربط وذلك للأسباب الآتية:

1- وجود تماسك شكلي بين الفعل والمصدر عن طريق التكرار ، وعودة المصدر على الفعل المرجع وهو المطرد ربما يرجح الرأي القائل أنْ يكون الفعل أصلاً للمصدر وهو رأي الكوفيين.

2- وجود تماسك صوتي "نغمي" بين الفعل و المصدر.

3- يعمل حذف الأداة ووجه الشبه في خلق تماسك شديد على مستوى الصورة وفيه تحريك الذهن في تقدير الوجه والأداة.  

ومما سبق نجد أنّ أسلوب التماسك بالتكرار طغى في المقطوعات الشعرية وجاء مكثفا فأقام علاقات حميمة بين عناصر الصورة البيانية فألف حضوره نسقا مهيمنا كشف عن أغراض النّص ودلالاته العميقة لما تحمل وظيفته من تركيز على اللفظ المكرر للوصول إلى المعنى الذي يقصده الشاعر ويؤكده بالقوة من خلال الإعادة أو الترديد مستعملا كل أنواعه المعروفة.

- رد الأعجاز على الصدور

ردّ الأعجاز على الصدور فن قديم عرفه البلاغيون العرب وأدركوا قيمته في تأليف الكلام إذ يرى أبو هلال العسكري أنّ له أهمية كبرى في البلاغة ولاسيما في الكلام المنظوم وجعله ابن المعتز في الباب الرابع من كتابه البديع وهو عنده رد أعجاز الكلام على ما تقدّمها وقد قسمه على ثلاثة أقسام: فمنه ما يوافق آخر كلمة فيه آخر كلمة في نصفه الأول ، ومنه ما يوافق آخر كلمة منه أول كلمة في نصفه الأول ، ومنه ما يوافق آخر كلمة فيه بعض ما فيه. 

وتوسع القزويني في تعريفه ، فهو ((في النثر:أن يجعل أحد اللفظين المكررين ، أو المتجانسين ، أو الملحقين بهما ، في أول الفقرة ، والآخر في آخرها ، كقوله تعالى:﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾[الأحزاب:37]...وفي الشعر:أن يكون أحدهما في آخر البيت ، والآخر في صدر المصراع الأول ، أو حشوه ، أو آخره ، أو صدر الثاني..)) وهو بهذا المفهوم خرج عن مجال المصطلح فشمل - بحسب ما يرى أحد الباحثين- الترديد والتعطف وهما فنان مستقلان ، وكذلك أشرك الجناس وهو فن ظهر متفردا له معاييره التي تختلف عن "رد الأعجاز على الصدور"القائم على إعادة اللفظ والمعنى واحد.

  ويمثل هذا الفن وسيلة من وسائل التكرار الذي يقوم على خلق الترابط بين أجزاء الكلام ؛ وذلك بإعادة اللفظ على عنصر معجمي سابق له علاقة به في سياق النّص ، ويمثل موقع التكرار الكامن بين صدر البيت وعجزه عبر البعد المكاني وإطالة اللحظات الزمنية بعدا ترابطيا تتشابك فيه الألفاظ وتظهر قدراتها الدلالية في بنية متماسكة من خلال الاتصال المعجمي الذي يتحكم به الوعي المهيمن ، ومن المستوى السطحي ينبني المعنى العميق فثمة بون دلالي يتحرك بين العنصر اللغوي ومرجعه يفسح آفاقا لاتساع المعنى وبثه وكلما تباعدت أطراف التصدير صار مجال التماسك أقوى ((فكأنّ التكرار هنا لابد أن يتوفر فيه ذهنيا مسافة في الدلالة تسمح للفظة التالية أن تستقر بعدها محققة نوعا من اكتمال المعنى أو بيانه أو تحقيقه)).

وقد فطن البلاغيون إلى أثر هذا الأسلوب"رد الأعجاز على الصدور" في إحداث التماسك وتأثيره الجمالي في الكلام الإبداعي ، وقد وردت إشارات من ذلك منها ما قاله ابن رشيق في أنه:((يدل بعضه على بعض ، ويسهل استخراج قوافي الشعر إذا كان كذلك وتقتضيها الصنعة ويكسب البيت الذي يكون فيه أبهة ويكسوه رونقا وديباجة ويزيده مائية وطلاوة)) ويكشف ابن أبي الإصبع عن أهميته في التكوين النّصّي وطبيعته في بناء العلاقات فيحده قائلا:((كل كلام بين صدره وعجزه رابطة لفظية غالبا ، أو معنوية نادرا ، تحصل بها الملاءمة والتلاحم بين قسمي كلّ كلام)) ومن اجل ذلك استثمر خالد الكاتب هذا اللون من الفن في شعره ، ومن ذلك قوله:

نُوْرٌ تَوَلَّدَ بَيْنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَـــــــــرِ    يَجِلُّ حُسْناً عَنْ الأَشْبَاهِ وَالصُّـــــــــوَرِ  

إنْ قُلْتُ:مِنْ بَشَرٍ قَالَتْ مَحَاسِنُــهُ    لاَ وَالْهَوَىْ مَا الَّذِي تَعْنِي مِنَ الْبَشَرِ  

فَكُلُّ وَصْفِكَ دَعْوَى لاَ تَقُومَ بِهَا    مِنْ يُنْجِهِ غَيْرُ لَحْظِ الْعَيْنِ بِالنَّظَـــرِ 

فَالْوَهْمُ يَعْجَزُ عَنْهُ فَهْوَ مُقْتَسِمٌ      رَأْياً تَحَيَّرَ بَيْنَ الْقَلْبِ وَالْفِكَــــــــــــــــــرِ

يجعل الشاعر المحبوب قطبا تدور حوله الصفات ، فيشبهه بالنور"نور تولّد" وبأسلوب الحذف "حذف المسند إليه:هو نور" ليربط النّص مقاميا مع المحبوب خارج النّص ويضفي عليه سمات دلالية تعبر عن تفرده بذلك الحسن وتهيئ المجال للاستعارة "قالت محاسنه"أن تأخذ دورها في تعميق تلك الدلالة ، ولا يستطيع الفن البياني ان ينهض بمفرده من دون الاتكاء على بعض الأساليب النّصّية ؛ لذا استعان الشاعر بالتكرار الذي جسده التصدير في البيت الثاني ، فقد جمع بين اللفظ"بشر"في صدر البيت مع "البشر" في عجزه ليفيد من فاعليته في تعزيز بناء الصورة من خلال الربط بينه وبين باقي المقطوعة فضلا عن النسق النغمي الذي يشيع في الصورة والذي أفاد منه الشاعر في تجسيد عنصر المبالغة في الحسن حتى جعله يفوق سائر البشر ، وبهذا تظهر فاعلية التصدير فهو((أسلوب بلاغي يقوِّي الكلام ويحسّنه ، وهو فضلا عن ذلك كله يكسبه ترابطا معنويا ، ويمنحه إيقاعا موسيقيا جميلا بسبب تكرار الكلمتين المتجانستين)).

ويتناغم رد الأعجاز على الصدور مع الاستعارة ويشارك في تكوينها النّصّي:

سَهَّلَتْ زَفْرَتِي مَسِيْلَ الدُّمُـــــــــــــــــــوْعِ      مِنْ هَوًى لَا يَنَامُ بَيْنَ الضُّلُـــــــــوْعِ           

لَيْسَ لِيْ عَبْرَةٌ فَأَبْكِيْ رُقَــــــــــــــــــادِيْ      أَيَّ عَيْنٍ تَقَرُّ بَعْدَ الْهُجُــــــــــــــــــوْعِ           

يَا بَدِيْعَ الْجَمَالِ أَبْدَعْتَ فِيْ الْجِسْــ        ــمِ ضَنًى حَلَّ مِنْ هَوَاكَ الْبَدِيْـــــــعِ           

بِأَبِي كَيْفَ أَنْتَ كَيْفَ وَحُبِّيْــــــــــــــــــــ        ــكَ أَنَا الْمُبْتَلَى بِسُوْءِ الصَّنِيْـــــــــــــــعِ     

تتداعى الأنماط البيانية "المجاز= سهّلت زفرتي / والاستعارة= هوى لا ينام / والكناية= ليس لي عبرة / والمجاز= عين تقرُّ"ويمسك بعضها بعضا لتساير تجربة الشاعر التي تتنامى لتصل إلى الذروة في البيت الثالث حيث تألفت الاستعارة "يا بديع الجمال" من ثلاث ألفاظ مكررة جمع بينهما الاشتقاق "بديع + أبدعت + البديع" ولا شك في أنَّ هذا التكرار يعمق من القيمة الصوتية فيمنح الاستعارة قوة في التماسك ، فثمة ألفاظ تتشابه وتتصل معانيها وهي في الوقت ذاته لها وظيفة داخلية ينشدها الشاعر تستمد وجودها من الترابط الدلالي من باقي المقطوعة ، وعلى هذا لا تقتصر الصورة على البيت وحده وان وقع التصدير فيه فظلال المعنى يوحي بالتماسك الشكلي والمعنوي الذي تنبئ عنه الألفاظ "زفرة - الدموع – لا ينام – عبرة – ابكي – ضنى – المبتلى" فالشاعر يشكو من شدة الوجد والشوق واستعان بالتصدير للكشف عن ذلك الألم.

وتكرر هذا الفن البديعي عند خالد الكاتب فوظّفه في شعره للإفادة منه في خلق العلاقات النّصّية التي تقوي التماسك في التكوين البياني ، فيقول في تقوية أسلوبه الكنائي:

وَفُتُوْرٌ بِمُقْلَتَيْ مَنْ بِهِ تَا        هَ عَلَىْ أَعْيُنِ الأَنَامِ الْفُتُوْرُ      

  وقوله:

يَا مَلِيِّاً بِالْحُسْنِ لَبَّيْكَ بِالإحــــــــ ــــــسَانِ وَالْعَطْفِ حَيْثُ كُنْتَ مَلِيَّا

       وردّ الأعجاز على الصدور فن بلاغي ورد في شعر الكاتب وهو يحمل وظائف تشدّ من أواصر الصورة ويقوّي ارتباطها صوتيا ودلاليا عبر تكرار الألفاظ المتجانسة على مستوى البيت الواحد الذي يستمد وجوده من باقي المقطوعة. 



المبحث الرابع:مراعاة النظير

وهو من الأساليب البلاغية التي تحقق الارتباط بين مكونات النّصوص ، وهذا النمط البديعي له قيمة فنية تنبع من طبيعة بنائه القائم على إيجاد صلة من التعالق بين المشاهد والملفوظات والمعاني فينتج من أثر ذلك ثراء دلالي يسعف المتلقي في استقبال الصورة واستكناه مراميها ، ويحدث ذلك عبر السياق الذي يقوم بمهمة المرشِّح يسمح ببعض التأويلات ويمنع أخرى خشية إحداث الغموض والإبهام ، ويؤدي الحصر التضامي الدور نفسه في تحديد جوانب معينة من المعنى من خلال العبارات اللغوية الماثلة في النّص ، وقد عدّه  النّصّيون من أنواع "المصاحبة المعنوية".

والنظير في اللغة يأتي بمعنى المماثلة أو المساواة: نظير بمعنى مناظرة أي مقابلة ومماثلة وفلان نظير فلان ، أي مثله والجمع نظراء.أما في الاصطلاح فيرى السكاكي أنّه ((الجمع بين المتشابهات)) ويتوسع ابن حجة الحموي في تعريفه ، فيقول: ((أن يجمع الناظم أو الناثر أمرًا وما يناسبه، مع إلغاء ذكر التضاد، لتخرج المطابقة، وسواء كانت المناسبة لفظًا لمعنى أو لفظًا للفظ أو معنى لمعنى، إذ القصد جمع شيء إلى ما يناسبه من نوع أو ما يلائمه من أحد الوجوه ..وطريف هنا قول بعضهم في وصف فرس:

مِن جُلَّنارٍ ناضِرٍ خَدُّهُ          وَأُذُنُهُ مِن وَرَقِ الآسِ

فالمناسبة هنا بين الجلنار والآس والنضارة)) فثمة توافق لفظي ومعنوي ناتج عن تماسك الأشياء وتقارب أجناسها أدركه العرب في "مراعاة النظير" لذا عدوا المصطلحات التي تدل على الترابط "التناسب ، والائتلاف ، والتوفيق ، والمؤاخاة" من أسمائه  ، وعلى هذا تكون هذه المباحث داخلة تحت ظلال"مراعاة النظير" لما بينها من تقارب في المفهوم العام.

وقد تنبه عبد القاهر الجرجاني إلى هذا النوع من الترابط ودرسه ضمن نظرية النظم ورأى أنّ المعاني تتألف في النفس ثم تظهر مرتبة في الألفاظ ((فإِذا وجَبَ لِمعنًى أنْ يكونَ أولاً في النفسِ، وجَب للفظ الدال عليه أن يكونَ مثْلَه أوَّلاً في النُّطق))إلى أنْ يقول: ((وأن العِلْم بمواقعِ المعاني في النَّفُس، علمٌ بمواقعِ الألفاظ الدالة عليها في النطق)) ويؤكد عبد القاهر وجود العلاقة بين أجزاء الكلام وعلى المناسبة الموجبة لوضع لفظ في مكان دون الآخر ((فهو إذن نظمٌ يُعتبرُ فيه حالُ المنظوم بعضهُ معَ بعضٍ ، وليسَ هو "النَّظم" الذي معناهُ ضمُّ الشيء إلى الشيء كيف جاء واتفق. ولذلك كان عندهم نظيرا للنسج والتّأليفِ والصياغةِ والبناءِ والوَشْيِ والتحبير وما أَشبَه ذلك، مما يُوجب اعتبارَ الأجزاءِ بَعْضِها معَ بعضٍ، حتى يكونَ لوضعِ كلِّ حيثُ وُضع، علةٌ تَقْتَضي كونَه هناك ، وحتى لو وُضِع في مكان غيره لم يصلح)) ويتضح من أقوال الجرجاني أنّه يريد أنْ يثبت أنّ النظم يجري على الألفاظ كما يجري على المعاني وان المنشئ يضع الكلمات عن وعي ((إنَّه يُرتِّبُ المعانيَ في نفسِه، ويُنْزِلها ، ويَبْني بعضَها على بَعضٍ...يُرتِّب الفروعَ على الأصول، ويُتْبع المعنَى المعنى ، ويُلْحِق النظِير بالنظير)).

ويبدو أن البلاغين العرب قد أحسّوا بالتآلف الحاصل في النّص من مراعاة للنظير وربط التجربة الإبداعية بالإعلامية التي يستجيب لها المتلقي بحسن توقعه عند تلقيه لعملية الإبداع ، والإعلامية تعطي دفعا للتماسك ؛ لأنّها تجعل المتلقي يتابع مع المبدع عملية التداعي النّصّي.

والإبداع القولي لغة واللغة – شأنها شأن أي فعل إنساني – تتآلف بوساطة التداعي ؛ لذا  نال إعجاب نقاد الأدب قول المتنبي:

فالعُرْبُ مِنْهُ مَعَ الكُدْرِيِّ طَائرةٌ والرُّومُ طَائرةٌ مِنْهُ مَعَ الحَجَلِ

 وقد أشادوا بحسن تأليفه ومراعاته للنظير ، ووجدوا ((أن تقوية المعنى الأول، مناسبة القطا الكدري مع العرب ؛ لأنّه يلائمهم بنزوله في السهل من الأرض، وينفر من العمران ويستأنس بالمهمه، ولا يقرب العمران إلا إذا زاد به العطش وقل الماء في البر. ومناسبة الحجل مع الروم، أنها تسكن الجبال، وتنزل في المواضع المعروفة بالشجر))فقد وفق المتنبي بين الأشياء وما يناسبها.

ويراعي خالد الكاتب للنظير في تكوينه البياني ، فيقول:

إِنِّــــــيْ عَلِيْلٌ فَعُدْنِــــــــــــــــــــــــــــــــيْ    وَدَاوِنِيْ أَوْ فَزِدْنِــــــــــــــــــــــــــــــيْ  

الشَّوْقُ إِلْفِــــــيْ وَأُنْسـِــــــــــــــــــيْ    وَالْحُزْنُ حِلْفِيْ وَخِدْنِـــــــــــــــــيْ  

وَالدَّمْعُ طَــــــــــــــوْعُ جُفُوْنِــــــــــيْ    فَلَيْتَ ذَلِكَ يُدْنـِــــــــــــــــــــــــــــــــيْ  

فَمَا أَزِيْــــــــدُكَ يـَـــــــــا مُنْــــــــــــــــــــ    ــــــتَهَىْ الْمُنَـــــــىْ فَأَزِدْنِـــــــــــــــــــــــــيْ 

 ينبثق التشبيه"إني عليل" من بداية المقطوعة ويأخذ حيزا واسعا في نسيجها النّصّي وتغييب وجه الشبه ينبئ عن عشق كبير ، أظهره حين اتكأ على المشبه به ليرسم طريق الصورة بوساطة الألفاظ التي تتعانق ويستدعي بعضها بعضاً ، فقد توافق المعنى بين كلمة "عليل" وبين الكلمات"عدني- داوني- الشوق- الحزن- الدمع" التي احتاج إليها الشاعر لتقوية العلاقات ضمن سلسلة النّص وتعميق إحساسه في لغة فنية تزخر بالتأثير والإيحاء إذ ((ليس الشعر اللغة الجميلة ، لكن الشعر لغة يبدعها الشاعر لأجل أنْ يقول شيئاً لا يمكن قوله بشكل آخر)) وهذا التلاؤم وقرب التعابير استدعى تشبيهين آخرين"الشوق إلفي..والحزن حلفي وخدني" لتنظيم التجربة التي تتعاور بين الحنين والحزن اللذين أصبحا أنس الشاعر والأليف المحبب.

ويناسب الشاعر بين الألفاظ ليظفر بالمعنى المراد فيقول:

يَا نَائِمَ الطَّرْفِ عَنْ لَيْلِيْ وَأَسْهَـــرُهُ    نَمْ لَا أَرِقْتَ فَإِنَّ الشَّوْقَ أَرَّقَنِـــــــــي   

مَا يُقْبِلُ اللَّيلُ إِلاّ ازْدَدْتُ فِيْ كَمَدِي    وَيُقْبِلُ الصُّبْحُ إِلاَّ ازْدَدْتُ فِيْ حَزَنِي  

هَذَا عَذَابٌ عَلَىْ طَرْفِيْ وَذَاكَ عَلَـى    نَفْسِيْ وَقَلْبِيْ وَأَسْقَامٌ عَلَىْ بَدَنِــــي   

يَالَيْتَنِيْ لَمْ أَكُنْ أَوْ لاَ أُرَىْ فَرِحــَــــــاً  أَوْ لَيْتَ مَنْ لاَ يُنِيْلُ الْوَصْلَ لَمْ يَكُـنِ      

 ينتقي الشاعر أسلوب الكناية واالمجاز المرسل بعلاقته الجزئية"يا نائم الطرف" للتعبير عن طبيعة المحبوب غير الآبه بما يعانيه محبوبه من سهر وعذاب ويقابل هذا الموقف بالمجاز العقلي"الشوق ارقني" ليكشف بعمق عن تأوهات الذات ، ويستعمل"الياء" لنداء المحبوب دون غيرها ليلفت انتباه المتلقي لأمرين:"الأول: بعد المحبوب عن عين الشاعر والثاني:استغراقه بالنوم لوجود حرف المد بــ (يا) النداء" وجاءت التعابير لتنشئ علاقات منتجة هيأت الرباط القوي للصورة ، فقد لاءم الشاعر بين نوم المحبوب وسهره في النّص:

نَائِمَ الطَّرْفِ = نَمْ لَا أَرِقْتَ                                          يتعلق بالمحبوب

وَأَسْهَـــرُهُ = أَرَّقَنِـــــــــي                                              يتعلق بالشاعر

وينطلق البيت الثاني من حيز زماني ليناسب بين إقبال الليل وإقبال الصبح في بناء أفقي ممتد مع التجربة ، فالليل يستدعي الكمد والصبح يستدعي الحزن وقد جمع ذلك في أربعة ألفاظ متناسبة "الليل + الصبح" و"الكمد + الحزن" فالصورة تتحرك في فضاء اتصالي ينبع من تآلف الألفاظ في لغة حزينة وقد صاحب هذا التلاؤم في الأداء الشعري تكثيف في وسائل التماسك فجاءت بحسب ما يأتي:

1- التكرار:كرر بعض الألفاظ مرتين:"نائم- نم// الطرف- طرفي// أرقت- ارقني// ليلي- الليل// ازددت- ازددت// ليتني- ليت // لم أكن- لم يكن"

2- التضاد:"إيجاب: نائم ≠ أسهره // سلب: لا أرقت ≠ أرقني // سلب: ما يقبل ≠ يقبل // إيجاب: الليل ≠ النهار".

3- الإحالة: (أ) بالضمائر:

- إحالة على الشاعر:في الكلمات"ليلي- ارقني- ازددت(عدد2)- كمدي- حزني- طرفي- نفسي- قلبي- بدني- ليتني- الضمير المستتر في الأفعال(اسهر - أكن - أرى)"

- إحالة على المحبوب:"أرقت- الضمير المستتر في (نم ونيل ويكن)"

- إحالة على الليل:"أسهره"

(ب)الإحالة النّصّية بالإشارة ربطت البيت الثاني بالثالث كشفت عن حال الشاعر الكامن بين مرتكزين متناقضين"الليل ≠ النهار"


اللَّيلُ إِلاّ ازْدَدْتُ فِيْ كَمَدِي                 هَذَا عَذَابٌ عَلَىْ طَرْفِيْ



الصُّبْحُ إِلاَّ ازْدَدْتُ فِيْ حَزَنِي                وَذَاكَ عَلَـى نَفْسِيْ وَقَلْبِيْ وَأَسْقَامٌ عَلَىْ بَدَنِي


وقد مثلت هذه الإحالة استكمالا للصورة إذ لم يقتصر الشاعر على الليل في صب دموعه ولكنّه امتدّ في الزمن إلى الصبح الذي بحلوله يتسع الحزن وتشتد الآلام على النفس والبدن ، وبهذا لا تلوح في الأفق ملامح الراحة ولا مهرب للشاعر من تغيير واقعه.

ويستمر الشاعر في بث تجربته فيناسب بين الألفاظ لتسهم في تكوين الصورة فيقول:

وَمُكْتَئِــــــــــــــــبِ الْفُؤَادِ بَكَـــــــــــــتْ    لِرَحْمَتِـــــــــــهِ عَــــــــوَاذِلُــــــــــــهُ     

أَذَابَ فُــــــــــــــــــؤَادَهُ كَمَــــــــــــــــدَاً    حَبِيْــــــــــبٌ قَــــــلَّ نـَــــــائِلُـــــــــهُ     

شَفَـــــــــــاهُ اللهُ مِـــــنْ دَنَـــــــــفٍ    فـَـــــــإِنَّ هَـــــــــوَاكَ قَــــــــاتِلُـــــهُ     

فَتَـــــــــــىً قَوِيَـــــــتْ صَبَابَتُـــــــهُ    كَمَـــــــــا ضَعُفَــــــــــــــــــــتْ وَسَائِلُــهُ    

هناك شعور قاتم تظهره الصياغة فالطابع الحزين يكتنف الصورة وقد جمع الألفاظ التي تناسبها"مكتئب- كمد- دنف- هواك- صبابة" لكن الشاعر لم يقف على تأليفها فقط بل حركها قصدا للإبانة عن إحساسه المتصدع الذي جعل العواذل تبكي لرحمته وهو إحساسُ عاجزٍ يائسٍ ، فالشاعر لم يغادر حزنه ، لأنّه لم ينعم بوصل أو لقاء.ومن تماسك تلك الألفاظ وتقارب معانيها تتجلى ظروف تكوين الأداء البياني المتمثل في الاستعارة"أَذَابَ فُؤَادَهُ كَمَدَا" فالمقطوعة فيها ترابط نصي على المستوى العميق فالدلالة تتحرك وتجر الألفاظ فيتولد منها شعور مؤلم امتدَّ حتى إلى عذّاله وهي تلبية لبواعث تتغذى على آثار الفراق فيشتد من اجلها وجده وتضعف سبله ، وهذا ما جعل التراكيب تتوافق في نظمها لتقابل التجربة المعيشة.

وعلى هذا يكون التناسب في مراعاة النظير من الوسائل المهمة في تماسك النّص، ومكوناً فاعلاً في التكوين البياني يحرص المبدع من خلاله على إيجاد مبدأ التوافق بين الألفاظ بغية الوصول إلى تواشج الدلالات واتساقها على الوجه الذي يجعل المتلقي لا يشعر أنّ ثمَّة قطعاً في الكلام أو خللا في التراكيب ، وفي هذا تسهيل لعملية البوح والإعراب التي تفيض به ذات الشاعر، وكذلك تسهيل نجاح مهمة التواصل التي ينشدها.        

 
































الخاتمة 

الحمد لله الذي وفقني لكتابة هذا البحث ومَنَّ عليّ بانجازه وقد كنت- طول هذه المدة- مستمتعاً بهذه الرحلة لم أشعرُ بمللٍ أو ضجرٍ، ولعل ذلك يعود إلى طبيعة هذه الدراسة التي تحاكي التطور الحاصل في مجال الدراسات اللغوية متعددة الاختصاصات ، وقد حاولت الدراسة المواشجة بين الدراسات التراثية واللسانيات الحديثة والمعاصرة(بين الدرس العربي والغربي) إذ إنّ ذلك يخدم تحليل النّص الذي يقوم على الإفادة من النظريات النّصّية الحديثة من دون الإسراف فيها.وقد توصل البحث إلى جملة من النتائج جاءت على النحو الأتي:

(1)

موضوع الرسالة يدرس مفهوم التماسك النّصّي في التكوين البياني، وقد تتبعنا أثره في الدراسات العربية القديمة وظهر لنا أنّ النقاد والبلاغيين العرب القدماء قد تداولوا - في نصوصهم المختلفة- ألفاظا ظهر لنا من استقرائها أنها قريبة من التماسك أو تدلّ في بعض معانيها على  مفهومه الحديث من مثل(الائتلاف ، الاتساق ، الالتئام ، الالتحام ، الانسجام ، الترابط ، التناسب ، الحبك ، الرصف ، السبك ، النسيج ، النظم..وغيرها). 

ولم يغفل علماء العربية الدرس النّصّي بل استطاعوا أن يؤسسوا في دراساتهم وتحليلهم للنصوص لبنات تصلح أن تكون بدايات لنظرية نصية جاءت ملامحها في بعض مباحث اللغويين ولاسيما عند(الخليل وسيبويه وابن جني وغيرهم..)وعالجوا فيها موضوعات شتى تقترب من الدراسات النّصّية الحديثة والمعاصرة ، وقد برعوا في تطبيقاتهم اللغوية. 

وقد أظهرت الدراسة أنّ فكرة التماسك عند البلاغيين العرب كانت أوسع رؤية وأكثر شمولية من غيرهم ؛ لتناولهم أبحاثاً تلتقي مع احدث النظريات اللسانية الحديثة ، منها رعاية المقام إذ صرحوا بقولهم: "لكل مقام مقال" وأكدوا مبدأ الصناعة في نظم الشعر الذي يومئ إلى حذق الشاعر في حسن السبك وإحكام الرصف ، وتجلى ذلك واضحا عند عبد القاهر الجرجاني في نظريته المعروفة"النظم"التي تخصّ بناء النّص وتحقيق ترابطه في النظم والتأليف ، ومجالها التقريب بين أجزاء النّص من خلال التعليق. 

ووجدنا أنَّ المفسرين قد اهتدوا إلى تفسير بعض الآيات عن طريق ربطها بأسباب نزولها"الأحداث المحيطة" للوقوف على أسرارها، وتبيان مقاصدها، وهذا النوع من الأبحاث يجري تحت مظلة التماسك النّصّي.

وكشفت الدراسة عن عناية طائفة من المفسرين وباحثي علوم القرآن بعلم المناسبة لما فيه من إجراءات تتجه نحو الكشف عن علاقات التناسب بين وحدات النّص القرآني وخارجه لإيمانهم بأن القرآن الكريم نص متماسك تتناسب أجزاؤه.

وتمثلت دراسة الأصوليين للنص من جوانب متعددة ومن جملة ما درسوه القضايا التي تتعلق بالنّص القرآني الكريم وسياقه والعلاقات التي تربط النّصوص من مثل"العام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمفصل..."وهذه المباحث يقترب مستواها من الدرس النّصّي الحديث لما فيه من اتصال بين أجزاء الكلام.

وأشار البحث إلى الدراسات التي تؤكد تماسك وحدات النّص في الدراسات القرآنية الحديثة وبدا ذلك واضحاً من خلال الدعوة إلى النظرة الشاملة في تحليل النّص القرآني ، وقد ظهرت ملامح هذا الاتجاه على يد أمين الخولي في محاولاته التجديدية ومن تبعه من الدارسين ، لتتعدى مجال الأدب إلى مجال التفسير وبهذا ظهر المنهج الموضوعي في التفسير.

وحاول البحث تحديد بدايات الدراسات النّصّية ومراحل تطوّرها لكونها باتت تتوغل في أعماق النّص وتأخذ في التحليل بعداً أوسع ، وهي حاجة ملحّة في تجاوز النظرة الجزئية للنص ، وقد تخطت في ذلك البناء اللغوي إلى علوم أخرى تفاعلت معها وبهذا تمثل لسانيات النّص مرحلة من مراحل تطور التحليل الفني تعود بداياتها الحقيقية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين للميلاد ، لكنّ اكتمال ملامحها كانت في بداية السبعينات على أكثر الآراء.

أما مصطلح النّص فقد تعددت تعريفاته ،وتشعبت نواحيه، وتعذر تحديد مفهوم خاص به ، وهو في هذا أشبه بمصطلح الجملة ؛ لذا وضعت الدراسات النّصّية أسماء تلتصق بالنّص منها"علم النّص ، علم لغة النّص ، لسانيات النّص ، علم اللغة النّصّي.."وهدفها الانعتاق من قيد الجملة إلى أفق النّص.

وبيَّن البحث أنّ مصطلحي"النّص والخطاب" قد خلّفا جدلاً كبيراً في الميادين اللغوية والنقدية والبلاغية فهما من المصطلحات التي يصعب تحديدها والإحاطة بها ، ونشأ هذا التداخل والخلط عند الغربيين أولا قبل دخولهما إلى الدراسات العربية ، فمنهم من عدّ النّص ضمن المظهر الكتابي والخطاب مظهرا لفظيا ، ومنهم من يرى أنّ هناك فرقا بين النّص والخطاب والكتابة ، ويرى البحث أن النّص أعمّ من الخطاب لاشتماله على المنطوق والمكتوب وعلى كل علامة دالة مهما كان شكلها أو حجمها ، بينما يغلب على الخطاب – وبحسب الآراء الكثيرة - المنطوق ويشترط في المفهومين عاملا التواصل.

واتضح من خلال البحث أنّ لا صورة بيانية مؤثرة تقوم من دون وجود تماسك يشدّ تكوينها وأنّ أيّة محاولة لتحليل الصورة البيانية وتحديد فاعليتها التركيبية والجمالية لابدّ أنْ يُؤخذ بالحسبان تركيبها النّصّي الشامل الذي يمنحها صيرورة الوجود وليس بالظاهرة المفردة التي يصبح بموجبها التحليل ناقصاً ، فالصورة مجموعة من العلائق تتولد في تركيب يثير خيال المتلقي ويدفعه إلى مواصلة الكشف عن ذلك الإجراء ، ولا تثبت هوية النّص إلاّ من خلال تأليفه المتماسك.

(2)

وتجلّى البحث عن مدى إفادة الشاعر خالد الكاتب من فاعلية السياق بوصفه عنصرا نصّياً يسهم في تكوين الصورة البيانية ، وقد مثّل له اتجاهاً نصياً وظّفه في مستويات مختلفة منها:(السياق اللغوي"المقالي" ،والمقامي ،والثقافي ،والنفسي ،والتداولي ،والزمني ،والمكاني) وكان السياق بأنواعه قد أثّر في التكوين البياني ، فقد انتقى الشاعر خالد الكاتب الألفاظ التي تآلفت مع بعضها ، وأوردها في محلها لتكتسب دلالاتها الخاصة في سياق ينسجم وترابط الصورة الكاملة . وحفل شعره بوحدات تتماسك مع الأحداث الخاصة والمواقف التي صاحبت النّص وأحاطت به لتأثيرها المباشر في مجرى الصورة ومعطيات التجربة التي حاول فيها الشاعر بث لواعجه. 

ونجد-كذلك- أن الشاعر قد نهل من ثقافة عصره من عادات وتقاليد عرفتها بيئته الاجتماعية ، وثمّة ألفاظ شاعت بين الشعراء – ولاسيما العذريين منهم – ومنها: البكاء والعاذل والدموع والفراق و.. وضعها الشاعر في سياق نصي متماسك عضَّد الأداء البياني . 

ووجدنا أنّ السياق النفسي يمثّل دفعا قويا للصورة البيانية التي غذاها الباعث فتفشت في شعر الكاتب صور تعجّ بالحزن والسهر والدموع وهي نتيجة طبيعية لمكابدات الشاعر العذري وآلامه. 

واظهر البحث المهمات الوظيفية للسياق التداولي الذي ساعد في تكوين الصورة البيانية وشدّ نسيجها النّصّي وتفاعلها التواصلي ، وقد استعان خالد الكاتب بالصيغ التداولية ومنها: النداء وأفعال الأمر والاستفهام.. وزجها في صوره واستعملها - في اغلب الأحيان- استعمالا مجازيا ونرى ذلك في نداء أعضاء الجسم وهو استجابة لطاقة انفعالية تمليها التجربة.

ومثل السياقان الزمني والمكاني قيمة سياقية نصية راسخة في شعر الكاتب ضمنها صوره البيانية التي استدعت ألفاظ "الزمن والدهر والليل وساعات الهجر و.." وهي تمثل صورا سلبية تعبر عن إحساس داخلي مخزون يومئ إلى معاناة نفسية حادة ، ولم ينأ السياق المكاني - ببعديه الفيزيائي والخيالي- عن ذهن الكاتب فاستثمره ليكون منفذا لبث التجربة فأشار إلى مكان سكن الحبيبة غير الدقيق وجعل موضع الورد في خدها.. 

(3)

وعني البحث بالكشف عن عنصر الإحالة بنوعيها"الداخلية والخارجية" وتبيّن أنّ لها قدرة عالية في ربط عناصر الصورة البيانية ، وأنّ اغلب إحالات الكاتب كانت إحالات مقامية "خارجية" وهي ظاهرة استطاع من خلالها إخفاء اسم محبوبته وهو- في هذا- يختلف عن الشعراء العذريين الذين ذكروا أسماء محبوباتهم ، وقد شاع في بعض صوره الإحالة على أعضاء الجسم مقترنة بأساليب منها:النداء أو السرد وهي عنده كثيرة الحضور كشفت عن همومه وآلامه الداخلية ، وهي على هذا لها أثر في شدّ أواصر الصورة ،وقد أسهمت في التكثيف الدلالي الذي ينشده الشاعر في مقطوعاته مستعملا في ذلك كل أنواع الإحالات النّصّية من"ضمائر شخصية وأسماء إشارة وأسماء موصولة و.." لتأتي منسجمة مع حال الشاعر العاشق المستهام فأعانته الإحالة في التكوين البياني فنوّع فيها طبقا لدفق التجربة وطبيعة الموقف الشعوري. 

ووجد البحث أنّ الإحالة على لاحق قليلة لكنها كانت أكثر عمقا وأوغل من القبلية على الرغم من قلة استعمالها في اللغة العربية وعند خالد الكاتب ؛ وذلك لما تحمله من تشويق للنفس في إدراك الصورة وتفاعلها في النّص.

(4)

وأدرك البحث أنّ توظيف الأساليب البلاغية في بنية الصور البيانية ولّدَ دفقاً إضافيا للتماسك الذي يؤدي إلى ربط النّص ، أفاد منه الشاعر في إثراء الصورة البيانية وتمكينها من التأثير الدلالي بفعل الاتصال الناتج بينها وبين الفن البياني وتعانق حلة بلاغية بأخرى يزيد من جمال الصورة ويعمّق تأثيرها ، وهذا لا يخلو من وجود الباعث الذي يستدعي تلك الأساليب.

والحذف أسلوب بلاغي يتصف بالتكثيف والإ