نظريّة التقليد في الفقه الإسلامي - خضر الدجيلي

 بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على اشرف الأنبياء والمرسلين محمدٍ النبي الأكرم , وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين وبعد : 

فالعلم يحظى بعناية خاصةٍ في الفكر الإسلامي , إذ حثّت الشريعة المقدسة على طلبه , وأوجبته فرض كفاية في كل مجالاته وحقوله , ولاسيما علوم الشريعة ومعارفها , وكرّمت العلماء بكونهم ورثة الأنبياء ؛لأنهم الامتداد المتواصل للمسيرة الإيمانية الرائدة , قال تعالى (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) , وقال تعالى (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)  , وتأسيسا على مكانة العلم والعلماء , فقد حددّت الشريعة الإسلامية مسؤوليات العلماء وصلاحياتهم , ودورهم في مسيرة الأمة والحضارة الإسلامية , فشهد التاريخ وحفلت آفاق العلم بما بذله العلماء من جهد فكري وإثراء علمي وأفق معرفي من أجل حفظ الشريعة وحماية نقائها وأصالتها , وتثبيت أصولها التي تصلح لكل زمان ومكان . 

وعلم الشريعة الإسلامية , ليس بدعا من العلوم والمعارف البشرية فلا يمكن أن يكون الناس كلهم مجتهدين فيه , ولامحالة أن ينقسم الناس في أمر الشريعة على طائفتين عامة وخاصة: فالعامة من الناس , هم الذين لايحسنون فهم الحكم الشرعي بمراجعة مصادر الشريعة وأصولها , وهؤلاء هم المقلدون , والخاصة من الناس هم الذين تؤهّلهم ملكاتهم ودراساتهم وممارساتهم العلمية لفهم الحكم الشرعي وأستخراجه من أدلته ومصادره الشرعية , وهؤلاء هم المجتهدون ذوو الاختصاص في علم الفقه ...

وتأسيساً على ما تقدّم , فان (التقليد الشرعي) ظاهرة مهمة في حياة المسلمين , وهي من حيث الأهمية , تساوق ظاهرة الاجتهاد الشرعي وتساويها , وتأتي أهمية هاتين الظاهرتين الشرعيتين من أنهما الطريقان الميسّران لمعرفة التكاليف الشرعية التي ألزم الإنسان المكلف بأمتثالها . 

فعن طريق الاجتهاد يصل الفقيه المجتهد إلى معرفة الحكم بشكل مباشر , وعن طريق التقليد يصل العامي المقلِّد إلى معرفة الحكم أيضاً,ولكن بشكل غير مباشر وذلك عن طريق رجوعه إلى المجتهد .

وهذا لأن أمتثال التكاليف من قبل الفرد المكلف يمر بمرحلتين : 

الأولى : مرحلة العلم بالحكم المطلوب إمتثاله , وحصول العلم بالحكم يتم عن أحد الطريقين المذكورين وهما الاجتهاد والتقليد . 

والاخرى : مرحلة العمل,وهو الأمتثال للحكم , وهذا لاتمايز فيه بين المجتهد والعامي . 

فسلوك أحد هذين الطريقين : الأجتهاد أو التقليد إنما هو للخروج عن عهدة المسؤولية الشرعية النابعة من إيمان المسلم بوجوب طاعة الله تعالى – بإمتثال التكاليف الشرعية – ويتوقف هذا على ثبوت حجيّتهما . 

ونظرا لأهمية هذا الموضوع في حياة المسلمين , وما استجد عليه من أمور وإشكاليات , آثرت الدخول إليه والخوض في تفصيلاته وبتوجيه من الأستاذ المشرف (الأستاذ المساعد الدكتور عباس علي كاشف الغطاء) فكانت هذا الأطروحة والتي تحمل عنوان (نظرية التقليد في الفقه الإسلامي) فهذه الظاهرة تستحق منا الدراسة والبحث الدقيق , فقد كتب الأكاديميون والباحثون كثيراً في الأجتهاد , ولكننا لانجد أن التقليد بكونه يقابل الأجتهاد قد أخذ الأهمية ذاتها . وتكمن أهمية هذه النظرية بكونها الرابط الذي يتوقف عليه صحة أعمال المكلف في الغالب . فنحن نعرف أنه ليس كل الناس مجتهدين وليس الكل محتاطين في مجال الأمتثال , كما أنه من المسائل التي وقع الأختلاف بين المسلمين فيها , حتى كان من نتائج ذلك سد باب الأجتهاد .

 وأن هذه النظرية تكتسب أهميتها من أهمية موقع المؤسسة الدينية في مجتمعنا , وأهمية زعماء هذه المؤسسة , وهنا لابد من أن نشير إلى ضخامة المسؤولية التي يتحملها الناس  حينما يرجعون إلى أحدٍ في التقليد ويختارونه للمرجعية , فان هذا الأختيار يعد إسهاماً مباشرا في تكوين المرجع الديني ونصبه للتقليد , وهو مسؤولية خطيرة للغاية . 

وأما مشكلة البحث : 

فهي أن كثيراً من  الناس يجهلون واقع التقليد , وخصوصا على الصعيد الأكاديمي , والدليل على ذلك أننا لانرى موضوعة التقليد تدرّس منهجيّا , ولم نجد رسالة أو أطروحة جامعية كتبت في هذا الموضوع الحيوي بحسب اطلاعي . 

فالتقليد ليس مدعاةً للأختلاف والفرقة والتناحر كما يتراءى لبعض الناس اليوم , وإنما هو عملية ضروريّة ممنهجة لها أصولها وأسسها النصيّة والعقليّة وإنها وجدت لإبراء ذمة المكلف في مجال الامتثال للتكاليف الشرعية من خلال الرجوع إلى أهل الخبرة والاختصاص , تماما كما يرجع الناس في أمورهم الحياتية إلى أهل الخبرة والاختصاص . وأما الأختلاف في الأمور الفقهية فهو ليس خلافاً أو خصومة بل هو تكامل وتنافس محمود للوصول إلى أحكام الشارع الواقعية . وربما نجد من يقول أن التقليد هو ظاهرة تسير بشكل عشوائي وهامشي وبالتالي فأنها تؤدي إلى تحجّر عقول الناس وإنكفائهم وإجترارهم , والحق أن التقليد لايكون كذلك , بل هو نظرية متكاملة لها أركانها وحدودها وضوابطها ومبرراتها . 

ولأهمية هذه النظرية , فقد إستدعى ذلك أن يتوزع البحث على خمسة فصول مسبوقة بمقدمة وقد أنهيته بخاتمة ذكرت فيها أهم النتائج , وبكشاف لمصادر الأطروحة ومراجعها . 

بدأت الأطروحة بالفصل الأول الذي كان بعنوان (النظرية وفلسفة التشريع وعملية الاجتهاد) وهو على ثلاثة مباحث , تناولت في الأول منها معنى النظرية والتنظير في الفقه الإسلامي حاولت فيه تكييف ظاهرة التقليد بعدّها نظرية , وفي المبحث الثاني تناولت فلسفة تشريع الأحكام في الفقه الإسلامي , مبينا فيه ملامح النظرية العامة للتكليف في الفقه الإسلامي وأختلافها عن نظرية التكليف في القانون الوضعي ,وإستعرضت في المبحث الثالث عملية الاجتهاد والمراحل التي مر بها من خلال بيان مفهوم الاجتهاد وأهميته ونبذة عن تأريخه ومجاله في نطاق التشريع المنصوص وفي نطاق الفراغ التشريعي . 

ثم جاء الفصل الثاني الذي يحمل عنوان (مؤمّنات أبراء الذمة للتكاليف الشرعية) وكان على ثلاثة مباحث مسبوقة بتوطئة أوضحت فيها المؤمنات الثلاثة وهي الاجتهاد – الاحتياط – التقليد . تناولت في الأول منها مفهوم الأجتهاد. وفي المبحث الثاني تناولت فيه الأحتياط من خلال بيان مفهومه لغة وإصطلاحا ووروده في السنة الشريفة وبيان أن المحتاط إما أن يكون مجتهدا أو مقلِّداً , مع بيان سُنخ الأحتياط وبعض الأمثلة عليه في المعاملات والعبادات . وفي الثالث تناولت التقليد في اللغة ووروده في القرآن الكريم وفي السنة الشريفة وفي اصطلاح الأصوليين وكما تناولت فيه أركان التقليد وأقسامه والفرق بينه وبين الإتباع وأهمية التقليد ونشوئه . 

أما الفصل الثالث فكان تحت عنوان (مشروعية العمل بالتقليد) وكان على أربعة مباحث تناولت في الأول منها أدلة مشروعية التقليد ومناقشة نفاة الدليل العقلي في التقليد والتي أوردتها بعض مواقع (الانترنيت) وفي الثاني تناولت فيه الحكم التكليفي للتقليد وكان على ثلاثة آراء . ثم المبحث الثالث الذي كان بعنوان (التقليد بين الأصوليين والإخباريين) . ثم جاء المبحث الرابع فكان تحت عنوان (التقليد في الأصول الاعتقادية) الذي أشرت فيه إلى أهم الدعوات في عصرنا الحاضر من إعتماد مرجعية عقائدية تماما كما هي المرجعية في فروع الدين , وكذلك بيان أدلة القائلين بالجواز وأدلة النافين لذلك مع رؤية خاصة للباحث في المسالة . ثم جاء الفصل الرابع وكان تحت عنوان (المجتهد المقلَّد وشرائطه ومهمات المسائل المرتبطة) به وكان على ثلاثة مباحث تناولت في الأول منها شروط المجتهد وفي الثاني تناولت قضية معاصرة ألا وهي ثنائية المرأة ومرجعية الإفتاء ثم جاء المبحث الثالث تحت عنوان مسائل مهمة في التقليد .

 وأخيراً جاء الفصل الخامس وكان تحت عنوان (آثار التقليد والعلاقة مع الأحكام الولائية وحكم القاضي وضوابط الإفتاء) وكان على أربعة مباحث , كان الأول منها(آثار التقليد) , تناولت فيه الآثار الاقتصادية والسياسية والاجتماعية , ثم جاء المبحث الثاني وكان تحت عنوان (التقليد والعلاقة مع الأحكام الولائية وحكم القاضي) , وكان المبحث الثالث تحت عنوان (ضوابط الإفتاء) الذي بينت فيه مفهوم الإفتاء مع نماذج تطبيقية لفتاوى شاذة وفتاوى ميسرة وأخرى فاقدة للانضباط المنهجي , وأخيراً جاء المبحث الرابع تحت عنوان (التقليد وتفسير بعض الظواهر الاجتماعية المعاصرة , تناولت فيه بعض المسائل المستحدثة في التقليد من قبيل محاكاة المجتهد في طريقة كلامه وهيئته بل وحتى أفكاره , وكذلك أختلاف التقليد وأثره كشرطٍ في صحة عقد الزواج من خلال تطبيق شروط صحة الشرط عليه ثم أعقبته بأستنتاج . 

وختاماً فقد أخذت على نفسي في جميع ماذكرته أن لا أقول ألاّ ما أراه صوابا وأن أكون موضوعيا ومحايدا , فان وفقت فبفضلٍ من الله سبحانه وتوفيقه وان أخفقت فمن نفسي , وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد واله الطيبين الطاهرين . 




الفصل الأول

النظرية وفلسفة التشريع وعملية الاجتهاد 


توطئة : 

فقه النظرية هو مصطلح تناوله الباحثون في العصر الحديث في كتاباتهم , غير أن محاولات التنظير الفقهي تعود إلى العصر الإسلامي الأول , عندما اهتم الفقهاء بصياغة قواعد كلية تنطبق على مصاديق متعددة وتندرج تحتها مجموعة مسائل شرعية تشترك في أركانها وشروطها وأحكامها . 

وقد استلهمت تلك القواعد من القران الكريم والسنة الشريفة , فمثلاً قاعدة نفي العسر والحرج اخذت من قوله تعالى ((يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)) ,وقوله تعالى ((مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ))  , وقاعدة نفي الضرر هي الاخرى استلهمت من حديث النبي () في قوله ((لاضرر ولاضرار في الاسلام))  . 

وقد بحث الفقهاء تلك القواعد في سياق مدوناتهم الفقهية ثم استقلت بالتصنيف , وأفردت لها مؤلفات كثيرة , وتنامى الأهتمام بها تبعاً لتطور عملية الأستنباط الفقهي وتراكم التجربة الفقهية .

(1) المفهوم العام للنظرية الفقهية :     

النظرية بالمعنى الشامل تعني الإطار العام وهي ضرورة أساسية لكل تصور متعدد المفردات , فمتى ماتوفرنا على تصور مفردات متعددة لزم أن تتوفر على إطار شامل يصون تلك المفردات من التنافر ويحفظ لها إنسجامها ضمنه . ((ولاينبغي ان ينظر ذلك – اي النظريات الفقهية – بوصفه عملا منفصلا عن الفقه بوصفه ترفاً , بوصفه نوع تفنن , بوصفه نوع ادب , ليس كذلك , بل هذا ضرورة من ضرورات الفقه , لابد من النفاذ , لابد من التوغل عمودياً ايضاً الى تلك النظريات ومحاولة اكتشافها بقدر الطاقة البشرية))  . 

وإن المراد من النظرية بما يتناسب ودراستها هو الصيغة الفكرية المترابطة المركبة من مجموعة من المبادئ والأسس والرؤى والمفاهيم والأحكام والنصوص الإسلامية , والتي ترتبط بعضها بالبعض في أطار التعبير عن المذهب الإسلامي في مجال ما . من مجاولات الإنسان والكون والمجتمع . 

((إن فائدة النظرية الإسلامية بعد استلهامها وصياغتها تتمثل بما تقدمه من نسق نظري ومواقف ومرتكزات وأطار عام للتحرك في المجال التي تتطرق له , وذلك ضمن الخطوط والضوابط والمقاييس أي المعايير العامة للشريعة الإسلامية . 

فلابد للنظرية أن تنطوي على المقارنة بينها وبين المذاهب , وأعمال نقد موضوعي لمذاهب اخرى إذ لايمكن ان تبرز النظرية الاسلامية للذين ندعوهم لتثبيتها , الا إذا امتلكنا وعياً نقديا للنظريات الموجودة وأثبتناها لدى التحليل مدى صمودها امام النقد . 

ثم ان النظرية الاسلامية لايمكن ان تنضج وتتبلور وتبين مثالبها ومحاسنها الا بوضعها محل البحث والدراسة , وبالتطبيق العملي لها في واقع الحياة وتحديداً في اطار دولة ونظام اسلاميين ذلك أن التطبيق العملي للنظرية الاسلامية والإستشهاد بها في مجالها المعين يرتفع بها الى مستوى المسالة والتجربة ويفتح على العقل الاجتهادي نوافذ بصيره جديدة تؤدي الى نضجها وتطويرها))  . 



(2) النظرية لغةٍ : 

مشتقة من النظر وهي الرؤية البصرية أو الفكرية , ولم يجد الباحث لهذه الكلمة استعمالا في كتب المعجمات اللغوية بعد طول بحث , وهذا يدل على تأخر أستعمالها بعد صدر الإسلام . 

وحتى من استعملها من القدامى قبل هذا العصر إنما استعملها في غير معناها المعاصر , فغالبا ماتطلق ويراد بها النسبة إلى النظر , أي إعمال الفكر , ومن ذلك تعريفهم للبصيرة بانها:((قوة القلب المنور بنور القدس ترى حقائق الأشياء وبواطنها بمثابة البصر للنفس ترى به صور الأشياء وظاهرها,وهي التي تسميها الحكماء القوة العاقلة النظرية والقوة القدسية))  . 

ونسبت إليها بعض العلوم للتمييز بينها وبين العلوم التي تحتاج إعمال اليد لا الفكر , ومن ذلك قولهم (يذكر العلم في مقابلة الصناعة) , نعم أطلاقه على ملكة الإدراك بحيث يتناول العلوم النظرية والعملية غير بعيد يناسب العرف  . 

وكلمة النظرية أول من استحدثها في هذا العصر كمصطلح مختلف عن إصطلاح القدماء هم علماء الطبيعة . فعرفها هيجل بأنها : 

((انموذج صوري شامل أو كلي يحدد النسق العام للتفاعلات , فالنظرية هي أنشاء فكري يفسر الظواهر , والتفسير هو تحديد العوامل المتسببة في وقوع ظاهرة ما))  . 

إذن النظرية هي نهاية البحث العلمي التجريبي المتكامل النتائج وأخر مرحلة من مراحله التي يمكن ترتيبها بالشكل التالي :- 

          الملاحظة            الفرضية           التجريب           القانون           النظرية 

(3) النظرية في الاصطلاح الشرعي :  

إما النظرية في اصطلاح الشرعيين المعاصرين فقد عرفت بتعريفات عدة وذلك من خلال تعريفهم للنظرية الفقهية , والتي يمكننا سحبها الى بيان النظرية الأصولية ؛ لان علم الاصول وعلم الفقه مرتبطان معاً باستنباط الحكم الشرعي , فعلم الفقه هو علم نفس عملية الاستنباط , وعلم الاصول علم العناصر المشتركة في عملية الاستنباط . 

ثم ((إن ميزان المسالة الأصولية كونها الباحثة عن حجية الدليل الفقهي سواء ذكرت بصورة مستقلة , أم ضمن كتب الحديث , أو ضمن كتب الفقه))  , وفيما يلي بعض من تلك التعريفات :


التعريف الأول : عرفها الشيخ مصطفى الزرقا بأنها ((الدساتير والمفاهيم الكبرى التي يؤلف كل منها على حدة نظاما حقوقيا موضوعيا منبثاً في الفقه الإسلامي , كانبثاث الجملة العصبية في نواحي الجسم الإنساني , وتحكّم عناصر ذلك النظام في كل مايتصل بموضوعه من شعب واحكام))  .  


التعريف الثاني : عرفها الشيخ أحمد أبو سنه بأنها ((القاعدة الكبرى التي موضوعها كلي , تحته موضوعات متشابهة في الأركان والشروط والإحكام العامة))  . 


التعريف الثالث : عرفها الدكتور علي أحمد الندوي عند صياغته لتعريف النظرية الفقهية بأنها ((موضوعات فقهية أو موضوع يشتمل على مسائل فقهية أو قضايا فقهية حقيقتها أركان وشروط وأحكام , تقوم بين كل منها صلة فقهية تجمعها وحدة موضوعية تحكم هذه العناصر    كلها))  . 

ويراد بالنظرية بمقابل التطبيق , والنظري بخلاف الضروري أو مايسمى بالبديهي , وهو (المسألة التي تعلم من غير دليل) كقولنا الكل أعظم من الجزء أو أكبر . 

ومن المعلوم أنه لم يرد بالتنظير الأصولي والتنظير الفقهي الابتعاد عن واقع الفقه الإسلامي الاستدلالي الواقعي , والسير وراء مفاهيم التنظير الحديث لعلوم أخرى غير علوم الشريعة بكل محاورها , وأنما هو جهد محدد ومؤسس مرتبط بمنهج وأسلوب علمي مبني على الحكم الشرعي المنطقي والعقلي الموافق للحكم الشرعي , مؤصّل على الأسس التشريعية النصيه . 

تعقيب وأستنتاج : قبل بيان التعريف المختار علينا معرفة مايلي :- 

إن النظرية تطلق باعتبارين : 

الاعتبار الأول : تطلق على العملية التي يتوصل بها إلى نتائج كلية مغرقة في العموم من بحث تعريف وموضوع وبيان أركان وشروط وموانع وضوابط واثأر وتحديد أسباب ذلك , او بتعبير أخر تطلق على الوسائل الموصولة إلى النتائج الكلية الأصولية (النظرية) . 

الاعتبار الثاني : تطلق على نتائج هذه العملية 

وهنا نرى أن التعريفين الأولين , وأقصد تعريف الشيخين (الزرقا وأبو سنه) قد اقتصر في بيان حقيقة النظرية على الأعتبار الأول , بينما كان التعريف الثالث (تعريف الدكتور الندوي) قد جمع بين الوسيلة والنتيجة في حقيقة النظرية , وفي هذا جمع بين العوارض الذاتية للنظرية الاصولية وهي النتائج , والعوارض الخارجية للنظرية الأصولية وهي الوسائل , والوسيلة خارجة عن الماهية طبعاً ووضعاً لانها مقدمة موصولة أليها . 

فالنظريات الأصولية في مقام القواعد الأصولية الكبرى , وهذا ينسحب على النظريات الفقهية , فنتائج النظريات الفقهية هي قواعد فقهية كلية تنطوي على قواعد أخرى في ثناياها , فالنظرية حكم مغرق في العموم يربط بين مجموعة من الظواهر أو الوقائع أو المعاني , وهذا الرابط يكون في مقام القاعدة المفسرة أو الجامعة لهذه المعاني .

وعلى هذا يكون التعريف الثالث مخالفاً للإصطلاح الدارج عند علماء الطبيعة بإدخالهم الوسيلة في ماهية النظرية , فيكون نقلا لتعريف الطبيعيين وهو خلاف الأصل أو إصطلاحاً جديداً في مقام الوضع الجديد . 

ولكننا في تعريف النظرية الأصولية يجب أن ندخل الوسائل ؛ لأن علم الأصول كما نعرف هو القواعد الممهدة لأستباط الحكم الشرعي , فالوسائل التي أستطعنا من خلالها الوصول الى النتائج الكلية وهي النظريات قد بحثها الطبيعيون والشرعيون , فسواءُ عدّت مقدمات لبحث النظرية أو هي داخله فيها , فلا إشكال في ذلك لضرورة بحثها والأهتمام بها . 

ومن خلال ماتقدّم يرى الباحث أن تعرف النظرية الأصولية بشكل يتميز عما يراه الطبيعيون , فيكون التعريف ((ضابطة كلية تتصف في العموم تربط بين مجموعة من الظواهر او المعاني الأصولية مفسرةً لها)) . 

 (4) نظرة عامة حول مفهوم التقليد : 

مما لاشك فيه أن كل إنسان عاقل هو مسؤول عن جميع تصرفاته الإرادية , ولهذا نجد أن القانون يعاقب المذنب حتى وان كان جاهلا بإحكام ذلك القانون ؛ لان المفروض عليه أن يتعلم ماله وماعليه . 

ونفس الشيء يقال عن علاقة الفرد بالتشريع الإلهي , فأنه مسؤول عن مراعاته قدر الإمكان , وقد ورد أن العبد يسأل يوم القيامة لِمَ لم تعمل إذا كان يعلم , ويسأل لماذا لم تعلم إذا كان لايعلم , فلا مخلص للفرد إلا إذا تعلم امور دينه , كما انه لامخلص له الا اذا تعلم امور معشيته اذ لو كان جاهلاً بها ما أستطاع أن يعيش . 

وحيث أن معرفة الأحكام الشرعية ليست بالأمر الهيّن , بل ورد عن المعصومين () مامضمونه (أن علمنا صعبٌ مستصعب)  , وهذا بأطلاقه شامل لمعارف الشريعة وأحكامها , وهذا الحديث وان كنا نفهم منه أن علمهم () لايتحمله كل إنسان , وإنما يتحمله فقط من كان أهلاً له . إلا أننا نستطيع ان نفهم منه معنى آخر : وهو أن علمهم () يصعب الوصول إليه , وإنما يحتاج إلى مقدمات وتدريبات خاصة سواءٌ كانت قلبية أو عقلية , قال تعالى ((وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ    يَحْذَرُونَ))  . 

ثم أنه في عهد النبي () والائمة المعصومين () لم يكن هناك اجتهاد بالمعنى الذي نراه اليوم , اذ الائمة هم معصومون من كل خطأ , فلا يحتاجون إلى بذل الجهد , نعم كان الاجتهاد في حدود ضيقة عندما يكون هناك تعارض بين خبرين احدهما عن ثقة والأخر عن غيره,أو عندما يكون حديث المعصوم()غير واضح بحيث يحتاج إلى تبيان من بعض المثقفين وهكذا .ربما أننا بعد عصر التواجد الفعلي للمعصومين () فأننا مسؤولون ومكلفون على أي حال فينبغي بذل الجهد والطاقة للفحص عن الحكم الشرعي الصحيح ظاهرياً على الأقل . 

وهنا يأتي دور المجتهد الذي لديه القابلية على أستنباط الحكم الشرعي من أصوله ومنابعه وهذه قابلية يعجز عنها أغلب الناس لما تحتاج إليه من موهبه عقلية ونفسيه ومن مقدمات وسعة أطلاع , وصبر طويل , وفوق ذلك كله التسديد الإلهي . 

كما أن الحياة لاتزال في كل ناحية من نواحيها تفرض موقفا مشابها لما تقدم ((فأنت في أي مجال من الحياة لاحظته تجد أن ممارسته تتطلب معرفة معينة وان جزءاً من هذه المعرفة قد يكون واضحاً ومتيسراً على العموم ولكن الجزء الأكبر منها غير واضح ويتطلب جهداً علمياً ومعاناة في الدرس والبحث))  . 

فإذا كان الأمر كذلك فان الفرد لابد له أن يعتمد في معرفة تكاليفه على هذا المجتهد , وهذا هو معنى التقليد إجمالا سواء قلنا انه ألتزام فقط أم عمل فقط أم هما معاً . 

((فالاجتهاد هو التخصص في علوم الشريعة , والتقليد هو الاعتماد على    المتخصصين))  , والتقليد هو الطريق الأكثر عملية لأكثر الناس , فقد أعتاد الناس في كل مجال على الرجوع إلى ذوي الاختصاص والخبرة بذلك المجال , وهو واجب على كل مكلف غير متمكن من الاجتهاد . 

نعم توجد طريقة أخرى لمعرفة الأحكام الشرعية وهي الإحتياط , على أعتبار أنه بالاحتياط يدرك الواقع بحسب التجربة , إلا أن هذه الطريقة محل أشكال إذا اعتمدها الشخص العادي ؛ لأنه كثيراً مايحتاط البعض في أمور فيظهر بعد ذلك ان عملهم كان مخالفاً أصلاً للأحتياط , كما لو صلى المغرب بثلاث تسبيحات أحتياطاً , فتبين أن الواجب عليه واحدة والباقي مبطل للصلاة , أو كما يفعل البعض من الابتداء بالصلاة بتكبيرتي أحرام أحتياطاً , في حين أن التكبيرة الثانية مبطلة للصلاة . وهكذا فان المحتاط لابد أن يكون على مستوى قريب من الاجتهاد ليعرف الاحتياط الذي يدرك منه الواقع فعلاً , ولابأس بالاحتياط إذا كان تحت أشراف المجتهد نفسه . 

وسنرى في الأبحاث القادمة أن الأصوليين والفقهاء قد أوردوا عدة صيغ في تعريف التقليد وبيان مفهومه , وهي ترجع في حقيقتها إلى رأيين رئيسين في حقيقة التقليد , فهو إما من الأمور النفسية والقلبية فيكون هو القبول برأي المجتهد , أو أنه من مفهوم الفعل الخارجي فيكون عبارة عن نفس (العمل) الخارجي بقول المجتهد .

(5) أمكانية اعتبار التقليد نظرية : 

بعد عرضنا السابق لبيان حقيقة النظريات والقواعد الاصولية والمشتركات والفروق بينها , هل يمكن عدّ التقليد نظرية أو لا ؟ 

يبدو للباحث انه بالإمكان عدّ التقليد نظرية للأسباب التالية : 

لأنها ضابطة أصولية عامة تربط بين مجموعة من الظواهر أو المعاني وهي أركان التقليد (المقلَّد – المقِلّد– الفتوى) ولكل من هذه الأركان الشروط بالضوابط    الخاصة به . 

ولأنها في الحقيقة نهاية لبحثٍ علمي تجريبي متكامل بدءاً بالفرضية وهي الحصول على أبراء الذمة للمكلف والخروج عن عهدة التكليف مروراً بالتجريب وهو حصولها على أرض الواقع وأنتهاءً بصياغتها النهائية والمسماة بـ (نظرية التقليد) . 

إن التقليد لو لم يكن نظرية لما توسع فيها العلماء أستدلالاً ومفهومهاً وأسلوباً ومنهجاً , إذ لو كانت قاعدة لما تفرعت الى كل هذه العناوين . 

إن المفاهيم والمعاني التي تنطوي تحتها تبطل كل مايقال بعدم نظريتها,والدليل على ذلك مانشاهده اليوم من اسئلة المكلفين الشرعية للفقهاء وأستفتاءاتهم حول الأحكام الفرعية . 

إن التقليد يوضح الملامح العامة لنظرية التكليف في الفقه الإسلامي والتي سوف نبحثها في المبحث القادم . 

إذا كان أبراء الذمة هو غاية مايسعى له المكلفون , فالتقليد هو الوسيلة المهمة لإبراء تلك الذمة , ويستحق أن يكون نظرية أصولية بإمتياز . 

إن للتقليد اهمية خاصة في المنظومة المعرفية الاسلامية , تكمن في انه مامن مسألة فقهية الا ويكون المكلف فيها اما مجتهداً أو مقلداً أو محتاطاً . 

وكذلك فليس الكل متسالمين على وجوب التقليد,والدليل على ذلك هو وجود مدرستين في هذا المورد,مايعني وجود تطارح للافكار ولكن أصل مشروعيتها موجود بالتأكيد.    


المبحث الثاني / فلسفة تشريع الأحكام في الفقه الإسلامي 

(1) مفهوم فلسفة التشريع 

(2) حاجة الناس إلى التشريع 

(3) الفقه لغةً

(4) الفقه إصطلاحاً 

(5) أقسام الفقه 

(6) خصائص الفقه 

(7) المكلف والشعور الداخلي بالمسؤولية 

(8) التكليف في الفقه الإسلامي 

     تعقيب وأستنتاج 

(9) نظرية التكليف بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي 

     تعقيب وأستنتاج

(10) البلوغ وسن التكليف 

(11) أحكام البلوغ  


 (1) مفهوم فلسفة التشريع : 

في هذا المبحث سنتناول الهدف من تشريع الأحكام للمجتمعات وأهمية هذه التشريعات لبني البشر , ولسنا في معرض يسمح بتعدد النظريات التي تبحث في أصل المجتمع , ولاببيان فساد قول (جان جاك روسوا) وأمثاله أن الإنسان كان في البدء يعيش منفرداً (على الطبيعة)  , وأن المجتمع تكون بنتيجة عقد اجتماعي بين أفراده , بل نكتفي بتدوين الرأي السائد عند علماء الاجتماع اليوم , وهو أن الإنسان أجتماعي بطبعه , وأن الحياة الأجتماعية لازمة له . 

(( وبديهي أن تستتبع هذه الحقيقة ضرورة وجود الشرائع في المجتمع لتكون محكّمة بين أفراده , ذلك لان الحياة الأجتماعية توجب على هؤلاء التعامل المتبادل , وتولد العلاقات المختلفة فيما بينهم , وتورث المنازعات التي تنشأ من هذه العلاقات . فكان لابد من قواعد تحدد حقوق كل فرد بالقياس إلى حقوق الآخرين , وتكون من ثم وازعةً للنزاع والشقاق))  . 

وأن (فلسفة التشريع) هذا العنوان المركب لم يكن موجودا سابقا بسبب سهولة الأجواء الفكرية آنذاك وإنما هو مصطلح معاصر أملته ظروف تقدم الحضارة وتشابك العلاقات بين الناس وكثرتها وتطورها , نظير المصطلحات الحديثة مثل المجتمع المدني , الديمقراطية .... الى أخره , والتي ظهرت في الآونة الأخيرة .

وللتعرف أكثر على هذا الموضوع نحتاج إلى التعرف على معنى المفردتين ثم المعنى الناتج عن الأضافة . 

(الفلسفة) كلمة يونانية أصلها (فيلاسوفيا) وتعني (حب الحكمة) والفلسفة جاءت من محاولات الإنسان العقلية للإجابة على الأسئلة الأزلية الضرورية , وهذا التفكير ولد آفاقاً كبيرة سميت فيما بعد بـ (حب التطلع) . 

إما التشريع فهو عبارة (عن سن الأحكام والقوانين وإيجادها)  , أي بمعنى انه تنظيم قانوني للحقوق والحريات , ونقصد بالحقوق هنا هي (الحقوق المالية والشخصية والمدنية والسياسية والدولية) , والحق هو نظرية بحد ذاتها تتكون من وجهين , المنافع والألتزامات , وهذه مرةً تكون على مستوى الفرد ومرةً تكون على مستوى المجتمع  . 

وأما علاقة التشريع بالفقه فهي علاقة العام بالخاص , لأن التشريع يضم القوانين السلوكية والأعتقادية التي تحكم البشر بالإضافة إلى الفقه ,أما الفقه فانه يتناول قوانين العبادات والمعاملات جميعاً , والحاصل من ذلك أن الشريعة الإسلامية شريعة ألهية بمصادرها وأحكامها الأولى . ومن خلال ماتقدم يمكننا تعريف فلسفة التشريع الإسلامي بأنها عبارة عن : ((ربط الإنسان بالله وجعله مخاطباً من خلال النبوات والوحي ثم ربطه بالمعاد ثم منحه رسالة فيها درجة من الشمولية مع أكتشاف نقطة التوازن)) , وهذه الفلسفة ترتبط أساسا بالعقيدة , فهي فكر تنويري معناه التكامل مع الأخر والطبيعة , بخلاف فلسفة التشريع في النظريات البشرية غير الإسلامية القائمة على أساس التمايز الطبقي كما عند الإقطاعيين أو قائمة على أساس مخاوف الطبيعة كما عند الرأسماليين , أو قائمة على أساس صِدام الحضارات كما عند الأوربيين .

(2) حاجة الناس إلى التشريع : 

من البديهي أن الإنسان في حياته يحتاج إلى التشريع ؛ لأنه خلق ومعه قوتان متنازعتان , قوة الشهوة التي تدفعه إلى الشر , وقوة العقل التي تدفعه إلى الخير , لكن العقل وحده لايستطيع مقاومة الشهوة ؛ لان الحياة مليئة بالمغريات التي تحرك عوامل الشر , فيندفع الإنسان إلى تحقيق رغباته , ومن هنا كان لابد للعقل من عامل مساعد يسانده حتى تتغلب قوة الخير أو في الأقل تتعادل القوتان لدى الإنسان , وهذا العامل المساعد هو القانون الذي يميز الخير من الشر , ويبين كل فرد ماله من حقوق وما عليه من واجبات . 

والقوانين الوضعية مهما تطورت وارتقت فإنها لاتلبي ذلك التمييز بين الخير والشر ؛ لأنها نتاج الفكر الإنساني الذي يعجز عن مقاومة الشر بسبب تفاوت العقول البشرية في أدراكها للأمور وأختلاف مقاييس الخير والشر في نظرها . 

ولهذا كان الإيمان بتلك القوانين الوضعية ضعيفاً , والخضوع لها منشؤه الخوف من الوقوع تحت طائلة العقاب , ولم يكن بد من الرجوع إلى القانون السماوي الذي يملك على الناس مشاعرهم باطنهم وظاهرهم على حد سواء , حتى يقع الامتثال له عن رضا ورغبة في النفس الإنسانية لا عن خوف ورهبة , ولن يكون إلا من صنع خالق البشر العليم بإسرار النفوس وخفاياها , وأسرار المستقبل ومايجيء به من أحداث . 

والله جل شأنه الذي خلق الانسان وجعله خليفته في أرضه ليعمرها إلى حين يحاسبه على ماقدمت يداه فيجازيه على ذلك إن خيراً فخير وأن شراً فشر لايترك هذا الإنسان من دون تشريع ينظم حياته ويقيم العدل بين أفراده وكيف يتركه وهو الحكيم الخبير البر الرحيم بعباده, قال تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) , والمعنى : لانعذب أمةً من الأمم الإّ بعد بعث الرسل أليهم وقيام الحجة عليهم . 

إذن الهدف من التشريع الألهي هو ربط العبد بمولاه الموجب لشكره , والغاية من التشريع الألهي والمنفعة المترتبة عليه هو سير الناس نحو الحياة الموفرة بالسعادة في الدارين على الوجه الأكمل ليكونوا خير أمةٍ أخرجت للناس بتنظيم حياتهم ووفور السعادة لديهم . 

(3) الفقه لغةً : 

وهو بكسر الفاء ((العلم بالشيء والفهم له , والفطنه)) ويدل عليه قوله سبحانه وتعالى , حكاية عن موسى () ((وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي*يَفْقَهُوا قَوْلِي)) أي يفهموا قولي . 

       وقال سبحانه في شأن الكفار : ((فَمَا لِهَـؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً)) إلى غير ذلك من الآيات الصريحة في أن الفقه بمعنى الفهم وهو واضح لايحتاج إلى بيان . 

وقد غلب إطلاقه على لسان الرسول (6) في علم الدين دون غيره من العلوم , قال (6) ((نضّر الله أمرءاً سمع منا حديثاً فحفظهُ حتى يبلغه غيره , فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه , ورب حامل فقهٍ ليس بفقيه)) . 

ومن الواضح أن حديث الرسول (6) لم يكن مختصاً بالفقه المصطلح عليه في عصورنا المتأخرة , بل يعم كل مايؤثر عن النبي (6) في المجالات المختلفة . 

(4) الفقه أصطلاحاً : 

للفقه الإسلامي معنيان : 

المعنى الأول : ((العلم بالأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية))  . 

أي معرفة الإنسان بها معرفة تفصيلية مستمدة من أدلتها , فيكون الفقه صفة علمية للإنسان يعتبر بها فقيهاً . 

وتوسع بعضهم في تعريفه إلى مايشمل الوظائف العملية المجعولة من قبل الشارع , أو من قبل العقل عند عدم العلم بالحكم الشرعي , مثل وظيفة الأستصحاب , أو البراءة أو الأحتياط . 

والمراد من (الأحكام) كل مايصدره الشارع للناس من أوامر ونظم عملية تنظم حياتهم الأجتماعية , وعلاقات بعضهم بالبعض الاخر , وتحدد نتائج أعمالهم وتصرفاتهم , وذلك مثل كون الغاصب ضامناً للمغصوب إذا هلك , وكون الأمين – كالوديع مثلاً – لايضمن إلا إذا تعدى على الأمانة أو قصر في حفظها . 

والمراد من (الشرعية) أي المستفادة من أمر الشارع صراحةً أو دلالةً . والتقييد بوصف (العملية) هو لإخراج المسائل الأعتقادية من أصول الأيمان وفروعه , فأنها موضوع علم اخر .

 المعنى الثاني :

وأطلق لفظ (الفقه) أيضا على تلك الأحكام نفسها , وهذا هو المراد في نحو قولك : درست الفقه الإسلامي , وهذا هو المعنى الثاني للفقه , وعلى هذا يعرف الفقه أيضا بأنه : مجموعة الأحكام العملية المشروعة في الإسلام . 

وتعلم هذه المشروعية عن طريق النص الصريح في القران الكريم أو بسنة المعصوم () أو بالإجماع أو بالعقل . كما أن لفظة الفقهاء , قد استعملت بمعنى الفهماء في الدين فقط , فقد روى البخاري في كتاب ((مناقب الأنصار)) عن أنس بن مالك قال : ((قال ناس من الأنصار حين أفاء الله على رسوله (6) ما أفاء من أموال هوازن , فطفق النبي (6) يعطي رجالاً المائة من الإبل , فقالوا : يغفر الله لرسول الله (6) يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم . قال أنس : فحدث رسول الله (6) بمقالتهم , فأرسل إلى الأنصار , فجمعهم في قبة من آدم ولم يدع معهم غيرهم , فلما اجتمعوا قام النبي (ص) فقال:(ماحديث بلغني عنكم) . 

فقال فقهاء الأنصار : أما رؤساؤنا يارسول الله فلم يقولوا شيئا , وأما ناس منا حديثة أسنانهم , فقالوا : يغفر الله لرسول الله (6) يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم , فقال النبي (6) : فأني أعطي رجالاً حديثي عهدٍ بكفرٍ أتالفهم ...))  .   

ومما يدل على أن الفقيه في الصدر الأول بمعنى صاحب البصيرة في الدين , أن الإمام الحسين بن علي () وصف حبيب بن مظاهر الأسدي بالفقيه , وكتب إليه من كربلاء وهو بالكوفة على النحو التالي : 

((من الحسين بن علي بن أبي طالب إلى الرجل الفقيه حبيب بن مظاهر أما بعد ياحبيب فانك تعلم قرابتنا من رسول الله (6) وأنت أعرف بنا من غيرك , وأنت ذو شيمة وغيرة , فلا تبخل علينا بنفسك يجازيك جدي رسول الله (6) يوم القيامة))  . 

أما موضوع الفقه فهو:((أفعال المكلفين من حيث مطالبتهم بها,أما فعلاً كالصلاة,أو تركاً كالغصب,أو تخييراً كالأكل.والمكلفون:هم البالغون العاقلون الذين تعلقت بأفعالهم التكاليف الشرعية))  .

(5) أقسام الفقه : قسم علماء الفقه مسائله على أربعة أقسام : 

القسم الأول : العبادات : وهي الصلاة والصوم والاعتكاف والحج والزكاة والخمس والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وقد قدم الفقهاء العبادات لأنها الأهم في نظر الشرع . 

القسم الثاني : المعاملات : ويسمى بالعقود وهي البيع والإجارة والنكاح وكل مايحتاج إلى إيجاب وقبول . 

القسم الثالث : الإيقاعات : كالطلاق والعتق وكل مايحتاج إلى أيجاب فقط . 

القسم الرابع : الأحكام : وإنما خص الفقهاء هذا القسم باسم الأحكام مع أن جميع الأقسام هي أحكام شرعية لأنهم لم يجدوا له خصوصية يسمونه بها , فسموه فيما بينهم الأحكام مثل أحكام الإرث والديات والقصاص  . 

 (6) خصائص الفقه : للفقه الإسلامي خصائص عدة منها : 

أساسه الوحي الإلهي : وهذه أهم ميزة تميزه عن القوانين الوضعية , لأن مصدره وحي الله تعالى المتمثل في القران والسنة , فكل مجتهد مقيد في أستنباطه للأحكام الشرعية بنصوص هذين المصدرين , ومايتفرع عنهما مباشرة .

شموله كل متطلبات الحياة , لأنه يتناول علاقات الإنسان الثلاث , علاقته بربه , علاقته بنفسه , وعلاقته بمجتمعه , ولأنه للدنيا والآخرة ولأنه دين ودولة . 

إرتباط الفقه بالأخلاق , فالفقه يختلف عن  القانون في تأثره بقواعد الأخلاق على عكس القانون الذي ليس له غاية نفعية سوى العمل على حفظ النظام وأستقرار المجتمع , وأن أهدرت بعض مبادئ الدين والأخلاق . 

نزعة الفقه جماعية , أي أن فيه مراعاة لمصلحة الفرد والجماعة معاً دون أن تطغى واحدة على الأخرى , ومع ذلك تقدم مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد عند تعارض المصلحتين . 

الفقه صالح للبقاء والتطبيق الدائم , فان فقه المبادئ الخالدة لايتغير كالتراضي في العقود , وضمان الضرر , وقمع الإجرام وحماية الحقوق والمسؤولية الشخصية , أما الفقه المبني على القياس ومراعاة المصالح والأعراف فيقبل التغير والتطور بحسب الحاجات الزمنية .

(7) المكلف والشعور الداخلي بالمسؤولية : 

لو تتبعنا المراحل والفترات التي مرت بها الإنسانية نجد أنها تتبع نظاما معينا في حياتها , وطريقة محددة في توزيع وتنظيم الحقوق والواجبات بين الناس , وأنها بقدر مايتوفر لديها من ضمانات لألتزام الإفراد بهذا النظام وتطبيقه تكون اقرب إلى الأستقرار , وتحقيق الأهداف العامة المتوخاة من ذلك النظام . وهذه حقيقة تصدق على المستقبل والماضي على السواء لأنها من الحقائق الثابتة في المسيرة الحضارية للإنسان على مداها الطويل . 

والضمانات منها ماهو موضوعي , كالعقوبات التي تضعها الجماعة تأديباً للفرد الذي يتجاوز حدوده . ومنها ماهو ذاتي , هو الشعور الداخلي للإنسان بالمسؤولية تجاه التزاماته الاجتماعية , وماتفرضه الجماعة عليه من واجبات , وتحدد له من حقوق . 

وعلى الرغم من أن الضمانات الموضوعية لها دور كبير في السيطرة على سلوك الإفراد وضبطه , غير أنها لاتكفي في أحايين كثيرة بمفردها ,مالم يكن إلى جانبها ضمان ذاتي ينبثق عن الشعور الداخلي للإنسان بالمسؤولية , لان الرقابة الموضوعية للفرد مهما كانت دقيقة وشامله لايمكن عادة أن تضمن الإحاطة بكل شيء وأستعياب كل واقعة . 

والشعور الداخلي بالمسؤولية يحتاج لكي يكون واقعاً عملياً حياً في حياة الإنسان إلى إيمانه وإلى مران عملي ينمو من هذا الشعور ويترسخ بموجبه الإحساس بتلك الرقابة     الشاملة .

إن هذا الشعور هو الذي يدفع المكلف إلى الامتثال , ولإحراز الامتثال الكامل لمحتملات التكليف يكون التقليد, فيكون المقصود من التكليف أمران : 

أصلاح حال الإنسان في الدنيا والآخرة , وهو ماتجلى في كثير امن آيات الكتاب الكريم والسنة المطهرة . 

قطع العذر, ودفع الحجة , قال تعالى ((رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ))  , وقال تعالى ((وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ{155} أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ{156} أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ))  .

وإنما يعقل التكليف,ويتحقق به هذان الغرضان – إذا أجتمع فيمن يتوجه إليه  شرطان : 

الأول : أن يكون قادراً على فهم أدلة التكليف . الثاني : وأن يكون أهلاً له . 

(8) التكليف في الفقه الإسلامي : 


       التكليف لغة : ((الأمر بما يشق عليك , وتكلفه تجشّمه))  , وفي لسان العرب ((كلّفه تكليفاً : إذا أمره بما يشق عليه , الكلفة : مايتكلّفه الإنسان من نائبةٍ أو حق))  , وفي المصباح المنير ((والكلفة ماتكلفه على مشقة , والجمع كُلف مثل : غُرفة وغرف ..... والتكليف:المشاق أيضاً , الواحدة تكلفة)) .ونستنتج من ذلك أن التكليف : هو إلزام مايشق . 

والشق والمشقة واحد . وهو لحوق مايستصعب على النفس , قال الله تعالى ((لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ))  . 



إما التكليف اصطلاحاً : فقد عرفه إبن قدامة المقدسي بأنه ((الخطاب بأمر ونهي)) وعرفه إبن النجار الحنبلي بأنه :((ألزام مقتضى خطاب الشرع))  وبمثله عرفه نجم الدين الطوفي في شرحه على الروضة . 


وعرفه الغزالي : ((طلب مافيه كلفة))  .


ونقل الزركشي في البحر المحيط بعض التعريفات ,فحدّه بعض اهل العلم بانه: أرادة المكلِّف من المكلَّف فعل مايشق عليه . 

وقال عنه المارودي في أدب الدين والدنيا انه:الأمر بطاعة والنهي عن معصية .  

وعرفه القاضي الباقلاني بأنه : الأمر بما فيه كلفة أو النهي عما في الامتناع عنه كلفه . 

واما عند الأمامية , فان التكليف يطلق ويراد منه ((الأحكام الشرعية المتصلة بفعل     المكلف))  . هذه هي جل التعريفات التي وردت في التكليف على قدر اجتهادي وبحثي في كتب الأصول . 

تعقيب واستنتاج : 

إن التعريفات وان كانت متقاربة , إلا أن فيها بعضاً من الاختلاف نشأ من لفظة التكليف , فمن أثبت في تعريفه لفظ (الإلزام) , أخرج من التكليف (الندب والكراهة) إذ لا ألزام في طلب المندوب , ولا في النهي عن المكروه ... بخلاف الواجب , فانه مطلوب فعله على سبيل الإلزام , وكذا المحرم فانه مطلوب تركه على سبيل الإلزام , ولذا فان التعريف عند هؤلاء يتناول نوعين فقط من الأحكام التكليفية الخمسة هي الوجوب والتحريم . 

ومن أثبت في تعريفه لفظ (الطلب) – أي طلب مافيه مشقة – أو (الأمر) عد الندب والكراهة من التكليف – بجانب الوجوب والتحريم ((إذ لايخلو كل منهما – أي الندب والكراهة – من مشقة , ففعل المندوب لتحصيل الثواب شاق لأنه ربما يخالف المشتهي , كما ان المسلم قد يترك ماتشتهيه نفسه أحيانا لكونه مكروها , وفي هذا مشقة))  . 

وعليه فان تعريف التكليف عند هؤلاء يتناول أربعة أنواع من الأحكام التكليفية وهي : الوجوب والتحريم والندب والكراهة وتبقى الإباحة خارجة عن كونها من الأحكام التكليفية , ولذا فان المجموعة الثانية من التعريفات لاتلبي استيعاب التعريف لمجمل الأحكام التكليفية , بينما تعريف الأمامية نجد انه يأخذ تعريف التكليف بحسب الاصطلاح , فان التكليف عندهم يطلق ويراد منه الأحكام الشرعية المتصلة بفعل المكلف أبتداءاً , فهي أما أن تعني اعتبار الفعل على عهدة المكلف وديناً وهذا هو المستحب , وأما اعتباره مرجوحاً دون اعتبار المكلف محروماً منه , وهذا هو المكروه , وتارة يعتبر الفعل غير مترجح من حيث ارتكابه وعدمه , وهذا هو الإباحة بالمعنى الأخص , وبهذا تكون الأحكام التكليفية اعتبارات شرعية متصلة بشكل مباشر بفعل المكلف , وعليه يميل الباحث إلى تعريف الأمامية لكونه جامعا لكل أقسام التكليف . والله العالم . 

 (9) نظرية التكليف بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي : 

تختلف نظرية التكليف في الفقه الإسلامي عنها في القانون الوضعي بالنقاط الاتية : 

أولاً : إن الإسلام يقدم أطروحة عقائدية – سلوكية وقانونية معيارية بينما القانون يقدم أطروحة قانونية فقط , أي ليس هناك ربط بين العقيدة والقانون . 

ثانياً : المركز القانوني للإنسان في نظرية التكليف في الفقه الإسلامي هو كونه مستخلفاً أو نائباً أي بمعنى أنه يجازى بالعمل الصالح ويعاقب بالعمل السيء . 

بينما القانون يعتبر الإنسان مركزاً للمواطنة أي إن المعيار الأساس فيه هو سيادة الدولة. 

ثالثاً : الإسلام يدخل العقيدة ضمن قضية القانون , بينما القانون ليس ملزماً بذلك خصوصاً في الدول التي تعتمد على مبدأ فصل الدين عن الدولة على نحو الأختصاص . 

رابعاً : القانون الإسلامي منطلق من رؤية تربوية تأسيسية في المجتمع بخلاف القانون فهو غير ملزم بذلك . 

خامساً : الإسلام يطرح لقانون بنوعين , قانون تفصيلي وقانون الثوابت , وفي ضمن هذه الثوابت يتحرك العقل الأجتهادي , بينما القانون يشرعه الممثلون في البرلمانات , وينعكس على هذا التشريع محدودية المشرع الزمانية والمكانية والقدرة على التنفيذ . 

سادساً : القانون الوضعي يقوم أساساً على ثنائية التجريم والعقوبة فقط بينما الإسلام يقوم على أساس يتسع لموضوع المثوبة أيضاً . 

سابعاً : القانون الوضعي تحكمه قضيتان فقط , الصحيح وغير الصحيح , بينما نظرية التكليف في الفقه الإسلامي فيها خمسة مراتب (الواجب والمندوب والمباح والمكروه والمحرم) . 

ثامناً : القانون الوضعي فيه جزاء قضائي فقط (الحبس أو الغرامة), بينما في الفقه الإسلامي نرى الجزاءات متعددة فهناك الجزاء الاجتماعي والقضائي والأخروي . 

تعقيب واستنتاج : 

       بعد عرضنا لأهم نقاط الاختلاف بين نظرية التكليف في الفقه الإسلامي وبين القانون الوضعي نجد أن أهم نقطة للاتفاق بينهما هي الوصول إلى تنظيم الحقوق والحريات والالتزامات , وهذه في الحقيقة هي وظيفة التشريع . 

وإذا عرفنا أن العلاقة بين الموجد وهو (الله سبحانه وتعالى) وبين الإنسان قائمة على قطبين رئيسين هما : القطب التكويني (القهري) والقطب الاختياري , فان نظرية التكليف تؤسس تماماً على القطب الاختياري , لأنها لو كانت مؤسسة على القطب التكويني فأن ذلك لازمه إختلال النظام , فهذه النظرية تتماشى تماماً مع القطب التكويني للإنسان , فمراتب التكليف جميعها لاتتقاطع مع الحاجات الفعلية التكوينية للإنسان . 

ثم أن الرسالة الإسلامية جاءت خاتمة لكل الشرائع , ولذلك صار لها إمتداد بالوصاية , فإذا لم يكن هناك نبي فهناك الوصي , وإذا لم يكن هناك الوصي ينفتح لدينا الاجتهاد الذي يقابله التقليد وهو طريق المكلفين لمعرفة الحكم الشرعي , وهو بحق يعد نظرية مهمة لأنها تحدد الأطر العامة لنظرية التكليف في الفقه الإسلامي . 

وإذا كان المركز القانوني للإنسان داخل الدولة أو الإقليم يفرض عليه ان يخدم قانونها الوضعي , فمن باب أولى له أن يلتزم بنظرية التكليف لأنها أطروحة عقائدية وسلوكية تضمن له السعادة في الدنيا والآخرة . 

(10) البلوغ وسن التكليف : 

رفع الله سبحانه وتعالى قلم التكليف والمؤاخذه عن الطفل حتى يبلغ أشدّه , والطفل يتدرج في مراحل النمو حتى يصل إلى مرحلة تحدث عنده نقلةٌ نوعية في جسمه وعقله وشخصيته , فلا يعود بعدها طفلا في عرف الناس , بل يصبح الصبي رجلاً وتصبح      الصبيّة امرأة . 

ولقد بيّن علماء الطب قديماً وحديثاً كيف تتم هذه النقلة , وماهي عواملها وماهي آثارها , ولكن هذه التفاصيل لاتدخل في صلب بحثنا , والمهم هو معرفة وقت البلوغ بالضبط حتى يتحمل الطفل مسؤولياته الشرعية , وفي القران الكريم إشارات واضحة إلى البلوغ , كما في السنة الشريفة , ولابأس هنا بالإشارة إلى بعضها . 

في القران الكريم : 

((وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً))  . 

((وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا))  . 

((وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ))  . 

و (الأَشد) في الآية الثانية يفسرها بلوغ النكاح في الآية السابقة , لان الجسم لايبلغ أشده إلا بالاستعداد للنكاح , وقد ورد في تفسير الآية أن المراد من بلوغ الأشد هو الاحتلام . 

فقد روى عبدالله بن سنان عن ابي عبدالله () قال : ((سأله أبي وأنا حاضر عن قول الله عز وجل : حتى اذا بلغ اشّده , قال : الاحتلام , قال : فقال : يحتلم في ست عشرة وسبع عشرة سنة ونحوها , فقال : لا إذا أتت عليه ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنات وكتبت عليه السيئات , وجاز أمره إلا أن يكون سفيهاً أو ضعيفاً , فقال : وما السفيه ؟ فقال : الذي يشتري الدرهم بأضعافه , قال : وما الضعيف ؟ قال : الأبله))  . 

أما الحلم في الآية الثالثة فهو لغة ((عبارة عما يراه النائم في نومه من الأشياء))  , والأحتلام : ((الجماع ونحوه في النوم , والأسم الحلم))  . 

والحلم يكنى به عن الشهوة الجنسية لانها تظهر عند الشاب في رؤياه وهي عبارة أخرى عن بلوغ النكاح , لايكون ألا عند من يدرك ويظهر على عورات النساء , حيث جاء في اية كريمة أخرى أنه لايجب على النساء الحجاب من الاطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء , وهنا نستفيد من الآيات الكريمة أن اهم علامة لبلوغ الطفل وأدراكه هي (النكاح – الأشد – الحلم). 

وفي السنة الشريفة : 

وردت عدة روايات أشارت إلى البلوغ منها : 

في وصية النبي (6) لعلي () قال : ((ياعلي , لايُتْم بعد احتلام))  . 

وفي خبر أخر :((على الصبي إذا احتلم الصيام,وعلى المرأة إذا حاضت      الصيام)) . 

عن عبدالله بن الحسن , عن علي بن جعفر , عن أخيه موسى ابن جعفر () قال: ((سألته عن اليتيم متى ينقطع يتمه؟قال:إذا احتلم وعرف الأخذ والعطاء))  . 

روي أن ((امرأة سألت رسول الله (6) عن المرأة ترى في المنام مثل مايرى الرجل ؟ فقال (6) : أتجد لذّة ؟ فقالت : نعم , فقال : عليها ماعلى الرجل))  . 

عن أبي عبدالله () قال:((إذا بلغ الغلام ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنة وكتبت عليه السيئة وعوقب,وإذا بلغت الجارية تسع سنين فكذلك وذلك أنها تحيض لتسع    سنين))  . 

((سئل الامام الصادق () عن ابن عشر سنين ؟ قال : عليه حجة الإسلام إذا احتلم , وكذلك الجارية عليها الحج إذا طمثت))  . 

روي عن أبي جعفر الباقر () في حديث انه قال : ((الجارية إذا تزوجت ودخل بها ولها تسع سنين ذهب عنها اليتم , ودفع أليها مالها وجاز أمرها في الشراء والبيع , قال : والغلام لايجوز أمره في الشراء والبيع , ولايخرج من اليتم حتى يبلغ خمس عشره سنة , أو يحتلم أو يشعر أو يثبت قبل ذلك))  . 

قال عمار الساباطي ((سألت أبا عبدالله () عن الغلام متى تجب عليه الصلاة قال : إذا أتى عليه ثلاث عشرة سنة , فأن أحتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصلاة وجرى عليه القلم , والجارية مثل ذلك أن أتى لها ثلاث عشر سنة , أو حاضت قبل ذلك فقد وجبت عليها الصلاة وجرى عليها القلم))  . 

(11) أحكام البلوغ :      

ذكر العلماء أن البلوغ شرطٌ في المكلَّف , قال الشيخ علي كاشف الغطاء () ((أن يكون بالغا فلا عبرة بتقليد الصبي وإن كان مميزاً وقلنا بان أعماله تمرينية)) , فالبلوغ حالة فطرية عند البشر – كما في سائر الأحياء – فإذا عرفها الإنسان بأية وسيلة فقد ترتبت عليه أحكامه , وقد بيّن الوحي علامات للبلوغ تدل عليه , وعادة تتزامن هذه العلامات ولكن يمكن الاكتفاء لواحدة منها إذا لم تعرف يقينا تخلفها عن الحقيقة , وعلامات البلوغ هي : 

أ- الأحتلام  .   ب- أنبات الشعر . ت- الطمث للأنثى . ث- الحمل للأنثى . ج- السن . 

ويتحقق البلوغ عند الصبي عادة – عند أكتمال الخامس عشر من عمره , وعند الصبية بأكتمال الثانية عشرة من عمرها , وقد تبلغ الصبية بأكتمال السنة التاسعة في بعض البلاد والأحوال . وقد جعل المشهور من فقهاء الأمامية اكتمال السنة الخامسة عشرة للذكور, واكتمال السنة التاسعة للصبايا حداً للبلوغ,وقد وردت أحاديث شريفة في كل من هذين التحديدين,بينما الآيات القرآنية وأحاديث النبي (6) وأهل بيته () بينت العلامات السابقة وبالتالي فهي أصول محكمات ترد اليها الفروع المتشابهة,وان كان العمل بتحديد العمر عند الصبية باكمال التاسعة أحوط فيما لاتكون للاحتياط مضاعفات سلبية أو أضرار على صحتها  . 

وأما فقهاء الجمهور فقد اشترطوا في المكلف العقل وفهم الخطاب , ولابد منهما جميعاً , اذ لايلزم من العقل فهم الخطاب , لجواز أن يكون عاقلا ولايفهم الخطاب , كالصبي والناسي والسكران , والمغمى عليه , وأشترط العلماء هذا الشرط , لان التكليف خطاب , وخطاب من لاعقل له ولافهم محال . 

وأما الصبي المميز , فقد ذهب جمهور العلماء إلى عدم تكليفه لأنه – كما يقول الآمدي – وإن كان يفهم ما لايفهمه غير المميز , غير أنه أيضا غير فاهم على الكمال مايعرفه كامل العقل من كونه مخاطبا مكلفا بالعبادة , فنسبته إلى غير المميز , كنسبة غير المميز إلى البهيمة فيما يتعلق بفوات شرط التكليف وان كان مقارباً لحال البلوغ  . 



المبحث الثالث 

عملية الاجتهاد والمراحل التي مرَّ بها 

نظرة عامة حول مفهوم الاجتهاد وأهميته 

نبذة موجزة عن تاريخ الاجتهاد 

أهداف الاجتهاد 

مجال الاجتهاد في نطاق التشريع المنصوص

مجال الاجتهاد في نطاق الفراغ التشريعي 

آفاق الاجتهاد في منطقة الفراغ التشريعي 


(1) نظرة عامة حول مفهوم الاجتهاد وأهميته : 

يحظى الاجتهاد بمكانة رفيعة عند علماء المسلمين ولاسيما الامامية منهم , وذلك لانه يمثل غاية علم أصول الفقه وثمرته , ويمكن للخبرة الاجتهادية أن تحل جميع المشاكل المنبثقة عن الفوضى التشريعية بقدرة وكفاءة . وحيث أن بعد العهد بعصر الأئمة المعصومين () قد حرمنا الكثير من علومهم الصافية , فما من طريق يوصلنا إلى معرفة الأحكام سوى الاجتهاد , وليس من مرجعية نلجأ إليها لاستنباط الأحكام والتشريعات لجمهرة المسائل والقضايا المتلاحقة والمستجدة التي تعصف بالمجتمعات إلا مرجعية الاجتهاد . 

ويستمد الاجتهاد الشرعي قيمته من أهمية الغاية المتوخاة من تشريعه , ومن أهمية المرمى الذي هدف إليه المشرع الإسلامي من الدعوة إليه , والإلزام به , كما في أمثال آية النفر ((وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ))  . 

والهدف هو الوصول إلى الحكم الشرعي , وأستفادته من النصوص الشرعية المشتملة عليه , ذلك لأن النصوص الشرعية المتضمنة للحكم الشرعي لم تصغ صياغة قانونية تعطي الحكم الذي تحتويه من غير حاجة إلى أعمال فكر يستند إلى خلفيات ثقافية وعلوم مساعدة ويرجع هذا إلى الأسباب الأتية :

القران الكريم انتهج في أسلوب بيانه ظاهرة الكتاب الإلهي المقدس , تلك الظاهرة التي امتدت مع الإنسان منذ صحف إبراهيم () وحتى القران الكريم (6) والتي تمثلت في الأسلوب الخطابي المتوافر على عناصر الدعوة إلى الله تعالى . فهذا الأسلوب هو القادر تماما بما يمتلك من إثارة مؤثرة وشحن عاطفي مثير على مخاطبة العقل عن طريق القلب .

وجميع مايذكر من شؤون أخرى أنما يذكر لان له علاقة بالدعوة إلى الله تعالى ومن هنا لم تذكر الأحكام الشرعية إلا في سياق السور أو سياق الآيات , أي أنها لم تجمع في سورة واحدة أو موضوع واحد , وعليه فان هناك حاجة ملحة إلى تجميع مانزل من آيات ودراستها دراسة مقارنة في هدي ما أحاط بها من قرائن لاستخراج أحكامها , وكذلك أختلاف القراءات الذي يؤدي إلى أختلاف الحكم بأختلافها , كما في كلمة (يطهرن) في قوله تعالى ((وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ))  حيث ان قراءة (يطْهرنَ) بالتخفيف يعطي ظهورها في معنى النقاء , من دم الحيض , وبالتشديد الذي يعطي ظهورها في معنى الاغتسال من الحيض , وبالتالي ينعكس ذلك على اختلاف حكم وطئ الزوجة بعد الحيض , فذلك لايتحقق إلا عن طريق الاجتهاد . 

والشأن في السنة الشريفة لايختلف عما هو في القران من حيث الأختلاف والحاجة بسببه إلى الأجتهاد . 

أضف إلى ذلك فان فهم معاني التشريع ودلالات ألفاظ النصوص الشرعية سواء أكان ذلك في الآيات أم في الروايات يتطلب فهم لغة عصر التشريع : تراكيب ومفردات , وأسلوب بيان . 

وكذلك لأن أكثر الروايات التي وصلت ألينا كانت أجوبة لأسئلة من أناس يختلفون في بيئاتهم من حيث الشؤون الاجتماعية والثقافية , الأمر الذي يستلزم فهمها وفهم شخصية السائل من حيث المستوى الثقافي . كل ذلك وأمثاله كان مدعاة للزوم الاجتهاد , وفي الوقت نفسه هو مدعاة لان تقوم وظيفة الاجتهاد وممارسته على أساس من العمل المعمق في البحث والتدقيق وبذل أقصى الطاقة في الأستقصاء والتحقيق . 

ويشير السيد الشهيد الصدر() في بيان (كيف نشأت الحاجة إلى الاجتهاد) في مقدمة كتابه (الفتاوى الواضحة) إلى حقيقة مهمة وهي أن الجهد العلمي يزداد ضرورة كلما أبتعد الشخص عن زمن صدور النص وأمتداد الفاصل الزمني بينه وبين عصر الكتاب والسنة بكل مايحمله هذا الأمتداد من مضاعفات , كضياع جملة من الأحاديث ولزوم تمحيص الأسانيد وتغيير كثير من أساليب التعبير وقرائن التفهيم .

(2) نبذة موجزة عن تاريخ الاجتهاد 

لأستقراء الأجتهاد الفقهي في التاريخ الإسلامي بواعث مهمة تعد أساساً لمعرفة أهمية الاجتهاد , ولأدراك الفهم الواعي لأحكام الشريعة الغراء من خلال معرفة جوانب الإبداع التي نستكشفها في منهجية الفكر الإسلامي . فالاجتهاد في حقيقته عملية فكرية أصيلة لها أصولها ومناهجها كغيرها من العلوم , وقد بدأت منذ الولادة الأولى للتشريع الإسلامي . 

ولم يجد الأمامية في مراحل تاريخية معينة حاجة لطرق باب الاجتهاد , وذلك لسبب وجود الأئمة () بين ظهرانيهم , فكانوا يرجعون إليهم ليبينوا لهم ماغمض عليهم فهمه من المسائل وماتشابه عليهم أمره من الإحداث , وكان الموضوع ينتهي عند هذا الحد , وهذا مايفسر تأخر الشيعة عن أهل السنة في طروق باب الاجتهاد واللجوء اليه , فلقد عرف أهل السنة الاجتهاد بعيد رحلة الرسول (6) الى الرفيق الاعلى , ويذهب بعضهم إلى القول بأنهم عرفوه في حياته أيضاً , فالاجتهاد يمتاز بمكانة رفيعة ويقف الى جانب الكتاب والسنة وهو بعد يعتبر احد مصادر الفقه , بينما يلجأ الشيعة إلى الأجتهاد فقط لأستنباط الأحكام من مصادرها وهي الكتاب والسنة والاجماع والعقل , ويرى أهل السنة أن للأجتهاد مكانة تعادل مكانة النبي الأكرم (6) , وقد ورد هذا الوصف في آراء علمائهم حيث يقول الشاطبي ((المجتهد كالنبي وهو خليفته , له حق التشريع حيثما دعت الحاجة الى ذلك , ويميز بينهما ان النبي في تشريعه يستند إلى الوحي بينما يستند المجتهد في ذلك الى العقل))  . 

وهنا اشارة واضحة الى الدور الواسع للعقل في التشريع , في حين نجد ان الامامية يشترطون العلم والقطعية في المعايير العقلية . 

(3) أهداف الاجتهاد 

عرفنا من دراستنا لأهمية الاجتهاد الغاية من تشريع الاجتهاد في الدين الإسلامي , وإيجابه على المسلمين , وسنتطرق هنا إلى غايته بأبرز معالمها وهي : 

معرفة الأحكام الشرعية التي كلف الله تعالى عباده بها , بمالها من شمولية تعم جميع مجالات حياتهم الفردية والأجتماعية . 

أن الدين الإسلامي يختلف عن الأديان الأخرى بما يتمتع به من استمرارية مع هذه الحياة حتى نهايتها . وبديهي فان الحياة في تطور مستمر , تستجد فيها أمور وتنتهي أخرى , وتتغير فيها شؤون من حال الى أخرى , وكل هذه تحتاج إلى الوسيلة التي تلتمس لها الأحكام الشرعية المناسبة عن طريقها , وليست هي إلا الاجتهاد . 

(4) مجال الاجتهاد في نطاق التشريع المنصوص 

أهتم العلماء والباحثون بموضوع الاجتهاد ونطاقه , ومجال الاجتهاد وعمل المجتهد هو الأدلة الشرعية كما بينا ذلك وظهر من الأبحاث السابقة . 

وهذه الأدلة الشرعية هي التي وصفها المشرع الإسلامي للدلالة على الأحكام الشرعية الكلية , فهي طريق المسلم لمعرفة الشريعة , والإنسان الذي يقود عملية المعرفة الشرعية للمسلم وييسرها له , هو المجتهد . 

وبداهة فان الشريعة ليست معرفة نظرية إعتقادية فقط كما هو الشأن في العقيدة , بل هي معرفة من اجل العمل , لأنها دستور المسلم في حياته اليومية الخاصة , والعامة في علاقته مع المجتمع وعلاقته مع الطبيعة , وكذلك هي دستور الأمة المسلمة في خاصة نفسها من حيث علاقاتها الداخلية , وفي علاقاتها مع العالم الخارجي (غير المسلم)  . 

وهذه الأدلة الشرعية تنقسم – من حيث ماتعلقت به – الى قسمين رئيسين : 

احدهما : الأدلة التي قامت على الأحكام الكلية التي بلغها النبي (6) إلى الأمة بصورة مباشرة , أو عن طريق أئمة آهل البيت المعصومين () . 

ومن أمثلة هذه الأدلة , أدلة العبادات وتفاصيلها وأجزائها وشرائطها وموانعها , وأدلة   علاقات الأسرة (زواج وطلاق وأحكام أولاد ونفقات ومواريث ... الى أخره) وأدلة تفاصيلها , وكذلك أدلة المعاملات وأدلة تفاصيلها وشرائطها من (بيوع , وأجارات , وشركات , وربا , ومزارعة , وغرس ومساقاة , وتدخل في ذلك أحكام الأرضين والمياه والمعادن وما إلى ذلك) , ونظام المحرمات في الأفعال والتروك والعلاقات نظير (الخمر , الميسر , والزنا , والسرقة , والظلم , والبغي , وموالاة الكفار , والكذب والنميمة .... وما إلى ذلك)  . 

وثانيهما : القواعد العامة التي لم ترد لبيان حكم كلي من حيث علاقات المسلم والأمة وأفعالهما وتروكهما بل وردت لبيان الموقف الشرعي والحكم الشرعي لـ (حالات) معينة وردت عناوينها في أدلة هذه القواعد . وهذه القواعد , منها ما لايقتصر على مجال معين من مجالات الشريعة والحياة من قبيل العلاقات الخاصة والعامة في الطبيعة والمجتمع , أو مجال العبادات أو المعاملات , بل تشمل جميع المجالات , ومنها مايختص بحالات معينة . ومن أمثلتها (قاعدة نفي الضرر , وقاعدة نفي العسر والحرج , وقاعدة الميسور والمعسور , وقاعدة وجوب حفظ النظام , وقاعدة اليسر , وشرط القدرة على الامتثال , وغير ذلك من القواعد الفقهية العامة .  

ومتعلق هذه الأدلة – بقسميها – هو حياة المسلم والأمة في مجالات الأفعال والتروك والعلاقات مع النفس ومع الغير ومع الطبيعة , في الحدود المنظورة الموجودة بالفعل والمتوقعة لهذه العلاقات والأفعال والتروك في حركة تطور الفرد والامة في الحياة والمجتمع الإنساني . 

وقد وردت هذه الأدلة على نحو القضية الحقيقية التي لايعتبر أن يكون موضوعها متحققاً في عالم الوجود العيني بالفعل , بل هي التي يكون موضوعها مقدر الوجود , فكلما وجد هذا الموضوع ثبت له الحكم الوارد في الدليل , وهذه الأدلة هي الحقل الفعلي لعمل المجتهد , وهي المجال الفعلي للاجتهاد والاستنباط .

(5) مجال الاجتهاد في نطاق الفراغ التشريعي : 

تداول الباحثون في الفقه الإسلامي مصطلح (منطقة الفراغ التشريعي) , ويعنون بذلك أن الله تعالى قد ترك في الإسلام منطقة فراغ تشريعي سيتولى التشريع فيها ولي الأمر والفقهاء بما تقتضي به حاجة الأمة في تطورها ومايطرأ عليها من تبدلات وتغيرات , وهذه الدعوى وجدت في مواجهة ادعاء جمود الشريعة وعدم تطورها بما تقتضي به تغيرات الحياة وتبدلاتها . 

وهي مقوله جديدة لم تقع في كلام قدامى الفقهاء , ولكن هل في الإسلام (منطقة فراغ تشريعي) , أي بمعنى وجود موضوعات ليس فيها لله حكم عند نزول الشريعة , ولولي الأمر التشريع فيها والحكم عليها بما يراه مناسباً لمصلحة المسلمين . إن هذه المسالة تلحظ بناءً على قول (التصويب) وأخرى تلحظ على قول (المخطّئة) :

بناءا على قول (التصويب) : فمؤدى الفكرة أن الفراغ التشريعي أمر واقع لاعتبارهم أن الحكم عند الله فيما لانص فيه هو ما أدى أليه ظن المجتهد , ولافرق فيه بين الموضوعات والأفعال والتروك والعلاقات الموجودة بالفعل او المقدّرة الوجود أو المجهولات التي تظهر في مستقبل الزمان , وهذه الفكرة مبنية على التصويب , والأصل فيها أن حكم الله تعالى في المسالة الاجتهادية هو ما اهتدى أليه المجتهد باجتهاده , وليس لله فيها حكم معين من قبل , فكل مايصل إليه اجتهاده فهو الصواب , وبهذا ينتهون إلى تصويب كل مجتهد . 

أو إن لله حكما معينا إلا انه لم يكلف بإصابته , ويكون ماينتهي إليه منه مصيباً فيه وأن أخطأ وقد نسب هذا القول إلى عدد من أعلام المسلمين . 

والحقيقة أن دعوى أحكام الله تابعة لظنون المجتهدين دعوى لايمكن قبولها بحال إذا أريد منها ظاهرها , وحسبها نسبة تبني كل مايقع فيه المجتهدون من تناقضات في الأحكام إلى الله عز وجل , وأعتبارها أحكاماً مجعولة من قبله على مافي الكثير منها من البعد عن المصالح أو المفاسد الواقعية التي تخطئها ظنون المجتهدين في الكثير من الوقائع عادة .

وقد وضع (المصوّبة) أدلة لاتجاههم نوقشت من قبل العلماء . لامجال لذكرها الأن .

بناء على قول المخطئة : وهو مبنى المعتزلة الذي يرى بعدم وجود فراغ تشريعي لمخالفة ذلك للكلية المسلمة عندهم (ان لله في كل واقعة حكما يستوي فيه العالم والجاهل) وعدم وجود فراغ تشريعي يأتي هنا لأنها من موارد الحكم الثانوي الذي لايكاد يخلو منه مورد من موارد التشريع بسبب العوارض والطوارئ على المكلف . 

وهو مشمول للمبادئ والقواعد العامة المثبتة للإحكام الثانوية من قبيل قواعد (الضرر والإضرار) و (العسر والحرج واليسر) وسماحة الشريعة من قبيل قول الصادق (ع) ((ماحرم الله شيئاً إلا وقد أحله لمن اضطر إليه))  . 

وموقف الفقيه هنا ألاّ يقتصر فيه على مورد الحرمة , بل يشمل جميع الأحكام وهو لايختص بالمكلفين فحسب بل يشمل المجتمع , والأمة اذا دعت حاجتها أو ضرورتها إلى ذلك ويمكن الاستدلال عليه بما ورد في شأن حفظ بيضة الإسلام . وأساس هذا الاتجاه هو (أدلة التشريع العليا) التي هي فوق أدلة التشريع المباشرة , وهذه الادلة العليا هي من قبيل آيات التسخير والأمر بالعدل والإحسان والنهي عن الفحشاء وآيات النهي عن الإسراف والتقتير , وشرط القدرة في التكليف , وآيات النهي عن تغيير خلق الله . 

وهذا الاتجاه يعد هو الرأي السائد عند جمهور المذاهب , بما فيهم الأمامية , وقد جاءت قناعتهم مبنية على أن الأحكام الواقعية المجعولة من قبل الشارع لما كانت مستوعبة لجميع افعال المكلفين , وكانت الطرق والأمارات والأصول المحرزة المجعولة من قبله لاوظيفة لها إلاّ تنجيز متعلقها , او إلتماس المعذرية لمن قامت عنده – عند قيام الأمارة وغيرها كعدمه , لايبدل في الواقع ولايغير , والواقع يبقى على حاله , فأن أصابه المجتهد كان مصيباً , وإلاّ فهو مخطئ معذور .

(6) آفاق الاجتهاد في منطقة الفراغ التشريعي : 

بالنسبة إلى مايتعلق بمجال منطقة الفراغ التشريعي , فانه مع ملاحظة الأصل التشريعي الأولي في علاقة الإنسان والمجتمع بالطبيعة هو الإباحة والإطلاق , وكذلك في علاقة الإنسان بالإنسان والمجتمع هو عدم سلطة احد على احد وعدم ولايته عليه .

فأن الأوضاع التنظيمية الناشئة من تطورات مجال الفراغ التشريعي قد تقتضي بالفعل ممارسة الولاية وسلطة الأمر والنهي وواجب الطاعة في نطاق مايلي : 

ماورد فيه إلزام فليس هناك منطقة فراغ تشريعي , بل هو مورد تشريعي أولي , ولكن قد يطرأ على المكلف حال (الاضطرار , العسر , الحرج , الضرر , الجهل , النسيان) وهنا يترتب على هذه العناوين حكم أخر غير الحكم الأولي الذي هو الوجوب أو الحرمة , فيصبح الحرام واجباً , أو راجحاً , أو مباحاً , ويكون الواجب مباحاً أو راجحاً أو محرماً . واعتبار هذه المنطقة بحسبان الفراغ التشريعي فيه تسامح ظاهر . 

مجال المباحات بالمعنى الأعم (المباح  والمستحب والمكروه) , عده بعضهم (منطقة فراغ تشريعي) , وذلك لان موضوعاته خاليه من الأحكام الإلزامية فإذا دعت الحاجة في المجتمع أو الجماعة أو الفرد إلى تحريم المباح بالمعنى الأعم أو أيجابه كان لسلطة التشريع الاجتهادي أن تمنع من فعل المباح فيكون حراماً , أو تأمر بفعله فيكون واجباً والوجوب والحرمة هنا ناشئان من الصلاحية المعطاة لسلطة التشريع الأجتهادي , وليسا ناشئين من وجود نص خاص أو عام في الشريعة , أي لايوجد كما في القسم الأول مرجع منصوص في الشريعة . 

((مجال المجهولات التي لم يرد لها في الشرع عنوان بخصوصها أو بما يعمها فهو يشمل موضوعات خارجية وأفعالا ,وتروكاً ,وعلاقات بين البشر أفرادا وجماعات ودولاً)) .

وهذا المجال هو من أنشطة البشر وعلاقاتهم ويتكون من حركة المجتمع والإنسان في الحياة , ومايحدث له أثناء ذلك من حاجات جديدة ثابتة او طارئة . ومايكتسبه من معرفة تزيده قدرة على التصرف في محيطه على الأرض , وفي أعماقها وفي الفضاء , وهو المجال الذي لم يكن موجودا عند التشريع , ولايمكن للبشر التنبؤ به , وليس من الحكمة أن يكشف عنه الوحي الإلهي , لان الحكمة تقضي بإطلاق حرية البشر في تكوين صيغ اختيارهم , وصيغ استجاباتهم لضروراتهم  وتقضي بعدم حصرهم في قوالب وصيغ تنظيمية لتطورهم , وصيغ استجاباتهم بالاختيار او الضرورة لمقتضيات هذا التطور الذي تقضي به طبيعة الحياة وتقلباتها . 

ولابد أن تواكب الشريعة ذلك كله , فلا يصبح الإنسان حائراً لايعرف الموقف الصحيح , والاتجاه  المشروع , ولايتصرف على هواه من غير هدى . 

أن مجال الفراغ التشريعي يشمل كل وضع جديد من أوضاع البشر التي تحدث نتيجة للتطور ونمو المعرفة ونمو القدرة لم يرد فيه نص مباشر او قاعدة عامة , مايقتضي أشكالاً جديدة متطورة من التنظيم للمجتمع وللإنسان في المجتمع  . 

ومن أمثلة ذلك تطور العلوم الطبية , وتعمق الخبرة بجسم الإنسان التي تنشأ عنها عمليات نقل وزرع الاعضاء , والتقليح الاصطناعي بصيغه المتنوعة , كذلك تطور علوم الفيزياء والكيمياء  والهندسة بمجالاتها وفروعها المتنوعة ومانتج عن ذلك من تطور هائل في صنع الأسلحة التقليدية وأسلحة الدمار الشامل , وتطور قضايا البيئة من جميع جوانبها والفضاء الخارجي وسطح الأرض وجوفها والمياه ومصادرها والبحار , وكذلك أزمة الطعام والمياه التي تواجه العالم والشعوب الفقيرة على وجه الخصوص , وكذلك النمو السكاني وعلاقته بقضايا التنمية وأزمتي الطعام والمياه والطاقة وحرية الإنجاب وتنظيم النسل والأسرة وغيرها . 

فهذه تستدعي أوضاعاً تنظيمية تناسبها في داخل المجتمع , أن جميع ذلك أو معظمه يكون مجالاً جديدا تماما , هو مجال لفراغ تشريعي لم ترد فيه نصوص تشريعية خاصة أو قواعد تشريعية عامة . 

أن عملية الاجتهاد والأستنباط في مجال الفراغ التشريعي والتي تنتج الأحكام التدبيرية في مجالات التنظيم والعلاقات والإدارة في المجتمع لابد لها أن تخضع لبعض المعايير الأخرى بالإضافة إلى الأسس والأصول العامة للاجتهاد والاستنباط , وهذه المعايير يجب أن تستفاد من أدلة التشريع العليا بنحو القواعد الكلية في القضايا المالية والاقتصادية والعلائقية , كما يستفاد من الموارد الخاصة للأحكام التدبيرية الواردة عن النبي (6) وعن المعصومين () من قبيل : 

نهي النبي (6) عن ذبح الحمر الأهلية الذي فسره الباقر () بأنه كان لغرض عدم إفنائها لان مصلحة المجتمع في بقائها , فان هذا التفسير يصلح مستندا للمنع من الصيد البحري والبري لأنواع معينة من الأسماك والطيور والحيوانات للمحافظة على أنواعها في   الطبيعة . 

ومن قبيل التعليل الوارد في أدلة الاحتكار ((فانه لايصلح ان يحتكر الطعام ويترك الناس ليس لهم طعام))  . 

فهذه على سبيل المثال لا الحصر هي معايير ترشد الفقيه والخبير إلى المنهج الذي يجب أعتماده في الاجتهاد والاستنباط في قضايا المجتمع وأنظمته وقضاياه , وعلى هذا الأساس ينبغي أن يكون أصل (المصالح المرسلة) و (سد الذرائع) عند من يقول بها , هي من أصول الاستنباط في مجال التشريع التدبيري في مجال (الفراغ التشريعي) وليس من أصول الاجتهاد في الأحكام الشرعية الإلهية , فما يستنبط على أساسهما ليست أحكاما شرعية إلهية , بل هي أحكام تدبيرية  . 


الفصل الثاني

مؤمِّنات إبراء الذمة للتكاليف الشرعية  


المبحث الأول/الإجتهاد 

المبحث الثاني/الإحتياط   

المبحث الثالث/التقليد (الإطار النظري لمفهوم التقليد) 

   


المبحث الأول / الاجتهاد 

توطئة 

الاجتهاد لغة 

الاجتهاد اصطلاحاً 

استنتاج

الاجتهاد في القرآن الكريم 

الاجتهاد في السنة الشريفة 

الاجتهاد واجب كفائي 

تقسيمات الاجتهاد 

الاجتهاد بين غلقه وفتحه 

دليل حجية الانسداد  

تعقيب واستنتاج 



توطئة :

لاشك أن ضرورة الالتزام بالحكم الشرعي وإفراغ الذمة منه يستدعي من المكلف طلب الحكم الشرعي والتعرف عليه , فيتحتم ذلك على كل فرد وعلى كل جماعة العمل على استبيانه واضحا كاملا , حيث المطلوب هو كل الامتثال , وعلى كل المستويات , وفي كل شؤون الحياة من عبادات ومعاملات أو نظم حكم . 

وكما نعرف فأن الحكم الشرعي الذي فرضه الله سبحانه وتعالى على العباد ينقسم إلى حرام وواجب ومكروه ومستحب ومباح . فوجوب معرفة الحكم تأتي لتحقيق إطاعة الواجب وتجنب المحرم والأستزادة من المندوب والنأي بالذات عن المكروه تكاملاً لها في فضائل السلوك , وهذا يستدعي بذل الجهد لمعرفة حدود الألتزام الذي فرضه الله تعالى على العبد كي يحقق العبودية في ماتكلف به سواءٌ في علاقته مع الخالق عز وجل وعلاقاته الشخصية مع الإفراد , فيبنى المجتمع الإسلامي بناءاً ألهيا يختلف عن غيره من المجتمعات التي تعلقت بالشرائع الوضعية . 

إذن معرفة الحكم الشرعي ,هو المؤمن من العقاب الإلهي بالإطاعة لأجل تحصيل الحجة الشرعية على فراغ الذمة , وحينئذ لايجوز الركون إلى العمل بالظن أو التخمين , حيث لايفرزان علما يتفق مع المقصود الرباني . ولذا حصر الفقهاء عمل المكلف بالاجتهاد او الاحتياط او التقليد . وإما نوع وجوب الوظائف الثلاث , فأما أن يكون شرعياً أو عقلياً ؟! 

وفي مقام الجواب نقول : لاشك أن وجوب الأجتهاد والأحتياط والتقليد هو وجوب عقلي , فقد بحث السيد الخوئي () هذه المسألة وتوصل إلى هذه النتيجة من خلال إبطال كونه شرعياً , فأبطل ان يكون الوجوب المذكور وجوبا نفسيا أو طريقياً أو غيرياً . 

ويمكن أن نجد طريقا أخر لإثبات كون الوجوب المذكور عقلياً بالبيان التالي : 

أن الوظائف الثلاث هي مقدمة لتحصيل الحكم الشرعي , والمقدمة لها عدة تقسيمات بلحاظات معينة , ومنها تقسيمها إلى : 

أ- المقدمة الشرعية : وهي المقدمة التي تم تشريعها في مرحلة الثبوت , وأخذها الشارع المقدس قيدا في إيجاد ذي المقدمة وتحققه خارجا كالطهارة مثلاً .

فان الصلاة لايمكن أيجادها خارجاً من غير طهارة , ويمكن أن نسمي هذه المقدمة (المقدمة الأيجادية) لان بها يتمكن المكلف من إيقاع ذيها وإيجاده خارجا .

ب- المقدمة العقلية : وهي التي يتوقف واقعاً وجود ذي المقدمة عليها , ومعه يستحيل عقلا تحصيل ذي المقدمة دون تحصيلها , كالسفر إلى مكة فانه مقدمة يقتضيها العقل للوصول إلى أداء فريضة الحج , ويمكن تسميتها بـ (المقدمة الإيصالية) لأنه من خلالها يستطيع المكلف أن يصل إلى الغرض المطلوب . وإذا عرفنا ذلك فلاشك بان الوظائف الثلاثة هي مقدمة لتحصيل الحكم الشرعي , ألا أنها ليست مقدمة أيجادية , أما الاحتياط فلأنه عمل بالأحكام الشرعية المحتملة , والعمل بالشيء متوقف على تحقق ذلك الشيء , فالاحتياط يقتضي في الرتبة السابقة وجود أحكام محتملة يأتي بها المحتاط أحرازاً للحكم الواقعي في مقام العمل . 

وأما الاجتهاد والتقليد فهما عبارة عن العلم بالأحكام الشرعية , والعلم بالشيء غير مقوم لوجود ذلك الشيء ولامقدمة لتحققه , بل هو متأخر رتبة عن موضوعه ومتوقف عليه , فلا الأجتهاد يوجد الحكم الشرعي ولاعدْلَيَه (التقليد والاحتياط) , بل أن الحكم الشرعي موجود ولكن (الأجتهاد والتقليد) موصل أليه من الحيثية العلمية,والإحتياط موصل إليه من الحيثية العملية . فالأمور الثلاثة (الاجتهاد – التقليد – الاحتياط) أذن هي مقدمات توصلية – توصل إلى الحكم الشرعي ونوع التكليف . 

 (1) الاجتهاد لغة :- ((مأخوذ من الجَهدْ , والجَهد بفتح الجيم وضَمِّها بمعنى الطاقة والمشقة       واجتهد بمعنى بلغ الجهد))  . 

وعرفه الراغب الأصفهاني بقوله ((أخذ النفس ببذل الطاقة وتحمل المشقة))  والأجتهاد : ((بذل الوسع والمجهود)) . 

والذي يبدو للباحث أن المتعارف من استعمالات هذه المادة على إختلاف هيئاتها في كلمات القرآن والسنة وكلام العرب هو بذل الوسع وتحمل المشقة,سواءٌ أستخدمت المفردة في القضايا الفكرية أو الجسدية,أو النفس الإنسانية,قال أمير المؤمنين () ((ولايؤدي حقه المجتهدون))  . 

وعلى هذا عرف الاجتهاد لغةً بـ ((بذل الوسع للقيام بعمل فيه ثقل ومشقة وكلفة))  . لذا يقال أجتهد في رفع حجر ثقيل , ولايقال : إجتهد في حمل ورقة مثلاً  .

(2) الاجتهاد اصطلاحاً :- عرف الفقهاء الأجتهاد في كتبهم بعدة تعريفات منها :- 

عرفه ابن الحاجب بـ ((إستفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي))   وقال عنه صاحب فواتح الرحموت ((الأجتهاد : بذل الطاقة من الفقيه في تحصيل حكم شرعي ظني))  . 

وعرفه الآمدي بأنه ((مخصوص بإستفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية , على وجه يحس من النفس العجز من المزيد فيه))   . 

وعرفه الشوكاني بـ ((بذل الوسع في نيل حكم شرعي عملي بطريق الاستنباط ... وإذا عرفت هذا , فالمجتهد هو الفقيه المستفرغ لوسعه لتحصيل ظن بحكم شرعي))   . 

ومن الواضح أن بعض التعريفات محددة بكلمة الفقيه لأن أستفراغ الوسع مطلقا في تحصيل الظن بالحكم الشرعي يشمل غير الفقيه , والبعض الأخر منها قد استخدم كلمة (الظن) , وقد علل ذلك لإخراج القطعيات من الأجتهاد , ((لأنه لا اجتهاد في القطعيات))   . 

ألا أنه من  الواضح أن المناط في الأجتهاد وهو تحصيل الحجة على الحكم الشرعي لا الظن , لان الأصل في – الظن- عدم الحجية – مالم يقم الدليل القطعي على حجيته . 

وعندما نستعرض جهة أخرى من التعاريف نجد ابتعادها عن مصطلح الظن , ألا أن العلماء أخذوا قيوداً أخرى قد تكون أكثر أشكالاً من قيد الظن . 

قال الغزالي ((صار اللفظ – الأجتهاد – في عرف العلماء مخصوصاً ببذل المجتهد وسعه في طلب – العلم – بأحكام الشريعة))  . 

وعرفه ابن حزم ((الأجتهاد في الشريعة هو : إستنفاد الطاقة في طلب حكم النازلة , حيث يوجد ذلك الحكم))  . وعرفه الزركشي : ((الإجتهاد في الاصطلاح : بذل الوسع في نيل حكم شرعي عملي بطريق الأستنباط))  . وعرفه بعض المحدثين منهم الخضري بك بقوله ((بذل الفقيه وسعه في طلب العلم بأحكام الشريعة))  . 

وعرفه خلاف بأنه ((بذل الجهد للتوصل إلى حكم في واقعة لانص فيها , بالتفكير وأستخدام الوسائل التي هدى الشرع أليها للأستنباط فيما لانص فيه))   .

والذي يلاحظ في هذه التعاريف هو عدول غير واحد من الأصوليين عن ذكر الظن واكتفوا بأخذ قيد – العلم – فيه كما نلاحظ ذلك عند (الغزالي) (والخضري بك) والعلم هنا أن كانوا أرادوا به الأعم من العلم الوجداني والتعبدي , وأرادوا بكلمة الحكم الشرعي الأعم من الواقعي والظاهري , فهذه التعاريف سليمة نسبياً إلاّ أنها تبقى محتاجة إلى ضم كلمة الوظائف , لتشمل كل مايتصل بوظائف المجتهد من عمليات الأستنباط . 

وعند الأمامية عرفه العلامة الحلي ((بأنه أستفراغ الوسع في النظر فيما هو من المسائل الظنية الشرعية))   . وعن صاحب المعالم ((هو أستفراغ الفقيه وسعه في تحصيل الظن بحكم شرعي))   , وعرفه الشيخ البهائي ((الأجتهاد : ملكة يقتدر بها على أستنباط الحكم الشرعي الفرعي من الأصل فعلاً أو قوة قريبة))  , وعن الفاضل التوني ((تحصيل الحجة على الحكم الشرعي))  ,وعرفه الأخوند الخراساني((أستفراغ الوسع في تحصيل الحجة على الحكم الشرعي)) 

وعن المحقق الأصفهاني هو ((تحصيل الحجة على الحكم الشرعي عن ملكة أستنباط الحكم ولو لم يستنبطه فعلاً))  . وعرفه المحقق العراقي بأنه ((الإستفراغ العقلي في تحصيل المعرفة بالأحكام , لأن الأجتهاد هو الاستنباط الفعلي من الأدلة , ولايكفي فيه مجرد الملكة الموجبة للقدرة على الاستنباط))  . وعرفه السيد الخوئي () بـ ((أستفراغ الوسع في تحصيل الحجة القطعية بالوظيفة من الواقعية والظاهرية))  . 

ومن خلال هذه التعاريف يمكن ملاحظة اعتبار الفعلية في الأستنباط كما نص على ذلك المحقق العراقي , وعليه فلا يصدق مصطلح – المجتهد – على من لم يمارس عملية أستنباط الحكم الشرعي , فهو ناظر إلى أطلاقه على الحال .  

ألا أن أكثر المتأخرين من العلماء عرفوه بالملكة التي يقتدر بواسطتها على استنباط الحكم الشرعي الفرعي , فهو ناظر إلى أطلاقه على الملكة , فلا يشترط في صدق الإطلاق والتسمية أن يكون الاستنباط فعلياً , فالاستنباط تارة يكون فعليا كما إذا استنبط الأحكام واستخرجها من أدلتها , وأخرى يكون بالقوة القريبة , بمعنى انه لم يتصد بعد للأستنباط , أما لعارض أخر كمرضٍ أو غيره , فان الأستنباط حينئذ يكون بالقوة القريبة لا بالقوة البعيدة , وألا كان العامي الذي له أستعداد النيل بملكة الأستنباط مجتهدا مع انه ليس كذلك . فالمجتهد أما أن تكون استنباطاته فعليه , وأما أن تكون بالقوة القريبة من الفعل . 

وعليه فقيد (فعلا أو قوة قريبة) الموجود في تعاريف بعضهم يدل على أمرين احدهما : إدراج صاحب الملكة-غير المستنبط بالفعل – وثانيهما : إخراج العامي وهو من لم تحصل له هذه الملكة أصلاً عن الحد , فالمجتهد أما أن تكون استنباطاته فعليه , وأما أن تكون بالقوة القريبة من الفعل .

أستنتاج : أن هذه التعريفات للأجتهاد مع كثرة القيود عليها وأختلافها في التعبير هي ليست من التعريفات الحقيقية , بل من التعريفات اللفظية , فلا مجال للإيراد عليها بعدم الانعكاس تارةً وبعدم الأطراد تارةً أخرى , ومادام الأمر كذلك فليس أمامنا إلا اختيار تعريف اصطلاحي يشتمل على الحد الأدنى المشترك بينها وبما يؤدي إلى أخراج العامي المقلد منها فيكون الاجتهاد هو ((ملكة تحصيل الحجج على الأحكام الشرعية أو الوظائف العملية , شرعية أو عقلية))  .

(3) الأجتهاد في القران الكريم : 

إذا أمعنّا النظر في آيات القران الكريم فأننا لم نجد أيه خاصة تضم كلمة (الاجتهاد) بهيئتها الخاصة,لكننا نجد آيات تستعمل كلمة (الجهد) كما في قوله تعالى ((وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ              إِلاَّ جُهْدَهُمْ...)).وقوله تعالى ((وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُواْ أَهَـؤُلاء الَّذِينَ أَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ      أَيْمَانِهِمْ...))  . 

قال الزبيدي ((الجَهْد في الآية الثانية – بمعنى بالغوا في اليمين واجتهدوا فيها))  

وعند استعراض موارد الاستعمال لهذه المادة في القران الكريم يثبت لنا استعمالها في موردين : 

المورد الأول : الإجهاد الفكري , كما هو الحال في قوله تعالى : ((وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي))  , لان الشرك عمل فكري , والإجهاد فيه يكون بأتعاب النفس في الطرق الفكرية المؤدية إلى الشرك , نعم قد تستعمل الإغراءات المادية في هذا المجال أيضا , ولكنها من صنائع الفكر المنحرف . 

        المورد الثاني : القضايا المادية والجسدية , كما هو الحال في الجهاد بالمال والنفس: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ...)) , حيث استعملت في القضايا المادية والجسدية , لان الجهاد بالمال يدخل في دائرة القضايا المادية ,والجهاد بالنفس يدخل في دائرة القضايا المادية والجسدية والظاهر أن استعمالها في الكتاب الكريم كان على أساس المعنى اللغوي المتقدم . فالجهاد : بذل الوسع والطاقة , والجهد : بذل الممكن , والجهد : منتهى السعي وغيرها . 

والخلاصة : أن لفظ الأجتهاد لم يرد في الكتاب الكريم , والذي ورد فيه كلمات تشترك مع الأجتهاد في المادة الواحدة , وكان أستعمالها في الكتاب الكريم بنفس المعنى اللغوي المتقدم .                                                       

(4) الأجتهاد في السنة الشريفة : وردت كلمة (الأجتهاد) في مجموعة من الأحاديث والروايات المنقولة من الطرفين , ومن الروايات الشريفة المنقولة من طرق الأمامية مايلي :  

 ذكر الحسن بن محمد الطوسي في الآمالي , يقال له (المجالس) , عن ابيه , عن أبي عمر بن مهدي , عن أحمد عن أحمد بن يحيى , عن عبد الرحمن , عن أبيه , عن الأعمش , عن تميم بن سلمة , عن أبي عبيدة , عن عبدالله , عن علي () قال : ((أقتصاد في سنة خير من أجتهاد في بدعة , ثم قال : تعلموا ممن علِم فعمل))  . 

 وفي الخصال عن محمد بن علي بن ماجيلويه , عن عمه محمد بن أبي القاسم , عن العباس بن معروف ,عن أبي شعيب , يرفعه إلى أبي عبدالله () قال : ((أورع الناس من وقف عند الشبهة , واعبد الناس من أقام الفرائض ,وازهد الناس من ترك الحرام ,واشد الناس اجتهاداً من ترك الذنوب)) . 

 وذكر محمد بن يعقوب , عن احمد بن محمد , عن الحجال , عن العلاء , عن ابن أبي يعفور , قال : قال أبو عبدالله () :((كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم ليروا منكم الورع والأجتهاد))  . 

       وهناك مجموعة أخرى من الروايات تضمنت كلمة الأجتهاد , ألا أن المراد منها بحسب ظاهرها المدلول اللغوي للكلمة , ولم تستعمل في المعنى الاصطلاحي . 

ووردت هذه الكلمة أيضا في كتب الجمهور وأستعملت في نفس المدلول اللغوي . فعن عبد الرحمن بن يزيد عن عبدالله : ((القصد في السنة خيرُ من الأجتهاد في البدعة)) . وهنا الكلمة استعملت في المدلول اللغوي أيضاً . 

وقد استعملت في معنى قريب من المعنى الاصطلاحي في مجموعة من الاحاديث المنقولة في كتب الجمهور , ومنها :  

الحديث الأول : حديث معاذ بن جبل : ((أن رسول الله (6) سأله إذ بعثه إلى اليمن , كيف تقضي ؟ قال : أقضي بما في كتاب الله , قال : فان لم يكن في كتاب الله قال : فبسنة رسول الله (6) , قال : فان لم يكن في سنة رسول الله (6) , قال : أجتهد رأيي لاآلو, قال: فضرب صدره ثم قال: الحمد لله الذي وفق رسول الله (6) لما يرضي رسول الله))  . 

وفي الحديث طرح لمسألة الأعتماد على الأجتهاد بالرأي عندما لم يتمكن من حل المشكلة من طريق الكتاب والسنة الشريفة , لان أستخراج الحكم الشرعي من الكتاب والسنة ليس قضية يتمكن منها كل إنسان , وان كان فيهما تبيان كل شيء لكن استخراج الحكم الشرعي من الكتاب الكريم خصيصة غير موجودة في غير الأئمة () . 

الحديث الثاني : حديث أبن العاص : ((قال رسول الله (6) لعمروا بن العاص : احكم في بعض القضايا . فقال : أجتهد وأنت حاضر ؟ فقال : نعم ان أصبت فلك أجران , وان أخطأت فلك أجر))  .

الحديث الثالث : حديث أبن عقبه : ((قال رسول الله (6) لعقبة بن عامر , ولرجل من  الصحابة : أجتهدا , فان أصبتما فلكما عشر حسنات , وأن أخطأتما فلكما حسنة))  . 

والمقصود بالأجتهاد في الأحاديث الثلاثة هو بذل الوسع والطاقة , فهي من مصاديق المدلول اللغوي . وقد ناقش ابن حزم في الحديث الأول وذكر بأنه ساقط وانه روي عن رجال من أهل حمص لم يسمّوا . 

وذكر في عون المعبود أن ((هذا الحديث أورده الجوزقاني في الموضوعات , وقال : هذا باطل رواه جماعة عن شعبة , وقد تصفحت عن هذا الحديث في المسانيد الكبار والصغار وسألت من لقيته من اهل العلم بالنقل عنه فلم أجد له طريقا غير هذا , والحارث بن عمروا هذا مجهول , وأصحاب معاذ من أهل حمص لايعرفون , ومثل هذا الإسناد لايعتمد عليه في أصل من أصول الشريعة))  . وقد ردّ أئمة آهل البيت () هذا الحديث بشدة , ففي وسائل الشيعة : وقوله لمعاذ بن جبل :(( ...وكذبوا على رسول الله (6),إذ قالوا عنه مالم يقل من الجواب المستحيل))  . 

ويرى الباحث بأن حديث معاذ بن جبل يتناقض تماما مع فكرة أن الكتاب فيه تبيان لكل شيء , وقد صرح النبي (6) مراراً بأن المسلمين في أحتياج دائم إلى القران فكيف يمكن الموافقة على هذا الحديث ؟!! 

وأما الحديثان الآخران , فقد قال الغزالي : ((وهذه أخبار آحاد لاتثبت , وأن ثبتت احتمل أن يكون مخصوصاً بهما , أو في واقعة معينة))  . قال ابن حزم : ((وماذكروه من أن الأخبار المذكوره أخبار آحاد فهو كذلك))  . 

(5) الاجتهاد واجب كفائي :    

       لايخفى أن الإنسان مكلف بالأحكام الشرعية والوظائف الدينية , وليست معرفتها والعلم بها من الأمور البديهية , بل لابد من بذل الوسع والطاقة وتحمل المشاق والكلفة في تحصيل الحجة عليها , وإذا وصل الفقيه الى الحكم بعد أستفراغ الوسع , فأن مايستنبطه حجة عليه وعلى من يرجع أليه , ولاسبيل إلى الردع عن أتباعه , ويدل على ذلك سيرة المتشرعة بل وردت النصوص الشرعية في عصر الأئمة () بالرجوع إلى أصحاب الفتيا وأهل النظر والمعرفة كأبان بن تغلب وزرارة ومحمد بن مسلم وأضرابهم , فالاجتهاد جائز في نفسه لامحالة خلافا للإخباريين كما هو واضح . 

ألا أنه وقع النزاع في كونه واجباً عينياً أو كفائياً ؟ فقد ذهب البعض إلى وجوب الأجتهاد على كل مكلف وجوباً عينياً , وقد صرح بذلك أبن حزم الأندلسي , ونسب القول إلى معتزلة بغداد وعلماء حلب من الأمامية .

وحسب قولهم فيجب على المكلف الأستدلال في مقام الأحكام الشرعية , إلا أنه يكتفى بمعرفة الإجماع الحاصل من كلمات العلماء عند الحاجة إلى الواقع أو النصوص الظاهرة , أو أن الأصل في المنافع هو الإباحة , وفي المضار هو الحرمة عند فقد النص . 

ويرى الباحث أن هذا المعنى , واضح الرد , لان ذلك لازمه العسر والحرج , بل قد يوجب اختلال النظام لصعوبة الاجتهاد , لاسيما في عصرنا الحاضر , كما انه يلزمنا القول بحرمة التقليد وعدم الاحتياط , وهو خلاف السيرة المتشرعية والنصوص الواردة , كما أن القول بالعينية مخالفٌ تماماً لآية النفر , فظهور الآية الشريفة يدل على كون الاجتهاد وتحصيل الحجة على الأحكام الشرعية واجبا كفائياً كما يؤيد ذلك الروايات الواردة في تفسير الآية الشريفة .

ثم إن عملية الاستنباط هي عبارة عن تطبيق القواعد الأصولية على مصاديقها الخارجية , وهذه العملية هي من مهمات الفقهاء والمجتهدين , وأما غير المجتهدين فيمكنهم دراسة هذه العملية والاطلاع على قواعدها كسائر العلوم الأخرى , إلا أنهم يرجعون الى المجتهدين في الفتاوى والأحكام , ويعملون بها , لذا يسمونهم بالمقلدة , وهذا العمل بآراء المجتهدين يسمى بـ (التقليد) . 

(6) تقسيمات الاجتهاد :       

ذهب العلماء عند تقسيمهم للأجتهاد مذاهب عديدة ينتمي كل منها إلى مبان ٍمتفرقة , ومن هذه التقسيمات , التقسيم المنسوب للدكتور (معروف الدواليبي) بلحاظ أصوله فقد قسمه إلى الأجتهاد البياني والأجتهاد القياسي والأجتهاد الأستصلاحي وكذلك التقسيم المنسوب إلى العلامة (السيد محمد تقي الحكيم) بتقسيمه الأجتهاد إلى عقلي وشرعي . 

ومنها تقسيم الاجتهاد بلحاظ الأعتبار وعدمه وهو تقسيم الشاطبي فقد قسمه إلى الأجتهاد المعتبر شرعاً , والأجتهاد غير المعتبر شرعاً . 

ومنها تقسيمه الذي يعيننا في هذا البحث بلحاظ الأطلاق والتجزئة , فيقسم إلى الاجتهاد المطلق والاجتهاد المتجزئ .

أ- الاجتهاد المطلق :

ويراد بـ (الإطلاق) وصف الأجتهاد الذي يعني قدرة الفقيه على استنباط كل مسائل الفقه وأبوابه من أدلتها الشرعية في أطارين : 

الأول : البحث في ثمرة جهود الفقهاء للمسائل التي بحثوها أساساً قديماً وحديثاً . 

الثاني : المسائل المستحدثة (الجديدة) التي لم يسبق طرحها , حيث أعمال القدرة الأجتهادية , وتحديد الموقف العلمي للحكم الشرعي فيها .  

وتتحقق هذه القدرة في ثلاثة أمور :-

الأول : أكتمال المباني الأصولية الأساسية عند الفقيه , إذ من دون ذلك لايكون لديه القدرة على النظر المستقل في كل مسالة وأستنباط حكمها . 

الثاني : إحاطة يعتد بها بآيات الأحكام والسنة الشريفة وأبحاث الفقه ومذاهب الفقهاء ومبانيهم , والظاهر أنه لايشترط الإحاطة الكاملة بكل ذلك . 

الثالث : أستنباط مقدار معتد به من أحكام المسائل في أبواب متعددة من الفقه في العبادات والمعاملات . ولابد من التنويه الى أن معدات الأجتهاد لاتجتمع إلا بـ (الأستنباط) حيث يعبر عن الممارسة بـ(الأجتهاد المطلق بالفعل) . وقد أنقسم الأصوليون بالنسبة الى أمكان الأجتهاد المطلق وعدمه إلى قسمين : 

أ- القائلون بالإمكان : ووجهة نظرهم , أن الاجتهاد ((ملكة يقتدر بها المجتهد على فهم النصوص ,واستثمار الأحكام الشرعية منها , وأستنباط الحكم فيما لانص فيه , فمن توافرت فيه شروط الأجتهاد , وتكونت له هذه الملكة , لايتصور أن يقتدر بها في موضوع دون آخر))  . 

وتوفر مثل هذه الملكة ممكنة لتوفر معداتها . فالأجتهاد المطلق المستند أليها ممكن إذن , لأن (الملكة) من الصفات النفسانية البسيطة غير القابلة للتقسيم , لأن التقسيم من اللوازم الخاصة بالكميات , فيدور أمره بين الوجود والعدم , فإما أن يكون واجداً لملكة الأجتهاد , أو فاقداً لها , فلا يمكن أن يكون واجداً لنصف تلك الملكة او ربعها ليتمكن من الاجتهاد في بعض المسائل الفقهية دون بعضها الأخر . 

ب- القائلون بعدم الإمكان : وهؤلاء يرون استحالة أحاطة البشر بجميع الأحكام المتعلقة بأفعال المكلفين القديمة منها , والمستحدثة , مستدلين على ذلك بتوقف الأعلام عن أجابة كثير من المسائل , ولو كان مقتدرا على ذلك لما توقف , كما حصل لمالك إذ سئل عن أربعين مسالة , فأجاب عن أربع منها , وقال في الباقي لا أدري . 

ويجيب الشوكاني عن ذلك بقوله ((بأن عدم الإجابة لاتكشف عن عدم الإحاطة إذ ربما كان ذلك لمانع , أو لورع , أو لعلمه بان السائل متعنت , وقد يحتاج بعض المسائل إلى مزيد بحث يشغل المجتهد عنه شاغل في الحال))  . 

وقد أجاب صاحب الكفاية , بان عدم التمكن من الإجابة والتردد وأمثالها ((أنما هو بالنسبة الى الحكم الواقعي , لأجل عدم دليل يساعد في كل مسالة عليه أو عدم الظفر به , بعد الفحص عنه بالمقدار اللازم,لالقلة الاطلاع,وقصور الباع .وأما بالنسبة للحكم الفعلي فلا تردد لهم أصلاً))  . 

ويبدو أن القائلين بالامتناع ((فسروا الاجتهاد المطلق بفعلية الأستنباط , وفعلية الاستنباط لجميع الأحكام ممتنعة عادةً لعدم توفر الوقت لأستيعاب جميع الأحكام بالنسبة إلى العمر الطبيعي لأي إنسان))  . 

وممن ذهب إلى عدم الإمكان أيضا المحقق صاحب الفصول , والآمدي من الشافعية .

واما الخلاف بن الإخباريين والأصولين فهو شكلي فقط ناشيء من تصورهم بان القائلين بالاجتهاد يذهبون إلى حجية الظن الأجتهادي مطلقا ولو لم يقم دليل معتبر من قبل الشارع على حجيته على تقدير أن (الاجتهاد هو تحصيل الظن بالحكم الشرعي) . 

والحقيقة هي غير ذلك , فان الفقهاء والأصوليين أجمعوا على عدم حجية الظن الأجتهادي الذي لم يقم على أعتباره دليل من الشارع المقدس , بل يعتمدون في أستنباطهم على (الحجه) وحاصل الاختلاف لايقتضي رفض الإخباريين لأصل فكرة الاجتهاد , لان الاختلاف في كون الامر الفلاني دليلا وحجة ام لا , هو واقع بين الإخباريين أنفسهم , وبين الأصوليين          أنفسهم كذلك .

ب- الاجتهاد المتجزئ : ويراد به القدرة على أستنباط بعض الأحكام , أو أن يكون مجتهدا في باب من أبواب الفقه , وذلك بأن ((يجمع من الأدلة الواضحة القوية في مسالة من المسائل الشرعية مايؤهله لدرجة الاجتهاد فيها دون غيرها من المسائل))  وكان للأصوليين أختلاف كبير في إمكان الاجتهاد المتجزئ , أو عدمه , وهذا الاختلاف يمكننا تحديده بقولين :- 

1- أمكان المتجزئ ووقوعه : وقد اختار ذلك الغزالي , والآمدي , وأبن عبد الشكور الحنفي , وأبن حزم الظاهري , والنووي , والعلامة الحلي , والشيخ البهائي , وأختاره المحقق الخراساني ثم أضاف في نهاية مقولته بـ (لزومه ووجوبه) وذلك للزوم الطفرة . 

      ويمكن للباحث أن يستدل على إمكانه من خلال الأثر التكويني للإنسان , فانه لابد من حصول ملكة الاجتهاد بشكل تدريجي , لاختلاف مدارك الأحكام التشريعية في الدلالة بداهةً وأختلافها من حيث عنصري الوضوح والغموض ... فربّ مدرك في منظار إنسان يبدو غامضاً , وفي منظار أخر يبدو واضحاً . فأن القواعد الأصولية : (على سبيل المثال) التي هي من أهم ماتتوقف عليها عمليات الأستنباط , ليست ذات سلسلة متصلة الحلقات , ومترابطة فيما بينها , فان كل قاعدة منها لها خصوصيات ومواصفات لاترتبط بخصوصيات القاعدة الأخرى ومواصفاتها , فان الأمر يدل على الوجوب .... قاعدة اصولية غير مرتبطة بـ((الإستصحاب التعليقي)) أو بـ(إستصحاب العدم الأزلي) . 

وعلى هذا المنوال , يمكن أن يعتمد الشخص في بعض المسائل الفقهية على قاعدة معينة ... وخاصة إذا كانت واضحة,فتحصل الملكة بالنسبة إلى تلك المسائل المعينة دون مسائل أخرى .   

2- عدم إمكان التجزئ في الاجتهاد : وقد ذهب قسم من الأصوليين إلى امتناع التجزئ في الأجتهاد ومنهم الشوكاني بدعوى أن المجتهد لايجوز له الحكم بالدليل حتى يحصل له غلبة الظن بحصول المقتضي وعدم المانع , وإنما يحصل ذلك للمجتهد المطلق . وأما من ادعى الإحاطة بما يحتاج إليه في باب دون باب , أو في مسالة دون مسالة فلا يحصل له شيء من غلبة الظن بذلك , لأنه لايزال يجوّز للغير ماقد بلغ إليه علمه .

وقد يقرب عدم الإمكان هذا بان ملكة الاستنباط أمر بسيط , وبساطتها تدعو إلى استحالة تجزئتها,وكذا لو كان الاجتهاد عبارة عن نفس الاستنباط لاملكة فانه أيضا غير قابل للتبعيض . 

والى هذا التقريب يشير السيد الخوئي () بقوله ((فقد ذهب جماعة إلى استحالته بدعوى أن ملكة الاستنباط امر بسيط وجداني , والبسيط لايتجزأ . فان وجدت فهو الأجتهاد المطلق , وألا فلا أجتهاد أصلاً , وكذا الأمر لو كان الاجتهاد عبارة عن نفس الاستنباط لاملكته , فأنه أيضاً بسيط غير قابل للتبعيض)) . 

لكن صاحب الكفاية أشار إلى بساطة الملكة بقوله ((بساطة الملكة وعدم قبولها التجزئة لايمنع من حصولها بالنسبة إلى بعض الأبواب بحيث يتمكن بها من الإحاطة بمداركه))  . 

وأجاب السيد الخوئي () عن شبهة عدم الإمكان بقوله ((فأن المراد بالتجزئ ليس التبعيض في أجزاء الكل حتى يستحيل فيه لكونه أمراً بسيطا , بل المراد به التبعيض في أفراد الكلي , إذ كما أن نفس الأحكام يغاير بعضها بعضا , كذلك أستنباطها , فأن أستنباط مسألة منها يغاير أستنباط مسألة أخرى , وبساطة الملكة أو الأستنباط لاتنافي حصولها في مسألة , وعدم حصولها في مسألة أخرى كما هو واضح – وعليه فلا مانع من أن تحصل للشخص ملكة في مسالة من مسائل الفقه لسهولة مقدماتها أو مهارته فيها . وماذكرناه جار في بقية العلوم أيضا فانه يجوز أن تحصل للشخص ملكة حفظ اللسان من الخطأ في أبواب المرفوعات من الفاعل والمبتدأ والخبر وغيرها , ولاتحصل له في أبواب المنصوبات والمجرورات . نعم لو كان المراد بالتجزئ التبعيض في أجزاء الكل صح ماذكروه من الاستحالة المزبورة))  .

 (7) الاجتهاد بين غلقه وفتحه : 

عرفنا في مبحث سابق تقسيم الأجتهاد من حيث مراتبه , انه مطلق ومتجزئ (غير مطلق) , والأجتهاد غير المطلق منه الأجتهاد في المذهب (المنتسب) , وأجتهاد التخريج , وأجتهاد الترجيح , وغيرها . 

ويبدو أنه لاخلاف بين علماء المذاهب الإسلامية في أن باب الأجتهاد غير المطلق مفتوح لمن أراد , لكن الخلاف في الاجتهاد المطلق , فذهب بعض علماء الجمهور إلى سد باب الأجتهاد , وقد حدد الباحثون المتخصصون بداية إنسداد الإجتهاد في أواخر القرن الرابع الهجري , وأفتى الفقهاء  بـ ((وجوب تقليد أئمة المذاهب الأربعة))  وهم : النعمان بن ثابت الكوفي (أبو حنيفة) (80-150هـ) ومالك بن أنس الاصبحي(93-179هـ),ومحمد بن أدريس الشافعي القرشي (150-204هـ) وأحمد بن حنبل بن هلال الشيباني (164-241هـ) . 

وذهب بعض آخر من السنة والأمامية بشكل عام الى فتح باب الاجتهاد وإبقائه مفتوحا مادامت الأحكام الشرعية نافذة وغير قطعية , ومادام في المعمورة مكلفون , والقائلون بفتحه لايرون قولهم هذا يحتاج إلى الاستدلال عليه أكثر من الاستدلال على أصل مشروعيته , وقيام الإجماع على وجوبه الكفائي , ويشير الاستقراء التاريخي إلى اجتهاد الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ومن تلاهم في الأحكام الشرعية دون أن يخالف ذلك حتى تعالت بعض الأصوات لغلق باب الاجتهاد في عصور متأخرة عن صدر الإسلام بقرون . 

ولهذا فالقائلون بأستمرار فتحه واستدامته يتمسكون بنفس الأدلة التي أثبتت وجوبه إثباتا مطلقا دون تقييده بعصر دون عصراً أو زمان دون غيره أو أناس دون أخرين ممن توفرت فيهم شروطه . 

وأما المتحدثون في قضية غلق باب الأجتهاد , فقد أرجع أساتذة من أهل التحقيق الدقيق نجاح تجربة انسداد باب الأجتهاد إلى بواعث تاريخية ... من أمثال الدكتور محمد سلام مدكور,والشيخ مصطفى احمد الزرقا,والشيخ محمد أبو زهرة والشيخ عبد الوهاب خلاف,بل استدل الأخير المتوفى سنة 1372هـ بأربعة بواعث نطرح أهم عناصرها وهي: 

أ- انقسام الدولة الإسلامية إلى عدة ممالك تتنافر ملوكها وولاتها وأفرادها على الحكم مما اوجب انشغالهم عن حركة التشريع , وانشغال العلماء تبعاً لذلك بالسياسة وشؤونها . 

ب- انقسام الأئمة المجتهدين في العهد الثالث إلى أحزاب ... لكل حزب مدرسته التشريعية وتلامذتها , لها نزعتها وخطتها , مما دعا تعصب كل مدرسة لمبادئها الخاصة أصولاً وفروعا , وهدم ماعداها حتى صار الواحد منهم لايرجع إلى نص قراني , أو حديث ... إلا يلتمس فيه مايؤيد مذهب أمامه , ولو بضرب من التعصب في الفهم والتأويل , وبهذا فنيت شخصية العالم في حزبيته , وماتت روح أستقلاله العلمي , وحياة الخاصة كالعامة أتباعاً ومقلدين .

ج- الفوضى السائدة في ممارسة الأجتهاد والفتوى والقضاء , ودخول من ليس أهلاً لها , مما دعا الى تقبل غلق سبيل الأجتهاد في أواخر القرن الرابع وتقييد المفتين والقضاة بأحكام الأئمة الأربعة ... حيث عالجوا الفوضى بالجمود . 

د- سريان الامراض الخلقية والأنانية عند العلماء والتي حالت بينهم وبين السمو إلى مرتبة الاجتهاد , فكان إذا تطرق احدهم إلى عنصر الاجتهاد فتح على نفسه أبواب التشهير , وأحط أقرانه من قدره , ولذا كان الفقيه يتقي كيد رفاقه وتجريحهم بأنه : مقلد وناقل , لافقيه مبدع وبهذا مات النبوغ فيهم . 

وهناك باعث ومبرر خامس لم يطرحه الشيخ عبد الوهاب خلاف وهو ((نجابة تلاميذ الأئمة وأعجابهم بطريقتهم وتدوينها والدفاع عنها , ودعوتهم إلى الأخذ عنهم والعمل بفتواهم , ولاشك أن من تعصب لفكرة فانه يحبس نفسه في دائرتها , ويدور في فلكها)) . 

وبسبب هذه المبررات نادى بعض العلماء بغلق باب الاجتهاد وانتهاء عصره , ألا أن هذا النداء لايمكن أن تبرره تلك الأسباب , فبدلاً من غلق باب الأجتهاد – أن صحت تبريراته – كان المفروض ان ينادى بالإصلاح ويبحث فيه عن مجتهد حاذق متجنب لتلك الأجواء البعيدة عن سلوك الفقهاء الهداة الى شريعة الله سبحانه وتعالى, أما الحكم على الناس إلى قيام الساعة بالحرمان من الاجتهاد المطلق وجعله حكراً على أربعة فقط , فهو حكم لايستند الى أساس صحيح .

 (8) دليل حجية الأنسداد : استدل بـ (الإجماع) , وبـ (انضباط المذاهب الأربعة وكثرة أتباعهم) .

قال بعضهم : ((مما لاينفذ القضاء به , ما إذا قضى بشيء مخالف للإجماع , وماخالف الأئمة الأربعة مخالف للإجماع ... أن الإجماع انعقد على عدم العمل بمذهب مخالف للأربعة , لأنضباط مذاهبهم وكثرة أتباعهم))  . 

وهنا نتساءل مامقصودهم بـ (الإجماع) ؟! , هل هو أجماع الأمة ؟ ام اجماع المجتهدين ؟! ام اجماع المقلدين ؟! 

اما على تفسير الاول , فلا يبدو صحيحا وذلك لوجود المذهب الأمامي المجمع على جواز ممارسة عملية الاجتهاد . واما على التفسير الثاني ودعوى ان إجماع الامة قطعية , وذلك لعصمتها .. لقول الرسول (ص) : ((امتي لاتجتمع على ضلالة)) وقوله (6) ((لاتجتمع أمتي على خطأ))  , فهذه الاخبار احاد , فكيف يرجع نهوض الإجماع أليهما ؟! وعليه يكون المقصود من قوله (6) هو نفي الخطأ والضلال عن الشيء الذي اجتمعت الأمة فيه على كلمة واحدة , وعلى أختلاف توجهاتها المتباينة . 

وإما إجماع المقلدين , فهو بديهي البطلان , وذلك بأعتبار أن الإجماع مخصوص بمن عدا المقلدين . 

ومن جهة أخرى , فهذا الإجماع – أن صح – فهو مناف لقيام الإجماع السابق عليه بفتح باب الأجتهاد مطلقا , ومن المعلوم أن القاعدة تقول : الشك في الحجية كافٍ للقطع بعدمها , فالشك في حصول هذا الإجماع او في حجيته – على فرض حصوله – كافٍ لإبطال الأحتجاج به . 

ويمكن مناقشة التعليل بـ (أنضباط مذاهب الأئمة الأربعة) بأنه لايثبت أستحالة أو أستبعاد ظهور مجتهدين مبدعين ورعين منضبطين كانضباط هؤلاء الأئمة أو يزيدون , بعد أن لم يثبت أنهم قد تميزوا بظواهر غير طبيعية , وان كانوا متميزين في عصرهم فما يدرينا بأستحالة ظهور من يضاهيهم في العصور اللاحقة حتى تقوم الساعة , وأما الأستدلال بكثرة الأتباع , فلا يصح أن يكون دليلاً أو تعليلاً لدليل .

تعقيب واستنتاج : 

من خلال استقرائنا لأئمة المذاهب الفقهية الأربعة نجد أنهم يؤمنون من حيث المبدأ بحرية المناظرة مع مباينهم,ولم يدعوا لأنفسهم الألتزام بمذاهبهم,وأن كل عالم له حق النقد مادام في جعبته الدليل الصائب,وانه معر ض للخطأ والصواب ...بأستثناء المعصومين () . 

((فقد نقل عن مالك (ت 179هـ) قوله : مامن احد إلا وهو مأخوذ من كلامه , ومردود عليه ... ألا رسول الله (6)  . 

وكذلك صرح الشافعي (204هـ) قائلاً : إذا صح الحديث فهو مذهبي ... واذا رأيتم كلامي يخالف الحديث فأعملوا بالحديث , وأضربوا بكلامي الحائط)) . 

وعلى هذا وبناءً على ثبوت فتح باب الاجتهاد منذ عصر الصحابة , وعدم تمامية ماذكر من تبريرات وأدلة غلقه , فالذي يترجح عند الباحث هو القول باستمرار فتحه , بل الوجوب باستمراره في جميع العصور التي لم يتيسر فيها لقاء المعصوم , وبخاصة على القول بعدم جواز تقليد الميت أبتداءً , وحدوث مسائل فقهية لم يفت قدامى المجتهدين بها , ولايمكن تخريج أحكامها من فتاواهم أو قواعدهم العامة من قبيل : المصارف والبنوك , والتأمين على الحياة , وأحكام التشريح والترقيع , والتلقيح الصناعي وأوراق اليانصيب والمباراة الرياضية , واقتناء الراديو والتلفاز وموقف الشريعة من الاقتصاد الرأسمالي الحر والاقتصاد الماركسي الموجه وغيرها , فكل ذلك يدعو إلى الوجوب بأستمرار الأجتهاد , والى هذا نظر جملة من الأصوليين بقولهم : ((لايصح خلو زمان عن مجتهد مطلق , يرجع إليه الناس في كل واقعة جديدة))  . 

وإذا قلنا بوجوب الإستمرار في الأجتهاد وعملية الاستنباط كما هو المجمع عليه بالمدرسة الأمامية تبرز قضية التقليد التي تكون بمقابل الاجتهاد , ولذا نجد هذه القضية واضحة المعالم في المدرسة الأمامية وأخذت أهمية كبرى من حيث البحث على صعيد الدراسات الحوزوية والبحوث العلمية , بينما لانجدها بتلك الأهمية لدى مذاهب الجمهور قاطبة,بسبب قضية غلق باب الأجتهاد .          



المبحث الثاني / الاحتياط 


توطئة :- 

الاحتياط لغةً 

الاحتياط اصطلاحاً 

أنواع الاحتياط 

الاحتياط في السنة الشريفة 

الاحتياط بين المجتهد والمقلِّد 

سنخ الأحتياط 

الأحتياط في المعاملات والعبادات 

عدم أختيار الأحتياط في جميع الموارد 

توطئة : 

قبل الدخول في صلب الموضوع الذي بصدده لابد من الإشارة إلى أن هذا البحث يطلق عليه اسم الاشتغال , والأحتياط , والشك في المكلف به , بلا تسامح أو مجاز في هذه الأسماء مادام لكل وجه تسمية معينة , فمن نظر إلى شغل الذمة بالتكليف والمسؤولية عنه أطلق عليه اسم (الأشتغال) , ومن نظر إلى امتثال التكليف والخروج عن عهدته سماه الاحتياط , ومن نظر إلى اشتباه المكلف به بما عداه عنون هذا البحث بالشك في المكلف به . 

وقد يطلق على الأحتياط مصطلح البراءة على الرغم من ان العلماء دأبوا في دراساتهم ومدوناتهم وأبحاثهم الأصولية على إفراد كل من البراءة والاحتياط بعنوان مستقل , ويعود السبب إلى أن ((علم الأصول الأمامي دون في البداية من علماء المدرسة الأصولية الذين عرفوا بالأصوليين نسبة الى هذا العلم لاعتمادهم على قواعده في مجال الاستنباط , وهم – من خلال ما أوصلهم إليه الدليل – يرون أن المرجع في جميع الشبهات موضوعية وحكمية بقسميها الوجوبية والتحريمية هو البراءة))  . 

والأحتياط يبحث تارة باعتباره طريقا لامتثال التكاليف الشرعية , في موازاة طريقي الأجتهاد والتقليد.وهذا هو المقصود بالبحث في هذا الباب , والأحتياط – بهذا الأعتبار : من شؤون المكلف غير المجتهد في مقام أمتثاله للشريعة.وأخرى : يبحث عنه باعتباره أحدى نتيجتي الأجتهاد , والنتيجة الأخرى هي (الفتوى) المعبرة عن الجزم بالحكم او ترجيح الحكم استنادا الى الحجة الشرعية , والاحتياط بهذا الاعتبار – من شؤون المجتهد في مقام الاستنباط . وثالثة : يبحث عنه باعتباره من شؤون المقلِّد في أتباعه لفقيهه (مقلده) في الموارد التي ليس له فيها فتوى بالحكم . 

وأستكمالاً للأطروحة من جميع جوانبها نبحث في هذا الباب الاحتياط بالاعتبار الأول . 

(1) الاحتياط لغةً : 

الاحتياط مأخوذ من ((حاطَ,يقال حاطه يحوطه وحيطه وحياطه,بكسرهما:حفظه      وصانه)) ,واحتياط الرجل:اخذ في أموره بالجزم,والحوطه والحيطه:الأحتياط...الى آخره. 

قال صاحب المقاييس ((حوط : الحاء والواو والطاء كلمة واحدة وهو : الشيء         يطيف بالشيء))  . 

وجاء في التهذيب ((أحتاطت الخيل وأحتاطت بفلان إذا أحدقت به , وكل من أحرز شيئا كله وبلغ علمه أقصاه فقد أحاط به , يقال : هذا أمر ما أحطت به علما , قال : والحائط سمي بذلك لأنه يحوط مافيه)) ,والمستفاد من كلمات اللغويين هو التحفظ والتحرز عن الوقوع في المكروه.

فيكون المدلول المشترك لهذه المادة في جميع صياغاتها هو الأستيلاء مع الرعاية والتوجه , لكن قد تكون دلالتها على الاستيلاء شديداً في بعض الهيئات كهيئة الأفعال كقوله تعالى ((وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ)) ,وقوله تعالى ((وَكَانَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطاً))  .

كما أن الاحتياط افتعال يدل على ماتختص به هذه الهيئة من الأستيلاء بالأختيار والأرادة , فالعمل أنما يكون أحتياطاً إذا كان مستوفياً لجميع المحتملات , وإلا لم يكن حائطاً وسوراً .

(2) الاحتياط اصطلاحاً : 

يعرف الاحتياط عند الفقهاء بأنه ((فعل المكلف أو تركه لجميع محتملات التكليف – مع الإمكان – لأجل تحصيل فراغ الذمة يقيناً , ومنشأه عندهم : إجمال الدليل أو تعارض الأدلة , أو أن منشأه هو عدم العثور على الدليل الشرعي مع عدم جريان الأصول العملية من براءة أو استصحاب أو تخيير))  . 

أما عند الأصوليين , فقد عرف السيد الشهيد الصدر الاحتياط ((ان يأتي المكلف بكل شيء يحتمل فيه الأمر والوجوب ولايحتمل تحريمه على الإطلاق , وان يترك كل شيء يحتمل فيه النهي والتحريم ولايحتمل فيه الوجوب بحال))  .

والهدف هو التحفظ والتحرز عن الوقوع في مخالفة الواقع بواسطة العمل بتمام المحتملات والذي هو أعلى مراتب الاحتياط , ثم انه يقع البحث عندهم عن الحالات التي يكون معها المكلف ملزماً بالأحتياط , وماهي المرتبة التي يكون المكلف ملزما بتحصيلها , فتارة يكون المكلف مسؤولاً عن الألتزام بتمام الأطراف المحتملة كما في موارد العلم الإجمالي في الشبهات المحصورة , وتارة لايكون ملزما بأكثر من عدم المخالفة القطعية كما في موارد العلم الإجمالي في التدريجيات على بعض المباني . والمتحصل من ذلك كله أن الاحتياط في تمام الموارد المذكورة بمعنى واحد هو التحفظ عن مخالفة الحكم الواقعي . 

وإذا كان الأحتياط عند علماء الأصول هو الحكم , فالحاكم إن كان هو الشارع يسمى (احتياطاً شرعياً) , وان كان الحاكم هو العقل , فيسمى حينئذ (احتياطاً عقلياً) , ولتغايرهما من حيث الرتبة , فكل منهما من الأصول العملية , ومن حيث طرق إثبات حجية كل منهما , فقد افرد الأصوليون لكل قسم منهما مبحثاً .

(3) أنواع الأحتياط :  

 الاحتياط الشرعي : هو حكم الشارع بلزوم الآتيان بجميع محتملات التكليف فعلا أو تركا عند الشك به , والعجز عن تحصيله بالأدلة المعتبرة أو معرفة الموقف العملي بأحد الأصول المقررة.وسمي احتياطاً شرعياً,لأن مدركه الأدلة الشرعية من القرآن أو السنة أو الإجماع . 

 الاحتياط العقلي : هو حكم العقل بلزوم الآتيان بجميع محتملات التكليف فعلاً أو تركاً , عند الشك به , والعجز عن تحصيله بالدليل المعتبر , أو عن تحصيل معرفة الموقف العملي بأحد الأصول المقررة , وسمي بالاحتياط العقلي لأن مدركه الدليل العقلي . ويبدو للباحث انه لافرق بين التعريف العام للأحتياط وهذين التعريفين إلا إضافة قيد (الشارع) في الأحتياط الشرعي , و (العقل) في الاحتياط العقلي .  

(4) الاحتياط في السنة الشريفة :   

نتطرق في هذا المقام إلى أهم المرويات عن طريق الإمامية والتي أشارت إلى مبنى الأحتياط ومنها : 

 ((عن علي بن إبراهيم عن أبيه , عن محمد بن أسماعيل , عن الفضل بن شاذان جميعاً , عن ابن أبي عمير وصفوان بن يحيى جميعاً , عن عبد الرحمن بن الحجاج , قال : سألت أبا الحسن () عن رجلين اصابا صيداً وهما محرمان , الجزاء بينهما أو على كل واحد منهما جزاء ؟ فقال : لا بل عليهما أن يجزي كل واحد منهما الصيد , قلت أن بعض أصحابنا سألني عن ذلك فلم أدر ماعليه , فقال : إذا أصبتم بمثل هذا فلم تدروا , فعليكم بالأحتياط حتى تسألوا عنه فتعلموا))  . 

 ((عن أبي عبدالله جعفر بن محمد () يقول فيه:سل العلماء ماجهلت وأياك أن تسألهم تعنتاً وتجربة,وأياك أن تعمل برأيك شيئا,وخذ بالاحتياط في جميع أمورك ماتجد أليه سبيلاً,واهرب من الفتيا هربك من الأسد,ولاتجعل رقبتك عتبة للناس)). وأيضاً عن ((محمد بن الحسن بإسناده عن أحمد بن محمد بن أبي نصر , عن أبي الحسن الرضا (ع) قال : قال أبو جعفر () : اجعلوهن من الأربع , فقال له صفوان بن يحيى : على الاحتياط ؟ قال : نعم))  . 

كما انه وردت الحائطة  المأخوذة من هذه المادة في مجموعة من الروايات الأخرى منها : 

رواية ((محمد بن الحسن بإسناده عن الحسن بن محمد بن سماعة , عن سليمان بن داوود , عن عبدالله بن وضاح : أنه كتب إلى العبد الصالح () يسأله عن وقت الإفطار؟فكتب أليه : أرى لك أن تنتظر حتى تذهب الحمرة وتأخذ الحائطة     لدينك))  . 

فالروايات الشريفة احتوت على مجموعة من النصوص التي أستعملت فيها كلمة الأحتياط أو ماتشترك مع هذه الكلمة في المادة الخاصة , وعليه يمكن تعريف الاحتياط بأنه ((ألتزام المكلف بكل مايحتمل فيه الوجوب ولايحتمل التحريم على الإطلاق , وترك كل مايحتمل فيه الحرمة ولايحتمل فيه الوجوب))  . 



(5) الاحتياط بين المجتهد والمقلد : 

في جواز الأحتياط يلزم للمكلف أما أن يكون مجتهداً أو مقلداً , لأنه يجب عليه الخروج عن عهدة التكاليف الشرعية , ويتم ذلك بأحدى الطرق الثلاثة المتقدمة, وحيث أن طريقية كل واحد منها لابد من إثباتها بدليل , والدليل منحصر إما بالدليل العقلي , أو التقليدي فإذا أراد الأنسان أختيار الأحتياط في مجال الخروج عن عهدة التكاليف الشرعية فلابد له أن يثبت ذلك بدليل معين , والملاحظ من كلمات العلماء ان لزوم الأجتهاد أو التقليد في جواز الأحتياط ناشئ من أحد دليلين : 

الأول : أن دليلية الطريق الذي يتخذه الأنسان في مجال الامتثال لابد وان يثبت بدليل فوقي , وهذا – الدليل الفوقي – يدور أمره بين الدليل العقلي الأجتهادي وبين الدليل التقليدي , وكل الأدلة تكون من هذا القبيل , فدليلية الدليل أما عقلية أجتهادية وأما تقليدية  . 

ومثال ذلك أن الاجتهاد دليل , لكن عند أثبات دليليته نحاول الأستعانة عليه بالطرق النقلية من كتاب أو سنة أو بالطرق العقلية , كما أن دليلية التقليد أيضا من هذا القبيل , فان الباحث في دليلية التقليد يستدل بمجموعة من الأدلة يحاول أثباته بالنصوص الخاصة والسيرة العقلائية – من باب رجوع الجاهل إلى العالم – وجواز الاحتياط أيضاً من هذا القبيل , فأن الإنسان إما أن يعتمد فيه على دليل عقلي يقتنع به فيكون مجتهداً , وإذا لم يتمكن من صياغة دليل عقلي يعتمد عليه في أثبات الجواب وأنسدت عليه الطرق العقلية , فلابد من اللجوء إلى الطريق الثاني وهو الطريق التقليدي , فيقلد الآخرين في مسألة جواز الاحتياط , فالدليل الفوقي له يتردد بين الدليل العقلي والدليل التقليدي , فما ذكر من لزوم الأبتناء على احد الدليلين يرجع إلى ماذكرناه . 

الثاني : إن جواز الأحتياط ليس من المسائل المتفق عليها والغنية عن الأستدلال والبرهان وليس من الضروريات , وذلك لوجود أختلاف حول أختيار الطريقة الأحتياطية في مجال الخروج عن عهدة التكليف , ولذا أشتهر في ألسنة بعض الفقهاء (بأن عمل تاركي طريق الأجتهاد والتقليد باطل) , ولم يجعلوا الأحتياط في عرض الأجتهاد والتقليد , ولما كانت المسألة في الأحتياط خلافية فيتوقف أثباتها على الدليل العقلي الفوقي أو الدليل التقليدي . 

ويمكن الرد على الدليل الثاني بأن السبب بوجوب الأجتهاد أو التقليد في هذه المسألة ليس الخلاف , وألا لوجب أن يكون في جواز التقليد أما مجتهداً أو مقلداً , لأن جواز التقليد أيضاً من المسائل الخلافية , فأن المنسوب إلى علماء حلب هو حرمة التقليد وتعيين الأجتهاد , فلو كان الأختلاف في هذه المسألة هو الموجب لأحد الدليلين للزم الحكم بذلك أيضاً – في جواز التقليد لنفس السبب المذكور . 

لذا فأن الدليل الأول هو الذي يتمسك به لإثبات أحد الأمرين , لكن الأقوى هو عدم لزوم التقليد في مسألة أختيار الأحتياط ,والسبب في ذلك :((أنه بعد ما ثبت أن الموافقة الاحتياطية موافقة علمية فهو من مقولة العلم , وحجية العلم حجية ذاتية , فلا موجب للحكم بوجوب التقليد في جواز الأحتياط , لأن المكلف بسبب رجوعه إلى الغير يحاول تحصيل الدليل على الحكم الشرعي الذي لايتمكن من تحصيله بالطرق الاستدلالية فعلاً,فالرجوع إلى الغير أنما هو عند فقدان الحجة . 

ولهذا حكم العقل بجواز وشرعية الأحتياط , وانه طريق كالأجتهاد والتقليد , بل ذهب بعضهم إلى تقدمه على الأجتهاد والتقليد , لأنهما حجتان ظنيتان والأحتياط حجة علمية ,والحجة العلمية مقدمة على الحجة الظنية , وحينئذ إذا تمكن الأنسان من معرفة حجية الأحتياط بنفسه , فلا موجب للحكم برجوعه إلى الغير في جواز الأحتياط , وتسمية هذا بالأجتهاد خلاف الأصطلاح , لأن الأجتهاد عبارة عن أستفادة الحكم الشرعي من الأدلة التفصيلية , وهنا لم تتوقف القناعة بحجية الأحتياط على مراجعة الأدلة التفصيلية , وأنما كانت قضية بديهية يتوجه أليها كل أنسان عند دراسة حقيقة الأحتياط))  . 

 (6) سُنخ الاحتياط : 

ان ماهيّة الاحتياط الذي يعد طريقاً لأمتثال الأحكام الشرعية الإلهية في مقابل طريقي الاجتهاد والتقليد , هو (الاحتياط المطلق) وهو الإتيان بجميع  محتملات التكليف إذا لم يكن في المحتملات احتمال أحوط , ويعمل بأحوطها إذا كان فيها احتمال كذلك , ولايكفي الاقتصار على أحوط أقوال الفقهاء إذا كان ثمة احتمال أحوط منها ولم يقولوا به , إلا أن يكون أجماعاً منهم كاشفا عن رأي المعصوم بعدم التكليف به , نعم , لو كان احوط الاحتمالات قولاً لأحدهم تعين العمل به من حيثية أنه الأحوط لاحيثية أنه قول فلان , إذ العمل به بهذه الحيثية يكون تقليداً للفقيه القائل به وليس احتياطاً . 

(7) الاحتياط في المعاملات والعبادات : 

الاحتياط حسن على كل حال , ولابد من إثبات حسنه على نحو مفصل , لأن الأحتياط إما أن يكون في المعاملات أو في العبادات . 

أ- الاحتياط في المعاملات : أن الاحتياط الذي لايستوجب التكرار في باب العقود والإيقاعات لامشكلة فيه , ومثال ذلك ما اذا شك في صحة إيقاع العقد والمعاملة باللغة الفارسية , فالاحتياط هنا يقتضي ترك إيقاع المعاملة باللغة الفارسية وأختيار القدر المتيقن , وهو إيقاع المعاملة باللغة العربية , فالأحتياط هنا لايقتضي التكرار . 

لكن الأحتياط في بعض الموارد قد يقتضي التكرار , كما إذا وقع البحث في جواز إيقاع العقد بالجملة الفعلية , أو لزوم ايقاع العقد بالمعنى الأعم بالجملة الاسمية ومثال ذلك أن أراد طلاق زوجته , والطلاق إيقاع , فشك في لزوم إيقاعه بالجملة الاسمية (أنت طالق) , ولم يثبت عنده جواز إيقاع الطلاق بالجملة الفعلية (طلقتك) , فهنا الاحتياط يقتضي الجمع بين الصيغتين في مقام الإنشاء , فيقول (طلقتك وأنت طالق) , أو الإتيان بالجملة الاسمية فقط (أنت طالق) , ولاشك في انه بسبب الجمع يتمكن من القطع بوقوع المنشأ في عالم  الخارج . 

وقد يستشكل على ذلك بأن التكرار في باب العقود والمعاملات يستوجب التردد في النية وهذا سبب مبطل للعقود والإيقاعات , فكيف يقال بحسن الأحتياط فيما لو أقتضى التكرار ؟!

ويمكن الرد على ذلك بان الأحتياط في مقام الأنشاء لايستوجب أبداً عدم الجزم في النية , لأن العقود تتألف من عنصرين رئيسيين هما (القصد واللفظ) , فالذي يستوجب الإخلال بالعقد هو عدم تمشي القصد الجزمي من الإنسان , حيث يستوجب عدم نفوذ العقد وتحققه في عالم الخارج . 

اما لو كان جازما بإيقاع الطلاق أو النكاح أو البيع ولكن تردد في أن المنشأ لهذا القصد هل هو الجملة الأسمية أو الأعم من الجملة الأسمية والفعلية ؟ فيجمع بين الصيغتين في مقام الإنشاء . والتردد في الأسباب المحققة للعقد , لايستوجب التردد في النية والقصد , بل سيرة المتشرعة تقتضي التعددية , ولهذا نجد اغلب المكلفين خصوصا في النكاح الدائم والمنقطع , بل وغيرهما من العقود الواردة في الكتاب والسنة الشريفة يستعلمون أكثر من صيغة واحدة , وهذا أهم دليل على ان التردد في الألفاظ المنشأة للعقد لايستوجب التردد في النية والقصد حتى يقال بان الاحتياط في باب العقود  يتنافى مع جزمية النيّة , فقد يكون الإنسان جازماً في نيته وقصده ولكنه ينشئ هذا الأمر الجزمي بأكثر من صيغة واحدة . ويستفاد من ذلك كله أن الأحتياط حسن في باب العقود والمعاملات على كل حال , سواءٌ أستوجب التكرار أم لم يستوجب .   

ب- الاحتياط في العبادات : والبحث هنا يقع في محورين هما : 

الأول : في مايكون مقدمة للعبادة : 

لقد وضعت الشريعة المقدسة بعض الأحكام لارتباطها بالعبادة , كالأحكام الشرعية المتعرضة إلى جسم المكلف أو لباسه , فالشريعة حيث لم تمنع من تنجيس الجسم , ولم تحكم بحرمة تنجيس اللباس , فيجوز للإنسان أن يعرض جسمه ولباسه للنجاسه ولايترتب على ذلك أثر شرعي . 

وإنما تعرضت لهما من حيث الأرتباط بالعبادات كالصلاة مثلا , فجعلت طهارة البدن واللباس شرطاً في صحة الصلاة . فالبحث عنها في الفقه إنما يكون من حيثية ارتباطها بالعبادات المجعولة , فيجب على المصلي تطهير جسمه ولباسه عندما يريد الصلاة , والمكلف تارة يعلم تفصيلاً بكيفية إزالة النجاسة شرعاً وتحصيل الطهارة , وأخرى : ليس له علم تفصيلي بذلك , فلا يعلم تفصيلاً أن غسل الجسم أو اللباس مرة واحدة يستوجب تطهير البدن , أو أن حصول الطهارة يتوقف على الغسل مرتين أو ثلاث , فهنا يجوز له اختيار الاحتياط أي (الامتثال الإجمالي) في مقام تحصيل ماهو مقدمة للعبادة وشرط لها , سواءٌ كان متمكناً من تحصيل العلم التفصيلي للحكم الشرعي مورد البحث أم لم يكن,وسواءُ أستوجب الأحتياط تكرار العمل في بعض فروضه النادرة أم لم يستوجب التكرار . 

الثاني : في رجحان الأحتياط وحسنه في نفس العبادة : 

فأن جواز أختيار الأحتياط في مقام الأمتثال يقع في موردين : 

الأول : ما إذا علم المكلف بوجود أمر عبادي وتردد أمر ذلك بين الوجوب والأستحباب      الثاني – ما إذا شك بتعلق الأمر بشيء لكنه يعلم أنه على فرض تعلق الأمر به لابد من أتيانه بقصد القربه .. ففي هذين الموردين هل يصح له الاعتماد على الامتثال الإجمالي بـ(الأحتياط) أو لايصح له ؟ 

فقد ذهب المحقق النائيني () إلى التفصيل بين الموردين السابقين فحكم بصحة أختيار الأحتياط في مقام الامتثال في المورد الأول , لأن العبادة تتقوم بأمرين : 

أستناد العمل إلى المولى,وأن يكون المحرك للمكلف على العمل هو الأمر المولوي.

قصد القربة .

وكلاهما متحققان في الأمتثال الإجمالي , فان المحرك للعبد هنا هو الأمر المولوي والمفروض اتيان العمل بقصد القربة أليه جل وعلا , فيقع الامتثال الإجمالي (الاحتياط) صحيحاً , ويشارك الأمتثال التفصيلي في الخروج عن عهدة التكليف . غاية الأمر , ليس بإمكان المكلف هنا أن يقصد وجه العبادة , لعدم معرفته بوجوب العمل أو إستحبابه تعييناً . 

لكن حيث لم يثبت أشتراط قصد الوجه في العبادة , فلا يكون عدم التمكن من قصد الوجه مخلا بالطريقة الأحتياطية , فلا مانع من أختيار الطريقة الأحتياطية في المورد الأول وجعلها في عرض الأمتثال التفصيلي , بينما في المورد الثاني لاتتمكن من الحكم بصحة أختيار الطريقة الأحتياطية مع التمكن من أختيار الامتثال التفصيلي , فالأحتياط يقع في طول الطريقة التفصيلية في الأمتثال .. والسبب في ذلك كما ذكرنا من أن عبادية العبادة تتوقف على أن يكون محرك المكلف في موقع الأمتثال هو الأمر المولوي , فاذا تحقق هذا العنصر ألهام في موقع الامتثال فسيصبح العمل عبادة , بينما إذا لم يتحقق وكان المكلف شاكاً في صدور الأمر من المولى , فلا يكون المأتي به عبادة ,وعلى هذا الأساس لايصح جعل الطريقة الإجمالية في عرض الطريقة التفصيلية ,لأن المكلف عند الشك في صدور الأمر من المولى لايكون محركه ودافعه نحو العمل هو الأمر المولوي . 


(8) عدم إمكان أختيار الأحتياط في جميع الموارد :

من خلال ماتقدم يتبين ان الأحتياط حسن , ولكن لايمكن أختياره في جميع الموارد , بل لابد فيها أما من الاجتهاد أو التقليد , ومنها :  

 إذا شك في ركعات الصلاة في أثنائها , لان الشاك لايخلو من أحد حالين , أما القطع أو الأستمرار , وكلاهما مخالفان للأحتياط , لأن القطع مع أحتمال الصحة حرام , كالأستمرار مع أحتمال الزيادة . 

 إذا كان الأحتياط مستوجبا للعسر والحرج المستوجب لأختلال النظام الممنوع عقلاً , أو العسر والمشقة الممنوع عقلاً أو شرعاً والأكتفاء بغير المؤدي أليهما , حيث لايستوجب العلم بفراغ الذمة ولا يعد من مصاديق الأحتياط التام . 

 ما إذا كان الأحتياط في طرفي الأحتمال , كمن عقد على أمرأة بغير اللغة العربية فأن الألتزام بالزوجية وترتيب الآثار عليها مخالف للأحتياط . كما أن عدم الالتزام بها مخالف للأحتياط كذلك لاحتمال مؤثرية العقد , وكالبيع المعاطاتي مع الشك في قيام المعاطاة مقام الإنشاء بالألفاظ المحددة شرعاً وغيرها من الموارد الأخرى . 

وأخيراً يرى الباحث أن المحتاط صنفان , صنف يجمع بين كل أفراد التكليف , كمن يريد تعيين القبلة مثلاً فانه يصلي إلى جميع  الاتجاهات لإحراز امتثاله للتكليف , وصنف لديه مقدرة علمية ولكن دون الاجتهاد , وبأمكانه ان يشخص بعض الموارد التي تحدد التكليف , خصوصاً في تشخيص بعض الموضوعات , كمن يريد تعيين القبله ولديه الإمكانية الذهنية من حصر أتجاهين فقط لها فيحصل له ظن غالب بنسبة 80% الذي يقابله ظن واهن او قليل بنسبة 20% , والقليل كالعدم .  






المبحث الثالث / التقليد (الإطار النظري لمفهوم التقليد) 


التقليد لغة 

التقليد في القران الكريم 

التقليد في السنة النبوية ومرويات أهل البيت (ع)

التقليد في اصطلاح الأصوليين 

ثمرة النزاع في أن التقليد هو الأخذ أو العمل 

تعقيب على التعريفات 

السنة الشريفة وموقفها من تعريفي التقليد 

الاستثناءات من تعريف التقليد 

أركان التقليد 

أقسام التقليد 

التقليد والإتباع 

أهمية التقليد 

نشوء التقليد 

أدوار النشأة   




 (1) التقليد لغةً : 

التقليد مصدر الفعل قلِّد (بالتضعيف) ومادته الثلاثية قلد , يقال تقلّد الرجل الشيء لبسه أو حمله وتقلّدت السيف ألقيت حمالته في عنقي , ومأخوذ من ((قلّدتها قلادةً , جعلتها في عنقها , والقلادة ماجعل في العنق)) . 

وجاء في لسان العرب ((قلد الماء في الحوض , واللبن في السقاء ... جمعه فيه , وكذلك قلد الشراب في بطنه , والقلد جمع الماء في الشيء ... وأقلد البحر على البحر على خلق كثير : ضم عليهم , غرقهم كأنه أغلق عليهم وجعلهم جوفه ... والقلادة : ماجعل في العنق يكون للإنسان والفرس , والكلب , والبدنة التي تهدى ونحوها , وتقلدت المرأة القلادة ...)) , ومنه أيضاً : تقليد الهدي في الحج , أي جعل القلادة في عنق مايهدى الى الحرم من النعم : ((تقليد البدنة : أي يجعل في عنقها شيئاً يعلم أنه هدي)) . وعرفه صاحب المعجم الوسيط : ((وقلد فلانا نعمةً : أعطاه عطيه , وأسدى إليه معروفاً)) . ((وقلد الوالي العمل فوّضه أليه كأنه جعل قلادة في عنقه , وقلده في كذا تبعه من غير نظر , ولاتأمل))  , وصرحت بعض المصادر اللغوية بأن منه : ((التقليد في الدين)) .

تعقيب : يمكننا تلخيص معاني التقليد على النحو الاتي : 1- الإحاطة 2- العطاء             3- التفويض 

 لكن الباحث يرى أن معنى التقليد يطابق تماماً مدلوله اللغوي وهو وضع الشيء في عنق الإنسان وله مصداقان : الأول : المصداق المحسوس , كتقليد البدنة ووضع القلادة في عنق    المرأة . 

الثاني : المصداق غير المحسوس ,  وهو تقليد الولاة والأمراء والقضاء لان الولاية والقضاء قلادة معنوية ومسؤولية شرعية وقانونية توضع في أعناقهم , والمصاديق المعنوية غير المحسوسة ليست بعيدة عن ذهن العرف , بل العرف يدرك هذا المعنى ويستعمل الكلمة في هذا المعنى , فيقال مثلا : في رقبته دين , ويقال في الضمان : على رقبته وغيرها . 

إذن التقليد بحسب المفهوم اللغوي عبارة عن وضع الشيء في عنق الأخر سواء كان ذلك أمرا محسوساً أم غير محسوس , ومنه تقليد الغير في الأحكام الشرعية , وهو الجري العملي على طبق رأي المجتهد , فتكون أعمال المكلف (قلادة) في عنق المجتهد وعلى عهدته .  

ويمكن الأستدلال على ذلك برواية عبد الرحمن بن الحجاج عن الأمام الصادق () قال: ((كان أبو عبدالله () قاعداً في حلقة ربيعة الرأي فجاء أعرابي فسأل ربيعة الرأي عن مسألة فأجابه . فلما سكت , قال له الأعرابي : أهو في عنقك ؟ فسكت ربيعة ولم يرد عليه شيئاً , فأعاد المسألة عليه , فأجابه بمثل ذلك , فقال له الأعرابي : أهو في عنقك ؟ فسكت ربيعة : فقال ابو عبدالله () :هو في عنقه قال أو لم يقل ؟ وكل مفتٍ ضامن)) . 

ومن ذهب إلى أن التقليد في الأمور النفسية والقلبية وأنه عبارة عن (الألتزام) بالعمل طبق فتوى المجتهد,فقد أولوا تسمية هذا الالتزام بـ(التقليد) بأن الجاهل (يتقلد) آراء المجتهد ويجعلها(قلادة) لنفسه . 

 (2) التقليد في القران الكريم : 

       لم يرد التقليد في القران الكريم , نعم وردت كلمة (مقاليد) في قوله تعالى ((لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)),أما نفس لفظة التقليد فلم ترد فيه ,ولكن في مقام ذم عملية الإتباع للغير من غير حجة في تلك التبعية فقد وردت عدة آيات في سور مختلفة , من ذلك ماجاء في قوله تعالى ((وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ)) فالضمير في (لهم) يعود على كل من قلد الغير بلا حجة أو دليل , بترك قول الله تعالى والرسول (6) إلى قول الآباء مع كونهم لايعقلون شيئاً من أمور الدين , ويتكرر مثل هذا الذم وبما يقارب هذا المعنى في أكثر من مورد من الكتاب الكريم . 

ولكن بالنظر والملاحظة إلى هذه الموارد المذكورة يتضح لنا أنها بعيدة كل البعد عن التقليد الذي نبحث عنه , بل أريد منه التبعية للغير في الأمور العقائدية من دون حجة ولادليل والمعّبر عنه بالتبعية العمياء , وليس المقصود به في الأحكام الشرعية .

 (3) التقليد في السنة النبوية ومرويات آهل البيت () :        

عند التتبع والفحص في السنة الشريفة نجد أن التقليد ورد بلفظه ومادته في الأخبار بصورة يصعب حصرها , ولكننا نقتصر على حديث واحد من السنة النبوية , وهو قول رسول الله (6) ((قلّدوا الخيل , ولاتقلّدوها بالأوتار))  أي قلّدوها طلب أعداء الدين والدفاع عن المسلمين , ولاتقلدوها طلب أوتار الجاهلية , وأستعملت اللفظة في الشعر العربي أيضاً , قال لقيط الأبادي : 

وقلدوا أمركم لله دركم

حسب الذراع بأمر الحرب مضطلعا

 

وأما في مرويات أهل البيت()فهناك روايتان وردت فيهما كلمة التقليد مورد البحث,وهما : 

الرواية الأولى : ((علي بن محمد , عن سهل بن زياد , عن إبراهيم بن محمد الهمداني , عن محمد بن عبيدة , قال : قال لي أبو الحسن () : يامحمد أنتم أشد تقليداً أم المرجئة ؟ قال : قلت قلدنا وقلدوا , فقال : لم أسألك عن هذا , فلم يكن عندي جواب أكثر من الجواب الأول , فقال أبو الحسن () : ان المرجئة نصبت رجلاً لم تفرض طاعته , وقلدوه , وأنتم نصبتم رجلاً وفرضتم طاعته , ثم لم تقلدوه فهم أشد منكم تقليداً)) . 

البحث السندي والدلالي : 

علي بن محمد : الذي يروى عنه الكليني , مشترك بين رجلين : 

أحدهما : علي بن محمد بن إبراهيم بن أبان الرازي الكليني , المعروف بعلاّن يكنى أبا الحسن , عين , له كتاب أخبار القائم , ثقة . والأخر : علي بن محمد بن عبدالله بن حمدان , أبو الحسن القمي البرقي , ثقة , فاضل فقيه , أديب . 

سهل بن زياد الآدمي : يكنى أبا سعيد من أهل الري , من أصحاب الأمام الجواد والهادي والعسكري , ثقة . 

إبراهيم بن محمد الهمداني : الأشعري , قمي ثقة , روى عن الإمامين الكاظم              والرضا ()  . 

محمد بن عبيدة : الحذاء , كوفي , من أصحاب الأمام الصادق ()  . 

وجملة (فرضتم طاعته) الواردة في الرواية بمعنى فرضتم طاعته على أنفسكم بأمر الله وأمر رسوله (6) , وهي تشير بوضوح إلى أن الأمامية لاترى فرض الإطاعة استقلالا , وإنما الإطاعة مفروضة من قبل الله تبارك وتعالى ورسوله , ولكن مع ذلك لم يتبعوه  ولم يقلدوه فيما يأمرهم به وينهاهم عنه من الكتاب والسنة مما يتم به نظامهم في الدنيا والآخرة . 

كما أن قوله (فهم اشد منكم تقليداً) يشير إلى مسالة أخرى وهي أنهم قلدوا من دون دليل وانتم قلدتم مع دليل , ولاشك في أن من يقلد من دون دليل اشد تقليدا من الإنسان  الذي يقلد مع دليل . 

ولاريب أن الشيعة كانوا يقلدون أئمتهم () في كل الأحكام الشرعية ولم تكن أبداً من ناحية المتابعة العلمية والأجتهادية لان اغلب الناس لم يصلوا إلى تلك المرحلة من الوعي والتفكر التي تستوجب متابعة أئمتهم متابعة دليلية وعلمية , بل أن اغلب الناس كانوا يأخذون بقولهم كما يأخذون بأقوال غيرهم من العظماء من الأنبياء () والعلماء . 

الرواية الثانية : رواها الشيخ الصدوق مرسلة , والواردة في التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري () , وقد ورد فيها عنوان التقليد موضوعاً لحكم شرعي , وقد رواها احمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي في الأحتجاج , جاء في مقطع منها : ((فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه , حافظاً لدينه , مخالفاً لهواه ,مطيعاً لأمر مولاه فللعوام ان يقلّدوُه))  . 

وهي تدل بشكل لا لبس فيه على جواز التقليد وأمضائه , لكن المشكلة تكمن في صحة صدورها , فقد صرح العاملي في الوسائل ماحاصله انه لايجوز الأعتماد عليها لضعف سندها بالارسال , إذ أن التفسير المذكور لم يثبت تواتره عن الأمام العسكري () , ولانقله عنه على وجه يعتمد عليه , وأحتمل حملها على التقية , وقيل أيضاً أنها معارضة بمتواتر قطعي السند . 

وسنشير في الفصل القادم ومن خلال الأشارة للرواية المتقدمة إلى نقاط أثارها الشيخ على كاشف الغطاء تثبت صحة صدورها . 

(4) التقليد في اصطلاح الأصوليين : 

أختلف الأصوليون والفقهاء في تعريف التقليد إلى تعريفات متعددة ولكن الذي يظهر من تلك ان هذه التعريفات تلتقي في محورين رئيسين هما : 

المحور الأول : والملاحظ فيه المراحل التي تسبق عمل المكلف بفتوى الغير ورأيه بمعنى الإلتزام بالعمل بقول مجتهد معين وان لم يعمل بعد ذلك بل ولو لم يأخذ فتواه . 

المحور الثاني : والملاحظ فيه عمل المكلف ووصول الموضوع الى المراحل العملية , بمعنى العمل اعتمادا على فتوى المجتهد , ولايتحقق بمجرد تعلم الفتوى ولا الألتزام بها من دون عمل . 

ففي المحور الأول عرفه الشيخ الأنصاري نقلاً عن جامع المقاصد بأنه ((قبول قول الغير المستند الى الاجتهاد))  . وعرفه أبو اسحق الشيرازي ((التقليد قبول القول من غير دليل))  . 

وعرفه أبن الهمام الحنفي بأنه ((العمل بقول من ليس قوله أحدى الحجج بلا             حجة منها))  . 

أو ((هو قبول قول الغير في الأحكام الشرعية من غير دليل على خصوصية ذلك الحكم ,أو قبول قول الغير بلا حجة))  , أو هو ((أخذ قول الغير من غير معرفة دليل))  . 

وعرفه الشاطبي بقوله ((قبول رأي من ليس رأيه حجة دون أن تعرف حجيته ...))  . 

وعرفه الفاضل التوني : ((قبول قول من يجوز عليه الخطأ من غير حجة ولادليل))  لكنه أخرج قبول قول المعصوم () عن التقليد . 

وقريب من ذلك التعريفات التي فسرت التقليد بالالتزام , فالطباطبائي مثلاً يقول ((التقليد هو الالتزام بالعمل , بقول مجتهد معين , وان لم يعمل بعد , بل ولو لم يأخذ فتواه , فإذا أخذ رسالته وألتزم بما فيها كفى في تحقيق التقليد))  .  

وقد استدلوا بأن المكلف  في مقام عمله لابد لهُ من معذرٍ يعتمد عليه , فهو إما مجتهد يستند في عمله إلى أجتهاده , أو مقلد يرجع إلى تقليد المجتهد ويرى تبعيته , وأخذ قول المجتهد معذر له في الواقع . إذن فلابد للمكلف في مقام عمله من سبق مرحلة عليه , وهي إما الإجتهاد أو التقليد , فيكون عمل العامي مسبوقاً بالتقليد دائماً , وعمل المجتهد بالإجتهاد وهذا هو المطلوب , قال المحقق الخراساني ((لاوجه لتفسيره بنفس العمل ضرورة سبقه – أي التقليد – عليه وإلا كان بلا تقليد))  ولذا فلا وجه لتفسير التقليد وتعريفه بما يخص المراحل العملية . 

ونوقش ذلك بأن اللازم بحكم العقل أنما هو سبق تحصيل الحجة على العمل فعلاً كان أو تركاً , تحصيلاً للمؤمن , لاسبق التقليد لأنه بلا موجب فالعمل المستند إلى رأي الغير هو التقليد ولا إشكال فيه . 

وقيل((يلزم الدور لو أخذ العمل عنواناً إلى التقليد,وبيانه:أن العمل حينئذٍ لاتتوقف مشروعيته على التقليد,وفي هذه الصورة لو كان التقليد متأخراً عن العمل لكان ذلك دوراً واضحاً)). وجوابه ((أن مشروعية العمل لاتتوقف على التقليد , بل تتوقف على الاستناد إلى الحجة الدالة على المشروعية كفتوى المجتهد,فإذا أفتى بوجوب صلاة الجمعة مثلاً وعلم بها المقلد , يمكنه أتيان الصلاة بما أنها واجبه تعبداً,ونفس الصلاة المأتي بها كذلك يصدق عليها عنوان التقليد فلا دور))  . 

أما المحور الثاني : فقد أختاره جمع من العلماء ومنهم الآمدي بقوله , ان التقليد هو ((العمل بقول الغير من غير حجة ملزمة , أو معلومة أعتماداً على رأي الغير أو أستناداً الى قول الغير على أختلاف في عباراتهم))  , وذهب جماعة من علماء الأمامية الى هذا القول منهم : العلامة , والمحقق الكمباني . والسيد الخوئي() , الذي يقول((التقليد عنوان من عناوين العمل وطور من أطواره ,وهو الأستناد الى قول الغير في مقام العمل , بحيث يكون قول الغير هو الذي نشأ به العمل)) . 

وعرفه أبن حزم : ((بأنه العمل بقول الغير من غير حجة ملزمة))  . 

وذكره أبو عبدالله بن خراز البصري المالكي فقال : ((التقليد : معناه في الشرع : الرجوع الى قول لاحجة لقائله عليه , وذلك ممنوع في الشريعة , وقال في موضع أخر : كل من أتبعت قوله من غير أن يجب عليك قبوله بدليل يوجب ذلك , فأنت مقلده))  . 

وجاء في التقرير والتحبير : أن التقليد هو العمل بقول من  ليس قوله أحدى الحجج الشرعية بلا حجة منها . ولكن يشوب هذا  التعريف نوع من الغموض , فمن كان قوله حجة شرعية يدخل في عموم  قولنا من غير حجة ملزمة ؟!! . 

وقد ذهب الى هذا الرأي (أي أخذ قول الغير من غير معرفة دليله) كثير من علماء الجمهور , منهم العضدي والآمدي وأبن الهمام , والخضري بك , والشوكاني من الزيدية وغيرهم . ممن يرى بمحاكاة الغير في العمل او الترك , كمسح بعض الرأس تقليداً للأمامية والشافعية , وترك المقتدي قراءة الفاتحة في الصلاة أخذاً بقول الأمامية والحنفية . 

وقد أستدلوا بأن المكلف لو عمل على طبق رأي المجتهد , بلا ألتفات الى هذا البناء , لم يكن عاصياً وكان عمله صحيحاً ومجزياً . 

وعلى القول بأن التقليد هو الأخذ والقبول لايكون ذلك مجزياً لسببين : 

لعدم تحقق عنوان الأخذ وألتزام القبول في صورة عدم الألتفات .

أن التقليد مفهوماً جعل الغير ذا قلادة ومنه تقليد الهدي . 

وهذا يناسب العمل استناداً إلى رأي الغير فأنه جعل العمل كالقلادة في رقبة الغير , وأما مجرد البناء على العمل أو التعليم , أو أخذ الرسالة فليس جعلاً لشيء في رقبته حتى يكون جعله ذا قلادة . 

ويذهب الكثير من علماء الأمامية إلى عدم الفرق بين المصطلحين (اللغوي والأصولي) بالنسبة إلى التقليد , فالتقليد في نظر أهل اللغة ليس إلا تفويض الأمر إلى الغير , كأنه جعل أعماله قلادة وشّح بها عنق الغير فالعامي يطوق مجتهده الذي يراه جامعاً لشروط المرجع الديني بأعماله , وهو يلقي المسؤولية المذكورة على عاتقه , وأن التابع يجعل المتبوع مصدراً لأعماله وسبباً لها , لذا قال السيد الخوئي () ((إذن الأصطلاح الدارج واللغة متطابقة على أن التقليد : هو الاستناد إلى قول الغير في مقام العمل))  وهو التعريف الذي يترجح عند الباحث . 

(5) ثمرة النزاع في أن التقليد هو الأخذ أو العمل : 

تكمن ثمرة النزاع في ذلك هو جواز البقاء على تقليد الميت في الفتاوى التي ألتزم بها في حياته ولم يعمل بها . 

فأن من قال بجواز البقاء على تقليد الميت فأنه ذهب إلى أن التقليد هو الأخذ وعليه جوز البقاء على تقليده  في تلك الفتاوى التي لم يعمل بها , ومن ذهب إلى أنه هو العمل لم يجوز ذلك لعدم صدور التقليد منه , وهكذا في كل مسألة أخذ في موضوعها التقليد نظير مسألة حرمة العدول عن تقليد الحي , فأن من ذهب إلى أن التقليد هو الأخذ لم يجوز العدول عن الفتاوى التي أخذ بها , ومن ذهب إلى أنه هو العمل جوز ذلك لعدم تحقق التقليد بالنسبة أليها , وقد ذكر الشيخ علي كاشف الغطاء بأن بعض أساتذة العصر ناقش في هذه الثمرة بأنه لافائدة في البحث عن معنى التقليد وانه هو الأخذ أو العمل , لأنه لم يؤخذ عنوان التقليد في أدلة تلك المسائل وموضوع المسألة سعة وضيقاً تابع لدليل المسألة . (نعم) في رواية ضعيفة عن تفسير العسكري قال (ع) : فللعوام أن يقلدوه , ويرد عليهم الشيخ بأنه لايخفى مافي هذه المناقشة فأن بعض أدلتها الأجماع وهو مأخوذ فيه عنوان التقليد بل في تلك المسائل بعضهم لم يعتمد ألا على الأجماع , وأما ماذكره من ضعف الرواية فهو منجبر لشهرتها بل والعمل بها . 

تعقيب : 

أن تعريفات المحورين السابقين لو كانت لحقيقة التقليد , مع قطع النظر عن المجالات التي يمكن تحقق التقليد فيها فكلا التعريفين ليسا بتاميّن , لأن مطلق التقليد ليس ألتزاماً , كما أنه لايعد عملاً , فالتقليد في الأمور النظرية إلتزام وفي الأمور العملية عمل , بينما لو كان التعريف ناظراً لخصوص التقليد في مورد البحث , فالتعريف الثاني هو الصحيح أي (العمل أستناداً الى رأي الغير) – لا التعريف الأول لأن البحث يدور حول الأعتماد على الغير في مجال الأحكام الشرعية , والأحكام الشرعية تدخل في ضمن المجال العملي , فلا يتحقق التقليد من الأنسان ألا بعد العمل بفتوى المجتهد كبقية المجالات العملية ومجرد الألتزام بفتوى الغير لايكون محققاً للتقليد في المجال العلمي . 

كما أن ((الذي يجب على العامل بالتكاليف الشرعية هو أن يكون له حجة على أن عمله هذا مبرئ للذمة))  . 

فالذي يقلد أستاذ الخط في الخط يتحقق التقليد منه بعد الكتابة والخط لاقبلهما , والذي يقلد في التصوير والرسم يتحقق التقليد منه بعد الرسم والتصوير , لان التقليد كما بينا إلقاء المسؤولية على عاتق الغير وهذا لايتحقق إلا بالعرض , لان المكلف لو أخذ الرسالة العملية , وألتزم بالعمل بما فيها ولم يعمل , فلا يقع شيء على ذمة المجتهد والمفتي ولايحمله المسؤولية , ولكن وقوع المسؤولية وتحميلها على ذمة الغير يتحقق فيما إذا عمل عملا يستوجب إلقاء المسؤولية على ذمة الغير لامجرد الإلتزام والأخذ , فالتقليد في الأحكام الشرعية عبارة عن العمل المرتبط بالإلتزام عن العمل الناشيء من التعلم . ولكن قد يتبادر أعتراضان على تعريف التقليد بـ (العمل) :

الأول : إن التقليد لو كان هو العمل أعتماداً على فتوى المجتهد , فينبغي أن لايكون العمل الأولي الصادر من الإنسان من مقولة التقليد . فمثلا إذا أفتى المجتهد بوجوب صلاة الجمعة , فصلاّها فبهذا العمل يتحقق التقليد , لأنه عمل بفتوى المجتهد , لكن هذا العمل لايعد من مصاديق التقليد وذلك لعدم تحقق العمل منه سابقاً , أما في الجمعة الثانية إذا صلاها فصلاته تعد من مقولة التقليد , وذلك لأن التقليد المشروط بالعمل تحقق منه في الجمعة الماضية , فحينئذ , إختيار العمل في تفسير التقليد يستوجب عدم أتصاف العمل الصادر من الإنسان بالتقليد , بينما تفسير التقليد بالألتزام يستوجب أتصاف العمل الأولي الصادر من المكلف بالتقليد . ومن هنا يتبين أن تفسير التقليد بالعمل ليس تفسيراً ناجحاً لعدم أنطباقه على العمل الأول الصادر من الإنسان . فلا يمكن الموافقة على تفسير التقليد بالعمل .

ويمكن الإجابة عنه:بأن اللازم بحكم العقل أنما هو تحصيل الحجة وتقدمها على العمل, فمثلا حجة المجتهد على العمل أجتهاده,والواجب عليه تحصيل الحجة على العمل,فيجتهد أولا ثم يعمل , والواجب على المكلف بحكم العقل هو تحصيل الحجة على العمل وتقدمها عليه,وليس اللازم على المكلف سبق التقليد على عمله,حتى لايكون هذا العمل محكوماً بالصحة لعدم سبق التقليد عليه . 

وبتعبير أخر : أن الواجب على المكلف سبق الحجة لاسبق العمل , والسبب لهذا الأشكال هو الخلط بين الحجة والعمل ... والشرط هو سبق الحجة دون العمل .  

الثاني : أن التقليد تارة يكون في الأمور المعاملاتية وأخرى في الأمور العبادية , أما في المعاملاتية , فلا تواجه قضية تعريف التقليد بالعمل مشكلة بينما في الأمور العبادية : فأنه يواجه مشكلة الدور , وتوضيح ذلك : أن صحة العبادة ومشروعيتها في غير المجتهد تتوقف على التقليد , إذ مع عدمه لايتمكن من الأتيان بها بعنوان أنها مأمور بها , وبعنوان قصد القربة حتى تقع عبادة , فالأتيان بالعبادة يتوقف على التقليد . 

وحينئذ لو كان التقليد عبارة عن العمل فيتوقف تحقق التقليد على الإتيان بالعبادة وتتوقف العبادة على التقليد , وهذا هو الدور المحال . بينما لو فسرنا التقليد بالألتزام فلا نواجه هذه المشكلة , لأن الآتيان بالعبادة بقيد قصد القربة يتوقف على التقليد , والتقليد لايكون متوقفاً على العمل العبادي , بل يكون متوقفاً على الألتزام بفتوى المجتهد , فتندفع الشبهة المتقدمة . 

ويمكن الجواب على هذا الأعتراض : بأن عبادية العبادة لاتتوقف على التقليد المتوقف على العمل ليرد الأشكال المتقدم , بل تتوقف على الأستناد الى الحجة , والحجة تنقسم إلى قسمين – بحسب تقسيم المكلفين في الخارج : 

الأدلة التفصيلية القائمة على عبادية بعض التكاليف الشرعية , وهي خاصة بالمجتهد المتمكن من أستنباط الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية . 

فتاوى المجتهدين التي هي حجة لغير المتمكنين من الأجتهاد , فالمقلد الفاقد لملكة الأجتهاد إذا أراد أن يعتقد بعبادية عمل يجب عليه مراجعة فتاوى المجتهدين وبذلك يتمكن من  تمييز العبادة عن غيرها , فيقصد بها القربة ويتمكن من الآتيان بالعمل صحيحاً , فلا تتوقف صحة العمل على التقليد ليتحقق الأشكال المتقدم . 





 (6) السنة الشريفة وموقفها من تعريفي التقليد :        

عرفنا من خلال البحث بأن التقليد عبارة عن العمل وليس الألتزام المجرد , وهناك مجموعة من الروايات التي تدعم أختيارنا والتي فسرت التقليد بالعمل ومنها : 

الرواية الأولى : معتبرة عبد الرحمن بن الحجاج :  

((عن علي بن إبراهيم , عن أبيه , عن أبن أبى عمير , عن عبد الرحمن بن الحجاج قال : كان أبو عبدالله () قاعداً في حلقة ربيعة الرأي , فجاء أعرابي فسأل ربيعة الرأي عن مسألة , فأجابه , فلما سكت قال له الأعرابي : أهو في عنقك ؟ فسكت عنه ربيعة , ولم يرد عليه شيئاً و فأعاد المسألة عليه , فأجابه بمثل ذلك , فقال له الأعرابي : أهو في عنقك ؟ فسكت ربيعة , فقال أبو عبدالله () : هو في عنقه , قال,أو لم يقل,وكل مفتٍ ضامن))  . 

البحث السندي والدلالي :   

علي بن إبراهيم بن هاشم : أبو الحسن القمي , ثقة في الحديث , ثبت , معتمد صحيح المذهب , سمع فأكثر وصنف كتباً , من أصحاب الأمام الهادي ()  . 

أبوه : إبراهيم بن هاشم : أبو أسحاق القمي , أصله كوفي أنتقل إلى قم , أول من نشر حديث الكوفيين بقم , له كتب , من أصحاب الأمام الرضا , ثقة . 

أبن أبي عمير : محمد بن أبي عمير : جليل القدر عظيم المنزلة , من أصحاب الأمام الرضا () , ثقة , له مصنفات كثيرة . 

عبد الرحمن بن الحجاج : روى عن أبي عبدالله وابي الحسن () وكان ثقةُ ثقة , ثبتاً ووجهاً , من أصحاب الأمام الصادق () والأمام الكاظم ()  . 

ومن دلالة الرواية الشريفة نجد أن الضمان من لوازم العمل لامجرد الألتزام , لأنه لو أفتى بشيء ولم يعمل به الطرف الآخر . فمجرد الأفتاء – لايستوجب تحميل المسؤولية على المفتي , وأنما الذي يستوجب تحميل المسؤولية على المفتي هو العمل . نعم , المفتي إذا لم تكن فيه قابلية الأفتاء , وأفتى بشيء وتصدى لموقع الأفتاء يكون معاقباً ومسؤولاً عن الفتاوى الصادرة عنه , فهذه غير مسألة التقليد . وبتعبير آخر فأن الأجتهاد له طرفان , طرف  يرتبط بالمجتهد  الذي يجوز له الأفتاء والتصدي لهذا الأمر الخطير , وطرف آخر يرتبط بالمستفتي – المقلِّد – الذي يأخذ برأي الغير , فهل يتحمل المفتي مسؤولية المقلِّد أم لا ؟ 

والجواب يتوقف تحمل المسؤولية على عمل المستفتي . فمن أستفتى في شيء ولم يعمل به , فلا شك في أن مجرد الاستفتاء مع توفر الشروط في المفتي فانه لايتحمل شيئاً , وإنما يتحمل المفتي المسؤولية فيما إذا عمل به المكلف , ((من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من       عمل بها)) , فالمستوجب لتحمل الوزر هو السنة السيئة , مع عمل الآخرين بها لامجرد الأفتاء فالرواية الشريفة بعد المناقشة في دلالتها توحي إلى أن قوام التقليد والذي يستوجب تحمل المسؤولية هو العمل قال السيد الخوئي مناقشاً لصاحب الكفاية الذي يرى أن التقليد لا وجه لتفسيره بنفس العمل , أنه ((إذا كان التقليد أستناد العمل الى قول المجتهد فالعمل مقارن للتقليد لامحالة ولادليل على لزوم سبق التقليد على العمل))  . 

الرواية الثانية : معتبرة أبي عبيدة 

((محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى , عن أحمد بن محمد عن ابن محبوب عن ابن رئاب عن أبي عبيدة قال , قال أبو جعفر () : من أفتى الناس بغير علم ولاهدى من الله لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب , ولحقه وزر من عمل بفتياه))  .   

البحث السندي والدلالي : محمد بن يعقوب : الكليني 

محمد بن يحيى : أبو جعفر العطار القمي , شيخ أصحابنا في زمانه , ثقة عين , كثير الحديث , روى عنه الكليني , قمي كثير الروايه وله كتاب . 

أحمد بن محمد : بن عبدالله الأشعري القمي شيخ أصحابنا , ثقة , روى عن أبي الحسن الثالث () , روى عنه محمد بن علي بن محبوب , من أصحاب الأمام الجواد () . 

إبن محبوب : محمد بن علي بن محبوب : الأشعري القمي , أبو جعفر , شيخ القميين في زمانه , ثقة عين , فقيه , صحيح المذاهب وله كتب وروايات .      

إبن رئاب : علي بن رئاب , كوفي , روى عن ابن عبدالله () , روى عن أبي      الحسن()  , من أصحاب الأمام الصادق ()  ,له أصل كبير,وهو ثقة,جليل القدر .  

أبو عبيدة : زياد بن عيسى أبو عبيدة الحذاء , كوفي , ثقة , روى عن أبي جعفر وأبي عبدالله ()  , من أصحاب الأمام الباقر والأمام الصادق ()  , حسن المنزلة عند آل محمد (6) , وكان زامل أبا جعفر () الى مكة , ثقة . 

ويمكن الأستدلال بالرواية من جهتين , الأولى ((بغير علم ولاهدى من الله)) أي أنه تصدى لجانب الأفتاء دون أن تتوفر فيه شروط الأفتاء , فتلعنه ملائكة الرحمة , والثانية ((ولحقه وزر من عمل بفتياه)) والرواية ظاهرة في أن تحمل المسؤولية أنما يكون من لوازم العمل لامجرد الأفتاء . 

الرواية الثالثة : رواية إسحاق الصيرفي :  

((محمد بن الحسن , بإسناده عن موسى بن القاسم , عن محمد البزاز , عن زكريا المؤمن عن  أسحاق الصيرفي , قال : قلت لأبي إبراهيم () : أن رجلاً أحرم فقلم أظفاره , فكانت له أصبع عليلة فترك ظفرها لم يقصه , فأفتاه رجل بعد ما أحرم فقصه فأدماه,فقال : على الذي     أفتى شاة)) . 

البحث السندي والدلالي : محمد بن الحسن : الشيخ الطوسي   

موسى بن القاسم : الحضرمي (مولى بني صهيب) من أصحاب الأمام الصادق () , روى عن محمد البزاز هذه الرواية . 

محمد البزاز : محمد بن الحسن البزاز الكوفي , من أصحاب الأمام الصادق () . 

زكريا المؤمن : زكريا بن محمد المؤمن روى عن أبي عبدالله وأبي الحسن موسى () ولقي الرضا () في المسجد الحرام , وحكى عنه مايدل على أنه كان واقفياً , وكان مختلط الأمر في حديثه , من أصحاب الأمام الرضا ()  . 

إسحاق الصيرفي : من أصحاب الأمام الصادق والأمام الكاظم () , ثقة , له كتاب ومن دلالة الرواية نجد أنها صريحة في أن الذي يستوجب تحمل المسؤولية هو عمل الآخر لامجرد الأفتاء ,  وإلا لو أفتاه , ولم يعمل المستفتي برأيه لم يكن هناك تحمل للمسؤولية على الغير . 

وهذه الروايات التي ذكرناها تدعم الرأي الثاني من التقليد , وأنها تحدثت بشكل واضح جداً عن عملية التقليد المصطلح (مورد  البحث) . 

(7) الاستثناءات من تعريف التقليد :

من ملاحظاتنا لتعريف التقليد وقراءته بدقه يتبين لنا بأن هناك أموراً تخرج من التقليد وأن شابهته وقد أخرجها العلماء من تعريف التقليد وهي : 

أ- العمل بقول الله تعالى : لأنه عمل مبني على الحجة , وهي الأدلة الدالة على وجوب الأيمان به وبملائكته وكتبه ورسله . 

ب- أتباع كلام المعصوم () : وهو أخذ الحكم من دليله لامن المجتهد , وماثبت عليه حجة , فكل من أوجب عليك دليل أتباع قوله فأنت متبعه . 

وعليه فأن الأخذ بنص القرآن الكريم والرجوع الى السنة الشريفة أنما هو أتباع وليس بتقليد , وأن أتباع كلام المعصوم () لايكون تقليداً إذا ثبتت النسبة إلى المعصوم () , وأن قبول قول المعصوم () والعمل به ليس من التقليد في شيء لأن قوله () وفعله نفس الحجة . ولأن قوله وفعله هو الدليل , وليس اجتهاداً ومستنداً إلى الدليل .

ج- قول الشهود العدول وعمل القاضي بهذا القول : 

ويجب على القاضي الحكم بقول الشهود العدول دون مطالبتهم بدليل على صدق كلامهم, لأن العمل بقولهم وأن لم يكن حجة إلا أن:النص قد أمره بأن يأخذ بقول العدول والنص حجة في ذلك وهو قوله تعالى((وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ)) ,وقوله تعالى ((وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ)) ,وعليه يكون القاضي المقلد هو الذي يقضي بقول غيره من غير معرفة دليله . 

د- المعلوم بالضرورة لايعد تقليداً : 

وذلك لأنه تضمن لدليله في طياته كالعلم بأركان الأسلام الخمسة , قال أبو الخطاب ((ولايجوز التقليد في أركان الأسلام الخمسة ونحوها مما أشتهر ونقل نقلاً متواتراً , لأن العامة شاركوا العلماء في ذلك فلا وجه للتقليد))  , إذ أن التقليد يستدعي جهل المقلِّد فيما قلد فيه , و هو مستحيل فيما علم بالضرورة , والعلم بهذه الأركان بالضرورة الحاصلة عن التواتر والإجماع وهما مركبان من المعقول والمنقول , وليس المراد بالضرورة العقلية المحضة . 

هـ- رواية الرواة : وقد دل الدليل على قبول رواية الراوي ووجوب العمل بها إذا أتصف الراوي بما يجعل روايته مقبولة . 

و- قول الصحابي : وأتباع قول الصحابي – على من قال إن قوله حجة – لايسمى تقليداً وإن كان الصحابي ليس رسولاً بل هو بشرٌ يصيب ويخطئ لكن ذهب بعض العلماء إلى أن قول الصحابي حجة بتقريب أن الصحابي أقرب إلى أصابة الصواب من غيره , وهو مذهبه فيما يسوغ فيه الأجتهاد إذا لم يشتهر ولم ينكر عليه غيره من الصحابة وكان فقيها . 




ي- رجوع العامي للمفتي بسؤاله (قول أهل الأختصاص) : 

يشير أبن عبد البر الى ذلك : بأن العامة لابد لها من تقليد علمائها النازلة تنزل بها , لأنها لاتتبين موقع الحجة , ولاتصل لعدم الفهم إلى علم ذلك , لذا فالعلماء لم يختلفوا في أن العامة لايجوز لها الفتيا . ونستنتج من ذلك بأنه لامانع من التقليد للجاهل العامي الذي لايمكنه النظر في الكتب أو الأقوال أو الأدلة , فالعامة من المسلمين الذين لايستطيعون أن يستخرجوا الأدلة , لابد لهم من تقليد أهل العلم لكن يجب عليهم أمران : 

الأمر الأول : أن لايتبع العالم الإّ من جهة ماهو عالم بالعلم المحتاج أليه ومن حيث هو طريق إلى أستفادة ذلك العلم . 

الامر الثاني : أن لايصمم على تقليد من تبين له في تقليده خطأ . ومثل ذلك أتباع أهل الأختصاص , لأن مفهوم أهل الذكر في الآية ينسحب على كل من هو أهل الحكم بشيء , لأن أهليته للحكم بشيء هي الدليل الذي يوجب أتباعه , فأهل الأختصاص هم أعلم الناس باختصاصهم لذلك عندما يبدون رأيهم في شيء لايمكن لغير المختص أن يخطئ قولهم إلاّ أن يكون مختصاً . 

(8) أركان التقليد :

        الركن لغةٍ : الناحية القوية , وركن الشيء : جانبه الأقوى أما في الإصطلاح : فقيل :

 ركن الشيء مايقوّم به ذلك الشيء . وقيل : مايتم به وهو داخل فيه . والأصح : أن الركن : هو جزء الماهية فركن الشيء جزؤه . وأركان التقليد فيما يظهر لنا ثلاثة هي : 

الأول : مقلِّد [بكسر اللام : أسم فاعل من التقليد] وهو المكلف الذي يلتزم قول غيره أو مذهبه ممن ليس مذهبه حجة في ذاته . 

الثاني : مقلَّد:[بفتح اللام : أسم مفعول] , وهو من يلتزم مذهبه الذي ليس حجة في ذاته . 

الثالث : مقلَّد فيه , وهو العلم أو الفن الذي حصل التقليد والألتزام فيه . 

(9) أقسام التقليد:ينقسم التقليد إلى قسمين رئيسين هما:التقليد بالمعنى الأعم,والتقليد         بالمعنى الأخص 

أ- التقليد بالمعنى الأعم : 

والمراد منه مايستنتج نتيجة عملية المحاكاة , فأن الإنسان ربما يحاكي عمل شخص آخر في فعله وسلوكه , سواءُ كان ذلك عن ألتفات أم لا ؟ 

والمحاكاة لغةً : ((المشابهة ,وفعل مثل فعله وهيئته,يقال : فلان يحكي الشمس ويحاكيها)) . 

والمحاكاة كما يراها علماء الأجتماع , هي عملية مفاجئة تحدث من غير رؤية , ومن غير إرادة جازمة , بل هي مطاوعة طبيعية بفعل تأثير متحرك آخر كتثاؤب الفرد إذا تثائب الآخر .  

ويطلق على هذه العملية بـ((التقليد العام)) فيقال فلان مقلد لفلان في الظهور أمام المجتمع والأخذ بطريقة كلامه وعاداته الخاصة أو بمظهره الخارجي , وحتى في طريقة الألفاظ وتكلّمها . 

وبهذا تلتقي علمية المحاكاة مع عملية التقليد بحسب المفهوم اللغوي فيقال : قلده في كذا , أي تبعه من غير نظر, وهو الذي يسمى بـ(التقليد المذموم أو المحرم)) وهو على ثلاثة أنحاء : 

الأول :ماتضمن الأعراض عما أنزل الله , وعدم الألتفات أليه , , كتقليد الآباء والرؤساء . 

الثاني : تقليد من لايعلم المقلِّد أنه أهل لأن يؤخذ بقوله . 

الثالث : التقليد بعد ظهور الحجة , وقيام الدليل عند شخص على خلاف قول المقلَّد . 

وهذه الأنواع هي التي يحمل عليها ماورد من آيات وأحاديث في ذم التقليد وقد نهى (الأئمة الأربعة) عن تقليدهم وذموا من أخذ أقوالهم بغير حجة فقد نقل أبن قيم الجوزية قول الشافعي: ((مثل الذي يطلب العلم بلا حجة كمثل حاطب ليلٍ , يحمل حزمة حطب وفيه أفعى تلدغه وهو لايدري))  . ونقل أيضاً قول أحمد : ((لاتقلدني ولاتقلد مالكاً ولا الثوري ولا الأوزاعي , وخذ من حيث أخذوا , ... , وقال أيضاً : من قلة فقه الرجل أن يقلد دينه  الرجال))  . 

وقال أبن حزم ((أما من أعتقد قولاً بغير اجتهاد أصلاً , لكن أتباعاً لمن نشأ بينهم , فهو مقلد مذموم , بيقين أصاب أم أخطأ , وهو أثم على كل حال , عاصي لله تعالى بذلك , لأنه لم يقصده من حيث أمره من أتباع النصوص))  . 

وقال السيوطي ((مازال السلف والخلف يأمرون بالأجتهاد ويحضون عليه , وينهون عن التقليد ويذمونه ويكرهونه , وقد صنف جماعة في ذم التقليد , كالمزني , وأبن حزم , وأبن عبد البر , وأبي شامة , وأبن القيم الجوزية وصاحب القاموس المحيط))  . 

ونقل الشوكاني عن القرافي قوله : ((مذهب مالك وجمهور العلماء وجوب الأجتهاد       وأبطال التقليد))  .

ب- التقليد بالمعنى الأخص :          

ويراد به : العمل بالأحكام الفرعية على طبق ماوصل أليه إجتهاد شخص آخر , أن وجدت فيه كافة الشروط التي تخول العوام الرجوع أليه , ومن دون الوقوف على مدارك الحكم الذي أجتهد في المتبرع , ويخرج بهذا القسم التقليد الخاص عن نطاق المحاكاة العامة , والتي قد تصدر من الشخص بدون إرادة جازمة كما قلنا سابقاً في التثاؤب , أو رد التحية الصادرة من شخص مشغول الذهن , وهذا هو التقليد المحمود , لأن العاجز عن الأجتهاد ولم يقدر على التوصل الى الحكم الشرعي بنفسه , فلم يبق أمامه إلا إتباع من يرشده من أهل النظر والأجتهاد الى مايجب عليه من التكليف . 

وقد فرق أبن القيم بينهما  فقال رداً على من يقول بتقليد الأئمة ((وأن مقلدوهم على هدى قطعاً , لأنهم سالكون خلفهم , قيل : وسلوكهم خلفهم مبطل لتقليدهم لهم قطعاً . أن طريقتهم كانت إتباع الحجة والنهي عن تقليدهم كما سنذكره عنهم انشاء الله, فمن ترك الحجة وأرتكب مانهوا عنه وينهى الله عنه ورسوله قبلهم , فليس على طريقتهم وهو من المخالفين لهم , وأنما يكون على طريقتهم من أتبع الحجة وأنقاد للدليل , ولم يتخذ رجلاً بعينه سوى الرسول يجعله مختاراً على الكتاب والسنة يعرضهما على قوله , وبهذا يظهر بطلان فهم من جعل التقليد إتباعاً , بل هو مخالف للأتباع , وقد فرق الله ورسوله بينهما كما فرقت الحقائق بينهما , فأن الأتباع سلوك طريق المتبع والأتيان بمثل ما أتى به)) . 

(10) التقليد والأتباع :  

تعريف الأتباع : جاء في لسان العرب : ((تبع الشيء تبعاً ... سرت في أثره ... وأتبعه تتبعاً : قفاه وتطلبه متبعاً له)) . 

والفرق بينهما : أ- ذهب بعض العلماء ومنهم أبن خويز منداد المالكي , وأبن      عبد البر 

والشاطبي وأبن القيم إلى التفريق بين الأتباع والتقليد , فالأتباع عند هؤلاء هو ماثبت عليه دليل شرعي , والتقليد ماكان من غير دليل شرعي , وقد سوغ هذا الفريق من العلماء الأتباع , ومنعوا التقليد . ويرى  هذا الفريق أن الناس حولنا فيهم المجتهد نادراً , والمقلد كثيراً , ونلاحظ وجود قسم آخر وسطاً بين النوعين السابقين وهذا مانسميه الأتباع , ونسمي أصحابه متبعين , وهؤلاء طائفة ليس عندهم القدرة على الأستقلال في البحث وفهم الأدلة وأستنباط الأحكام منها , ولكنهم في نفس الوقت يفهمون الحجة ويعرفون الدليل , فتسميتهم مقلدين ظلم لمعرفتهم بالدليل , وليسوا مجتهدين لعدم أستقلالهم بالنظر . لكن الباحث يرى أن كل من لم يضع لنفسه قواعد خاصة للوصول إلى الحكم الشرعي , فهو مقلد لغيره في أجتهادهِ , سواءٌ أتبع الدليل الشرعي , أم التزم قول المجتهد من غير دليل , كما قال سبحانه وتعالى ((وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ)) فأعتبر سبحانه تقليد الغير وأتباعه بمعنى واحد .

ويعلم من هذا ان كل من لم يصل الى رتبة الأجتهاد , يلزمه سؤال العلماء المجتهدين , وتقليد قولهم , كما بينه سبحانه وتعالى بقوله ((فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)) . 

ب- وكثير من أهل الأصول يرى عدم التفريق بينهما , ويدل على ذلك تفسير كثير منهم التقليد بالأتباع يقول الشيخ شمس الدين عن التقليد بأنه ((مصطلح أستحدثه الفقهاء والأصوليون الأمامية في عهد متأخر من عصر الأئمة ولعلهم أقتبسوه من فقهاء المذاهب الأخرى وجعلوه مصطلحاً على أتباع الفقيه في العمل على وفق رأيه في أحكام الشريعة))  . 

وأستدلوا على ذلك بأن معنى الأتباع والتقليد واحد من جهة اللغة كما ان الله سبحانه وتعالى اطلق لفظ الأتباع على المقلدين , كما بيّنا سابقاً وبعد أن بينا ذلك نقول : أن الأتباع أمر عام , والتقليد جزء من أجزائه , هذا في اللغة .وأما في الأصطلاح فلا أختلاف بينهما والله العالم . 

(11) أهمية التقليد 

دأب الأصوليون على بحث موضوعة التقليد في أواخر أبواب علم الأصول , وليس ذلك ناتجاً عن قلة أهمية هذا المبحث , بل أنهم تكلموا عن الأصول وكيفية أستنباط الأحكام منها بمعرفة دلالة اللغة , ثم أتبعوا ذلك بالأجتهاد وهو ثمرة للأصول وطريق من طرق معرفة الأحكام منها فلما تكلموا عن الاجتهاد ناسب ذلك الكلام عن مقابله وهو التقليد.وتتجلى أهمية التقليد بمعرفة مايأتي من أمور : 

أولاً : أن شروط الأجتهاد عسيرة تتعذر على أكثر الناس إذ المجتهد لابد ان يكون ذكياً نبيهاً متيقظاً عالماً باللغة واللسان , عالماً بالكتاب والسنة المطهرة , ناسخها ومنسوخها , ومجملها ومُبيّنها , خاصها وعامها , مطلقها ومقيدها , مع معرفة علم الرجال بمقدار يتمكن من تمييز الحديث الموثوق صدوره عن غيره , وكذلك معرفة صناعتي المنطق وأصول الفقه , وألمامه بالأدلة الفقاهتية , وهذه الشروط قليل توفرها , ويعز وجودها في إنسان واحد , لذا فأن المشرع بين حكم التقليد لكي يسلكه من لم يستطع الأجتهاد . 

ثانياً : في قلة المجتهدين وكثرة من يضادهم , فكانت الحاجة للتقليد قوية جداً . 

ثالثاً : في قلة الوقت , فأن العامي إذا نزلت به حادثة فإذا لم نجوّز له التقليد ونبين له أحكامه فمتى سيبلغ رتبة الأجتهاد ليعرف حكم هذه النازلة , بل لعله لايبلغ هذه الرتبة أصلاً وبالتالي لايعرف حكم تلك النازلة . 

رابعاً : أن بالتقليد تعمر الدنيا , إذ لو لم يكن التقليد سائغاً لأدى ذلك إلى أنقطاع الحرث وهلاك النسل وتعطّل الحرف وفساد الصنائع والاشتغال عن المعايش , ويؤدي إلى خراب الدنيا لو أشتغل الناس كلهم بالعلم وطلبه لتحصيل رتبة الأجتهاد . 

خامساً : أن رفع التقليد هو من الحرج والأضرار المنفي في الشريعة المطهرة قال تعالى ((وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ))  . 

وقال النبي(ص):((لاضرر ولاضرار)).ومن هذا المنطلق كان للتقليد أهمية عظمى ومكانه كبرى في الدين بعامة وفي أصول الفقه بخاصة فأفرد بالأبواب والفصول وبينت أحكامه. 

(12) نشوء التقليد :          

كيف نشأت الحاجة إلى التقليد : 

كانت ولاتزال سنة الحياة في كل ناحية من مناحيها تفرض موقفاً عملياً خاصاً بالأفراد , فأستقرت المجتمعات البشرية على أن يتخصص لكل مجال من مجالات المعرفة والبحث عدد من الناس , فيكتفي كل فرد في غير مجال أختصاصه بما يعلمه على البديهية , ويعتمد فيما زاد عن ذلك على ذوي الأختصاص محملاً لهم المسؤولية في تقدير الموقف وكان ذلك لوناً من تقسيم العمل بين الناس سار عليه الإنسان بفطرته منذ أبعد العصور . 

ولم يشذ الإسلام عند ذلك بل جرى على نفس الأساس الذي أخذ به الأنسان في كل مناحي حياته , فوضع مبدأي الأجتهاد والتقليد . 

ولم يكلف الله تعالى كل إنسان بالأجتهاد ومعاناة البحث والجهد العلمي من أجل التعرف . 

وأتفق جميع الفقهاء المسلمين على أن الأجتهاد والفتوى مجالهما الأحكام في فروع الدين مثل : أحكام العبادات , والمعاملات , ومايتعلق بها من أمور أجتماعية , اما المسائل الأعتقادية فهي من أصول الدين ولامجال للإفتاء فيها , كما تدور الأحكام الصادرة من المفتي بين الحرمة والحلية , أو الأستحباب والكراهة وأحياناً تكون الأباحة . 

(13) أدوار النشأة :  

أشرنا سابقاً إلى حقيقة التقليد – عند الفقهاء وعلى جميع مذاهبهم او مدارسهم – وعرفنا أن العامي يتبع في مرحلة أخذ الأحكام الشرعية المجتهد الجامع للشرائط . 

وقد سار الأمامية على هذا الخط , فمنذ الصدر الأول وهم قائلون بفتح باب الأجتهاد , وأهم مايحدد معالم مدرستهم من حيث مصادر التشريع التي تعتمد عليها هو : (الأستناد على الحجة) سواءٌ كانت الحجية ذاتية لها , أم مجعولة . 

فما يتصف من هذه الأمور بالحجية الذاتية أو المجعولة يؤخذ به ومالايتصف بالحجية الذاتية والمجعولة لايؤخذ به . بل أنّ الشك في حجيته كافٍ للقطع بعدمها . فالكتاب حجة شرعية وكذلك السنة بعد الوثوق من صدورها . وأما العقل ونقصد به : (الحكم القطعي الذي يقطع به العقل) نحو قبح الخيانة وحسن الأمانة , فهو حجة بذاته , فيما إذا توفرت فيه الشروط التي يذكرها الأصوليون في المقام . فأن العقل السليم أيضاً حجة من الحجج , فالحكم المنكشف به حكم بلغهُ الرسول الباطني الذي هو شرع من الداخل , كما أن الشرع عقل من الخارج , وأستفاضت آيات من القرآن الكريم بالأعتماد على مقتضى العقول وحجيته قال سبحانه وتعالى ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)) , وقال أيضاً ((لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ)) وقد ذم القران قوماً لم يعملوا بمقتضى عقولهم , فقال عز ذكره ((أَفَلَا يَعْقِلُونَ)) وماعدا ذلك فما يثبت حجيته بدليل قطعي من شرع أو عقل أخذ به , ومالم تثبت حجيته , ولم يقم على أعتباره دليل لم يؤخذ بالأعتبار في الأستنباط , قال تعالى ((وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)) ,وقال أيضاً ((إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً)) , ولما كان إتباع الرأي أتباعاً لغير العلم , لم يأذن به الله ولايغني عن الحق فلا يمكن الأعتماد عليه والأخذ به في مجال الحكم والأجتهاد كما تأخذ به مدرسة الرأي.

ولم يقف الأمامية في طريق من يجد في نفسه الكفاءة للتصدي الى منصب الافتاء والذي يعد منصباً دينياً خطيراً , وبذلك فهم شجعوا على تنمية الحركة الفكرية الاجتهادية , ليقول المجتهد كلمته فيما يستجد كل يوم , محل أبتلاء المكلفين من الحوادث , حيث تؤكد المصادر بأن هناك صوراً من إرجاع العوام إلى أشخاص معينين كانت لهم سمة الأفتاء من قبل الأئمة عليهم السلام أنفسهم , فالمسلمون وخصوصاً في تلك الأدوار الأولى لم يكونوا متقاربين في البلدان على النحو الذي نراه اليوم من التقارب وسرعة التنقل , فلم يكن بميسور الفرد أنذاك أن يصل الى الأمام () في كل وقت يريد الوصول أليه ليستوضح منه الحكم الشرعي , بل ربما نجد الفرد طيلة حياته لم يشاهد أمامه () عن قرب , فكيف بأهل البلدان النائية ؟! . 

وأما التقليد عند باقي المذاهب فأن الأدوار التي مر بها يمكن تصنيفها الى ثلاثة أدوار :




 

أ- الدور الأول : دور النشوء 

أشار الشوكاني (1250هـ) الى أن ظاهرة التقليد حدثت في أوائل القرن الرابع الهجري حيث يقول ((أن التقليد لم يحدث الأ بعد إنقراض خير القرون , ثم الذين يلونهم , وأن حدوث التمذهب بمذاهب الأئمة الأربعة , أنما كان بعد انقراض عصر الأئمة الأربعة , وأنهم كانوا على نمط من تقدمهم من السلف في هجر التقليد , وعدم الاعتداد به , وأن هذه المذاهب أنما أحدثها عوام المقلده لأنفسهم من دون أن يأذن بها أمام من الأئمة المجتهدين))  . 

لكن التحقق من هذا الأمر يثبت غير ذلك , فالتقليد عندهم نشأ منذ زمن الخلفاء , وفيها نرى عملية التقليد والرجوع الى المجتهدين كانت مستمرة عندهم , فيراجع العوام من فيه الكفاءة من المسلمين , وفي هذا الصدد ينقل صاحب التيسير عن القرافي (ت 684هـ) أنه قال:       ((أنعقد الأجماع على أن من أسلم فله أن يقلد من شاء من العلماء من غير حجة , وأجمع الصحابة : أن من أستفتى أبا بكر وعمر وقلدهما فله أن يستفتي أبا هريرة وغيره ويعمل بقوله من غير نكير , فمن أدعى خلاف هذين الأجماعين فعليه الدليل))  لكن هذا الأجماع معارض بأجماع آخر منقول يفيد منع تقليد العوام من أعيان الصحابة وغيرهم , وناقل هذا الأجماع هو إمام الحرمين حيث نقل إجماع المحققين على منع تقليد العوام من أعيان الصحابة , بل من بعدهم الذين سبروا , ووضعوا , ودونوا . وهنا نلاحظ أجماعين في مورد واحد,الأول يجيز تقليد العوام لأعيان الصحابة والآخر يمنعه . ويرى الباحث أن هذا التعارض يضعف إلى حد كبير قبول هذا الإجماع . 

ب- الدور الثاني : 

ويبدأ هذا الدور مع نشاط وتنامي الحركة العلمية من خلال تعدد رواة الحديث والمجتهدين وبروز من كانت له مكانة ساميّة بين الأفراد , وإذا بأغلب البلدان يرجع كل منها إلى إمام تنتسب أليه ويقول بما يمليه على أتباعه من أحكام , ويصل الرقم بالمذاهب إلى أكثر من خمسين مذهباً , كان من أبرزها , المذهب الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي , ومن الفقهاء : الشعبي والحسن البصري والأوزاعي , والثوري , والليثي , وأبو ثور وأسحاق والظاهري .

ج- الدور الثالث (فكرة حصر المذاهب) :  

ويبدأ هذا الدور عند بروز الأختلاف الفكري الذي كان لايتعدى حدود النقض لبعض ماينهجه الآخر , والسبب في ذلك انه لم يحظ كبار فقهاء الجمهور في كل الأحوال بألتزام أتباعهم التام بأرائهم , وهذا ماينطبق فعلاً مع عدد من الفقهاء البارزين مثل أبن أبي ليلى وأبي يوسف والشيباني ومالك والأوزاعي والثوري وغيرهم , فلقد كان لكل هؤلاء أتباع أوفياء ولكن كان لهم أيضاً عدد كبير من التلاميذ الذين لم يلتزموا بالأنتساب الى مذهب واحد من هذه المذاهب . 

وقد سارت الامور على هذا المنوال , ولكن روح الاختلاف بدأت تسري بسرعة في المجتمع للدافع السياسي الذي يحاول الا تتفق الامة على رأي واحد . 

وعليه فأن عجلة التمذهب تقف على المذاهب الأربعة المعروفة وكان للقضاة والمفتين الضلوع الأكبر في تركيز كل واحد من هذهِ المذاهب الأربعة . 

أما لو لم نقل بمقالتهم هذه , وقلنا أن باب الأجتهاد مفتوح عند الجمهور ,كما ذهب أليه المتأخرون , وأنهم أجمعوا كما أدعى القرافي وغيره على أن من أسلم فله أن يقلد من يشاء ... , فحينئذ يبطل الخط الذي ضرب على عوامهم , وعليه فلكل مكلف أن يقلد من يشاء , بعد الفحص عن ذلك المجتهد وحصول الشروط المطلوبة فيه , والتي تؤهله لهذا المنصب العلمي . 

وعلى هذا ينعدم الفرق في التقليد بين الطرفين , لأن للمكلف في جميع الفرق الإسلامية الحرية التامة في أختيار من يشاء من المجتهدين إذا كان أهلاً للتقليد . 

ولكن السؤال الذي يفرض نفسه في المسألة وهو , إذا كان طريق  العامي للأجتهاد هو التقليد , فهل يجب على المقلد ألتزام مذهب معين في كل واقعة أم لا ؟!! .  

أختلف المتفقون على وجوب التقليد على العامي على مذاهب عدة : 

قال بعضهم : يجب ألتزام مذهب إمام معين , لأنه أعتقد أنه حق فيجب عليه العمل     بمقتضى  أعتقاده . وقال البعض الآخر : لايجب تقليد إمام معين في كل المسائل والحوادث التي تعرض , بل يجوز أن يقلّد أي مجتهد شاء , فلو ألتزم مذهباً معيناً كمذهب أبي حنيفة أو الشافعي أو غيرهما , لايلزمه الأستمرار عليه , بل يجوز له الأنتقال كلياً منه الى مذهب آخر ولو بعد العمل , لأنه لا واجب الأ ماأوجبه الله ورسوله , فأن الله تعالى لم يوجب عليه أتباع مذهب معين , وأنما أوجب الله إتباع العلماء من غير تخصيص بعالم دون آخر ولأن المستفتين في عصر الصحابة والتابعين لم يكونوا ملتزمين بمذهب معين كما أن الألتزام بمذهب معين يؤدي الى الحرج والضيق . 

وفصل الآمدي وأبن الهمام فذكرا : أن عمل بما ألتزمه في بعض المسائل بمذهب معين , فلا يجوز له تقليد الغير فيها , وأن لم يعمل في بعضها الأخر جاز له أتباع غيره فيها  .

كما أننا سنواجه سؤالاً آخر وهو : إذا رجحنا عدم الألتزام بمذهب معين فهل ينحصر الأمر بالمذاهب الأربعة أو يجوز تقليد غيرهم ؟ 

الجواب على ذلك : نعم , ينحصر في الأئمة الأربعة وهو رأي المتأخرين الذين قالوا : لايجوز تقليد غير الأئمة الأربعة من المجتهدين , لأن مذاهبهم غير مدونة ولامضبوطة مما يجعل المقلَّد المقتدى به عرضة للخطأ والتأويل فيها بخلاف المذاهب الأربعة , فأنها منقحة معروفة مضبوطة بسبب تدوينها .    

       


الفصل الثالث

مشروعيّة العمل بالتقليد


المبحث الأول/أدلة مشروعيّة التقليد 

المبحث الثاني/الحكم التكليفي للتقليد   

المبحث الثالث/التقليد بين الأصوليين والإخباريين 

المبحث الرابع/التقليد في الأصول الاعتقادية  


المبحث الأول / أدلة القائلين بالتقليد 

         توطـئـة 

القرآن الكريم 

الأخبار

        تعقيب وإشكال

الإجماع 

العقل

بديهيّة جواز التقليد

السيرة العقلانية 

مناقشات نفاة الدليل العقلي في التقليد 





توطئة : 

أستدل القائلون بجواز التقليد بعدة أدلة:نقلية وعقلية وأختلفوا في ترتيب الأدلة بحسب مايراه كل منهم من حيث قوة الدليل ومتانته,والأدلة التي ساقها القائلون بالتقليد تصب في محورين أساسيين :

الأول : الأدلة التي يستدل بها المجتهد على جواز التقليد في الشريعة المقدسة . 

الثاني : الأدلة التي تدفع المكلف , وتحمله على التقليد . وسنتكلم هنا عن الأدلة الشرعية التي تصب في هذين المحورين . 

(1) القرآن الكريم : 

أولاً : أستدلوا بعموم قوله تعالى : ((وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)) . 

وأيضاً قوله تعالى ((وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)) .

وقد دلت الآيات الكريمة على وجوب السؤال عند الجهل , وليس السؤال هو المقصود بالذات , بل المقصود هو القيام بما يقتضيه الوقوف على الجواب , فلو كان أمراً أعتقادياً لزمه الأعتناق والتسليم ظاهراً وباطناً , ولو كان من الفروع والأحكام لزمه العمل به , وحاصل الايات : أنه يلزم على الجاهل السؤال حتى يقف على الحقيقة ويعمل بوظيفته أمامها .

وهنا يشير العلامة الطباطبائي في تفسيره لكلمة (الذكر) بقوله ((المراد بأهل الذكر أهل العلم بأخبار من مضى من الأمم سواءً أكانوا مؤمنين أم كفاراً ؟ وسمي العلم ذكراً لأن العلم بالمدلول يحصل غالباً من تذكر الدليل فهو من قبيل تسمية المسبب بأسم السبب)) .

وقال في مورد آخر((قال بعضهم:المراد بأهل الذكر أهل القرآن لأن الله سماه      ذكراً))  . 

على أن بعض المفسرين المتقدمين قد فسر أهل الذكر بأئمة أهل البيت () فقد روي عن علي (ع) أنه قال : ((نحن أهل الذكر)) , وروي ذلك عن أبي جعفر (C) ويعضده أن الله تعالى سمى النبي () ذكراً رسولاً في قوله ((قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً)) . 

وهذا المعنى ليس ببعيد , إذ أن الآية تحث على السؤال من أهل الذكر , وهو أمر كلي تختلف مصاديقه حسب أختلاف المقامات والموضوعات , فأهل الذكر بالنسبة إلى أحوال الأمم الماضية والحضارات المتبددة هم المطلعون على تواريخ تلك الأمم والحضارات , وبالنسبة إلى مضامين التوراة والأنجيل ومحتوياتهما , وماجرى على أنبياء الله ورسله من المقادير هم أهل الكتاب , وهكذا , وأما المروي علن علي (C) وأبي جعفر (C) – أنما هو من باب تطبيق الآية على المصداق الأتم والأكمل , فهم أدرى بالحقائق من سائر الناس . 

وبناءً على أن الذكر هو القرآن أو مطلق العلم , فأن الله سبحانه وتعالى أمر من لاعلم له أن يسأل من هو أعلم منه , فالآية الكريمة كما يقول العلامة الطباطبائي ((أرشاد إلى أصل عام عقلائي وهو وجوب رجوع الجاهل إلى أهل الخبرة ,وليس ماتتضمنه من الحكم حكماً تعبدياً , ولا أمر الجاهل بالسؤال عن العالم ولا بالسؤال عن خصوص اهل الذكر أمراً مولوياً تشريعياً وهو ظاهر)) . وقد ارشد النبي () من لايعلم الى سؤال من يعلم , في حديث صاحب الشجَّة , فقال () ((ألا سألوا إذا لم يعلموا , أنما شفاء العيّ السؤال))  . 

وفي حديث الأعرابي الذي كان لديه إبن أجير فزنى فجاء الى رسول الله () فقال : ((إن ابني كان عسيفاعلى رجل فزنى بأمرأته فأفتديت منه بمائة شاة وخادم ثم سألت رجالاً من أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة , وتغريب عام وعلى أمرأة هذا الرجم)) .  

وعلى أية حال فالآية الكريمة , هي عامة لكل المخاطبين , وفي كل أمر لايعلم , لأن الأمر مقيد بسبب خاص وهو (عدم العلم) , فكلما وجد عدم العلم أمر الشخص بالسؤال , وأدنى الدرجات في قوله تعالى (فأسالوا) هو الجواز كما يقول الأمدي . 

وقد أعترض على الأستدلال بالآيتين الكريمتين بما يلي : 

إن الآيتين الكريمتين دلتا على وجوب إظهار الواقع وليست فيهما دلالة على وجوب التعبد بقول أهل الذكر حتى لو لم يفد القطع , فيكون المراد بالآية ((فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)) حتى تعلموا . 

ويمكن الجواب عنه((بان تقييد جواز العمل بقول أهل الذكر المستفاد من الآية بصورة حصول العلم بالواقع يدفعه الأطلاق,فان ظاهر الآية في مقام القبول فضلاً عن الملازمة العرفية بين جواز السؤال وجواز القبول,مضافا إلى أن ظاهرها بقرينة (أن كنتم لاتعلمون) أن السؤال بنفسه موجب للعلم من دون حاجة إلى ضم شيء آخر وهو أنما يكون كذلك إذا كان مجرد الجواب  حجة ولو لم يحصل العلم منه))  .

 إن في هذه الآية خصوصية لنفس السؤال , تكمن في هذا النوع من التصدي إلى الآخرين ,  ليسأل هذا فيجيب ذاك , وأن لم يعمل السائل بما يلقيه المسؤول عليه . 

ويمكن الإجابة عن ذلك : بأن هذه العملية لاتخلو من اللغوية , إذ ما الفائدة من السؤال وعدم العمل بالجواب وبما يتعقب ذلك مما تفرضه طبيعة الأجابة خصوصاً والمسؤول من أهل الذكر . 

لذا فالآية في مقام إرشاد العوام للرجوع إلى أهل الخبرة , وهم أهل الذكر من العلماء , لتعليمهم مايعود إلى أمورهم الدينية , وهو صورة أخرى من عملية التقليد , وتصريح بحجية فتوى العالم بالنسبة إلى الجاهل . 

 الأختلاف في المراد بأهل الذكر حسبما جاء في بعض التفاسير , فهل هم علماء آل البيت () أم أهل الكتاب , وهذا الأختلاف والتردد ينافي الأستدلال بالآيتين الكريمتين على مانحن فيه من الرجوع إلى العلماء لأخذ الأحكام الشرعية منهم . 

ويمكن الإجابة عن ذلك أيضاً بأن ((مقتضى الجمع بين ذلك هو حملها على بيان المصاديق لأهل الذكر , فالمراد بها مطلق أهل الذكر))  . 

وهنا لابد من الأشارة إلى أن السيد الخوئي أصر على ألحاق الآية الأولى         (النحل:43) بالآيات الكريمة التي استدل بها على المنع من التقليد لأن موردها الأصول الأعتقادية ولايتعدى من مورد السؤال إلى الأحكام الفرعية , قال السيد الخوئي () : ((ولكن الصحيح أن الآية المباركة لايمكن الأستدلال بها على جواز التقليد وذلك لأن موردها ينافي القبول التعبدي حيث أن موردها في الأصول الأعتقادية بقرينة الآية السابقة (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) وهو رد لأستغرابهم تخصيصه سبحانه وتعالى رجلاً بالنبوة من بينهم فموردها النبوة ويعتبر فيها العلم , والمعرفة ولايكفي فيها مجرد السؤال من دون أن يحصل به الأذعان فلا مجال للأستدلال بها على قبول فتوى الفقيه تعبداً من دون أن يحصل منها العلم بالمسألة))  . 

ويمكن الأجابة عن ذلك بأن الكبرى الواردة في الآية (أهل الذكر) مطلقه , غير أنه دل الدليل من الخارج على لزوم تحصيل العلم في مورد الآية وهذا لايوجب أختصاص مضمونها بموردها , ونظير ذلك آية النبأ فأن موردها الموضوعات والمعروف بين الفقهاء فيها هو أشتراط تعدد المخبر , مع أن الآية – على فرض دلالتها – مطلقة من هذه الجهة , ولكن شرطية التعدد فيها لاتضر بالأستدلال بها , غاية الأمر يقيد أطلاقها في المورد بضم فرد آخر أليه حتى يحتج بها , والجامع بين المقامين هو إطلاق الآية ,غاية الأمر يقيد أطلاقها بالنسبة إلى المورد أما بحصول العلم واليقين أو بأنضمام فرد آخر . 

والذي يمكن أن يقال حول الأستدلال بالآية هو أنها ليست إلا أرشاداً لحكم العقل الحاكم على لزوم رجوع الجاهل إلى العالم كي يقف على وظيفته وليس مفادها أمراً آخر وراء ماحكم به العقل . 

 عورضت هذه الآيات بآية قرآنية كريمة أخرى , هي قوله تعالى ((وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)) , والقول بالتقليد قول ماليس بمعلوم , فكان منهيا عنه , وأيضاً فقد ذم الله التقليد حكاية عن قوم قالوا : ((بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ)) ومن المعلوم أن المذموم لايكون جائزاً . 

ويمكن للباحث الأجابة على ذلك : بأن الآية تحمل على ذم التقليد فيما يطلب فيه العلم , وهي العقائد جمعاً بينها وبين الآيتين الكريمتين السابقتين , فينحل التعارض .

ثانياً : عموم قوله تعالى ((فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)) . 

فأن هذا العموم يشمل الأنذار بالفتوى ويقتضي ذلك الحذر من عدم قبولها , بمعنى أن الآية ألزمت النفر , والخروج على البعض من كل فرقة حسبما تقتضيه لولا التحضيضيّة , وأما الغاية من النفر , فسياق الآية يعطي أنه لأجل التفقه في الدين , ولكن هذه الآية لم تبق وحدها , بل عطف عليها لزوم الأنذار من النافرين , فأن التفقه وإن كان غاية للنفر , إلا أنه لافائدة فيه إذا لم تكتمل هذه الغاية وهي تقديم النافرين ماأكتسبوه من الفقه الى قومهم .  

وقد أورد عليها عدة اعتراضات نوجزها بالآتي : 

أن المراد بهذه الآية الأنذار بنحو الرواية لا الفتوى , ويمكن الأجابة عن ذلك بأن ظاهر الأنذار بما تفقه فيه هو الأنذار بالفتوى لا في الرواية , كيف وظاهر الأنذار هو أن الشخص لاينذر إلا بما هو معتقده ورأيه .      

أن المراد بالنفر الواجب الوارد في الآية إنما هو النفر الى الجهاد بقرينة قوله تعالى قبلها : ((وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً)) . 

فيكون المراد بالتفقه هو التبصر بمشاهدة آيات الله الواضحة في غلبة أوليائه على أعدائه مما يوجب قوة الأيمان وتأكيد اليقين والبصيرة لهم في الدين , والمراد بالأنذار هو الأخبار بما شاهدوه لقومهم المتخلفين إذا رجعوا أليهم والمراد بحذرهم هو الحذر من مخالفة الدين , فأن ذلك هو الذي يحصل بالنفر للجهاد فالآية أجنبية عن التقليد . 

ويجيب الباحث عن ذلك بأنه تكلف بعيد جداً ,فأن سوق الآية في آيات الجهاد بل وحتى ظهور النفر فيها في النفر للجهاد لاينافي ظهورها في وجوب التفقه في معرفة أحكام الدين , فأن الله تعالى يطلب منهم أن ينفروا للجهاد مع رسول الله () ليصاحبوه حتى يتعلّموا منه الأحكام الشرعية , فتكون الآية على تقدير ظهور النفر فيها للجهاد قد اشتملت على بيان فائدة للجهاد , وهو تعلّم أحكام الدين في أثناء القيام بهذه المهمة , ويرشدنا إلى أرادة التفقه في معرفة أحكام الدين من الآية رواية الفضل بن شاذان في علله عن الرضا (C) قال : ((أنما أمروا بالحج لعلة الوفادة إلى الله وطلب الزيارة ... إلى أن قال : ونقل أخبار الأئمة إلى كل صفح وناحية كما قال عز وجل : (وَلَوْلاَ نَفَرَ ...) )) , علما بأن هذا المعنى  البعيد قد أشار أليه العلامة الطباطبائي في الميزان في تفسيره لهذه الآية وأشار الى أنه بعيد عن السياق . 

 وأشكل أيضاً على الأستدلال بالآية الكريمة بان اللازم على النافرين الإنذار والتبليغ كما أمرتهم الآية الكريمة , أما مايتعقب ذلك من تكليف المنذرين (بالفتح) بحيث يسمعوا ولهم أن لايعملوا بما أنذروا,أو لابد من العمل على وفق ماانذروا به ؟ فهذا مالم يتضح من   الآية الكريمة .

وللإجابة عنه نقول : أولاً : أن يكلف أحدهم بالنفر والأنذار , وفي الوقت نفسه لايرتب الطرف المقابل الأثر على أنذاره إذ مجرد الحذر من دون العمل أمر لامعنى له , بل هو من اللغو المحض . 

وثانياً : أن قول المشكل (ولهم أن لايعملوا بما أنذروا) أن أريد به أنهم لايطلب منهم التحذر فهذا خلاف قوله تعالى ((لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)) . 

وإن أريد منه أن الحذر مطلوب منهم , ولكن العمل غير مطلوب فهذا غير معقول لأن الحذر لايكون ألا نتيجة أحتمال العقاب والمسؤولية , وهذا لايكون ألاّ نتيجة حجية أنذار المنذرين ومع الحجية يتم المطلوب . 

 إشكال الشيخ جعفر السبحاني حول الاستدلال بالآية الكريمة ومفاده : أن الظاهر من الآية هو الإنذار بالمعنى المطابقي , وهذا شأن الواعظ والخطيب اللذين ينذران الناس بما أوعد الله في كتابه العصاة والطغاة بالنار والعذاب المهين , ويتلوان عليهم مثلا قوله تعالى ((إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً)) أو قوله تعالى ((وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)) , وأما مايقوم به الفقيه فليس إلا بيان الأحكام من الواجبات والمحرمات والمستحبات والمكروهات وليس في بيانه لهذه أي أنذار إلا بالدلالة الألتزامية وهو غير منصرف في الآية الكريمة . 

ويجيب الباحث على ذلك بأن الأخذ بالدلالة المطابقية دون الألتزامية من ظاهر الآية    الكريمة فيه أهمال واضح , فهناك حالة من التناسب بين التفقه في الدين وبين الإنذار , فإذا كان التفقه في الدين مطلق ليشمل مسائل الحلال والحرام فكذلك المناسب من الإنذار أن يعم هذا المورد أيضاً , يقول العلامة الطباطبائي () ((أن االمراد بالتفقه تفهم جميع المعارف الدينية من أصول وفروع , لاخصوص الأحكام العملية , وهو الفقه المصطلح عليه عند المتشرعة , والدليل عليه قوله : (وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ) فأن ذلك أمراً أنما يتم بالتفقه في جميع الدين وهو ظاهر))  . والله العالم . 

وعلى الأجمال فأن الآية دالة على حجية الفتوى , وجواز التقليد مما لا أشكال فيه , ولايعارضها شيء من الآيات المباركة , لان الأجتهاد ملكة لاتحصل إلا لنفر قليل من الناس , فإذا كلف بها جميع الناس , كان تكليفاً بما لايطاق , وهو ممنوع شرعاً  لقوله تعالى ((لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا))  . 

أشكل المحقق الأصفهاني على الأستدلال بهذه الآية : بأن ((التفقه , أن كان موقوفاً على أعمال النظر , كانت الآية دالة على حجية الفتوى , وأن لم يكن كذلك , بل كان مجرد العلم بالحكم بالسماع من المعصوم (C) تفقها , فلا دلالة لها على حجية الفتوى , بل على حجية خبر الفقيه , والأنذار بحكاية ماسمعوه من الأمام (C) من بيان ترتب العقاب على شيء فعلاً أو تركاً مما لاريب فيه , بل كان في الصدر الأول الأفتاء والقضاء بنقل الخبر))  . 



واجاب الشيخ شمس الدين على ذلك بوجهين : 

الأول : أن أطلاق الآية في الزمان يقتضي شمول الحكم فيها لجميع الأزمان , ومنها الأزمنة التي يتوقف فيها التفقه على إعمال النظر , ويكون الأنذار فيها بما يؤدي     أليه النظر . 

ولايمكن القول بأختصاص الحكم في الآية بالزمان الذي كان التفقه فيه يحصل بتحمل الرواية والأنذار بأدائها , فأن من المعلوم أن الآية جارية في قضية تحصيل المعرفة وتبليغها على سير العقلاء في هذه القضية على حسب مايقتضيه الحال في كل عصر وجيل , وألا يلزم القول بأن الآية لاتتضمن خطاباً عاماً للبشر أو خصوص المسلمين في جميع الأزمان ,  بل هي خاصة بزمان نزولها وماقاربه وهذا ما لايلتزم       به أحد . 

الثاني : أن التفقه في الآية ليس مجرد الحفظ والتذكر , بل هو الفهم والوعي وإلا فيمكن أن يكون أنسانٌ حافظٌ للروايات غير فقيه فيها . ولاشك في أن فقهاء عصر نزول الآية وعصر الأئمة(C) لم يكونوا مجرد نقلة للروايات , بل كانوا أهل فقه لها , يعملون نظرهم فيها بتشخيص المصاديق الخارجية من أسئلة السائلين وتطبيق الكليات عليها , وهذا يقتضي تخصيص العام وتقييد المطلق ومعالجة التعارض , كما تدل على ذلك أسئلة بعض الرواة للمعصوم (C) . نعم كان التفقه أيسر منالاً مما هو في العصور المتأخرة , ولكن هذا ليس فارقاً كما لايخفى فالحق : أن الآية المباركة دالة على حجية الرواية والفتوى ولعلها على حجية الفتوى أدلّ .  

(2) (الإخبار) :    

وهي  الأخبار الدالة على جواز التقليد  صراحةً أو فحوى,وقد أستدل بها الإمامية    والحنابلة . 

أما أستدلال الحنابلة فكان بالخبر الوارد عن النبي () في شأن جابر , الذي أصابته الشجة وهو جنب , فسأل أصحابه : هل تجدون لي رخصة ؟ فقالوا : لانجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء , فأغتسل فمات , فقال النبي () ((قتلوه قاتلهم الله , أو قتلهم , ألا سألوا إذا لم يعلموا, إنما شفاء العيّ السؤال)) رواه أبو داود . وجوه الأستدلال هنا واضحُ بحث النبي () على السؤال عند العي , أي (الجهل) .   

أما أستدلال الإمامية فكان بعدة أخبار يمكن تقسيمها إلى طوائف : 

الطائفة الأولى : 

       وقد ورد فيها لفظ التقليد بهذه المادة وذلك في التفسير المنسوب الى الأمام العسكري (C) في قوله ((فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً لهواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلّدوه))  . 

قال المحقق الأصفهاني في أشارته لهذه الرواية ((ومنه تعرف مافي الأستدلال بقوله (C) (فللعوام أن يقلدوه) فأن قبول أخبار الغير من غير دليل على المخبر به يصدق عليه التقليد عرفاً , كما يدل عليه مورد هذا الخبر , فراجع)) . 

وقد أشكل على الرواية كما بينا سابقاً بأن التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري (C) لم يثبت تواتره عنه (C) ولانقله عنه على وجه يعتمد عليه لوجود أشخاص مجهولين في طريقة , كمحمد بن القاسم الآستر آبادي , ويوسف بن محمد بن زياد , وعلي بن محمد          بن سيار . 

كما وأحتمل حملها على التقية , وقيل أيضاً : أنها معارضة بمتواتر قطعي السند , لكن الشيخ علي كاشف الغطاء رد على هذا الضعف وهذه الأشكالات بأمور يراها الباحث تصحح صدور الرواية , يقول الشيخ كاشف الغطاء ((وفيه : أن ضعف سندها مجبور بمصير معظم الأصحاب إلى جواز التقليد وأستنادهم أليها , وأما أحتمال الحمل على التقية فمدفوع بالأصل , ولولا الأصل لأرتفع الوثوق بأكثر الأخبار , وأما دعوى كونها معارضة بالمتواتر فممنوعه , فأن المقطوع به عدم التواتر في منع التقليد في الفروع , إلا أن يكون المراد به العمومات المانعه من التقليد أو العمل بغير العلم وهي لاتصلح للمعارضة , لأن الرواية أخص منها))  . 

ويرى الباحث هنا أن التفسير المنسوب للإمام العسكري (C) والروايات الواردة فيه يجب أن تعامل معاملة الروايات في المصادر الحديثية الإمامية المعتمدة وأن تخضع إلى الدراسة والتمحيص,لا إن ترفض جملة وتفصيلاً بحجة ضعف السند بالأرسال,ففي متن هذه الرواية مايشير الى أنها صدرت من المعصوم(C),فالإمام أشار فيها إلى الفرق بين عوام اليهود وعوام المسلمين , لأن عوام اليهود قد قلّدوا علماءهم وهم يعرفون أنهم ظالمون وكاذبون ومتعصبون ويقربون المحرمات , لذلك ذمهم الله بالتقليد لفسق فقهائهم,والحال نفسه يجري على عوامنا لو قلدوا من ركب الفواحش والقبائح , أما لو قلدوا من كان حافظاً لنفسه ودينه مخالفاً لهواه ,فأن الأمر مختلف طبعاً وهذه الصفات التي ذكرها في الفقيه لاتكون طبعاً إلا في بعض فقهاء الإمامية لاجميعهم,وهنا أشارة واضحة إلى شرط العدالة التي يشترطها الفقهاء في المجتهد الذي يجوز تقليده,فلو كانت هذه الرواية موضوعة لما كانت بهذا الشكل ولما تحدثت عن أمور دقيقة ومهمة في موضوعة التقليد تحتاجها الأمة فيما بعد,وعليه يرى الباحث أن هذه الرواية معتبرة بل وصادرة من المعصوم (C) وهي تدل دلالة واضحة على مسألة (التقليد) مورد البحث والله العالم . 

الطائفة الثانية : 

والتي فيها مادل على إرجاع الإئمة شيعتهم لرواة حديثهم وأصحابهم أمثال أبي بصير وزكريا بن آدم وزرارة بن أعين ومحمد بن مسلم وآبان بن تغلب ويونس بن عبد الرحمن  وأمثالهم من ثقات أصحابهم , ومن تلك الروايات , ما عن أسحق بن يعقوب قال : سألت محمد بن عثمان العمري أن يوصل لي كتاباً .... فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان (عج): ((وأما الحوادث الواقعة فأرجعوا فيها إلى رواة حديثنا)).والرواية المنقولة عن الفيض المختار أنه قال ((إذا أردت حديثنا فعليك بهذا الجالس وأومأ الى رجل فسألت أصحابنا فقالوا زرارة بن أعين))  . 

وماعن الكافي عن أحمد بن أسحاق قال : ((سألت أبا الحسن (C) وقلت له : من أعامل أو عمن آخذ وقول من أقبل ؟ فقال (C) له : العمري ثقة فيما أدى أليك عني))  . 

ويبدو للباحث أن الرواية الثانية والثالثة ظاهرة في حجة الرواية لا الفتوى مما يضعف الأحتجاج بها . أما الرواية الأولى فهي مورد الأستدلال : 

البحث السندي والدلالي : أسحاق بن يعقوب : ذكر السيد الخوئي أنه روى عن محمد بن عثمان العمري () , وروى عن محمد بن يعقوب الكليني ولم يرد في حقه توثيق أو تضعيف حسب أستقراء الباحث . 

محمد بن عثمان العمري : يكنى أبا جعفر , وكيل من جهة صاحب الزمان (عج) , له منزلة جليلة عند الطائفة , ثقة . ومن حيث الدلالة : 

فإن ظاهر هذه الرواية الشريفة يدل بشكل لا لبس فيه على موضوعة التقليد لأن الحوادث الواقعه الواردة فيها ماهي إلا الحوادث المستجدة طبقاً لمرور الزمن , و ابتلاء الناس بأمور لم تكن معهودة وموجودة على عهد المشرع الأعظم ولا على عهد الأئمة () ليقولوا كلمتهم فيها .

وحيث لم تكن مسبوقة فلابد من الرجوع فيها الى المجتهد ليفتي فيها بعد إعمال النظر وأستنباط الحكم الشرعي من وراء ذلك . 

وهذا القول وأن لم يكن صريحاً في بيان عملية التقليد ولكنه لايتعداها الى شيء آخر وهذا الأرجاع من الإمام هو صورة واضحة لبيان عملية التقليد وضرورة الأخذ بها من قبل من أبتلوا بالحوادث الواقعة . 

ويرى الشيخ الأنصاري () أن الحوادث الواقعة هي ليست الأمور المستحدثة المستجدة بل هو مايقع بين الناس من منازعات وخصومات وحينئذ يرجع بها إلى رواة حديثهم لحل تلك الخصومات لأن الإمام (C) لايرضى لشيعته أن يتفككوا أو يتخاصموا,يقول الشيخ الأنصاري : 

((فأن المراد من الحوادث الواقعة ظاهراً مطلق الأمور التي لابد من الرجوع فيها عرفاً أو عقلاً أو شرعاً إلى الرئيس مثل النظر في أمور القاصرين لغيبة أو موت أو سفه , وأما تخصيصها بخصوص المسائل الشرعية  فبعيد من وجوه)),وذكر  ثلاثة وجوه تؤيد وجهة نظره . 

والجواب على هذا الأشكال بأن لفظ الحوادث الوارد في الرواية لايمكن أختصاصه بالمنازعات فقط , بل يشمل لكلتا الجهتين من أبتلاء الناس بأمورهم الدينية والدنيوية , وبتعبير آخر أراد الإمام بهذه الفقرة من الرواية إعطاء ضابطة كلية مفادها أن المرجع في جميع  شؤون المكلفين دينية ودنيوية هو من كان من رواة حديثهم , ومن الطبيعي أن رواة حديثهم في ذلك الوقت هم النخبة المخلصة لهم , وهم أهل لتولي جميع شؤون الناس الدينية والدنيوية ولامنافاة ايضاً في تصدي المجتهد ممن كان راوياً لحديثهم () من أمثال زرارة لفض الخصومات التي تقع بين الناس وفي الوقت نفسه يكون مرجعهم في الأمور التي يكون المجتهد مرجعاً لأنها من الأحكام الفرعية ,  فيتحمل في وقت واحد مسؤوليتين:مسؤولية القضاء , ومسؤولية الأفتاء . 

وهذا هو معنى المرجعية العامة التي تناط بالفقيه الجامع للشرائط  فهو المرجع المبسوط اليد وهو الفقيه في الأحكام الشرعية . 

الطائفة الثالثة : 

الروايات الدالة بنحو القضية الكلية على مشروعية الأفتاء والتصدي له , ومثال ذلك مارواه النجاشي من قول الإمام الصادق (C) لأبان بن تغلب : ((أجلس في المدينة وأفت الناس , فأني أحب أن يرى في شيعتي مثلك))  . 

ومن قبيل رواية حمدويه وإبراهيم بن نصير عن يعقوب بن يزيد عن أبن أبي عمير عن حسين بن معاذ عن أبيه معاذ بن مسلم النحوي عن الإمام الصادق (C) قال : ((بلغني أنك تقعد في الجامع فتفتي الناس ؟ قلت : نعم وأردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج . أني اقعد في المسجد فيجيئني الرجل فيسألني عن الشيء , فإذا أخبرته بالخلاف لكم أخبرته بما يفعلون ويجيئني الرجل أعرفه بمودتكم وحبكم فأخبره بما جاء عنكم ويجيئني الرجل لا أعرفه ولا أدري من , فأقول : جاء عن فلان كذا , وجاء عن فلان كذا , فأدخل قولكم فيما بين ذلك , فقال لي : أصنع كذا , فأني كذا أصنع))  . 

البحث السندي والدلالي : 

حمدويه : إبن نصر بن شاهي , يكنى أبا الحسن , عديم النظير في زمانه , كثير العلم والرواية , ثقةٌ , حسن المذهب .  

إبراهيم بن نصير الكشي , ثقة مأمون , كثير الرواية . 

يعقوب بن يزيد : الكاتب , ثقة . 

أبن أبي عمير : محمد بن أبي عمير . 

حسين بن معاذ : بن مسلم الأنصاري الهراء , الكوفي , من أصحاب الإمام الصادق .

معاذ بن مسلم النحوي : من أصحاب الإمام محمد بن علي بن الحسين . 

ومن حيث الدلالة فإن هاتين الروايتين تشيران صراحة إلى جواز الأفتاء , بل رجحان التعرض له من أهله , وهذا يلازم جواز العمل بالفتوى فيدل ذلك على حجية الفتوى من جهة, وجواز التقليد من جهة أخرى . 

وهنا نشير إلى أعتراض المحقق الأصفهاني () على مادة الفتوى في لسان الشرع بأنها غير متقوّمة بالرأي والنظر المخصوص بالمجتهد كما في قوله تعالى : ((يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ)) , وقوله عليه السلام ((إذا أفتيتك بشيء))  , بل لاتختص بالأحكام كما في قوله تعالى ((فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً)) , وقوله تعالى ((وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَداً)) , فالأفتاء  ليس إلا أعطاء معلومة – حكماً كان أو غيره – فيصح أطلاقه على الأخبار بالحكم حقيقةً , لامن حيث شيوع الأفتاء بنقل الخبر في الصدر الأول كما قيل . 

ويرى الباحث أن هذا الأعتراض صحيح , لكن الأفتاء يشمل من مصاديقه الحكم الشرعي الفرعي وربما خصصه الأئمة بأنه الدال على ذلك وبالتالي فأنها دالة على حجية الفتوى وجواز التقليد والله العالم . 

الطائفة الرابعة :     

الروايات التي ورد فيها النهي والزجر عن الأفتاء بغير علم .. من قبيل مارواه الشيخ الكليني عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن أبن محبوب عن أبن رئاب عن أبي عبيدة قال ((قال أبو جعفر (C) : من أفتى الناس بغير علم ولاهدى من الله لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب , ولحقهُ وزر من عمل بفتياه))  .

البحث السندي والدلالي :     

محمد بن يحيى : شيخ الكليني 

احمد بن محمد : بن عيسى الأشعري القمي : ثقة له كتب , ذكره الشيخ في رجاله في أصحاب الرضا (C) , وعدّه من أصحاب الجواد (C) ومن أصحاب الهادي (C) . 

أبن محبوب . 

أبن رئاب : علي بن رئاب الكوفي , ذكر الشيخ بأن له أصلاً كبيراً , وهو ثقة جليل القدر وعده في رجاله من أصحاب الصادق , وذكر ذلك أيضاً البرقي . 

أبو عبيدة : زياد بن عيسى أبي عبيدة الحذاء , مولى كوفي وثّقه النجاشي , وعده الشيخ في رجاله من أصحاب الباقر والصادق ()  . 

وأما من حيث الدلالة فأن هذه الرواية والروايات التي تشير إلى نفس المعنى دالة بالمفهوم والملازمة على جواز الأفتاء عن علم , وهذا يدل أيضاً على حجية الفتوى , وعلى جواز أتباع الجاهل لها في مقام العمل .   

الطائفة الخامسة : 

الروايات التي ورد فيها النهي عن أتباع الطرق غير المعتبرة شرعاً  في أستنباط الأحكام . من قبيل الرأي غير المستند إلى حجة , والقياس والأستحسان , وما إلى ذلك مما لم تثبت حجيته من قبل الشارع , وهي كثيرة جداً ذكرها الحر العاملي في وسائله . 

فأنها تدل بشكل لالبس فيه على جواز أعمال النظر والأستنباط من الأدلة الشرعية التي ثبتت حجيتها عند الشارع , وتدل على حجية الفتوى المستنبطة , وتدل بالملازمة على جواز العمل بالفتوى وتقليد المجتهد فيها . 

الطائفة السادسة : الروايات الدالة على أمضاء عمل الناس برأي الغير وتقريرهم عليه . 

ومثال ذلك رواية إبراهيم بن هاشم عن الإمام الصادق (C) ورواية حمران بن أعين عن الإمام الباقر (C) , في مدة نفاس المرأة , والأفتاء فيه بثمانية عشر يوماً . 

فأن ظاهر الروايتين أقرار وأمضاء أصل التقليد وتصحيح الخطأ في الفتوى , حيث أنهما () لم ينكرا على المرأتين تقليدهما لمن أفتاهما . 

ومثل ذلك أيضاً خبر علي بن أسباط , قال : ((قلت للرضا (C) : يحدث الأمر لا أجد بدّاً من معرفته , وليس في البلد الذي أنا فيه أحد أستفتيه من  مواليك ؟ فقال (C) : إئت فقيه البلد فأستفته عن أمرك , فإذا أفتاك بشيء فخذ بخلافه , فأن الحق فيه))  . 

وهذه الرواية  ظاهرة في جريان سيرة المسلمين على الافتاء والأستفتاء لكن الرواية المتقدمة غير صالحة للأستدلال لأن في سلسلة السند ((أحمد بن محمد السياري)) وهو ضعيف فاسد المذهب كما ذكر النجاشي والشيخ , وذكره أبن الغضائري  بكنية ابي عبدالله القمي المعروف بالسيّاري , ضعيف متهالك غال محرّف , أستثنى شيوخ القميين روايته من كتاب نوادر الحكمه والرواية ضعيفة لأن النتيجة تتبع أخسّ المقدمات .  

تعقيب وإشكال : 

من خلال ماتقدم يرى الباحث أن الأستدلال بالسنة يعد أستدلالاً مهماً في جواز التقليد ومشروعيته , وخصوصاً الأخبار في الطوائف الاولى والثانية والثالثة , لكن الشيخ الأصفهاني () أشكل على الأستدلال بالسنة بالكامل , حيث يرى أنها لاتدل على حجية الفتوى بل على حجية خبر الفقيه , وهو نفس الأشكال الذي أشكله على آية النفر . 

وللإجابة على هذا الأشكال نقول بأنه نفس الجواب على الأشكال الوارد في آية النفر , ونضيف هنا أيضاً رأي العلامة شمس الدين في المسألة ((أن فيما ورد من الروايات في شأن رجوع السائلين الى فقهاء رواة الحديث مايشهد لكون مرجعية هؤلاء الفقهاء الرواة ليست في مجرد نقل الرواية , بل تشمل فقه الروايات وأستنباط الحكم الشرعي منها , من قبيل ماجرى بين محمد بن مسلم الطائفي (ت 150) من فقهاء أصحاب الباقر والصادق () – مع محمد بن عبد الرحمن الأنصاري – أبن أبي ليلى (ت248هـ))  . 

ويتحصل مما تقدم : أن التقليد في الشرعيات مشروع , وأن فتوى المجتهد حجة في حق الجاهل بالأحكام الشرعية , بدلالة العقل وسيرة العقلاء الممضاة من الشارع والكتاب والسنة . 

(3) الأجماع :   

وقد نقل الأجماع على جوازه عن جماعة من العلماء منهم السيد المرتضى () في الذريعة , والشيخ الطوسي  في العدة , والمحقق الحلي في المعارج , وفخر المحققين في الأيضاح , والشهيد الأول في الذكرى كما ذكر الأكثرون من علماء الأمة أن الأجماع قام على جواز رجوع العامي إلى المجتهد , والظاهر منهم أنه أجماع سكوتي , حصل من عدم وجود أنكار لما اعتاده العوام من الرجوع إلى المفتين . 

وأما مخالفة فقهاء حلب والأخباريين وأيجابهم للأجتهاد فقد أجيب عن ذلك بأن خلافهم لايضر لأستفاضة نقل الأجماع ولأن خلافهم مسبوق بالأجماع على الجواز وملحوق به .

(4) العقل :  

وهناك ثلاث صياغات لدليل العقل نذكرها على وجه الأختصار : 

الصياغة الأولى : العلم القطعي اليقيني للعوام بجواز رجوع الجاهل بشيء لمن يعلم بذلك الشيء , وهذا العلم قد حصل لهم بفطرتهم وجبلتهم ومرتكز في قرار نفوسهم لا من مقدمات علمية , بل خلقه الله لهم في نفوسهم نظير علمهم بأن الأحسان حسن والظلم قبيح . 

والعلم القطعي حجة بنفسه لايحتاج إلى أمضاء الشارع , فلو لم تكن هذه القضية أرتكازية في النفوس بصرف طباعها لما أمكن لهم حصول العلم بجواز التقليد . فالفرض أنهم عوام لايقدرون على الأجتهاد,ولايعرفون شيئاً من الأدلة ولايحسنون شرائط الأستنتاج منها .

الصياغة الثانية :   

وقد ذكرها أغلب العلماء , وهي : أنه لو وجب على العامي النظر في أدلة الفقه , لزم الضرر بأمر المعاش المضطر إليه , بل إختلال النظام , وأنقطاع الحرث والنسل , فلابد له من تقليد المجتهد في أحراز أمتثال التكاليف الألزامية الشرعية . 

الصياغة الثالثة :  

أنفرد بها بعض الأمامية , وأسموه دليل الأنسداد , وحاصله : أن التقليد إذا لم يكن جائزاً يلزم سد باب العلم على العامي , لعجزه غالباً عن أستنباط الأحكام الشرعية . 

ومعنى ذلك أن الأنسان عندما يراجع نفسه ويحكم عقله تحصل لديه القناعة التامة بأشتراكه في المسؤولية مع غيره من المكلفين , ويراد من المسؤولية هنا المسؤولية الشرعية التي يكون التساهل بها مستوجباً لأستحقاق الذم والعقاب , فينبغي عليه الخروج عن عهدة هذه المسؤولية وهو العلم , فيجب تحصيله . وهناك طريقان لتحصيل العلم : 

الأول : السماع من المعصوم , وهذا الأمر محال إذ لايتمكن الأنسان المعاصر وكل الذين وجدوا بعد عصر غيبة الأمام (C) من لقائه . 

الثاني : الخبر المتواتر , وهذا لايغطي جميع مساحات التكاليف المعلومة , وأنما يثبت مجموعة صغيرة منها , فينبغي الفحص عن طريق آخر يتمكن المكلف من تحصيله للخروج عن عهدة التكاليف الثابتة في ذمته . 

والطرق الأخرى التي يقترحها العقل مع وجود الحاجة هي الأجتهاد والأحتياط والتقليد , وحيث أن الأجتهاد يتوقف على وجود عنصرين مهمين هما : 

العنصر المعنوي : وهو أمتلاك الأنسان لقابلية متفوقة تمكنه من الوصول إلى تحصيل       هذه الملكه . 

والعنصر المادي : والمقصود به تلك الظروف الأجتماعية المساعدة التي تمكنه من تفعيل هذه الملكة , وقلما يتحقق ويجتمع هذان العنصران للمكلفين , فلا يمكن طرح الأجتهاد كبديل عن العلم , لعدم تمكن كل مكلف من أن يكون مجتهداً , هذا مع أن المجتهد أيضاً قبل أجتهاده لابد وأن يمر بفترة من التقليد , إذ أن الواجدين لهذه الملكه قبل الوصول إلى مرحلة البلوغ نوادر بحسب ماينقله التاريخ قبل الوصول إلى مرحلة البلوغ.فلا يمكن إذن طرح الأجتهاد بديلاً عن العلم لعدم عموميته . 

 كما أن الأحتياط وهو البديل الثاني أيضاً يواجه مشكلتين هما : 

المشكلة العقلية : وهي مشكلة أختلال النظام والمشكلة الشرعية : وهي مشكلة العسر والحرج . 

وبالأضافة إلى ذلك فأن معرفة موارد الأحتياط – كما قلنا – مشكل لايتمكن منه كل أنسان , فلا يمكن الأكتفاء بالبديل الثاني , فيصل الطريق إلى البديل الثالث وهو التقليد , فيستكشف العقل بالمقدمة المتقدمة حجية التقليد بحكم الشرع , وأن الشارع فتح طريقاً بديلاً عن العلم في الظروف التي لايتمكن الأنسان من تحصيل العلم فيها وهو طريق التقليد . 

وهذا الدليل وإن كان حسناً لكنه لايثبت حجية التقليد لكل أحد , لأن العقل يحث الأنسان على طلب العلم أولاً , ومع عدم تمكنه من طلب العلم يحثه على الطلب الأستدلالي والبرهاني للحكم الشرعي المتحقق بالأجتهاد , فيطالبه بعدم الأكتفاء بالقبول التقليدي للقول , إذا كان متمكناً من تحصيل الأجتهاد من طريق ادلته التفصيلية ,فإذا لم يكن متمكناً من الأجتهاد إما لفقدان العنصر المعنوي أو العنصر المادي , فهنا يحكم عليه بحجية التقليد . 

أضف الى ذلك عدم علم أغلب العوام البسطاء ببعض المقدمات إذ ((لايعلم أغلب العوام البسطاء بأن الأجتهاد أو الأحتياط فيه عسر عليهم ولايعلمون أن العسر منفي في الشريعة بحيث يوجب رفع التكليف , ولايعرفون الأجتهاد الصحيح عن غيره , ولو سلمنا علمهم بتلك المقدمات فهي لاتوجب علمهم بجواز التقليد والرجوع إلى العالم , وعدم الرجوع إلى ظنونهم المخالفة لقول العالم فأنها أقرب في نظر الظان إلى الواقع أو إلى طرق أخرى غير التقليد وعليه فيجوز للمجتهد أن يفتي بجواز التقليد للعامي لوجود العلم القطعي للعامي بذلك))  . 

والحاصل : أن هذه الصياغة لاتثبت لنا حجية جواز التقليد على نحو الموجبة الكلية , وأنما تثبته على نحو الموجبة الجزئية , و ذلك لغير المجتهد فعلاً ولغير المتمكن من تحصيل الأجتهاد . 

فتبقى لنا الصياغتان الأولى والثانية هما المترجحتان لدى الباحث في أثبات جواز التقليد , والله العالم .        

(5) بديهيّة جواز التقليد :

وقد ذكر ذلك المحقق الآخوند الخراساني بقوله ((إنّ جواز التقليد في الجملة يكون بديهياً جبلّياً فطرياً لايحتاج الى دليل , وإلا لزم سد باب العلم على العامي مطلقاً غالباً , لعجزه عن معرفة مادل عليه كتاباً أو سنة , ولايجوز التقليد فيه أيضاً , وإلا لدار أو تسلسل , بل هذه هي العمدة في أدلته))  . 

وفي كلام المحقق عدة أمور منها :

أن البديهية في أصطلاح المناطقة يقابل الكسبية النظرية , والمراد منه : القضايا الحاضرة عند العقل , وهي حصول اليقينات المحصورة في ستة أنواع بحكم العقل – الأوليات , المشاهدات , التجريبيات , المتواترات , الحدسيات , النظريات .. ولذا فدعوى البديهية هنا غير تام , فأنه لو كان جواز التقليد في الأحكام الشرعية أمراً بديهياً , لم يختلف فيه أثنان , والحال أنه قد وقع فيه الأختلاف , فقد حكي عن الشهيد الأول وهو من الأمامية أيضاً أنه قال : ((خالف بعض قدماء الأمامية , وفقهاء حلب , فأوجبوا على العوام الأستدلال , وأكتفوا فيه بمعرفة الأجماع الحاصل من مناقشة العلماء عند الحاجة إلى الوقائع , إذ النصوص الظاهرة , أو أن الأصل في المنافع الأباحة وفي المضار الحرمة , مع فقد نص قاطع في متنه ودلالته والنصوص محصورة))  . 

أما صاحب الفصول وهو من الأمامية أيضاً فقد قال ((ربما خالف في ذلك شرذمة شاذه فحرموه وأوجبوا على العامي الرجوع إلى  عارف عدل يذكر له مدارك الحكم من الكتاب والسنة , فأن ساعدته لغته على معرفة مدلولها وإلا ترجم لها معانيها بالمرادف من لغته . وأن كانت الأدلة متعارضة ذكر له المتعارضين ونبهه على طريق الجمع ومع تعذر الجمع يذكر أخبار العلاج ولو أحتاج إلى معرفة الراوي ذكر له حاله وبشاعة هذا القول وفساده بالنسبة إلى أمثال زماننا من يستغني لوضوحه عن البيان)) .

ب- وبخصوص كونه حكماً جلياً فطرياً , فأن مصطلح الفطرية هي من أقسام اليقينيات , وعرفت بالقضايا التي قياساتها معها , أي لايصدق العقل بها بمجرد تصور طرفيها كالأوليات , فلابد لها من وسط , إلا أن هذا الوسط ليس غائباً عن الذهن . 

أما مصطلح الجبلّية فالمراد منه : الأمور التي تتشوق أليها النفس , لإستيجابها كمال ذاتها أو كمال قواها . وإذا أفترضنا أمكان الجمع بين مصطلح الفطرية والبديهية ,  فيكون عطف الفطرية على البديهية من قبيل عطف الخاص على العام , وهذا مايقع كثيراً في ألسنة العلماء لكن الجمع بين الفطرية والجبلية يستوجب الخلط بين أصطلاحين كل واحد منهما مغاير للآخر بحسب التفسيرين المتقدمين لهما . 

ثم أن الحكم الفطري هو الذي ينشأ من الغريزة , وجواز التقليد في الأحكام لم ينشأ من الغريزة ولامن مقتضياتها , نعم يمكن أن يقال : أن الأصل يعني – أصل رجوع الجاهل إلى العالم – فطري – فأن حب البحث عن المجهول من فطريات الأنسان , فيكون الأرتكاز على دليل السيرة العقلائية . الذي لم يذكره المحقق وخلاصة الأعتراض أن المحقق الخراساني () مع دقته وعمقه لكنه خلط بين مصطلحات  ثلاثة مختلفة من حيث التعريف والتفسير .

ويقرب هذا الأمر نقطتان :

الأولى : ماورد في مناقشته الأجماع المدعى على جواز التقليد , فان بعض القائلين     أستدلوا على جواز التقليد بالأجماع , وناقش المحقق صاحب الكفاية () في الأستدلال بالأجماع : بأنه في الأمور الفطرية الأرتكازية , فيكون من قبيل الأجماع المدركي , لا الأجماع الكاشف عن رأي المعصوم (C) لأن المجمعين يشتركون في نقطة واحدة وهي : الفطرة المرتكزة في نفوسهم من رجوع الجاهل إلى العالم , فملاك تحقق هذا الأجماع والدليل على أجماع المجمعين هو الأمر الأرتكازي الفطري , فجمع في المناقشة بين الفطرة وبين الأرتكاز , مع أن  الأرتكاز غير الفطرة بحسب التوضيحات المتقدمة , وجمعه بين الفطرة والأرتكاز دليل على أنه يريد من الفطرة الأرتكاز , وليس مراده من الفطرة الأصطلاح المعقولي المتقدم ذكره , حتى يناقش فيما أستدل به من عدم توافقه مع مصطلح الفطرة , وتكررت منه هذه الجملة في عدة موارد , فكأن الفطرة عنده مصطلح يساوي الأرتكاز , فحينئذ إذا أراد من الأمر الفطري البديهي الجبلي بهذه القرينة نفس الأرتكاز العقلائي فيرجع إلى دليل السيرة العقلائية . 


الثانية : يمكن أن القول أن الأستدلال على جواز التقليد ببناء العقلاء هو أحسن الأدلة , والمحقق الأخوند () لم يستدل به ولايعقل أن يهمل أحسن الأدلة ومايمكن الأستدلال به على جواز التقليد , ويستدل بدليل يمكن المناقشة فيه , فالمواصفات التي ذكرها () بهذا الدليل هي نفس المواصفات المنطقية للأرتكاز العقلائي ,  فنكتشف انه أراد من الفطرية البديهية الجبلية الأرتكاز العقلائي , فيرجع بنا إلى دليل بناء العقلاء . 

ج- قوله بالدور والتسلسل : فأنه لو قيل بأن جواز التقليد في الأحكام موقوف على تقليد         العقلاء في أمورهم , وذلك لايتوقف على جواز  تقليد العامي في الأحكام الشرعية , ولو قيل بأن جواز التقليد في الأحكام الشرعية موقوف على سيرة العقلاء في أمورهم , و ذلك أيضاً لايتوقف على جواز تقليد العامي , فلا دور ولاتسلسل . 

وفيما يتعلق بجواز تقليد العامي عليه أن يتمسك بالسيرة العقلائية , لأن الأرتكاز العقلائي أنما هو رجوع العامي إلى هذا المجتهد , وأن ذلك من صغريات رجوع الجاهل إلى العالم , أو العامي إلى ذوي التخصص فيما يحيط بشؤونه الدينية وأحكامه الشرعية . 

وليس للعامي التخلف عن هذا الأرتكاز بما هو فرد من أفراد المجتمع الأنساني , وأن الصفة الدليلية والأمضاء الشرعي لهذه السيرة حاصل على عهد المشرع الأعظم , ولم يصدر ردع عن هذه السيرة من قبله , وهذا بنفسه أمضاء شرعي . 

من ناحية أخرى , أن المكلف يعلم بثبوت أحكام ألزامية في حقه , وفي الوقت نفسه يعلم كل مكلف أنه كأنسان لم يترك وشأنه , كبقية الكائنات من ناحية التكاليف الشرعية , بل أمتاز عنها بهذه التكاليف التي كلفه الشارع بها , وفي مقام أحراز أمتثال تلك التكاليف الألزامية , لابد له من أحد الأمور التالية : اليقين – الأحتياط – الأجتهاد – التقليد . 

أما طلب تكليفه الحصول على رتبة الأجتهاد فمحال , لأنه يؤدي الى أن ينقطع الحرث والنسل لو أشتغل معظم الناس بطلب العلم , وإذا أستحال هذا لم يبق إلاّ سؤال العلماء . 


 (6) السيرة العقلائية :  

سيرة العقلاء : هي عبارة عن أستمرار العقلاء بما هم عقلاء على شيء , سواءُ أنتحلوا ملةً أو ديناً أو لم ينتحلوا فيعم المسلمين وغير المسلمين , وبعدم ردع الشارع عنها , الذي يدل على الأمضاء فتكون حجة على إثبات الحكم الشرعي . 

وقد عبر عنها بعض المتأخرين من الأمامية بـ (بناء العقلاء) , أو (طريق العقلاء) ,وقد ذكر أكثر المتأخرين من الأمامية هذا الدليل,ولم تذكره بقية المذاهب الإسلامية مستقلاً وبهذا العنوان . 

وقد قامت السيرة على رجوع الجاهل إلى العالم في كل مجالات الحياة , ومنها أمور الدين وأحكامه , ولم يردع الشارع عنها , فهو دليل للأمضاء .

وللعامي أن يتمسك على جواز التقليد بالسيرة العقلائية , فأن الأرتكاز العقلائي أنما هو رجوع العامي إلى هذا المجتهد , وأن ذلك من صغريات رجوع الجاهل الى العالم , أو العامي إلى ذوي التخصص فيما يحيط بشؤونه الدينية وأحكامه الشرعية , وليس للعامي التخلف , عن هذا الأرتكاز بما هو فرد من أفراد المجتمع الأنساني , ((فأن الفرد منساق بحكم طبيعته إلى هذا النوع من الرجوع إلى من كان عالماً مادام الفرد لم يجد في نفسه مايمكنه من أستنباط الأحكام الشرعية)) . 

ومن الجدير بالذكر أن السيرة العقلائية وحدها من حيث هي ليست كافية لتكون دليلا على الحكم الشرعي ليتمسك بمقتضاه المتشرعة كدليل على ذلك الحكم مالم يكن هناك أمضاء من الشارع لتتم بذلك صفة الدليلية والإمضاء الشرعي لهذه السيرة,وعدم صدور ردع من الشارع المقدس عنها .   

قال السيد محمد تقي الحكيم في هذا الصدد ((والذي نعلمه , ونؤمن به أن مجتمع النبي () ماكان بدعاً من المجتمعات لينفرد أفراده بالأستقلال بالمعرفة التفصيلية لمختلف مايحتاجون التعرف أليه من شؤون دينهم ودنياهم , بحيث لايتفاوتون من حيث العلم والجهل ليرجع جهّالهم إلى علمائهم , ومنهم من كان يشغله الصفق في الأسواق عن تتبع المعرفة من منابعها , وإذا كانت هذه الظاهرة موجودة على عهد رسول الله () وهي موجودة حتماً  فهي ممضاة من قبله بإقرارهم عليها,ولو كان هناك تشريع على خلافها لأثر من طريق التواتر عادة وهو مالم ينقل حتى من طريق الآحاد)) . 

فالشارع المقدس لو لم يرغِّب في هذه السيرة لتصدى لها كما تصدى في موارد كثيرة , لكننا لانجد هذا التصدي بالنسبة للسيرة القائمة على رجوع الجاهل إلى العالم , بأعتبار أن ذلك من الرجوع الى ذوي التخصص في الأمور الدينية , وعليه تكون هذه السيرة ممضاة من قبل الشارع المقدس, إذ لو كانت غير مقبولة لتعلق النهي بها , وتركها المتشرعة كغيرها من الأمور المنهي عنها . 

وقد أورد على السيرة العقلائية بأن الأفتاء في الصدر الأول أنما كان بنقل الرواية بألفاظها أو بمضمونها فهي من أدلة حجية الرواية لاحجية الفتوى . 

ويرد على ذلك بأننا لو سلمنا بذلك فأن نقل الرواية منهم في مقام الأفتاء بالواقع أنما كان بأعمال الرأي والنظر في حكم المسألة والأجتهاد في أستفادته من ظاهر الرواية لابصرف نقل الرواية عن الإمام بما هي رواية , فأن صرف نقل الرواية لايوجب عمل السامع  وأنما هو  يعمل بما هو رأيه , غاية الأمر أنه قد أدّاه بلفظ الرواية . 

وقد يقال بأن الشارع قد منع السيرة ولم يمضها بالآيات والأخبار المانعة من العمل بغير العلم و بأستصحاب عدم حجية التقليد وحرمة العمل به , ويمكن الأجابة عن ذلك بأنه لو تم لسقط الأستدلال بالسيرة في جميع الموارد . والتحقيق أن مثل هذه الأمور لاتوجب عدم الأمضاء والمنع لعدم ألتفات العوام لها , فلو كان الشارع يريد منعها لنص على ذلك كما نص على القياس   .   

(7) مناقشات نفاة الدليل العقلي في التقليد :      

حاول نفاة التقليد الرد على الأدلة العقلية التي قدمها فقهاء الأمامية  للأستدلال على وجوب التقليد ,والدليل العقلي هو عمدة الأدلة على وجوب التقليد , وهذا ما أكده السيد الخوئي () في قوله : ((أن لزوم كون المكلف في جميع أفعاله وتروكه مقلداً أو محتاطاً أو مجتهداً أنما هو بحكم العقل))  . 



أ- مناقشة الدليل العقلي الأول : (حق الطاعة) 

وهو تحت عنوان (الوجوب المقدمي العقلي) , بان العقل يحكم بلزوم حق الطاعة , ويرى نفاة التقليد : أنه إذا كانت الطاعة لغير المعصوم لازمة فيلزم أحتمال طاعته في معصية الله أيضاً – لأنه فاقد العصمة - من حيث لايشعر المكلف بذلك لعظيم مقام من يطيعه في نظره طبعاً فعندما يصدر أي فقيه فتوى فهي ظن لايتردد أتباعه في طاعتها ولايعلم الأعم الأغلب من الأتباع سبب الفتوى , وهذا مانشاهده بأم أعيننا , فهل أستعلم المقلدون سبب حرمه أو حليّة مسألة ما قد أختلف الفقهاء في حرمتها وحليتها والمسائل الخلافية بين الفقهاء كثيرة جداً وقد ملئت الكتب الفقهية ؟ 

رد الباحث : يتلخص في ثلاثة محاور هي: 

أ- نحن نسلم بأن قول المجتهد لايفيد إلا الظن , والظن لايغني عن الحق شيئاً , لكن الشارع المقدس قد أرجع الجاهل إلى العالم وأعتبر قوله حجة , نعم يستطيع المعترض أن يناقش في الأدلة ويردها , فالمسألة تدور مدار ثبوت الأدلة وعدمها . 

ب- وليس هذا المورد هو الوحيد الذي جوز الشارع التعبد بالظن وأن لم يفد علماً , فالأمارات مثلاً لاتفيد إلاّ الظن لكن الشارع أعتبرها علماً تعبداً بألغاء أحتمال عدم أصابتها للواقع . 

جـ- ثم أن المجتهد يفتي فقط في الطاعة ولايفتي في المعصية,لأن المعصية لايطلق عليها أفتاء. 

ب- مناقشة الدليل العقلي الثاني : 

(العقل والفطرة ووجوب دفع الضرر) , قال الأصوليون تحت عنوان (العقل ووجوب دفع الضرر) وكذلك في (الفطرة ووجوب دفع الضرر) : أن العقل يحكم بلزوم دفع الضرر المحتمل الناتج من أهمال أمتثال الأحكام الشرعية المنجزة بالعلم الأجمالي , والمكلف العامي حسب الفرض ليس أمامه إلا التقليد للوصول إلى مايؤمنه من العقاب . 

نقول : القاعدة التي تقول (إن العقل يحكم بلزوم دفع الضرر المحتمل الناتج من أهمال أمتثال الأحكام الشرعية المنجزة بالعلم الأجمالي) صحيحة , لكن النتيجة التي أخذتموها من هذه القاعدة غير تامة , والنتيجة هي (والمكلف العامي حسب الفرض ليس أمامه إلا التقليد للوصول إلى مايؤمنه من العقاب) , فمن أين أتيتم بهذه الضابطة وهي غير مقررة أصلاً في القاعدة , فلو فرضنا ممتنعاً عندكم -  وفرض الممتنع ليس بممتنع كما يقال , أن أحداً من الناس أستطاع أن يدفع الضرر الناتج من أهمال الأمتثال للأحكام الشرعية بدون اللجوء إلى حكم التقليد بل له طريق آخر هل تضطرب القاعدة أم لا ؟؟  فإذا كان الجواب (نعم) فإن  بوجود هذا الفرض يصبح التقليد راجحاً وليس واجباً كما هو واضح خصوصاً حين نعلم بأن أغلب الفقهاء ومراجع التقليد يذهبون إلى أنه لاوجوب في التقليد في ضروريات الدين أو المذهب كبعض الواجبات والمحرمات وكثير من المستحبات والمباحات . 

رد الباحث :     

نحن لم نقل بذلك , بل هناك طريقان آخران هما الأجتهاد والأحتياط , فلو عجز المكلف عن الأجتهاد والأحتياط لوجب عليه التقليد . 

ثم أن هناك تكاليف على نحو العلم الأجمالي , وبما أن العلم الإجمالي مقتضاه التنجيز , فيجب علينا التقليد لدفع الضرر المحتمل , ولذا فالتقليد من مصاديق دفع الضرر , ثم إن قياس التقليد في الشرعيات على العقليات قياس مع الفارق , لأن مسائل الفقه متشعبة وأدلتها كثيرة بعكس العقليات التي تمتاز بسهولة أدلتها وقلتها , ثم إن الفرض في العقليات هو الأعتقاد فلا تبنى إلا على العلم , والشرعيات يجوز التعويل فيها على الظنون عند وجود الدلائل الدالة على أشتمالها على المصلحة . 

ج- مناقشة الدليل العقلي الثالث :          

         والمسمى بالوجوب المقدمي الشرعي حيث قالوا بالملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع مانصه (ماحكم به العقل حكم به الشرع) , وقد أشار السيد محمد باقر الصدر إلى قاعدة الملازمة مامضمونه :  بأن التلازم بين الحكم العقلي والحكم الشرعي المقرر في المبدأ القائل ((كل ماحكم به العقل حكم به الشرع)) فأن هذه العلاقة تقوم بين الحكم الشرعي وشيء خارج عن نطاق العالم التشريعي وهو حكم العقل . 

فينتج من مقالتهم هذه وجوب التقليد بحكم الملازمة بين مايقوله العقل ومايقوله الشرع , وهنا يجب الألتفات إلى مسألة مهمة جداً وهي أن مايحكم به العقل واقع بين عدة أمور منها الحسن والقبح العقليين , وكذلك في المصالح والمفاسد العقليه وفي حجية أدراك الموانع والمعارضات بالفعل وغيرها , وقد حكم الفقهاء في باب حجية العقل قائلين: (كل مايحسن فعله عقلاً يحسن فعله شرعاً) والعكس صحيح أيضاً طبقاً لقاعدة الملازمة أي : (كل مايكون فعله قبيح عقلاً يكون فعله قبيح شرعاً) وعلى أساس هذه القاعدة فلو ثبت أن التقليد حسن في العقل كان حسن أيضاً في الشرع , أما لو ثبت العكس أي أن يثبت قبح التقليد في العقل فيثبت وفق الملازمة قبحه في الشرع . 

رد الباحث : ويتلخص في أمرين :     

أ- نحن لم نقلد بدون دليل وأنما ثبت شرعاً جواز التقليد في الكتاب والسنة , أي أن في التقليد مقدمتين الأولى عقلية والأخرى شرعية فإذا أثبتنا المقدمة الثانية (الشرعية) فينحل الأشكال المتقدم من جهة أن القضية المنتجة العقلية التي وافق عليها مشهور علماء الأصول (كل مايكون فعله قبيح عقلاً يكون فعله قبيح شرعاً) مؤلفة من مقدمتين عقليتين والحال هنا مختلف تماماً . 

ب- إن الموضوعات الخارجية تارة يحددها الفقيه وتارة يحددها الشارع المقدس , ولكن في الاغلب اذا لم يحدد الموضوع فالعرف يحدده , والعرف يرى اليوم أن ليس كل المكلفين لهم القابلية والقدرة على معرفة الحكم الشرعي فيتبعونه لذا يجب عليهم عرفاً الرجوع إلى من يعلم تلك الأمور في الشرعيات .

د- مناقشة الدليل العقلي الرابع : (سيرة المتشرعة والعقلاء)   

أستدل جملة من الفقهاء على وجوب التقليد أعتماداً على سيرة المتشرعة وكذلك سيرة العقلاء ,وقد أعتبر السيد محمد باقر الصدر سيرة المتشرعة دليلاً بقوله : ((نعتبر سيرة المتشرعة دليلاً أستقرائياً كالأجماع والشهرة , وهي في الغالب تؤدي إلى الجزم بالبيان الشرعي ضمن شروط))  . 

أن سيرة المتشرعة والعقلاء تقضي برجوع الجاهل بالشيء إلى العالم بذلك الشيء طبعاً بحصول الأطمئنان بعلم العالم , وأنطلاقاً من سيرة المتشرعة والعقلاء جاء تعريف التقليد عند الشيخ الفياض معتمداً في تعريفه على عادة أصحاب الفنون في رجوعهم إلى ذوي الأختصاص , وأعطى لهذا الرجوع الوجوب الشرعي على المكلفين حيث قال في تعريفه للتقليد : ((التقليد هو الطريق الأكثر عملية لدى العقلاء , لأن رجوع الناس في كل فن إلى ذوي الأختصاص والخبرة بذلك الفن قد أصبح عادة لهم , وهو واجب على كل مكلف))  . 

نعم أن الرجوع في كل الفنون والأختصاصات العلمية يقتضي الرجوع الى المختصين في تلك الفنون , وهذا مما لاغبار عليه , لكن الأمر مختلف في الشريعة فلا يمكننا قياس هذه المراجعة إلى مراجعة الرجال – أي الفقهاء – لأخذ الدين من أفواههم فهذا الطريق قد جاء النهي عن سلوكه فقد جاء عن أمير المؤمنين () أنه قال : ((من أخذ دينه من أفوّاه الرجال أزالته الرجال , ومن أخذ دينه من الكتاب والسنة زالت الجبال ولم يزل)) , وهذا الخبر مروي عن الصادق () عن أمير المؤمنين ()  . 

إن مراجعة الرجال لمعرفة الدين باطلة في الشريعة , إلا مراجعة المعصوم أو من نص عليه المعصوم فلا يمكننا مراجعة من نرى فيه الأهلية وفق مقاييس عقولنا القاصرة قياساً على مراجعة الأطباء والمهندسين . 



رد الباحث :   

وهذا الأشكال ضعيف ويمكن رده بأن أخذ الفروع من المجتهدين ليس خارجاً عن الكتاب والسنة , وإنما هو من الكتاب والسنة والدليل الذي أحتجوا به هو دليل ليس فيه إطلاق , لأن المقصود بـ (الرجال) في الدليل هم أصحاب الرأي والأستحسان , ونحن لانقول به أبداً لأننا لانأخذ الفروع من أفواه الرجال الذين يستنبطون الأحكام وفق أهوائهم وميولهم من دون دليل معتبر يستندون عليه , على أن الرواية المذكورة أوردها الكليني مرسلة كما يشير إليها العاملي نفسه . 

ثم ماهو دور المجتهدين أذن ,إذا لم يقوموا بتوضيح الكتاب والسنة بمجملها ومبينها ومطلقها ومقيدها وعمومها وخصوصها , والمجتهد عالم بالأحكام الشرعية وخبير بها , وقد أمضى الشارع هذه السيرة بعدم ردعه عنها , ولايصلح للردع عنها ماورد في الكتاب والسنة من النهي عن العمل بغير العلم , لأن الرجوع إلى العالم فيما هو عالم به عمل بالعلم , والنواهي المشار إليها واردة في رجوع الجاهل إلى الجاهل , فتدل السيرة على مشروعية التقليد والأتباع , وتدل بالملازمة البينة على حجية الفتوى , إذ لامعنى لمشروعية التقليد والأتباع من  دون حجية قول الخبير المرجع . 

ولابد من الأشارة إلى أن هناك ركنين أساسيين لابد من توافرهما لتتم دليلية السيرة العقلائية والمتشرعية هما : 

الأول : أثبات معاصرتها مع زمن يكون فيه المعصوم ظاهراً يتخذ المواقف الفقهية تجاه أمثالها أثباتاً أو نفياً , والثاني : فحص الموقف الملائم الذي أقله السكوت ليرى ماهي الحدود التي يمكن أن يستكشف منها الأمضاء وكيفيته . 

والظاهر أنّ من استدل على المشروعية بالأجماع أراد به هذه السيرة الممضاة من قبل الشارع , وإلا فالأجماع التعبدي المصطلح محل تأمل وهذا هو الظاهر من كلام السيد المرتضى والعلامة الحلي .      


المبحث الثاني / الحكم التكليفي للتقليد 

توطئة 

القول الأول / التحريم مطلقاً 

القول الثاني / وجوب التقليد مطلقاً 

القول الثالث / التفصيل في المسألة (الوجوب التخييري) 



توطئة :

التقليد بأعتباره فعلاً من افعال الأنسان , لابد من أن يكون له حكم في الشريعة الإسلامية , للقاعدة المتفق عليها عند جميع المسلمين القائله ((أنّ لله في كل واقعة حكماً)) أي أن كل فعل إرادي من أفعال الأنسان له حكم في الشريعة الإسلامية . 

ومن خلال الأستقراء والتتبع لآراء علماء المذاهب الإسلامية يمكننا القطع بحصول الأتفاق عموماً بينهم,ماعدا من شذ منهم على أن مجال التقليد هو في الأحكام الفرعية دون الأصول. 

فأحكام القضايا العملية التي تثبت بطريق ظني هي المجال الذي يصح  فيه الأجتهاد والتقليد , وقد أختلف العلماء في حكم التقليد في المسائل الشرعية على أقوال , وبالأمكان حصر تلك الأقوال وإرجاعها الى ثلاثة آراء هي : 


(1) الأول : القول بالتحريم مطلقاً : إذ أوجبوا الأجتهاد على كل مكلف وجوباً عينياً , وعلى رأس هذا الأتجاه أبن حزم الأندلسي , والشوكاني , ومعتزلة بغداد وعلماء حلب من الإمامية , وأبن القيم , والأخباريون من الإمامية .    

قال أبن حزم ((لايحل لأحد أن يقلد أحداً , لاحياًُ ولاميتاً  , ومن ادعى وجوب تقليد العامي للمفتي فقد أدعى الباطل , وقال قولاً لم يأت به قط نص قرأني ولاسنة ولا أجماع ولاقياس))  . 

أما الشافعي فقد نقل عنه أنه رفض التقليد وقال : ((ثقة بما يجده من نفسه من الظن المستفاد ومن أدلة الشرع أقوى مما يستفيده من غيره,ولاسيما إن كان هو أفضل الجماعة))  . 

ومن قول الشافعي يتبين لنا أمران : 

 أن هناك مكلف قوي ومكلف ضعيف , والضعيف يجب عليه تقليد غيره , أما القوي فأنه يستطيع الأستفادة من أدلة الشرع  . 

 إذا  كان المقلد يستطيع بحث الأدلة لأنه أفضل الجماعة , يكون أوفق له وأفضل أن يأخذ من الدليل . 

وقال  أيضاً في منع التقليد ((مثل الذي يطلب العلم بلا حجة كمثل حاطب ليل , يحمل حزمة حطب وفيها أفعى تلدغه وهو لايدري))  . 

لكن الشافعي صرح بالتقليد فقال : في الضبع بعير , قلته تقليداً لعمر , وقال في مسألة بيع الحيوان بالبراءة من العيوب فقلته تقليداً لعثمان , ثم قال الشافعي في الصحابة : ((رأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا))  . 

وهنا نرى ان الشافعي قد رويت عنه اربع روايات , روايه تفضل وترجح المنع , وروايتان تمنع التقليد , وروايه تجيزه,وعند التعارض لانملك نحن سوى التوقف . 

وأما دليل أبن حزم في منع التقليد فيتكون من شقّين هما : 

 رده أدلة القائلين بالتقليد .          2- استدلالهُ بالقرآن على منع التقليد . 

        ففي الشق الأول ذكر أبن حزم : إحتج بعضهم ولم يسم أحداً منهم بقوله تعالى ((وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ)) , قالوا : أوجب الله تعالى على الناس قبول نذارة المنذر لهم ,قالوا وهذا أمر من الله تعالى بتقليد العامي للعالم , ثم رد ابن حزم على ذلك بقوله : ((وهذا لاحجة لهم فيه لأن الله تعالى لم يأمر قط بقبول ماقال المنذر مطلقاً , ولكنه يقال : أنما أمر بقبول ما أخذ ذلك النذر , في تفقههم في الدين عن النبي (ص) , وعن الله عز وجل , لا ماأخترع مخترع من عند نفسه , ولامازاد زائد في الدين من قبل رأيه , ومن تأول ذلك على الله عز وجل , وأجاز لأحد من المخلوقين أن يشرع شريعة غير منقولة عن النبي (ص) , فقد كفر وحل دمه وماله , وقد سمى الله من فعل ذلك مفترياً , قال تعالى (آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ) . 

        فأن قالوا : (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)  , قلنا صدق الله العظيم , وكذب محرف قول الله تعالى , فأن أهل الذكر هم رواة السنن عن النبي () والعلماء  بأحكام القرآن , وبرهان ذلك قوله تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) فصح أن الله تعالى انما أمرنا بسؤالهم ليخبرونا بما عندهم من القرآن والسنن , لا لأن يشرعوا لنا من الدين , مالم  يأذن به الله تعالى بآرائهم الفاسدة وظنونهم الكاذبة)) . 

ويرى الباحث أن تحديد (أهل الذكر) بـ (رواة السنن) فقط هو تكلف بعيد كما نرى إذ أن أهل الذكر مفهوم يشمل كل العلماء والمتبحرين في علوم الشريعة , يقول الشيخ ناصر مكارم الشيرازي ((لاشك أن (أهل الذكر) تشمل من الناحية اللغوية كل العلماء والمطلعين , والآية أعلاه تبين قانوناً عقلائياً تماماً في مسألة (رجوع الجاهل إلى العالم) فأن مورد ومصداق الآية وأن كان علماء أهل الكتاب , إلا أن هذا لايمنع من عمومية القانون , ولهذه العلة أستدلال علماء وفقهاء الإسلام بهذه الآية في مسألة جواز تقليد المجتهدين المسلمين))  .  

وعلى كل حال فأن التقليد في الأحكام الشرعية غير جائز لكل أحد , ولابد لكل مكلف أن يجتهد لنفسه , وبمقدار طاقته في الوصول الى الحكم الشرعي , وهذا قول الظاهرية , ومعتزلة بغداد وجماعة من الأمامية,والظاهر أنهم حصروا الاجتهاد فيمن يقتصر في استنباطه على الكتاب والسنة . وقال ابن حزم أيضاً في كتابه (النبذ الكافية في علم الأصول) : ((فالتقليد كله حرام في جميع الشرائع أولها عن أخرها من التوحيد والنبوه , والقدر , والأيمان والوعيد والإمامة والمفاضلة وجميع الأحكام والعبادات))  .  


(2) الثاني : القول بوجوب التقليد مطلقاً (الوجوب التعييني) :- 

وهذا الرأي يرى وجوب التقليد على جميع المكلفين منذ أن اغلق باب الأجتهاد في منتصف القرن الرابع الهجري , وهذا الوجوب ملازم للمنع من الأجتهاد وقد وجد بوجوده ويبقى ببقائه . 

وفيما يتعلق بوجوب التقليد مطلقاً فأن مصادر الجمهور تشير الى القائلين بالوجوب , إذ تصنفهم إلى طائفتين : 

الأولى  : تقول بوجوب التقليد على كل أحد . 

الثانية : تقول بعدم جواز التقليد . 

ففي القول الأول قال الغزالي ((وذهب بعض الحشوية والتعليمية إلى طريق معرفة الحق التقليد , وان ذلك هو الواجب وأن النظر والبحث حرام))   .

وقال الشوكاني ((وقابل مذهب القائلين بعدم الجواز  بعض الحشوية وقال : يجب مطلقا , ويحرم النظر, وهؤلاء لم يقنعوا بما هم فيه من الجهل حتى أوجبوه على أنفسهم , وعلى غيرهم , فأن التقليد جهل وليس بعلم)) . 

أما الأمامية فلم يذهب احد منهم إلى هذا القول , بأستثناء الأخباريين الذين يظهر من مذهبهم عدم جواز الأجتهاد , ولزوم أتباع المجتهد في نقل الحكم على طبق مافي الكتب  الأربعة من الأخبار . 

أما الطائفة الثانية , فأنها تقصر وجوبه على مابعد زمن الإئمة الأربعة  الذين وقع الأتفاق على تسليم أجتهادهم من قبل علماء الجمهور وجواز تقليدهم  ولم يجوزا الأجتهاد بعدهم . 

ويمنع الأمامية هذا الرأي كسابقه , إذ ذهبوا إلى القول بحرية الأجتهاد , وعدم جواز التقليد لمن تتوفر فيه شروط الأجتهاد , من غير أن يفرضوا على العوام لزوم التقليد , ولاعلى من يجد في نفسه الكفاءة أن يجتهد , أو يعرض نفسه إلى ميادين الأجتهاد . 

يقول العلامة الحلي ((وأما العلماء فيجوز لهم الأجتهاد , بأستنباط الأحكام من العمومات ,في القرآن والسنة,وترجيح الأدلة المتعارضة , أما اخذ الحكم من القياس والأستحسان فلا))    

وقال في موضع آخر في جواز التقليد في الفروع ((الثاني يجوز التقليد فيه,خلافاً لمعتزلة بغداد . قال الجبّائي : يجوز في الأجتهادية , لنا : عدم أنكار العلماء في جميع الأوقات على الأستفتاء ولأن ذلك حرج ومشقة , إذ تكليف العوام للأجتهاد في المسائل يقتضي أخلال نظام العالم , وأشتغال كل واحد منهم بالنظر في المسائل عن أمور معاشه . ولقوله تعالى : (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة) أوجب النفور على بعض الفرقة , ولو كان الأجتهاد واجباً على الأعيان , لاوجب على فرقة النفور))  . 

أما الإمام أبو حنيفة فقد جوّز التقليد , وخيّر من شاء من المجتهدين , ومعياره في ذلك أن كل واحد منهم على حق . 

وعقب عز الدين عبد السلام على قول أبي حنيفة بقوله : ((وهذا ظاهر متجه , إذا قلنا كل مجتهد مصيب))  . 

وقال القرافي في شرح المحصول ((قال إمام الحرمين : أجمع المحققون على أن العوام ليس لهم ان يتعلقوا بمذاهب الصحابة (رض) بل عليهم أن يتبعوا مذاهب الأئمة الذين سبروا ونظّروا وبوّبوا , لأن الصحابة (رض) لم يعتنوا بتهذيب المسائل والأجتهاد وأيضاح طرق النظر . 

بخلاف من بعدهم , ثم قال القرافي , ورأيت للشيخ تقي الدين بن الصلاح مامعناه أن التقليد يتعين لهذه الأئمة الأربعة دون غيرهم لأن مذاهبم انتشرت وأنبسطت حتى ظهر فيها تقييد مطلقها , وتخصيص عامها , وشروط فروعها , فإذا أطلقوا حكماً في موضع وجد مكملاً في موضع آخر  , وأما غيرهم فتنقل عنه الفتاوى مجردة , فلعل لها  مكملاً أو مقيداً أو مخصصاً , لو أنضبط كلام قائله لظهر فيصير في تقليده على غير ثقة , بخلاف هؤلاء الأربعة))  .

وذكر البرزلي أن أبن عربي سأل الغزالي عمن قلد الشافعي مثلاً , وكان مذهبه مخالفاً لأحد الخلفاء الأربعة أو غيرهم من الصحابة , فهل له أتباع الصحابة لأنهم ابعد عن الخطأ ؟! ولقوله () : ((أقتدوا بالذين من بعدي))  ؟ 

فأجاب أنه يجب عليه أن يظن بالشافعي أنه لم يخالف الصحابي الجليل إلا لدليل أقوى من مذهب الصحابي , وأن لم يظن ذلك , فقد نسب الشافعي للجهل بمقام الصحابي وهو محال . 

وهذا هو سبب ترجيح مذهب المتأخرين على المتقدمين ,مع العلم بفضلهم عليهم لكون المتقدمين سمعوا الأحاديث أحاداً وتفرقوا في البلاد , فأختلفت فتاويهم وأقضيتهم في البلاد , وربما بلغتهم الأحاديث فوقفوا عما أفتوا به وحكموا . 

وأقوال أصحاب هذا الأتجاه تحمل في ثناياها فروقاً من حيث قبول رأي المجتهد وتقليده. 

فأما أبو حنيفة : فقد جوز تقليد الإئمة لكل أنسان , ولم يشترط أئمة بعينهم , وأفترض أن كل مجتهد مصيب . وأما الشاطبي:فقد شرط التحري للمقلَّد فيمن يأخذ عنه العلم,هل هو من أهله أم لا ؟ ,وأما أمام الحرمين فيستشف من كلامه , أن من يستطيع النظر من العوام في الدليل , وتكون لديه القدرة على استخراج الأحكام,أولى له أن يأخذ بما يتوصل أليه من بحث في الدليل. 

(3) الثالث : القول بالتفصيل (الوجوب التخييري) : 

أما القول الثالث فيدور بين من تتوفر لديه شروط الأجتهاد,وبين العامي الذي لم يصل إلى هذه الدرجة,فيقال حينئذ بعدم جواز التقليد للأول,بينما يلزم الثاني به,وعليه يكون البحث في مسألتين : الأولى : المجتهد وتقليده لغيره , والثانية : العامي وتقليده للمجتهد . 

ففي الأولى : قال الشوكاني ((والمذهب الثالث : التفصيل , وهو يجب على العامي , ويحرم على المجتهد , وبهذا قال كثير من أتباع الأئمة الأربعة))  . 

ومعنى ذلك أن الكثير من علماء الجمهور ذهبوا إلى تحريم التقليد لمن تتوفر فيه الشروط المطلوبة في المجتهد .

ويتفق الأمامية مع غيرهم في هذا القول , فأن المجتهد ((إن كان عارفاً بالمسألة فلا يجوز له التقليد من غير فرق بين من عرفها بالعلم أو الظن المعتبر وذلك لعدم جريان أدلة التقليد في حقه لظهورها في الجاهل غير العالم , وحكي الإجماع على ذلك عند النهاية والتمهيد والأحكام , وأستدل على ذلك أيضاً بالعمومات المانعة من التقليد , خرج منها بعض الصور ولم يعلم خروج محل البحث عنها . وأستدل أيضاً بأصالة عدم صحة التقليد , وأستدل أيضاً بفحوى مادل على عدم جواز التقليد للمجتهد في القبله أو الوقت لغيره , وأما المجتهد المتوقف في المسألة لعدم الدليل فيها أو لتعارض الأدلة فيها فوظيفته الرجوع إلى الأصول دون التقليد لحكومة أدلة الأصول على أدلة التقليد ولقيام السيرة والأجماع على عدم جواز التقليد ولاعتقاده بخطأ المجتهد المدعي للدليل فلا يكون رجوعه رجوعاً للعالم وقلما يحتمل وجود مستند صحيح عند غيره))   . 

وخلاصة القول أن الذي عنده أهلية الأجتهاد فلا يجوز له أن يقلد , لأن له صلاحية اخذ الحكم من الدليل , فيجب عليه أن ينظر في الدليل ويستخرج الأحكام فيكون حكمه ما أداه أليه أجتهاداً .   

وأما في المسألة الثانية : والمراد بها العامي الذي لم يصل إلى رتبة الأجتهاد , ولم يجد في نفسه القدرة الكافية في عملية استنباط الحكم الشرعي , فأن الأمامية يلزمون العامي بالأخذ من المجتهد ,لأنه لايصل إلى أحكامه الشرعية إلا بذلك , وهو مما لايرى بعض الأصوليين داعياً للأستدلال عليه بأكثر من القول بأنه بديهي جبلي فطري , وإلا للزم سد باب العلم على العاجزين من المكلفين عن معرفة الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة مباشرة , وما أكثر العاجزين عن هذه المعرفة  . 

ويرى السيد الخوئي () أن بداهة جواز التقليد ناشئة من الأرتكاز الثابت ببناء العقلاء من رجوعهم إلى العلماء فيما رجع إلى معاشهم ومعادهم , فالمريض يرجع إلى الطبيب , والعامر يرجع الى المعمار والمهندس , وأرباب الأديان يرجعون في حل المشاكل وغوامض المسائل إلى العلماء والمثقفين والقسيسين منهم .

((وإذا كانت هذه الظاهرة موجودة على عهد رسول الله () وهي موجودة حتماً – فهي ممضاة من قبله بأقرارهم عليها , ولو كان هناك تشريع على خلافها لأثر من طريق التواتر – عادة – وهو مالم ينقل حتى من طريق الآحاد . 

ومايحتمل أن يكون ردعاً من أمثال تكلم الآيات الناهية عن التقليد لايصلح لأثباته مادامت صريحة أو  تكاد في الردع عن رجوع الجاهل الى الجاهل , وهو أجنبي عن هذه الظاهرة أو هذا البناء))  . 

كما أن الأخذ بالأحتياط أو التعلم لتكون له القدرة الكافية على الأجتهاد , ففي كلا هذين الطريقين من المشقة والحرج مالايمكن تكليف العوام بها على نحو الألزام . 

وهكذا يتفق الكثير من علماء المذاهب الإسلامية مع الأمامية في هذا الرأي , حيث يقول الكثير منهم بلزوم التقليد للمكلف العامي , قال الشاطبي ((فتاوى المجتهدين بالنسبة إلى العوام كالأدلة الشرعية بالنسبة إلى المجتهدين , والدليل عليه أن وجود الأدلة بالنسبة إلى المقلدين وعدمها سواء , إذ كانوا لايستفيدون منها شيئاً , فليس النظر في الأدلة والأستنباط من شأنهم , ولايجوز ذلك لهم ألبته , وقد قال تعالى (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) . 

والمقلد غير عالم , فلا يصح له إلا سؤال أهل الذكر , وأليهم مرجعه في أحكام الدين على الأطلاق . فهم إذن القائمون له مقام الشارع , وأقوالهم قائمة مقام الشارع))  . 

وقال أبن قدامه ((وإما التقليد في الفروع فهو جائز إجماعاً فكانت الحجة فيه الأجماع , ولأن المجتهد في الفروع أما مصيب وأما مخطئ مثاب غير مأثوم بخلاف ماذكرنا , فلهذا جاز التقليد فيها بل وجب على العامي ذلك))  . 

وإلى مثل هذا الرأي يذهب الغزالي , وأبن الحاجب والقرافي . والآمدي وعبر الشوكاني عن ذلك بقوله ((وبهذا قال كثير من أتباع الأئمة الأربعة))  . 

وللمعتزلة في هذه المسألة ثلاثة مذاهب : 

المنع من تقليد العامي للمجتهد مطلقاً , أي فيما كان من مسائل الأجتهاد وفيما لم يكن من مسائله , وهذا هو مذهب معتزلة بغداد . 

 جواز التقليد العامي للمجتهد مطلقاً , وهذا يتوافق تماماً مع آراء الجمهور وهو مذهب القاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري . 

التفصيل والتفريق بين تقليد العامي للعالم المجتهد في مسائل الأجتهاد , وبين تقليده وإياه في غير مسائل الأجتهاد , فيجوز في الأول , ويمنع في الثاني , وهذا هو مذهب أبي علي الجبّائي . 

والذي يعنينا هنا هو المذهب الأول القائل بالمنع مطلقاً , لما فيه مخالفة صريحة وكبيرة للجمهور .        

   

المبحث الثالث 


التقليد بين الأصوليين والإخباريين 

توطئة

الأصوليون 

الإخباريون 

تطور الحركة الإخبارية 

أبرز الفروق القائمة بين الأصوليين والإخباريين 

المناقشة في تصنيف الرعية 

المناقشة في تقليد الميت   



توطئة :

واجه المذهب الإمامي في أيران والعراق خلال حقب تأريخية طويلة , ولاسيما في العهدين الصفوي والقاجاري خلافات فقهية خطيرة أحدثت أنقساماً في صفوف العلماء , وبلبلة في صفوف الناس , وكاد المسلمون الشيعة في فترة من فترات التأريخ أن ينقسموا إلى طائفتين كبيرتين : شيعة أمامية في العراق , وأخبارية في إيران . مع العلم أن شيعة أهل البيت () كانت تسمى الأمامية فقط إلى حين وفاة السفير الرابع (الحسين بن روح) المتوفى سنة 329هـ . 

((لقد أنتشرت الحركة الإخبارية في إيران والعراق بعد أنهيار الحكم الصفوي على يد مؤسسها الشيخ أحمد بن زين الدين الأحسائي , فقد ذاع صيته من سنة 1785م الى 1825م , أي في الفترة التي سبقت قيام الحكم القاجاري وقد لقيت هذه الحركة مقاومة عنيفة خلال العهد القاجاري))  . ويبدو للباحث ان (فوردون لوريمر) قد توهم في اشارته لمؤسس الحركة الاخبارية , فخلط بين الشيخ احمد الاحسائي , والشيخ محمد امين الاستربادي صاحب كتاب (الفوائد المدنية) , والصحيح ان الاستربادي هو صاحب فكرة هذه الحركة , لان الشيخ احمد الاحسائي لم يكن اخبارياً ولا اصولياً , بل انه اخذ طريقة اخرى لاستنباط الحكم الشرعي تعتمد على الكشف والالهام .   

وكان الخلاف يدور في جوهره , حول نظرية (الأمامة) ودور (المجتهد) من حيث هو (نائب) عن الإمام الغائب , فقد ذهب (الإخباريون) إلى أن العالم (المجتهد) غير كفء لتحمل دور الوساطة بين المؤمنين والإمام الغائب , ونادوا بإلغاء هذا الدور والأستعاضة عنه بسلطة أكثر قدرة على أرشاد الناس لأحكام الدين , ذات صلة روحية مباشرة (بالإمام المنتظر) (عج) . 

وبعبارة أخرى , فقد ذهبت الحركة الأخبارية إلى ألغاء وظيفة المجتهد والحد من دور العلماء , والنظر إلى الأجتهاد على أنه بدعة دخلت إلى  الفقه الأمامي أيام العلامة أحمد بن يعقوب الكليني المتوفى سنة (328هـ-941م) , وأتهم العلماء الأخباريون المجتهدين بأنهم ينحون منحى أهل السنة بأعتمادهم على العقل , شأنهم في ذلك شأن أتباع المذهب الحنفي . ولعل الذي رسخ في ذهن الأخباريين الأطار السني لعلم الأصول أن أبن الجنيد كان يتفق مع أكثر المذاهب السنية في القول بالقياس ((إلا أن هذا لايعني أن الفكر الشيعي مستورد من الفكر السني في مجال علم الأصول وإنما تجاربهم سابقة عليهم في هذا المجال))  . 

وقد أحلّ الاخباريون النقل محل العقل في أستنباط الأحكام , ودعوا الى أستنباطها من معينها الأول وهو القران والسنة النبوية , ويرى الاخباريون أن الأئمة من أهل البيت () نظروا إلى العلماء من حيث هم نقلة التراث الفقهي ليس إلا , كما أنهم قسموا التراث إلى صنفين :  صنف صحيح وآخر ضعيف , ورفضوا تصنيف المسلمين من قبل الأمامية إلى مجتهدين ومقلِّدين , وقالوا كفاهم أن يكونوا مقلدين إلى أئمة أهل البيت () وحدهم , ونظراً لأتساع الحركة وتناميها فقد أخذ العلامة محمد باقر البهبهاني على عاتقه توضيح الآراء الخاصة بالأصوليين حرصاً على سلامة المذهب الأمامي , وتشهد بذلك مؤلفاته التي حلل بها وظيفة المجتهد وواجباته المختلفة , وأقرّ بها وظيفته الشرعية وجعلها وظيفة أساسية , كما شن حملة مماثلة ضد الحركة الصوفية التي أزدهرت أيام فتح علي شاه القاجاري (1794-1834م) , وكان سلاحه الرئيس هو العلم والتوعية , وهذا ماذكره أجلّ تلاميذه وهو الشيخ جعفر النجفي أوالشيخ جعفر كاشف الغطاء , مؤلف كتاب (كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء) في الرد على الإخبارية والذي صار من كتب الفقه المتداولة في كل من العراق وإيران خلال العهد القاجاري . وهو كتاب فقهي أهداه الشيخ إلى فتح علي شاه القاجاري كدستور إلى مملكة إيران , كما ألّف كتاب (الحق المبين في تصويب المجتهدين وتخطئة الإخباريين) . 

أن تصدي العلامة البهبهاني والشيخ جعفر كاشف الغطاء للحركة الإخبارية أسفر عن تراجع الحركة واضمحلالها في كل من العراق وإيران .  

  

(1) الأصوليون : 

وهم الذين يلجأون في مقام أستنباط الأحكام الشرعية إلى الأدلة الأربعة من الكتاب , والسنة , والأجماع ودليل العقل . 

ووجه التسمية , لأنهم يعتمدون في مقام أستنباط الأحكام الشرعية على هذه الأدلة المذكورة , وبديهي أن الأدلة الأربعة هو موضوع علم الأصول ,  فأطلق الأصل على المدرك وليس ذلك ببعيد. 

(2) الإخباريون : جمع إخباري  

والإخباري هو ((الفقيه المستنبط للأحكام الشرعية من الكتاب والسنة فقط , وبعد يأسه عن دليل الحكم , يرجع إلى أصالة البراءة في الشهبات الحكمية)) . 

وأستناداً لهذا التعريف فأن البعض يرادف بين كلمة الأصولي والمجتهد ,كما يرادف بين كلمة الإخباري والمحدث,وعلى هذا الأساس أرتكز تقسيم الأمامية إلى أصولية وإخبارية . 

ويرى المحقق الشيخ غلام رضا القمي نقلاً عن أستاذه الشيخ الأنصاري أن سبب تسمية الإخبارية يرجع إلى أحد الأمرين :- 

 الأول : كونهم عالمين بتمام الأقسام من الإخبار من الصحيح والحسن والموثق والضعيف , من غير أن يفرقوا بينها في مقام العمل في قبال المجتهدين . 

 الثاني : أنهم لما أنكروا ثلاثة من الأدلة الأربعة , وخصوا الدليل بالواحد منها , أعني الإخبار , فلذلك سموا بالاسم المذكور .

      ولكن كيف ينكر الإخباريون دليلة الكتاب , وهو أهم مصدر عندهم , وكيف يتوافق هذا مع تعريفهم السابق بأنهم بستنبطون أحكامهم الشرعية من الكتاب والسنة فقط ؟! 

      يوضح ذلك لنا المحقق الأسترابادي أحد أعمدة الإخبارية فيقول : ((والصواب عندي مذهب قدمائنا من الإخباريين وطريقهم , أما مذهبهم فهو أن كل ماتحتاج أليه الأمة الى يوم القيامة عليه دلالة قطعية من  قبله تعالى حتى أرش الخدش , وأن كثيراً مما جاء به النبي () من الأحكام ومما يتعلق بكتاب الله وسنة نبيه () من نسخ وتقييد وتخصيص وتأويل مخزون عند العترة الطاهرة () , وأن القرآن في الأكثر ورد على وجه التعمية بالنسبة إلى أذهان الرعية وكذلك كثير من السنن النبوية , وأنه لاسبيل لنا فيما لانعلمه من الأحكام الشرعية النظرية أصلية كانت أو فرعية إلا السماع من الصادقين() , وأنه لايجوز أستنباط الأحكام النظرية من ظواهر الكتاب , ولا ظواهر السنن النبوية مالم يعلم أحوالهما من جهة أهل الذكر () بل يجب التوقف والأحتياط فيهما))  . 

وبناءً على هذا التوضيح فإن الإخباريين لايريدون أنكار دليله القرآن وعزله كمصدر تشريعي, بل يريدون الأخذ به من طريق أهل البيت(C)لأنهم عليهم السلام أدرى بما فيه ويرى الباحث أن هذا ليس أختلافاً مع الأصوليين لأنهم يرون ذلك أيضاً هذا بالأضافة إلى أن ظاهر القرآن عندهم حجة .


(3) تطور الحركة الإخبارية:قطعت الحركة الإخبارية , ومحدثوها , في نشأتها ثلاث مراحل. 

ففي المرحلة الأولى : 

كانت ولادتها على يد الشيخ محمد بن يعقوب الكليني , و أراؤه صريحة في حرمة الأجتهاد والتقليد , وفي وجوب التمسك بروايات العترة الطاهرة () المسطورة في تلك الكتب المؤلفة بأمرهم , وكذلك على يد الشيخين الأعلمين الصدوقين .

 

وفي المرحلة الثانية : 

كانت نشأتها على يد العلامة الأسترابادي , حيث جعل الكتاب والسنة وحدهما مصدر التشريع , شريطة أن تكون السنة مرورية عن أئمة أهل البيت () وليس غيرهم , ولم يجز أستنباط الأحكام النظرية من ظواهر كتاب الله , ولاظواهر السنن النبوية , مالم يعلم أحوالهما من جهة أهل الذكر () , بل يجب التوقف والأحتياط فيهما , وأن المجتهد في نفس أحكامه تعالى , إن أخطأ كذلك على الله تعالى وأفترى , وإن  أصاب لم يؤجر , وأنه لايجوز القضاء ولا الأفتاء إلا بقطع ويقين , ومع فقده يجب التوقف . 

وفي المرحلة الثالثة : 

تمثلت في شخصية العلامة الشيخ يوسف البحراني , فأضفى عليها طابع الأعتدال , فجعلها مذهباً وسطاً بين الأصوليين والإخباريين , حاول التضييق في حدة المناقشات التي دارت , والمؤلفات التي وضعت والدليل أن المتفحص لكتاب الحدائق الناظرة للشيخ البحراني يجد انه تناول في بدايته أثنتي عشرة مقدمة أصولية , تناول فيها أمهات المسائل الأصولية كحجية ظواهر الكتاب والحمل على التقية وقياس الأولوية ومنصوص العلة , وتعارض الأخبار ومعايير الترجيح عند أصوليي الأمامية وحجية الدليل العقلي وثبوت الحقيقة الشرعية والأجماع , وبعض القواعد الأصولية كقاعدة الحل وقاعدة الأستصحاب , مما يدل على أن الشيخ رحمه الله كان وسطياً أو أنه ربما حاول التوفيق بين الفرقتين وأيجاد قواسم مشتركة بين الطرفين , يقول السيد محسن الأمين ((وكأنّ مراده بالطريقة الوسطى ترك بعض مايقوله الإخباريون من أنهم لايعملون إلا بالقطع , وأن الأخبار  قطعية وغير ذلك من الأمور , وإلا فالرجل أخباري صرف لايدخل في شيء من طرق المجتهدين كما تشهد بذلك مصنفاته , نعم ربما يكون قد ترك شيئاً من مقالاتهم فقيل فيه أنه على الطريقة الوسطى , وكان العلامة البهبهاني المعاصر له ينكر عليه أشد الأنكار وينافره أقوى المنافرة كما هو مشهور))   . 

(4) ابرز الفروق القائمة بين الأصوليين والإخباريين : 

من الغريب جداً أن النقاط التي ذكرت للفرق بين الأصوليين والإخباريين ليست محددة من قبل الذين تطرقوا لهذا الحديث , فالشيخ كاشف الغطاء رحمه الله ينهيها إلى ثمانين فرقاً في حين نرى أن محمد بن فرج الله الدسقوري يصرح بستة وثمانين فرقاً , والشيخ البحراني () (صاحب الحدائق) يقصرها على ثمانية فروق , ويتخذ المحقق الخوانساري حداً وسطاً فيذكر من الفروق تسعة وعشرين فرقاً .

ولدى استعراض الفروق القائمة بين الأصوليين والإخباريين يشير العلامة الدكتور محمد بحر العلوم إلى رأي المجتهد الكبير الشيخ جعفر كاشف الغطاء وهو من كبار المجتهدين في العراق في العهد القاجاري , قائلاً ((والإخبارية وإن لم يجتهدوا في المقدمات التي يتوقف عليها فهم الإخبار والروايات فأنهم لم يخرجوا عن طريق الأمامية , فمرجع الطرفين ماروي عن سادات الثقلين , فالمجتهد أخباري عند التحقيق , والإخباري مجتهد بعد النظر الدقيق , إذ لانزاع بيننا في أصول الدين , ولامانع عندنا من الرجوع إلى الطرفين في معرفة حكم رب العالمين , وأنما جعل لكل اسم على حدة لحصول الخلاف بينهم في مسائل متعددة)) وينتهي الشيخ إلى القول بأن النزاع لفظي .         

وأبرز هذه الفروق هي :   

يرى الأصوليون أن أدلة الأحكام الشرعية أربعة : الكتاب والسنة والأجماع والعقل , بينما الإخباريون لايعتمدون غير الكتاب والسنة , بل أقتصر البعض منهم على السنّة بناءً على أن الكتاب لايجوز تفسيره والعمل بما فيه إلا بما ورد التفسير به عن أئمة أهل البيت  .

الأشياء عند الأصوليين مبنية على الحلال والحرام , بينما هي عند الإخباريين على حلال بيّن , وحرام بيّن , وشبهات بين ذلك  . 

الأصوليون يجوزون اخذ الأحكام الشرعية بالظن المعتبر , أما الإخباريون فيمنعونه أي (الظن) , ولايقولون إلا بالعلم . 

أوجب الأصوليون الأجتهاد عيناً أو تخييراً , وذهب الإخباريون إلى حرمته وأوجبوا الأخذ بالرواية أما عن المعصوم مباشرة أو من روى عنه وإن تعددت الوسائط . 

الأحاديث عند الأصوليين أربعة أنواع : صحيح وحسن وموثوق وضعيف , أما عند الإخباريين فينتهي تقسيمهم إلى صحيح وضعيف  . 

الحديث الصحيح عند الأصوليين مايرويه الأمامي العدل الثقة عن مثله إلى المعصوم , والحسن ماكان رواته , أو أحدهم أمامياً ممدوحاً غير منصوص عليه بالتوثيق , أما لدى الإخباريين,فالحديث صحيح ماصح عن المعصوم وثبت , ومراتب الصحة عندهم مختلفة ,فتارة بالتواتر , وأخرى بأخبار الآحاد المحفوفة بالقرائن التي تشهد بصحة الخبر . 

يحصر الأصوليون الرعية في صنفين : مجتهد ومقلد لاثالث لهما , أما الأخباريون فيرون الرعية كلها مقلدة للمعصوم , ولايوجد مجتهد أصلاً . 

يرى الأصوليون طلب العلم في زمن الغيبة بطريق الأجتهاد , وفي زمن الحضور بالأخذ من المعصوم , ولو بالوسائط , وفي زمن المعصوم لايجوز الأجتهاد , إما الأخباريون فلا يفرقون بين زمن الغيبه والحضور , بل حلال محمد حلال الى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة , ولايكون غيره , ولايجيء غيره  .  

ويرى كثير من علماء الامامية أن النزاع بين الأصوليين والاخباريين لفظي , ونسبة حرمة الأجتهاد لهذه الطائفة نسبة غير صحيحة ((لأن عملهم يخالف هذا الأجتهاد)) كما يشير المحدث البحراني بدليل : أن النزاع الأساسي بين الطرفين منحصر في خصوص أدلة التشريع وهي عند الإخباريين (الكتاب والسنة) , وعلى هذا الضوء فإطلاق كلمة الأجتهاد جار حتى على من أختصر في أستنباط الأحكام من الدليلين الأوليين , لأن أستفادة الحكم منهما تحتاج إلى ملكة , وهذه الملكة هي الأجتهاد  . 

(5) المناقشة في تصنيف الرعية :       

 بيّنا سابقاً أن الرعية عند الأصوليين على صنفين : أما مجتهد , أو مقلِّد , والإخباريون يرون أن الرعية كلهم مقلّده للمعصوم , ولايجوز لهم الرجوع إلى المجتهد بغير حديث صحيح . 

والجواب عن هذا الفرق يتضح من عبارة المحقق البحراني في الدرر النجفية التي يصور فيها لنا حال المكلف بأنه في زمن الحضور ووجود الأئمة من أهل البيت () لابد من الرجوع لهم والأخذ عنهم وهذا لايختلف فيه الأصولي عن الأخباري , وأما في زمن الغيبة فقد أخذ يتكرر في تقسيم الناس الى مجتهد ومقلد , وفقيه ومتفقه , وعالم ومتعلم , والمجتهد أو الفقيه أو العالم هو نفسه الذي يرجع أليه الأصولي لأنه أشترط فيه أن تكون له ملكة الأستنباط وشرح بعد ذلك أن الأجتهاد الذي لابد من حصوله في المجتهد الذي يرجع أليه المكلف العامي هو بذل الوسع في تحصيل الأحكام من أدلتها الشرعية وأستنباطها بالوجوه المقررة  , وهذا مايقول به الأصوليون , وحيث أن العامي لايمكنه استنباط الحكم الشرعي لكونه قاصراً عن هذه المرتبة العلمية , فلابد له من الرجوع إلى عالم تلك الملكة المذكورة . 

على ((أن العامي المحض الذي لايفقه معنى الأخبار , ولاحجيتها , ولاعلاج تعارضها , كيف يقلد الإمام , ويأخذ بقوله قولكم : أن العالم يروي له الخبر , ويجمع بين متعارضاته , ويفسر له , ويقول له : هذا قول الإمام فقلده : قلنا : فهذا هو الأجتهاد الذي أنكرتموه , وهذا هو التقليد الذي منعمتموه , فالعالم قد أجتهد في أن هذا الخبر حجة وأنه أرجح من معارضه وأن الأمر الذي فيه للوجوب , أو النهي الذي فيه للتحريم إلى جميع ماهنالك , والعامي لايعرف شيئاً من ذلك , ولكنكم لاتسمونه أجتهاداً وهو أجتهاد,ولا أخذ العامي به تقليداً وهو تقليد,ونحن نسميها بذلك)) . 

وأستناداً الى ذلك فليس الأخباري ممن يقتصر على الرجوع إلى المعصوم فقط , بل عليه الرجوع إلى من يفسر له ذلك , ويبين له قول الأمام , ويتضح له مايظهر من التعارض . 

فهو أذن نفس مايقوله الأصولي باطناً , ولكنه يختلف معه في التسميه ظاهراً وفي التعبير , وإلا فليس من الأنصاف أن نحمل المكلف العامي قضية فهم السنة وتمحيص رجال السند ليصل الخبر مباشرة إلى المعصوم (C)  .      

(6) المناقشة في تقليد الميت : 

يذهب الأصوليون إلى منع تقليد الميت أبتداءً , وأختلفوا في جواز ذلك دواماً , ونظرهم في ذلك أن التقليد على خلاف الأصل , ولم يقم دليل على جواز تقليد الميت , بينما أجاز الإخباريون من الأمامية ذلك . 

والظاهر أن خلاف الإخباريين لرأي الأصوليين من الشيعة أنما هو لأختلافهم في وظيفة المجتهد عند الفتيا , فالأخباريون يرون أن وظيفة المجتهد لاتتجاوز نقل مضمون الرواية بفتياه , وليس له أن يستند في الفتيا الى مقدمات نظرية , فهو مخبر عن المعصوم (C) , ولايشترط الحياة في حجية خبر المخبر بأتفاق الكلمة , بينما يرى الأصوليون وغيرهم أن المجتهد مستنبط للحكم من الأدلة , وقد يكون بعضها نظرياً , ومادام كذلك فهو ليس بمخبر حين يفتي عن  المعصوم (C) – إلا تسامحاً وتجوزاً – وأن اخبر عن الحكم أو الوظيفة , وعلى هذا فأن دليل الحجية بالنسبة إلى المفتي أنما يتقوم برأيه القابل للنظر والقبول , وهو يمكن أن يكون منوطاً بالحياة , فأختلاف الإخباريين مع الأصوليين أذن أختلاف في أصل وظيفة المجتهد لا في شرائط الأفتاء , وخلافهم في هذه المسألة لايصلح أن يكون خلافاً في موضع الكلام , لأنه بالنسبة إليهم أشبه بالسالبة لأنتفاء موضوعها . 

ومن خلال ماتقدم يرى الباحث انه لاخلاف جوهري بين الأصوليين والإخباريين في التقليد سوى اختلافهم بآلية الوصول الى الحكم الشرعي , أما أختلافهم في الجزيئات فهو أختلاف طبيعي كما هو الخلاف الحاصل بين الأصوليين أنفسهم .      


المبحث الرابع 

التقليد في الأصول الأعتقادية 

توطئة

الفرق بين المسائل الأعتقادية والمسائل العملية 

الأمور العملية والأعتقادية أصول وفروع 

ا لظن في الأمور الأعتقادية 

المرجعية العقائدية وضرورتها 

أدلة جواز التقليد في العقائد 

أدلة القائلين بعدم جواز التقليد في العقائد 

رؤية الباحث في المسألة 

توطئة :

        ذكرنا في بحث سابق موضوعة نطاق التقليد وعرفنا أنه في الفرعيات ولكن على مستوى اصول الدين توجد مسألة تذكر عادة في السطور الأولى من الرسائل العملية وهي عدم جواز التقليد في أصول الدين وأنه يجب الأجتهاد والأعتقاد فيها , ولكن هذا الوجوب هل هو عيني بحيث لايمكن الرجوع فيها إلى المتخصص أم أن هنالك دائرة في أصول الدين يمكن الرجوع فيها إلى المتخصص ؟ 

هذا التساؤل مهم جداً نظراً لتعلقه بأمور هي في غاية الأهمية في حياة المسلم , وحيث أن العلماء منعوا التقليد في أصول الدين , وأن الأحتياط لامعنى له فيها لأنها أمور أعتقادية لاعملية , فأن الدائرة  سوف تنحصر بالأجتهاد , والسؤال الذي يطرح نفسه هو : هل يتسنى للجميع الأجتهاد في جميع المسائل الأعتقادية ؟ 

فالذي يراه السيد كمال الحيدري في هذا المقام هو أن المسائل الاعتقادية (أصول الدين) لاتقل عمقا عن المسائل العملية (فروع الدين) التي أتفق فيها الجميع على عدم تمكن الجميع من الأجتهاد فيها . ولذلك أطلق السيد كمال الحيدري دعوته إلى التقليد في أصول الدين . 

ومن هنا أقتضى الحال أن نسأل عما ينبغي فعله في القضايا والمسائل الأعتقادية , هل يجوز التقليد فيها ؟ وكيف نعالج الرأي القائل بعدم الجواز في ذلك ؟ أم يمارس الجميع عملية الأجتهاد فيها ؟ وهو أمر غير ميسور عليه في جميع الأمور الأعتقادية ؟ أم أن هناك طريقاً آخر يعالج الموقف ؟ هذه الأمور تتطلب منا البحث والدراسة لنكون على بيّنة من أمرنا . 

(1) الفرق بين المسائل الأعتقادية و المسائل العملية : 

يرى مشهور العلماء أن كل  أمر  مرتبط  بفعل المكلف هو من فروع الدين , وكل أمر مرتبط بفعل الله سبحانه وتعالى هو من أصول الدين , فالصلاة والصوم والحج – مثلاً -  مرتبطة بأفعال الأنسان , أما العدل والنبوة والإمامة وغير ذلك فهي مرتبطة  بفعل الله سبحانه وتعالى  . 

أما  مايراه السيد كمال الحيدري فهو أن المائز الأساسي أن ننظر أولاً إلى الأمر , أكان جعله من قبل الله تعالى لأجل الأعتقاد أولاً وبالذات , أم لأجل العمل أولاً وبالذات , فأن كان المترتب على أصل الجعل هو العمل أولاً وبالذات فهو داخل ضمن مانصطلح عليه بالأمور العملية أو مايسمونه بفروع الدين , وأن كان المترتب على أصل الجعل هو الأعتقاد أولاً وبالذات فهو داخل ضمن الأمور الأعتقادية أو مايعبر عنه أيضاً بأصول الدين . 

أذن الفارق الرئيسي بين الجعلين هو أن أحدهما  كان المقصود منه هو الأعتقاد القلبي – وهذا لايمنع من ترتب أثر عملي عليه ثانياً وبالعرض كوجوب الطاعة المترتب على الأعتقاد  بالأمامة , مادام المقصود من أصل جعل الأمامة هو الأعتقاد لا العمل – ومثل هذا الجعل مجاله هو الأعتقاديات , وقد أتضح ذلك , وأن الآخر كان المقصود من أصل جعله هو العمل الخارجي كالصلاة والصوم والحج – وغير ذلك – وهذا الجعل مجاله هو الأمور العملية . 

ويبدو للباحث بأن الرأي الذي أورده السيد كمال الحيدري لايختلف عن رأي المشهور إلا في الصياغة اللفظية , وإلا فالمؤدى والنتيجة واحدة . 

(2) الأمور العملية والأعتقادية أصول وفروع : 

يشير السيد كمال الحيدري في حديثه عن الأهتمام بالمسائل الأعتقادية الى نقطة مهمة وهي : أن المسائل العملية فيها ماهو مهم وماهو أهم , فالصوم والحج والزكاة تعد من الأمور المهمة  جداً , ولكن هنالك ماهو أهم منها وهي الصلاة , فهي إن قبلت قُبل ماسواها وأن ردت رُدّ ماسواها , فالأمور العملية فيها ماهو أصل وماهو فرع . وهذا الأختلاف في الدرجات والمراتب موجود أيضاً في الأمور الأعتقادية ,فالأيمان بحقيقة الصراط المستقيم مسألة أعتقادية يجب الأعتقاد بها , ولكنها ليست على حد معرفة كون الله تعالى عادلاً . 

ويرى الباحث بأن هذا الرأي قد يكون صحيحاً ولكن السيد الحيدري لم يعط لنا ضابطة لمعرفة الأهم من المهم , فالأهمية قد تكون من ناحية ترتب الجزاء والعقاب , وإلا فمخالفة أي من فروع الدين تعد معصية لله سبحانه وتعالى . ويؤكد ذلك الخبر الوارد عن الرسول (ص) وهو يخاطب  أباذر بقوله : ((يا أباذر أن المؤمن ليرى ذنبه كأنه تحت صخرة يخاف أن تقع عليه , والكافر يرى ذنبه كأنه ذباب مر على ذنبه , يا  أباذر أن الله  تعالى إذا أراد بعبدٍ خيراً جعل الذنوب بين عينيه ممثلة , يا أباذر لاتنظر الى صغر الخطيئة , ولكن أنظر الى من          عَصيْت ....)) . 

نعم أن بعض العبادات أعطاها الشارع أهمية لكونها المائز الحقيقي بين المسلم وغيره أعتبرت مقاساً لقبول الأعمال , فمثلاً الصلاة هي هوية المؤمن لذلك كان الأهتمام بها أكثر من غيرها ولايعني ذلك أن الفروع الفقهية الأخرى هي غير مهمة,بل أن الصلاة أعتبرت مركزاً لقبول الأعمال الأخرى .    

ويصف لنا العلامة السيد كمال الحيدري الأمور الأعتقادية بأنها ليست على درجة واحدة من الأهمية , فالمطالب الأساسية كأثبات وجود الله وتوحيده وصفاته ونبوة الأنبياء وعصمتهم والإمامة والمعاد تختلف من حيث أهميتها عن مسائل عقائدية أخرى ,  ويأسف سماحته إلى عدم وقوع أبحاث تفصيلية بها كما وقع ذلك في المسائل الفقهية التي عنيت بها المراكز العلمية البحثية بشكل كبير , إذ يرى أن الأمور الأعتقادية لاتقل أهمية عن الأمور العملية إن لم تكن هي الأهم , ويعطى مثالاً لذلك بأن مسائل الإمامة لاتقع جميعها في مستوى واحد , فمنها ماهو أصل ومنها ماهو فرع , فالأول يلزم من إنكاره الخروج عن مذهب أهل البيت () , من قبيل الأعتقاد بعصمة الأمام فأنها من الأصول الأعتقادية  في الأمامة عند مدرسة أهل البيت () , وهي مفترق طرق لمن اراد الدخول أو الخروج من هذه المدرسة , وهذا بخلاف القسم الآخر الذي لايستلزم من أنكاره الخروج من هذه المدرسة المقدسة , كما هو الحال في الأعتقاد بعلم الأمام بالغيب , فأنها ليست من ضروريات المذهب . 

وهكذا في جملة اخرى من المسائل , مثلاً (العصمة)  توجد بها مراتب معينة لها لأن أصل العصمة متفق عليه , ولكن الأختلاف قد وقع في حدودها ومساحتها , حيث يرى البعض أنها تبدأ من حيث البلوغ , وآخر يقول من قبل ذلك أو من حيث الولادة , وهذه التفصيلات المختلف فيها تعتبر من المسائل الثانوية في العصمة . 

ومن هنا يرى السيد الحيدري أن علينا التمييز في رتبة سابقة بين مسائل الأمور الأعتقادية من كون بعضها يشترط فيه العلم الخاص , وبعضها الآخر يكفي فيه العلم العادي , وبعض آخر يكفي  فيه الظن . 

لكن الباحث  يرى أن العقائد منظومة متكاملة ومترابطة بعضها يكمل الآخر ولايمكن لنا أن نجعل بعضها أهم من الآخر , فمثلاً إذا أخذنا مثال الإمامة المتقدم فإن الأيمان به يستلزم الأيمان بالرسول والرسالة , والأيمان بهما يستلزم الأيمان بالله تعالى , وهذا معناه أن أنكار الأمامة هو أنكار لما قبلها . 

وأما مايتفرع على عصمة الأمام من حيث حدودها ومساحتها فهي لاتعني للمكلف أي شيء عندما أعتقد أساساً بأصل الأمامة خصوصاً وهي الأمتداد الطبيعي للرسالة , ولايمكن الوصول الى أسرار الرسالة إلا عن طريق الرسول والأئمة () الذين يمثلون المصدر الثاني من مصادر التشريع  بل أن أكثر الأحكام متوقفة عليهم , وهذا كافٍ للوصول إلى الغايات الحقيقية للإيمان . ونستنتج من ذلك أن الأمور الأعتقادية بمرتبة واحدة من حيث الأعتقاد بها .



(3) الظن في الأمور الأعتقادية : 

يتفق العلماء على القبول والأكتفاء بالظن في الأمور العملية , ولكن ليس مطلقاً وأنما بحصة خاصة منه والتي تسمى بالظن الخاص أو المعتبر , كالظن الخاص الناتج عن خبر الثقة , ومثل هذا الظن قد قبله الشارع منا وأعتبره حجة في مجال الأمور العملية . 

وفي الأمور الاعتقادية يتساءل السيد الحيدري : هل يمكن الأكتفاء بالظن أم لا ؟!! 

هنا قد  وقع الخلاف  , فالبعض قال بالجواز , ولكن الأكثر وماعليه المشهور هو عدم الجواز , فهؤلاء البعض يرون الأكتفاء بالظن في الأعتقاديات فضلاً عن الأكتفاء به في الأمور العملية , ونحن لانريد هنا الوقوف على أدلة هؤلاء المجيزين , ولكن  السيد كمال الحيدري  ومن الناحية الفتوائية لايقبل بذلك . وليس المراد من ذلك من عدم قبوله بالظن مطلقاً  , و أنما المراد هو عدم القبول بجواز الأكتفاء مطلقاً . 

وهنا تجدر الأشارة الى أن العلم له أصطلاحان : 

الأول : هو خصوص العلم العادي , ويراد به – منطقياً – هو ثبوت أصل المحمول إلى الموضوع أي حصول الجزم عند الأنسان بأن هذا الشيء  ثابت  لذلك , كما لو جزم بثبوت القيام   لزيد في قضية ( زيد قائم) . 

الثاني:هو العلم الخاص,ويراد به الجزم بإستحالة إنفكاك المحمول عن الموضوع فضلاً عن الجزم بثبوته , فيكون مفاد الجزم الثاني هو أستحالة خلاف القضية , ومثاله : الله موجود قطعاً. 

وبذلك يكون عندنا في العلم الخاص جزمان لاجزم واحد , وهما ثبوت المحمول للموضوع وأستحالة أنفكاكه عنه . 

أما الظن فهو بأصطلاح المناطقة ترجيح مضمون الخبر أو عدمه مع تجويز الطرف الأخر , كما لو أخبرنا شخص ثقة بوقوع حادثة معينة فهنا يحصل لدينا الظن بنسبة 70% فصاعداً – بوقوع الحادثة , فإذا سئلنا : هل تجزمون بوقوعها ؟ نقول : كلا , لأن المخبر وأن كان عادلاً وثقة ولكننا نحتمل أن يكون قد وقع في توهم أو أشتباه أو نسيان أو سهو , وأحتمال  الخلاف هذا – ونسبته عادة 30% فما دون هو ماعناه المناطقة بقولهم : مع تجويز الطرف الآخر . 

وهنا يشير السيد الحيدري الى أن في الأمور الأعتقادية قضايا  قطعية , كالأعتقاد بأصل المعاد ((جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ))  حيث لايوجد مجال للشك  أو الخلاف , وكذلك توجد قضايا لاتخرج  عن دائرة الظن كما هو الحال  في جملة من تفاصيل الحشر الأكبر وتفاصيل البرزخ , فأن ماورد في ذلك هو مجرد اخبار ظنية يحتمل فيها الخلاف .

وبعد هذا العرض في معنى العلم و الظن يتبادر ألينا السؤال المفصلي المهم وهو : أيمكننا إعتماد الظن في الأمور الاعتقادية أم لا , أو لابد من العلم ؟! 

يرى الباحث هنا أن الأمور الأعتقادية لاتحتاج الى ظن بل الى علم , ومراتب إدراك هذا العلم تتفاوت من شخص لآخر,فحصول أدنى مراتب العلم لدى المكلف كاف لأطمئنانه بها. 

أن الرأي القائل بأعتماد الظن في الأمور الأعتقادية لايمكن بأي حال التسليم به على أطلاقه , فإن العقيدة إذا شابها نوع من التشكيك يؤدي إلى بطلانها , فثبوتها أذن يحتاج إلى القطع واليقين . نعم ليس بمقدور كل أنسان أن يصل بمفرده الى هذه المفردة بل يحتاج إلى الأطلاع على آراء أهل الخبرة ومدوناتهم في هذا المجال , وهذا لايعني التسليم بجواز التقليد في أصول الدين , وأنما يكون هذا الأطلاع لغرض الأستزادة والمعرفة بحقائق الأمور . 

ومن جهة أخرى , فأن النكتة في عدم جواز التقليد في الأعتقاديات هو أن التقليد لايفيد إلا الظن,ومن الجدير بالذكر أن المسائل الأعتقادية تحتاج إلى علم ولابد من أثباتها عن طريق العقل , وعدم ثبوتها بذلك والأكتفاء بالأدلة النقلية يستلزم أما الدور أو التسلسل وهو باطل . 

فدليل القرآن مثلاً يعد دليلاً على وجود الله,ووجوده تعالى متوقف على أن القرآن صادر من الله تعالى وهو الدور بعينه فيكون باطلاً أذن هذه المسائل لابد من أثباتها عن طريق العقل.  والله العالم . 

(4) المرجعيَّة العقائدية وضرورتها : 

برزت في الأونة الأخيرة دعوى أطلقها السيد كمال الحيدري تتركز حول قضية مهمة وهي ((وجود المرجعية العقائدية حاجة ملحة)) . فقد دعا إلى أيجاد رسائل يرجع إليها المكلفون في الأمور الأعتقادية , ولتكن علمية لاعملية , والسبب في ذلك يرجع إلى جهل الكثير من المكلفين وعجز الباقين منهم إلى فهم الضوابط  التي تميّز بين الأمور الأعتقادية التي يشترط فيها العلم الخاص والتي يكفي فيها العلم العام والتي يكفي فيها الظن المعتبر .

وهذه الضوابط ينبغي تحديدها من قبل أصحاب الأختصاص في مجال العقائد , ويشير السيد الحيدري الى الضرورة التي أقتضت تحقق الأجتهاد ووجود المجتهدين لغرض بيان الأحكام العملية للمكلفين هي نفسها تقتضي وجود طبقة من المتخصصين والمجتهدين في الأمور الأعتقادية – والتي لايمكن للمكلفين الوصول إليها – ومن ثم أيصالها وبيانها لهم .

ولكن ذلك طبعاً متوقف على إثبات جواز التقليد في الأمور الأعتقادية في رتبة سابقة , ومن الواضح أن المشهور يتقاطع مع هذه الفكرة . أي التقليد في العقائد , وإن كنا نرى من الناحية العملية أن المكلفين يرجعون إلى أهل الأختصاص في بيان جملة من المسائل الأعتقادية , ولكن مانريده هنا هو التأسيس لمسألة التقليد في الأمور الأعتقادية نظرياً , أي نحن بصدد أثبات خلاف ماعليه المشهور وهنا يقتضي عرض مناقشة أدلة القائلين بالجواز , وكذلك أدلة القائلين بعدمه وبيان عدم تماميتها ليثبت لنا صحة هذه الدعوى . 

ويشير السيد الحيدري الى ضرورة وجود متخصصين في الأمور الأعتقادية كما هو الحال في مجال الأمور العملية , ولامانع بطبيعة الحال من وجود متخصصين يجمعون بين الأمرين معاً كما هو الحال بالنسبة إلى شيخ الطائفة (الطوسي) رحمه الله الذي يعد أحد الأعمدة الرئيسية على مستوى الأمور العملية وكذلك الأعتقادية ,وكذلك الحال بالنسبة لأستاذه الشيخ المفيد .  

(5) أدلة جواز التقليد في العقائد : 

ذكر  العلامة السيد  الحيدري دليلين لهذه الدعوى وهما : 

أ- آية التفقه في الدين : ((فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ))  . 

وكذلك كل ما أستدل به  على وجوب الأجتهاد في الأمور العملية يمكن الأستدلال به على وجوب الأجتهاد في الأمور الأعتقادية , فعندما تقول الآية ((لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ)) فهو أعمّ من كونه أموراً عملية حيث يشملها ويشمل الأمور الأعتقادية أيضاً . 

ولعل مايدعم  هذه  الفكرة هو أن بعض الأعلام أستفادوا من بعض مفردات الآية مثل    (لينذروا,يحذرون) في كونها أولى بالدلالة على وجوب الأجتهاد في الأمور الأعتقادية منها في الأمور العملية . 

ويرى الباحث : أن كلمة التفقه تعني الفهم , وهذا يستلزم المعرفة العملية بعد الأعتقاد بالدين , وأن الأعتقاد به مرتبة سابقة على هذا التفقه بقرينة الرجوع إلى القوم الذين هم منهم وعلى نفس معتقدهم , فتكون محصورة بتبليغ أحكام الدين لا أحكام الأعتقاد .  

ب- دليل العقل : أننا لا نجد أن المسائل الأعتقادية جميعاً هي من المسلّمات , وأنما نجد الكثير منها يقع فيها الخلاف والواقع المعاش هو خير شاهد على ذلك , وهذا يعني  أنه  لابد من وجود مجتهدين متخصصين لإعطاء الإجابات في مثل هذه المسائل الخلافية . 

ويرى الباحث أن الجهل بالعقيدة وعدم التسليم بأن العقل سيد الحجج والأدلة هو الذي أوقع مثل هذه المشكلة , وإلا لو رجع أبسط أنسان إلى دليل العقل لسلم بكل المعتقدات وإلا كان مكابراً . نعم يمكننا القول أن نثبت بالدليل النقلي مسائل الأعتقاد بعد ثبوتها عقلا في مرتبة سابقة لغرض الأحتجاج , ولاتعدوا كونها مؤكدات لما ثبت بالعقل . 

ويشير بعض الباحثين في مجال الأعتقاديات الذين ألتقاهم الباحث الى سبب ثالث وهو أن الكثير من المكلفين البسطاء هم ليسوا على دراية  وفهم لكثير من القضايا الآلهية ومسائل النبوة والمعاد والأمامة مما قد يدخلهم في الشرك والتجسيم مما يؤثر سلباً على الدين عموماً ,فإذا قلدوا مجتهداً متخصصاً فإنهم يكونوا بمنأى عن هذه الأنزلاقات ويكونون أقرب للصواب والفهم . 

ويجيب الباحث بأنه لامانع من ذلك إذا كان لغرض الأطلاع وزيادة الثقافة ولكن لايكون ذلك ضمن مانريده من التقليد المصطلح,فأن هذا الموضوع يحتاج إلى أسس تشريعية نصية لأثباته , والواضح أن كل الأدلة التي سيقت في ذلك هي أدلة غير تامة على جوازه في الأعتقاديات .  

(6) أدلة القائلين بعدم جواز التقليد في العقائد :                          

يرى مشهور علماء الأمامية من المتقدمين والمتأخرين هو عدم جواز التقليد في الأمور الأعتقادية وبهذا الصدد يقول العلامة الحلي في ذلك ((أجمع العلماء كافة على وجوب معرفة الله تعالى وصفاته الثبوتية والسلبية , ومايصحّ عليه ومايمتنع عنه,والنبوة والأمامة والمعاد بالدليل لا  بالتقليد)) . 

ونقل صاحب المعالم أجماع المسلمين على عدم جواز التقليد في جميع أصول الدين من دون فرق بين أصل و آخر . 

وقال صاحب العروة((محل التقليد ومورده هو الأحكام الفرعية,فلا يجري في         أصول الدين))  .

والأدلة التي سيقت في ذلك هي : 

الدليل الأول : الدليل القرآني في تأكيد التفكّر والنظر , ومن ذلك قوله تعالى ((فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)) , وأيضاً ((كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ))  , وأيضاً ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ))  , وأيضاً ((وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ))  , وهكذا في عشرات الآيات الأخرى التي تحدثت عن ضرورة التفكر والتدبر والنظر والتعقل , وفي ذلك أشارة الى تحصيل العلم بالدليل والبرهان لا بطريق آخر . 

وبعبارة أخرى فأن النظر واجب , وفي التقليد ترك للواجب فلا يجوز, أما دليل وجوب النظر أنه لما نزل قوله تعالى ((إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ))  , قال (4) : ((ويل لمن قرأها,ولم يتفكر فيها))  , فالرسول توعد على ترك النظر فدل على وجوب النظر . 

وناقش هذا الدليل السيد الحيدري بقوله : أن الأستدلال بهذه الآيات وغيرها يرشدنا إلى أحد طرق تحصيل العلم وهو التفكر والتعقل والنظر , ولكنها لاتنفي الطرق الأخرى , فهي ليست بصدد ذلك , وأنما بصدد أثبات موضوعها فقط والتفكر وأثبات شيء لاينفي ماعداه . نعم , أن ما أثبتته لنا هو أفضل الطرق للوصول الى المعارف الدينية , فهو مقدم على ماعداه , ولذا فلا تنافي بين ماتثبته هذه الآيات وبين طريق الرجوع إلى المتخصص في الأمور الأعتقادية . 

ويرى الباحث أن المناقشة أعلاه وجيهة جداً لكن الظاهر أنحصار الدليل على عدم جواز التقليد في الأعتقايات هو بالأجماع عند المتقدمين الذي سيأتي ذكره , والذي حتماً أنه أستند إلى رواية عن المعصوم (C) . 

الدليل الثاني : الدليل القرآني  الدال على ذم التقليد , وفي ذلك قوله تعالى ((إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ)) , وقوله تعالى ((وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ)),وأيضاً ((وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ)) . 

 ولاشك أن هذه الآيات قد تعرّضت إلى أؤلئك الذين وقفوا أمام رسالة الأنبياء من خلال تمسكهم  تقليد آباءهم وأسلافهم , و من هنا حاول العلماء أن يثبتوا من خلال هذه الآيات أن التقليد في الأمور الأعتقادية مذموم لأنه هو القدر المتيقن من التقليد المذموم , وأما فيما يتعلق بالرجوع إلى  أهل الأختصاص في الأمور العملية فذلك لقيام الدليل على الجواز من قبيل السيرة العقلائية وجملة من الروايات, ومنها : ((فأنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليهم))  . 

ويبدو أن المشكلة في هذه الآيات لاتكمن في أن المخاطبين يرجعون إلى آباءهم لأنهم آباءهم , وأنما لأنهم ليسوا من العقلاء وليسوا من المهتدين , فإذا كانوا مهتدين وعقلاء فما المانع من الرجوع أليهم ؟!! 

لكن فوق ذلك كله فأن ظهور الآيات واضح جداً في أثبات عدم جواز التقليد المصطلح في أصول الدين , يقول العلامة الطباطبائي في تفسيره لهذه الآية ((والمعنى : لادليل لهم على أحقية عبادتهم بل قالوا أنا وجدنا آباءنا على دين وأنا على آثارهم مهتدون أي أنهم متشبثون بتقليد آبائهم فحسب))  , والتقليد هنا هو تقليد آبائهم .


الدليل الثالث:الأجماع : قال العلامة الحلي ((المسألة إما أن تكون من باب الأصول , أو من باب الفروع,فالأول لايجوز التقليد فيه أجماعاً وأستدل على ذلك بالعقل والكتاب ...))  . 

وقال الشوكاني ((وذهب الجمهور إلى أنه لايجوز ,. وحكاه الأستاذ أبو أسحاق في شرح الترتيب عن أجماع أهل العلم من أهل الحق وغيرهم من الطوائف , قال أبو الحسين بن القطان : لانعلم خلافاً في أمتناع التقليد في التوحيد , وحكاه السمعاني عن جميع المتكلمين وطائفة من الفقهاء , وقال أمام الحرمين في الشامل : لم يقل أحد بالتقليد في الأصول إلاّ الحنابلة , وقال الأسفراييني : لايخالف فيه إلا أهل الظاهر))  . 

ونقل صاحب المعالم أجماع المسلمين على عدم جواز التقليد في جميع أصول الدين من دون فرق بين أصل وآخر . 

وبهذا الصدد يقول صاحب ((المستمسك)) : ((بل أدعى أجماع المسلمين عليه))  . فهو أذن  أجماع غير محصور بعلماء مدرسة أهل البيت () وأنما يشمل علماء المسلمين كافة . 

ويمكننا بدعوى الأجماع هذه المناقشة فيها بعدة نقاط : 

 أن الأجماع الحجة  (عند الأمامية) أنما يكون كذلك فيما إذا أحرزنا دخول رأي  المعصوم (C) ضمن المجمعين وإلا فهو ليس بحجة , وإما  عند الجمهور ((فلو سلمنا أمكان ثبوت الأجماع عند الناقلين له لكان نقله إلى من يحتج به من بعدهم مستحيل , لأن طريق نقله إما متواتراً , أو آحادا , والعادة تحيل النقل تواتراً , لبعد أن يشاهد أهل التواتر كل واحد من المجتهدين شرقاً وغرباً , ويسمعون ذلك منهم , ثم ينقلونه إلى عدد متواتر من بعدهم , ثم كذلك في كل طبقة إلى أن يتصل بنا , وأما الآحاد : فغير معمول به في نقل الأجماع)). 

 أن الأجماع أنما يكون حجة ودليلاً مستقلاً فيما إذا لم نعلم أو نحتمل أستناده الى دليل آخر و إلا لزم الرجوع إلى ذلك الدليل الآخر للبحث في تماميته , وفي هذا المورد نحتمل أن المجمعين قد أستندوا الى أدلة , منها ماذكروه ضمن أدلة عدم جواز التقليد في أصول الدين , وهي تامة كما رأينا . 

 يرى السيد كمال الحيدري أن الموجود في مسألة المنع هو خصوص الشهرة لا الأجماع , ولذا تجد جملة من الأعلام عندما بحثوا هذا المسألة يؤكدون ذلك ومنهم صاحب المستمسك,إذ يقول((كالكلام في وجوب كون المعرفة عن النظر والدليل – كما هو المنسوب إلى جمع – وعدم وجوبه – كما نسب إلى آخرين – وحرمته – كما نسب إلى غيرهم ....)) ,ثم يقول صاحب المستمسك:((وأن كان الأظهر الأول , مع خوف الضلال بدون النظر , والأخير مع خوف الضلال به والثاني مع الأمن من الضلال على تقدير كل من النظر وعدمه , فراجع وتأمل ..))  ,  فصاحب المستمسك يفصّل هنا , فالشخص الذي يضل بعدم المراجعة يوجب عليه الرجوع  ,والذي يضل بالمراجعة  يحرم عليه ذلك , والذي نستفيده من هذا التفصيل هو عدم القبول بدعوى الأجماع على حرمة  التقليد في الأمور الأعتقادية , وبذلك يكون الرجوع إلى المتخصص كافياً إذا أفاد العلم , فالمدار هو حصول العلم سواءُ حصل بجهد منه أم بجهد غيره . 

والى هذا الرأي يذهب العلامة شمس الدين إذ يقول : (( بل الظاهر عدم الأجماع على ذلك , ولو سلم وجود الأجماع , فالظاهر أستناد المجمعين إلى – كل أوجل – ماذكر في الأستدلال على عدم مشروعية التقليد في جميع أصول الدين مما تقدم ذكره))  . 

لكن الباحث يرى أمكانية قبول الأجماع في المسألة الذي ذكره العلامة خصوصاً وأنه أعتمد مدونات الأقدمين , وبما أن كتبهم كانت متون أحاديث المعصوم () فذلك يدل على قوة الأجماع الكاشف . وأما تفسير العلامة الحيدري لكلام صاحب المستمسك بأنه خصوص الشهرة وليس الأجماع فأنه تفسير بعيد فربما كان ذلك رأي صاحب المستمسك في التفصيل في عملية التقليد في أصول الدين , وليس نفياً لأجماع الأقدمين . 

الدليل الرابع : دليل العقل : وهذا الدليل هو من أفكار الباحث وحاصله : 

نحن نعلم أن التقليد لايفيد إلا الظن , وهذا يخضع لتعدد  أفهام المجتهدين , فلو جوّزنا التقليد في العقائد لخضعت مسائلها لتعدد الأفهام أيضاً , وهذا لازمه تعدد العقيدة الواحدة ولحكمنا بحجية كل منها , وهو محذور كما نرى , فيبطل التقليد في الأعتقاديات . 

(7) الرأي الراجح في المسألة : 

بعد عرضنا لهذه المسألة والدعوى التي أطلقها العلامة السيد كمال الحيدري والأدلة والمناقشات الواردة فيها تتلخص رؤية الباحث في مايأتي : 

 إن مشهور العلماء قديماً وحديثاً يرون بعدم جواز التقليد (المصطلح) في أصول الدين أو لنقل(الأمور الأعتقادية),ولذا فأن هذه الدعوى أي دعوى الحاجة الى وجود مرجعية عقائدية تعد رأياً جديداً في قبال المشهور,والضابط المهم في مسألة مخالفة المشهور هو أن يكون دليل المخالفة أقوى من دليل المشهور ليتسنى لنا الأخذ به,والأدلة التي سيقت في هذه المسألة ليست بالقوة التي يمكن من خلالها أن ترجح الرأي الجديد في قبال  رأي المشهور . 

نعم يمكننا توجيه هذه الدعوى بشكل آخر , إذ يدعوا الباحث إلى تأسيس (مرجعية تحقيقية) تأخذ على عاتقها التحقيق في مسائل أصول الدين لرفع الجهل والألتباس الحاصل في مواضيعها دون أن يكون ذلك ضمن مفهوم التقليد المصطلح , ولابأس بأن يكون لكل مجتهد رسالة عملية وأخرى عقائدية توضح رؤيته في الأمور الأعتقادية , وربما وجدنا ذلك في رسالة الفتاوى الواضحة للسيد الشهيد الصدر () فقد كانت تضم في بدايتها على بعض مسائل أصول الدين . 

كما أن هذه المرجعية التحقيقية ستعمل بالنهاية على إثراء مسائل الأعتقاد وتساعد المكلفين على فهم مطالبها وأدلتها وهذا ليس فيه محذور , وهذا لايكون بحد ذاته كافياً للقول بوجوب التقليد في الأصول الأعتقادية .    

 إن أخذ المكلف العامي لمسألة أعتقادية ما , فهو يأخذها مع دليلها ويرجحها عقلاً على غيرها من نظيراتها من المسائل , ولايكون ذلك داخلاً ضمن التقليد المصطلح , لأن التقليد هو أخذ قول الغير بدون دليل , فهو خارج موضوعاً عن التقليد المصطلح . 

 إن الظن المعتبر في الأمور الأعتقادية يجب أن يكون بالقدر المتيقن لمسائل الأعتقاد , فأن علم كل أنسان بحسب قدرته وطاقته ولذلك لايكلف الله المرء إلا بهذا المقدار لقوله تعالى ((لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا)) , يقول السيد محمد تقي الحكيم في تقريبه لدلالة الآية الكريمة ((وبالطبع أن معنى نفي التكليف هنا هو نفي آثاره الأخرويه , أي نفي المؤاخذة , وإلا فأن التكليف ثابت في حقوق العالمين والجاهلين على السواء)) . 

وبذلك يتباين المكلفون حسب قابلياتهم في المسؤولية عن علمهم في أصول الدين . ويقرب من هذا رأي العلامة شمس الدين إذ قسم الأصول الى قسمين:التوحيد والنبوة,وهذان أصلان أساسيان للأيمان الديني  فلا يجوز التقليد فيه وأنما النظر بحسب الأستطاعة, وأما الأصول الأخرى المتبقية وهي (المعاد,العدل,والأمامة) فيرى إنحصار الدليل على عدم جواز التقليد فيها لأطلاقات الأدلة من قبيل آية النفر وآية سؤال أهل الذكر والروايات 

 يستشف من دعوة العلامة السيد الحيدري ,أن المجتهد يجب أن يكون ملماً بكل العلوم الدينية سواءُ مايتعلق منها بالفروع أو الأعتقاد وربما يشير الى الشيخ الطوسي والعلامة الحلي وأضرابهما حيث كانوا بارعين في الفروع بالأضافة الى علوم أخرى من قبيل أصول الأعتقاد وعلوم الحديث والرجال , وهنا يشير الباحث الى أنه لامانع من ذلك أبداً وليس فيه محذور , لكن هذه الرؤية كانت موجودة سابقاً , فالعاِلم كان عالماً بالمعقول والمنقول غير متخصص في علم معين كالطوسي والعلامة , وحتى الآن في الحوزات العلمية سواء كانت في العراق أو أيران فأن الطالب يتوقف على مجموعة من العلوم والمقدمات العقلية والنقلية حتى يصبح مجتهداً ,  لكن العالم الآن يتجه نحو التخصص لتغطية كل مايرتبط بذلك العلم, لزيادة الترصين العلمي والمنهجي له . 

ثم إن هذا التخصص هو وليدة التقدم الحاصل في مجالات الحياة و تعقيدها فالزمن المعاصر يختلف كلياً  عن زمن الشيخ الطوسي والعلامة الحلي الذي كان يتسم بالبساطة والسهولة , ولذلك برع الشيخ والعلامة في عدة علوم , فالفارق الزمني يوضح لنا أن التخصص مطلوب في علوم الشريعة .                                                       



الفصل الرابع 

المقلـَّد وشرائطه ومهمات المسائل المرتبطة به


المبحث الأول/ المجتهد (المقلـَّد) وشروطه

المبحث الثاني/تقليد المرأة   

المبحث الثالث/مسائل مهمّة في التقليد  




المبحث الأول 

المجتهد المقلَّد وشروطهُ


تعريف المقلّد 

الشرط الأول / البلوغ 

الشرط الثاني /  الحياة 

الشرط الثالث / الذكورة 

الشرط الرابع / الأعلمية 

الشرط الخامس / العدالة 

الشرط السادس / الكفاءة الإدارية  


(1) تعريف المقلَّد : 

       المقلَّد أو المفتي : ((هو المستقل بأحكام الشرع نصاً وأستنباطاً)) والبحث عن الفقيه المجتهد تارة يكون باعتباره عالماً بالشريعة الإسلامية من دون لحاظ آخر , وأخرى يبحث عنه من حيث كونه مرجعاً للأمة المسلمة في معرفة الأحكام الشرعية للعمل بها .

وهذا بأعتبارين : 

الأول : كونه مفتياً يرجع إليه عامة الأمة في معرفة أحكام الشريعة وذلك بتقليده , وأتباع فتاواه في الأحكام الشرعية الفرعية . 

الثاني : كونه قاضياً يفصل في الخصومات ويحكم في دعوى المتخاصمين والنسبة بين الأعتبارين عموم وخصوص مطلق , إذ أن أهلية الأفتاء شرط في أهلية القضاء , دون العكس , فكل مفتٍ يصلح للقضاء , وليس كل قاض يصلح للأفتاء . 

 والنسبة بين الأعتبارين هي العموم والخصوص المطلق , لأن أهلية الأفتاء شرط في أهلية القضاء  دون العكس ,أما الفقيه المجتهد بأعتباره عالماً فقط , فلا يشترط فيه شيء لما عرفنا من أن الأجتهاد من حيث هو صفة معرفية فهو رتبة من المعرفة بالأدلة الشرعية يقدر بها الفقيه على (تحصيل الحجة على الحكم الشرعي) , ومن حيث الجانب الوظيفي العملي , هو (تحصيل الحجة على الحكم الشرعي) , ومن حيث كونه نتيجة للحيثيتين هو (العلم بالأحكام الشرعية – بمقدار أو معتد به – عن الحجة) متصف بالفقاهة والأجتهاد كل من بلغ تلك الرتبة بالحيثيات الثلاث,كما هو الشأن في غير علم الشريعة من العلوم الأخرى النظرية والتطبيقية .

وأما الفقيه المجتهد بأعتباره مرجعاً للأمة في معرفة أحكام الشرع للعمل بها , وأتباع رأيه من حيث كونه فقيهاً وقاضياً , فلا يكفي في أهليته لذلك وجواز رجوع الأمة أليه في ذلك , مجرد كونه فقيهاً مجتهداً , بل أعتبر الشارع فيه شروطاً – منها مايتعلق بذاته , ومنها مايتعلق بأعتقاده , ومنها مايتعلق بسلوكه – فإذا كان واجداً لها كان أهلاً للمرجعية في الأفتاء والقضاء , وإذا فقدها أو فقد بعضها لم يكن أهلاً لذلك , وأن كان يتصف بكونه فقيهاً مجتهداً . 

وقد ((تعرض الفقهاء لهذه الشروط ولكنهم لم يتفقوا عليها بالعدد ضبطاً , فبينما يذكر البعض منها دون العشرة نرى الآخر ليصل بها الى عشرين شرطاً تقريباً . 

وربما كانت الفروق البسيطة بين بعض الشروط هو الذي أوجب تقليصها في نظر من يهبط بالعدد إلى الأقل , فيقول بتداخل البعض في البعض الآخر))  . 

(2)الشرط الأول : البلوغ :

أشترط الفقهاء البلوغ الشرعي في أهلية الفقيه للرجوع إليه في الفتوى , وهو المشهور  بين الفقهاء الأمامية , فمن لم يبلغ مرحلة التكليف لايكون أهلاً للأتباع وأن كان واجداً لبقية الشرائط وقد أستدلوا على أعتبار شرط البلوغ بأمور : 

 رواية أبي خديجة سالم بن مكرم الجمّال عن الأمام الصادق (C)  ((إياكم أن  يحاكم بعضكم بعضاً الى أهل الجور , ولكن أنظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا ًمن قضايانا فأجعلوه  بينكم  فأني قد جعلته قاضياً فتحاكموا أليه))  . 

 الأجماع وهو الظاهر من عبارة الشيخ الأنصاري في بحث شرائط المفتي من رسالة الأجتهاد والتقليد . 

 أن منصب المرجعية في التقليد من المناصب العظيمة , بل من أعظم المناصب الدينية , وغير البالغ ليس لائقاً لتبوأ هذا المقام الرفيع . 

 ماورد من أن عمد الصبي وخطئه واحد , كما في رواية محمد بن مسلم , وهذا يقتضي عدم أعتبار فتواه في نظر الشارع وعدم ترتيب أثر عليها لأنها كالخطأ .


رؤية الباحث للمسألة : 

أن مسألة البلوغ تحتاج إلى أثبات الأدلة الخاصة بها ومع تماميتها تصل إلى شرطية البلوغ في مرجع التقليد . 

أما الرواية فبعد أن أثبتناها بأنها معتبرة فأنها دالة بشكل كامل على أن المراد بـ (الرجل) هو الذكر المميز البالغ , فأن أستشكل عليها بأنه لادليل على عدم صحة أطلاق أسم (رجل) على الذكر المميز المراهق للبلوغ بل يمكن القول بأن المراد بـ (الرجل) الذكر وأنه منزل على الغالب , وهو كون من بلغ هذه الرتبة من العلم قد تجاوز من البلوغ . 

لكن الباحث يرى بأنه تكلف بعيد جداً , فظهور الرواية واضح جداً والتعبير من الأمام بلفظ (الرجل) هو الذي تمسك به القائل بشرطية البلوغ في قبال كون من يرجع أليه في التقليد غلاماً وحيث لم يحل الأمام عليه بل أحال على الرجل . 

وإن قيل بأن هذه الرواية واردة في باب القضاء لافي محل بحثنا وهو باب الأفتاء, يجيب الباحث بأن منصب الأفتاء أهم وأولى وإذا أشترط الأمام البلوغ في القضاء فمن باب أولى أشتراطه في الأفتاء 

وأما دعوى الأجماع فأن المترجح , لدى الباحث أن مستند المجمعين هو بعض مايذكر عادة في الأستدلال على هذه الدعوى , من قبيل الرواية المتقدمة , ثم أن مسألة إشتراط البلوغ في مرجع التقليد لم تعنون ولم تبحث في كلمات الفقهاء القدماء المتصل عهدهم بعصر الأئمة المعصومين () , فلا قيمه أستدلالية للأجماع المحصل فيها , فضلاً عن المنقول , على أن تحصيل الأجماع في المسألة بين غير القدماء مشكل .   

فيبقى لدينا الرواية المتقدمة ويعضّدها , أن البالغ هو القدر المتيقن من أدلة مشروعية التقليد , لأن منصب الفتوى مختص بالمعصوم (C) , ولمن علم نصبه له من قبل  المعصوم (C) فمع الشك في جعل هذا المنصب لغير البالغ يكون الأصل عدم الجعل , فلا تكون فتواه حجة في حق غيره والله العالم .


 (3) الشرط الثاني : الحياة :   

أختلف العلماء  في جواز تقليد الميت والعمل بفتواه على أقوال أربعة : 

القول الأول : جواز تقليد الميت مطلقاً أبتداءاً وبقاءاً,وذكر أنه مذهب الجمهور والى القول بعدم أشتراط الحياة ذهب فقهاء الإخباريين من الأمامية , ونسب القول إلى صاحب القوانين . 

قال الشهيد الثاني : ((وفي جواز تقليد المجتهد الميت , مع وجود الحي أو لامعه ؟ للجمهور  أقوال : أصحها عندهم : جوازه مطلقاً , لأن المذاهب لاتموت بموت أصحابها , ولهذا يعتد بها بعدهم في الأجماع والخلاف , ولأن موت الشاهد قبل الحكم لايمنع الحكم بشهادته , بخلاف فسقه))  . 

القول الثاني : لايجوز مطلقاً , لفوات أهليته بالموت , وهذا هو المشهور بين الجمهور كالفخر الرازي في المحصول , وبعض المتأخرين , وهو الرأي السائد عند بعض الحنابلة و الشافعية . 

القول الثالث : المنع منه مع وجود الحي لا مع عدمه , أختاره بعض الحنابله , وبعض الشافعية , وهو قول الشهيد الثاني من الأمامية . 

القول الرابع : الجواز فيما نقل عنه , أن نقله عنه مجتهد في مذهبه , لأنه بمعرفته مداركه يميز بين ما أستمر عليه ومالم يستمر عليه , فلا ينقل لمن يقلده إلا ما أستمر عليه  . 

ويضيف السيد الخوئي من الأمامية في كتابه (الاجتهاد والتقليد) قولاً آخر , وهو التفصيل بين الأبتداء فلا يجوز , والبقاء فيجوز . 

أدلة المانعين :        

أستدل على المنع من تقليد الميت بوجوه عدة منها :

الوجه الأول : أن المجتهد يجوز له تغيير رأيه لو كان حياً , فإذا جدد النظر , فربما يرجع عن قوله الأول , وأن الميت لا بقاء لقوله , بدليل أنعقاد الأجماع بعد موت المخالف , فلو كان للميت قول بعد موته , لما أنعقد الأجماع , لأن قوله لايزال باقياً , والمخالفة لاتزال قائمة , وإذا لم يكن للميت قول , فلا يجوز تقليده ولا الأفتاء بما كان ينسب أليه . 

وقالوا أيضاً : أما فائدة تصنيف الكتب في المذاهب بعد موت أربابها , فهو لأستفادة طريق الأجتهاد من تصرفاتهم في الحوادث , وكيفية بناء بعضها على بعض , ولمعرفة المتفق عليه من المختلف فيه . 

ونوقش هذا الدليل : بأنه لايسلم أنعقاد الأجماع بموت المخالف أتفاقاً , فأن بعض العلماء يرى أن قول المخالف لايزال باقياً , ولا أجماع مع المخالفة , ثم أن هذا الدليل منقوض ومعارض بحجية الأجماع بعد موت المجمعين جميعاً , فلو كان القول يموت بموت صاحبه لما كان الأجماع حجة , لأن المجمعين قد ماتوا ,فلا قول لهم , علماً بأن الأجماع على الحياة , نقل عن جماعة الأتفاق عليه , وأنه قد بلغ أشتهار القول بعدم جواز تقليد الميت من العوام حيث قيل : ((أن قول الميت كالميت , وقطع الأصحاب بأنه لايجوز النقل عن الميت))  .

ولكن أجابوا على ذلك أيضاً بأنه : 

هذا الأجماع المدعى على تقرير تحققه , ليس أجماعاً تعبدياً لأحتمال أن يكون المدرك فيه الأدلة التي أستدل بها القائلون بلزوم الحياة لمرجع التقليد كأصالة الأشتغال المانعة من تقليد غير الحي , فيسقط الأجماع عن الحجة .

الوجه الثاني : الأستدلال بآية الذكر , وآية النفر , والأستدلال يبنى على دعوى الأطلاق في عنوان (أهل الذكر) ليشمل من كان ميتاً وهكذا أيضاً في عنوان (المنذر) , وهل ينذر من فقد الحياة أو يجيب من كان ميتاً ؟ بل يظهر من هاتين الآيتين الكريمتين أعتبار الحياة فيمن ينذر , ومن يسأل منه ,وهذا المقدار هو المطلوب من أثبات الحياة في مرجع التقليد  . 

الوجه الثالث : الأخبار , ومنها قوله (C) ((وأما الحوادث الواقعه فأرجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا , فأنهم حجتي عليكم))  , وقوله (C) ((فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه , حافظاً لدينه , مخالفاً لهواه فللعوام ان يقلّدوه))  , فيظهر من لسان الأخبار بيان صفات أشخاص هم أحياء , فلا أنطباق فيها على من كان ميتاً .

وقد ناقش السيد الخوئي () الآيات الواردة في الوجه الثاني والأخبار الواردة في الوجه الثالث ((بأنها ليست بذات مفهوم لتدلنا على حصر الحجية في فتوى الحي من المجتهدين , وعدم حجية فتوى أمواتهم , ومعه يمكن أن تكون فتوى الميت حجة كفتوى الحي , غاية الأمر أن الأدلة المتقدمة غير دالة على الجواز , لا أنها تدل على عدم الجواز وبين الأمرين بوْن كبير))  . 

الوجه الرابع : وقد قرره الشيخ الأنصاري () من الأمامية ((وأما العقل فلا يدل على جواز التقليد إلا بعد ثبوت أنسداد باب العلم والظن الخاص للمقلد , والمفروض قيام الأدلة الثلاثة على أعتبار قول المجتهد الحي , فلا يجوز التعدي إلى مالم يقم عليه دليل , إلا بعد عدم كفاية الظن الخاص , والمفروض تمكن المقلِّد من الحي))  . 

وأجيب عنه : بأن الدليل المذكور ذكر على أن المفروض قيام الأدلة الثلاثة على أعتبار قول المجتهد الحي فلا يجوز التعدي منه إلى مالم يقم عليه دليل . 

وأريد مما لم يقم عليه دليل : هو تقليد الميت وحينئذ فيقال : بأن هذا جواب لمن لايرى جواز التقليد الميت أبتداءاً أما من قام الدليل عنده على جواز ذلك فلا يكون ذلك الدليل العقلي في حقه حجة , وكذلك من قال بجواز البقاء على تقليد الميت وأقام الدليل عليه فلا يكون الدليل المذكور جارياً .

أدلة المثبتين :  

 أن دعوى الآيات والروايات الواردة في حجية فتوى الفقيه بأنها غير مقيدة بحال لايمكن قبولها فمقتضى أطلاق الأدلة عدم الفرق في حجيتها بين الحياة والممات لأنها كما تشمل فتوى المجتهد الحي كذلك تشمل فتوى المجتهد الميت , والنتيجة هو التخيير لامحالة .  

 وأيضاً الأستصحاب , وذلك للقطع بحجية فتوى الميت قبل موته فإذا شككنا في بقائها على حجيتها وعدمه أستصحبنا حجيتها , وبه يثبت أن العمل على فتوى الميت مؤمن من العقاب , نعم لولا هذا الأستصحاب تعين الرجوع الى فتوى الحي بمقتضى قاعدة الأشتغال لأنها المتيقنة من حيث الحجية ,وهذا بخلاف فتوى الميت للشك في حجيتها بموته . 

ويناقش ذلك السيد الخوئي بقوله ((لم يمكننا المساعدة على جريان الأستصحاب في المقام , وذلك لأن المراد بالحجية المستصحبة أن كان هو الحجية الفعلية فلا يقين بحدوثها لأن المتيقن عدم الحجية الفعلية بالإضافة إلى العامي المتأخر عن عصر المجتهد الميت , لوضوح أن الفعلية أنما تتحقق بوجود المكلف العامي في عصر المجتهد , والمفروض عدم تحققه فليست فتاوى الميت حجة فعلية على العامي غير الموجود في عصره لتستصحب حجيتها الفعلية))  . 

 ولأنه لو بَطل قول القائل بموته لم يعتبر شيء في أقواله كروايته وشهادته ووصاياه , فأن الشاهد إذا أدى شهادته قبل الحكم بها , فأنه لو مات فلا تبطل شهادته بل يحكم بها الحاكم , ويرد عليه , بأن هذا قياس مع الفارق ,فالفتوى ليست كالشهادة والوصية والرواية , لأن الفتوى مبنية على الأجتهاد , فيمكن لكل مجتهد أن يفتي , بينما الوصية والراوية والشهادة لايمكن أن يقوم بها غيره غالباً . 

رؤية الباحث للمسألة : 

بعد عرضنا لهذه الأقوال والأدلة يترجح للباحث المنع من تقليد المجتهد الميت أبتداءً , والقول بجوازه جمعاً بين الأدلة ويعضده أيضاً : 

((أن السيرة العقلائية الجارية على رجوع الجاهل إلى العالم فيما جهله من الحرف والعلوم والموضوعات وغيرها بلا فرق في ذلك بين أن يكون العالم باقياً على حياته عند العمل بقوله وعدمه لوضوح أن المريض لو رجع إلى الطبيب واخذ منه العلاج ثم مات الطبيب قبل أن يعمل المريض بقوله لم يترك العقلاء العمل على طبق علاجه,وهذه السيرة لم يردع عنها في الشريعة المقدسة))  . 

(4) الشرط الثالث : الذكورة :     

 المعروف والمشهور بين الفقهاء إشتراط الذكورة في المفتي , فلا يجوز ولايجزي تقليد المرأة الفقيهه الجامعة لسائر الشرائط , ويعتمد هذا الشرط في حقيقته على إرتكاز المتشرعة وجعل المرأة في نظر الشارع المقدس بعيدة عن عالم الأفتاء والمرجعية وماشاكلها من المناصب فإذا كانت إمامة الجماعة محظورة عليها فمن باب أولى أن منصب الأفتاء ممنوع عليها أيضاً. 

ولأهمية هذا الموضوع سنفرد له مبحثاً خاصاً نشير فيه إلى محاور مهمة تؤكد وتثبت        هذا الشرط . 

 (5) الشرط الرابع : الأعلمية : تعد الأعلمية من الشروط التي يشترطها أغلب العلماء في المفتي , والظاهر أنها ليست من الشروط المستحدثه في المفتي , بل هي قديمة قدم التقليد , وذلك لأن السيرة العقلائية القائمة على رجوع الجاهل إلى العالم تدل أيضاً على لزوم مراجعة الأعلم عند عدم تساوي أهل الخبرة والاختصاص , فأشتراط الأعلمية في المجتهد المفتي يتلاءم مع طبيعة البحوث العلمية التي يكون للعالم فيها الدور الأهم .  

ومن هذا المنطلق أشترط في النبي () أن يكون أعلم الناس , وكذا الأمام () , وبما أن مقام الأفتاء أمتداد لهما لذا أشترط في المفتي الأعلمية , ولم تأخذ هذه المسألة حيزاً كبيراً عند علماء المذاهب الإسلامية فمثلاً الحنابلة يرون أنه لايستفتي العامي إلا من غلب على ظنه أنه من أهل الأجتهاد بما يراه من أنتصابه الفتيا بمشهد من أعيان الناس , وأليه ذهب الشافعية والمالكية , وأستثنى الحنفية شرط أعتقاد الناس فيه وذهبوا إلى أنه من أهل العلم والأجتهاد مطلقاً , أما الزيدية فأنهم عرفوا المجتهد بأنه العارف بالكتاب والسنة فقط . 

وعند أصوليي الأمامية أثيرت مسألة الأعلمية وأُخذت فيها عدة إحتمالات : 

الأحتمال الأول : الأعلمية في الأصول , لأن الحركة الأصولية كما تثبته مراجعة الأصول والكتب الأصولية حركة تدريجية تكاملية , فأن علم الأصول كما يراه المتتبع لكتب الأوائل لم تتجاوز مجموعة صغيرة من البحوث التي لم تستحكم وتشيد بصورة دقيقة , بينما في المرحلة الوسطى قد يجد نوعاً من الدقة والعمق , وفي المرحلة التكاملية وصلت البحوث الأصولية إلى ذروتها في النضج والتكامل , كما نلاحظ ذلك في بحوث الاصفهاني والنائيني والعراقي () . 

ولاشك أن المدرسة الأصولية التي يتبناها الفقيه كلما كانت أكثر دقة وعمقاً كانت النتائج المترتبة عليها كذلك .

الأحتمال الثاني : أن يراد بالأعلمية كون المجتهد أكثر مهارة في تطبيق القواعد الأصولية لأن المجتهد قد يكون متمكناً من القاعدة الأصولية بصورة كاملة وقد تتكامل عنده المقدرة الأصولية , ولكنه لايمتلك المهارة في مرحلة التطبيق والعمل . 

الأحتمال الثالث : أن يراد بالأعلمية كون المجتهد أكثر يقيناً في مرحلة الأستنباط , ويستطيع المكلف أكتشاف ذلك الأمر من خلال الرسائل العملية , فنجد أن بعض الفقهاء لايتمكن أن يجزم بشيء فيذكر فيه أشكالاً أوتردداً , أو الأحوط خلافه , أو الأظهر هكذا أو الأشهر وهكذا , بينما ينعكس هذا الأمر عند أخرين , فتوحي فتواهم وآرائهم بكثرة قطعياتهم ويقينياتهم في مرحلة الأفتاء , ومتى ما كانت أستنباطاتهم كذلك كانوا الأعلم من غيرهم . 

الأحتمال الرابع : أن يكون المراد من الأعلمية (الأسرعية في الأستنباط) كما هو الملاحظ أيضاً عند بعض الفقهاء , فهناك فقيه عندما يسأل عن مسألة فقهية يتمكن من الإجابة عليها بسرعة , مع أستحكام الأجابة ودقتها وتشييدها على الأصول والقواعد , فالأعلم هو الأسرع أجابة . 

الأحتمال الخامس : أن يكون المراد من الأعلمية (الأكثرية الأستنباطية من غيرها) ولاشك أن الأكثرية الأستنباطية عنصر راجح من دون شك وشبهة . 

وتحديد النتيجة هنا يتوقف على تبين المراد من الأعلمية , وحيث أن الأعلم هي صيغة أفعل تفضيل القابلة للتفاوت , فيتوقف حصول المطلوب على تحديد المادة المشتركة وفيها محوران  رئيسيان : 

المحور الأول : أن يراد من الأعلمية , أقوائية الملكة وتقدمها بالقياس إلى الآخرين , وهذا عند من يرى قابلية الملكة للأشتداد والضعف , وبعبارة أخرى : أن يكون المراد من الأعلمية هو تكامل الملكة عند الأنسان , بأن تكون ملكة أستنباط الأحكام الشرعية عند أحد المجتهدين أقوى من الملكة الموجودة عند الآخرين . 

المحور الثاني : أن يراد من الأعلمية الأكثرية في مجال الأستنباط , وذلك فيما إذا قلنا بان الملكة ليست قابلة للزيادة والنقصان,لأنها أمر بسيط يدور حالها بين الوجود والعدم , فالمجتهد غير الأعلم يشارك الأعلم في الملكة,فالملكة عندهما متساوية,لكن الأعلم أكثر أستنباطاً من غيره . 

نعم هناك محور ثالث أثاره الشيخ الكبير () في كتابه (كشف الغطاء) مبني على قاعدة ذوقية مقبولة عند العقلاء , وقد يعبر عنه بالشم الفقهي , لأن هناك عنصراً غير مرئي في جميع العلوم , وأمتلاكه يعطي الأنسان قابلية التحرك بشكل يفتقده الآخرون , وهو مضافاً الى إمتلاك الأداة العلمية يمتلك القابلية الذاتية , والقابلية الذاتية إذا أنضمت إلى الأداة العلمية تجعل الأنسان متفوقاً في مجال تخصصه . 

وعلى سبيل المثال فأن الفقيه يبحث عن مسألة الغناء بصورة مستقلة , فيراجع الأدلة الفقهية , ويبحث في أسانيدها ومضامينها , كما يقوم بعرض بعضها على البعض الآخر في الوصول للصياغة الأخيرة للنظرية الفقهية,وهذا بحث عن مفردة من مفردات الأحكام الشرعية . 

وأخرى يبحث عن مسألة الغناء ضمن مجموعة التشريعات الصادرة من الله تبارك وتعالى , ويحاول تحديد حكمه ضمن تناسقه مع المجموعة , فلا يبحث عنه بصورة مستقلة لأنه جزء من منظومة , تتوقف معرفة حقيقته على معرفة الحالة العامة الحاكمة على المنظومة , لأنها لم تشرع كمفردة وأنما شرعت ضمن مجموعة , وقد تضيف الحالة المجموعية على المفردة شيئاً معيناً تفتقده المفردة في حالتها الأستقلالية , كحبة من عقد , فهذه الحبة قد تتصف بالجمال فيما إذا نظرنا إليها بصورة مفردة , وعندما نجعلها ضمن المجموعة تصبح جميلة , والغناء من هذا القبيل , فعندما نرى أن الشريعة المقدسة قد وضعت برنامجاً يومياً للمؤمن,جزءٌ منه للعبادة وجزء للنوم , وجزء منه لتنظيم الأمور المعيشية فلا يبقى مجال للمؤمن ليصرفه في الأمور الزائدة التافهة,والعاقل لايفعل ذلك . 

فإذا درسنا الغناء ضمن هذه المجموعة وبهذا المنظور الفقهي أمكننا الحكم بالحرمة , فالشيخ يرى أن ربط الحكم الشرعي الخاص بالمجموعة الفقهية قد يعطي للفقيه نظرية خاصة لايمتلكها إذا درس الظاهرة بصورة مستقلة , فأن للعقل الحسن ذوقاً وشماً ولمساً ونطقاً من حيث لايصل إلى الحدس , فأعتبار المناطيق والمفاهيم والتعريضات والتلويحات والرموز والأشارات والتنبيهات ونحوها مع عدم ضعف الظن من مقولة واحدة , إذ ليس مدار الحجية إلا على التفاهم المعتبر عرفاً , وهذا هو المحور الثالث في باب الأعلمية وهو الذوق الفقهي .  

رؤية الشيخ صانعي للمسألة :                     

بحث الشيخ يوسف صانعي معايير الأجتهاد ومفهوم الأعلمية في كتابه (مقاربات في التجديد الفقهي) وحاصل مايراه في تحديد الأعلمية لشخصٍ ما هو رهين بوضع معايير جديدة للتقويم ((وذلك بأن نعطي كل علم من العلوم الخادمة لعملية الأجتهاد درجة حسابية معينة , توازي دور هذا العلم في العملية الأجتهادية , فالعلامة القصوى هي عن مائة مثلاً , فنعطي للأصول – مثلاً – عشرين درجة , فيما نعطي للغة عشر درجات , ونعطي لعلم الرجال عشر درجات ,ونعطي لفن ممارسة الأجتهاد الفقهي عشرين درجة , ولعلم التأريخ عشر درجات ... وهكذا , وقد تدخل أيضاً الوعي الواقعي للحياة والسياسة والأجتماع في كلمات النبي وأهل بيته () , ثم نحسب للفقيه كم عنده في هذا العلم وفي ذاك , ونجمع فنأخذ المعدل الرئيسي للقضية , فهذه  هي الأعلمية المجموعية التي تأخذ المعدل بعد الكسر والأنكسار في الحساب , لا أن نجعل معيار علم المحقق البلاغي كامناً كما يقول بعض العلماء المعاصرين في درجة فهمه لمسائل العلم الأجمالي في أصول الفقه , فهذا تبسيط للمسألة يحتاج إلى الكثير من التفكير))  .   

ويرى الباحث أن هذا الرأي قد يكون صحيحاً نظرياً , ولكن عملياً غير ممكن , لأنه يحتاج الى من يضع هذه الدرجات ليحسب المعدل النهائي للفقيه (المفتي) . 

فإذا كان من يضع هذه الدرجات هم المكلفون , فأنهم متفاوتون أيضاً في فهم هذه العلوم وأدراكها , وبالتالي فأنهم غير قادرين أساساً على تقييم المجتهد . نعم يمكن أن يكون التقييم من خلال لجنة من العلماء تعد لهذا الغرض وهذا مالم يشر إليه الشيخ صانعي في معياره للأعلمية .  

رؤية الباحث للمسألة : 

بعد العرض المفصل للأوجه المتقدمة في معيار الأعلمية , يرى الباحث أن اغلب مسائل علم الفقه من حيث مبانيها الأصولية تتعكز على أساس العمومات والأطلاقات وتتمحور أيضاً بين الشبهتين المفهومية والمصداقية ,أما المباني الأصولية التي تتضمن الأوامر والنواهي فأنه لابد وأن يكون هناك إعمال فكر للفقيه في بيان مافيه مصلحة واسعة فيحكم بالوجوب أو أقل فيحكم بالاستحباب , وكذلك بالنسبة لما فيه مفسدة فيحكم بالحرمة أو أقل فيحكم بالكراهة , ولكن تطبيقات ماهو على الوجوب والحرمة أقل كلفة في تطبيق مثيلاتها من المسائل الفقهية . 

وغالباً الشبهة المصداقية يكون حكمها خارجياً , وهذا الحكم الخارجي يراد به معرفة هذه الأمور من أهل الخبرة والتخصص , ومثال ذلك أعطاء الزكاة للفقير , فالفقير يحدده أهل الخبرة , بينما في الشبهة المفهومية فأن الحلول تكون بتطبيق الكبرى على الصغرى , فإذا كان الفقير شبهة مفهومية فأنها محددة بأن الفقير (هو الذي لايملك قوت يومه) , وهذه الأمور بالتأكيد تحتاج إلى مجتهد أكثر دقة في الفهم وأكثر عمقاً في الأستدلال , والظاهر من ملاحظة مجموع الأدلة الشرعية – في باب الشرعيات – الآمرة بالتعلم والتفقه وسؤال أهل الذكر , سواءٌ في ذلك أدلة مشروعية التقليد وحجية الفتوى , وسائر ماورد فيه الأمر بالتعلم هو أن مراد الشارع المقدس معرفة المكلف الجاهل للأحكام الشرعية الآلهية الواقعية , وعلى هذا يرى الباحث أن : 

معيار الأعلمية                       هو كون المجتهد أكثر مهارة في تطبيق القواعد الأصولية اضافة الى العلوم الاخرى ,وهذه المهارة تتكامل عنده في مرحلة التطبيق والعمل . 

أما الملاك والمناط في الأعلمية                        فهو الاقربية الى الواقع والأقدرية على كشف مجاهيله , دون أي مقياس آخر من قبيل الأكثر دقة وتبحراً في الأصول (بالمقدار الزائد على مايلزم لفهم الأدلة والمقارنة بينها) أو الاكثر أستنباطاً أو الأكثر أطلاعاً على أقوال الفقهاء .  

أما الأسرعية فهي ضابطة ثانوية ترتكز بعد معرفته تطبيق تلك الأحكام على فروعها , فإذا كان للفقيه القدرة بحسب مايملكه من مؤهلات علمية وأفق فكري من خلال مراجعة الأدلة والروايات يستطيع وبحسب تلك الملكة من تطبيقها على مصاديقها بشكل أسرع من فقيه آخر يفقد تلك الملكة , فالسرعة أذن هي عنوان ثانوي لمبدأ أساس وهي معرفة تطبيقات العام على أفراده . والله العالم .  

(6) الشرط الخامس : (العدالة) :           

تستند نظرة الأسلام الى العدل على أنه مبدأ تأسيسي وهدف رئيسي , قبل أن يكون فضيلة خلقية أو قيمة حضارية والعدالة قيل في تحديدها عدة أقوال , أشهرها رأيان : 

الأول : أنها ((ملكة في النفس تمنعها من فعل الكبائر والإصرار على الصغائر ومنافيات المروءة)) . 

الثاني : أنها عندما تعد شرطاً في مرجع التقليد وهي : ((الأستقامة في السلوك بالسير على وفق أحكام الشريعة الإسلامية الملزمة – والتي تنشأ عن بواعث نفسية , تكون نتيجة دراية أيمان وتمثل لواقع الإسلام))  . 

ويفترق التعريفان في أخذ الأول لـ (الملكة) دون الثاني المكتفي بالأستقامة وأن لم تكن عن ملكة وتقوى نفسية , كما يفترقان في أشتراط الأول ترك منافيات المرؤة وهو مالم يشترطه الثاني . 

لكن التعريف الثاني هو خير تعريف للعدالة لأن القائلين بالملكة كما يشير السيد محمد تقي الحكيم لايريدون أكثر من تلك البواعث النفسية , كما أن القائلين بالأستقامة لايريدون إلا هذا النوع منها , لاعدم صدور المخالفة الشرعية فحسب . 

وقد أمر الله تعالى بالعدل في محكم كتابه في أكثر من آية , قال تعالى ((وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ))  . 

وقال تعالى ((وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى))  , وقال تعالى ((إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ))  , وقال تعالى((وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ      لِلتَّقْوَى))  . 

ولما كانت العدالة مبدأ تأسيسي, فهي من أهم الأمور التي ترد في كل ماشرعه الله من الأحكام , ومن السلوك الأنساني , وفي القضاء والحكم والأفتاء يكون لها شان كبير , 

إذ خاطب الله سبحانه وتعالى رسوله الكريم () : ((إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً))  . 

وليس المهم هنا تحديد مفهوم العدالة , وأنما المهم هو النظر في الأدلة التي تثبت أشتراطها في التقليد , ومن خلالها يمكننا تحديد مايشترط في المفتي من هذه الحيثية , لما هو معلوم أن العدالة المطلوبة في القاضي تختلف عن العدالة المطلوبة في أمامة الجماعة , أو في الشاهدين , أو في مستحق الزكاة بناءاً على أشتراطها في بعض الأصناف . 

إلا أن بعض ما أستدل به لأشتراطها لايحدد لنا مفهومها المطلوب شرطاً للتقليد , مثل الأجماع , وبناء العقلاء , وأرتكاز المتشرعة كما سنرى والأفتاء في الدين من أهم المجالات التي تطلب فيها العدالة , لذلك قل الخلاف في شأنها , ويشترط العلماء من الأمامية والجمهور وجود العدالة في المفتي وقالوا : لايستفتي العامة إلا من عرف بالأجتهاد والعدالة , فإذا جهل أجتهاده لايستفتى لأن الأجتهاد شرط لقبول الفتوى فلابد من ثبوته عند السائل , وكذلك مجهول العدالة لايستفتى إلا بعد البحث والسؤال عن عدالته , بما يغلب على الظن من قول عدل أو عدلين , أو بالأستفاضة والشهرة بين الناس . 

وقال الشيخ كاشف الغطاء ((لايجوز تقليد الفاسق مطلقاً ولو كان مجتهداً))  .

لأن العدل يكون غالباً موفقاً الى أختيار الصواب , وليطمئن الناس إليه بخلاف الفاسق فأنه مذموم , ويتطرق الشك الى أقواله كثيراً , فلا يصلح قدوة حسنة لمحاكاة المجتمع له , وتقليدهم أياه فيما يصدر عنه من فتاوى , ومن هنا قالوا : زلة العالمِ كالعالمَ , لأنه في مركز الصدارة والقيادة , والناس تبع لقادتهم . 


أدلة أعتبار العدالة : أستدل العلماء على أشتراط العدالة بأمور : 

أولاً : بناء العقلاء : إن مقتضى السيرة العقلائية هو التفريق بين المفتي الذي توفرت فيه عناصر الصدق في الكلام , والواقعية في العمل , والأستقامة في السلوك , وبين المستهتر الذي لايستقيم في سلوكه , ولاتتوفر له الدافعية والصدق , لأن النفس بمقتضى طبعها تطمئن إلى قبول الثقة دون غيره . 

ثانيا : الأجماع : وقد أدعى الكثير من أعلام المسلمين الأجماع على ضرورة توفر العدالة في المفتي , ((وأعتبره البعض رادعاً عن الأخذ ببناء العقلاء بناءاً على قيامه على التخيير بين العادل وغيره , وهو غير قائم في مثل هذا المقام))  . 

ثالثاً : أرتكاز المتشرعة : لما كانت مرتبة المفتي من المراتب العالية , وعليها تترتب نتائج كثيرة بالنسبة للأفراد , فأن المعصية الصغيرة بالنسبة لصاحب هذا المنصب تضر به وتقدح في شخصيته , حتى قد لاتنفع معها التوبة والمغفرة , لذا فالمرتكز في أذهان المتشرعة هو قدح المعصية في هذا المنصب , فالعدالة المعتبرة عندهم مرتبة عالية لاتزاحم ولاتغلب . 

ومن هنا استفادوا أن شرط العدالة يتقتضي الأخذ به , خصوصاً إذا عرفنا أن هناك تأكيداً من عامة المذاهب الإسلامية على التمسك به .  

رابعاً : الأخبار : وأستدل أيضاً برواية الأحتجاج عن أبي محمد العسكري (C) في حديث جاء فيه : ((فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه , حافظاً لدينه , مخالفاً على هواه , مطيعاً لأمر مولاه , فللعوام أن يقلدوه))  . 

وهنا أشتراط العدالة بمعنى الملكة , غير أن سند هذا الحديث ضعيف , لنسبته إلى تفسير العسكري (C) , ولم تثبت صحة هذه النسبة . 

ولعل منشأ القول بأشتراط العدالة هو الأصل العملي الذي يقتضي الاشتراط لدوران الأمر بين تعيين تقليد العادل وبين التخيير بين تقليده وتقليد فاقد صفة العدالة , فيكون تقليد العادل موجباً للقطع بموافقته للمطلوب , والشك بالموافقة عندما يقلد غيره . والله العالم .




(7) الشرط السادس : الكفاءة الإدارية : 

ويمكن للباحث أن يضيف شرطاً أخر أملته الظروف المتجددة من حيث كون المرجعية الدينية مؤسسة متكاملة تحظى بالأهتمام من قبل المكلفين , إلا وهو الكفاءة الأدارية وهو يخص القائلين بنظرية ولاية الفقيه العامة . 

الكفاءة لغةً : ((بالفتح : حالة يكون بها شيء مكافئاً أي : مساوياً لشيء آخر وكون الزوج نظيراً للزوجة))  , فهي إذن تعني المساواة , ويقابلها في الأنكليزية (Eruality) وتعني في لغتنا الحديثة الأهلية (Competence) وهي : القدرة على الشيء وحسن التصرف فيه . 

أما الإدارة (Administration) فيراد بها تصريف الشؤون وتدبير الأمور , فالكفاءة الأدارية إذن هي أن يكون لمرجع التقليد الأهلية التي يقتدر بها على تصريف شؤون المسلمين وتدبير أمورهم التي هي جزء من مهمات وظيفته الشرعية , وهذه الشؤون هي : 

 تعيين الوكلاء في الأطراف والبلدان . 

 جباية الحقوق المالية الشرعية . 

 توزيع الحقوق المالية وتوظيفها في مايخدم الأسلام ويحقق المصلحة للمسلمين . 

 الأشراف على الحوزات العلمية أدارياً وعلمياً . 

الأفتاء أو الحكم في تحقيق الموقف من القضايا العامة التي يجب على الدين أن يقول كلمته فيها . 

ويرجع هذا بالدرجة الأساس الى أن مرجع التقليد عند الأمامية يقوم بوظيفة النيابة العامة عن الإمام () الذي هو رأس المسلمين والمسؤول الأول عن إدارة شؤونهم وتسيير قضاياهم الشرعية . 

وفي خطوة تطويرية نابعة من واقع المرجعية الدينية وعلاقتها بحياة المسلمين , فقد حدد السيد الشهيد الصدر () وظيفة المرجعيّة في الشؤون التالية : 

 نشر أحكام الإسلام على أوسع مدى ممكن بين المسلمين , والعمل لتربية كل فرد منهم تربية دينية تضمن ألتزامه بتلك الأحكام في سلوكه الشخصي . 

 إيجاد تيار فكري واسع في الأمة يؤكد بأن الأسلام نظام كامل لشتى جوانب الحياة . 

 إشباع الحاجات الفكرية الإسلامية للعمل الإسلامي , وذلك عن طريق أيجاد البحوث الإسلامية الكافية في مختلف المجالات الأقتصادية والأجتماعية , والمقارنات الفكرية بين الأسلام وبقية المذاهب الأجتماعية وتوسيع نطاق الفقه الأسلامي على نحو يجعله قادراً على مد كل جوانب الحياة بالتشريع,وتصعيد الحوزة ككل الى مستوى هذه المهام الكبيرة .    

 القيمومة على العمل الإسلامي , والأشراف على مايعطيه العاملون في سبيل الله في مختلف أنحاء العالم الإسلامي من مفاهيم , وتأييد ماهو حق منها وأسناده , وتصحيح    ماهو خطأ . 

ويتمثل تطوير المرجعية , بأعتبارها مؤسسة دينية في أيجاد جهاز عملي تخطيطي وتنفيذي يقوم على أساس الكفاءة والتخصص , وتقسيم العمل , وأستيعاب كل مجالات العمل المرجعي الرشيد في ضوء الأهداف المحددة , ليكون هذا الجهاز بديلاً من الحاشية التي تعبر عن جهاز عضوي مرتجل يتكون من أشخاص جمعتهم المصادفات والظروف الطبيعية لتغطية ألحاجات الآنية بذهنية تجزيئية ومن دون أهداف محددة واضحة . 

ويشتمل هذا الجهاز على لجان متعددة , تتكامل وتنمو بالتدريج إلى أن تستوعب كل أمكانات العمل المرجعي . وهذه اللجان هي : 

1- لجنة تسيير الوضع الدراسي في الحوزة العلمية , ومهمتها تنظيم دراسة ماقبل (الخارج) , والأشراف على دراسات (الخارج) , وتحديد المواد الدراسية , وتضع الكتب الدراسية , وتجعل بالتدريج الدراسة الحوزوية بالمستوى الذي يتيح للحوزة المساهمة في تحقيق أهداف المرجعية الصالحة , وتستحصل على معلومات عن الأنتسابات الجغرافية للطلبة,وتسعى في تكميل الفراغات وتنمية العدد . 

2- لجنة الأنتاج العلمي , ووظائفها أيجاد دوائر علمية لممارسة البحوث ومتابعة سيرها وتشجيعها ومتابعة الفكر العالمي بما يتصل بالإسلام . 

3- اللجنة المسؤولة عن شؤون علماء المناطق المرتبطة , وضبط أسمائهم وأماكنهم ووكالاتهم , وتتبع سيرهم وسلوكهم وأتصالاتهم والأطلاع على النقائص والحاجات والفراغات , وكتابة تقرير أجمالي في وقت رتيب , أو عند طلب المرجع لذلك . 

4- لجنة الأتصالات,وهي تسعى لأيجاد صلات مع المرجعية في المناطق التي لم تتصل مع المركز , ويدخل في مسؤوليتها أحصاء المناطق ودراسة أمكانات الأتصال بها , ويدخل في صلاحياتها الأتصال في الحدود الصحيحة مع المفكرين والعلماء في مختلف أنحاء العالم الإسلامي. 

5- لجنة رعاية العمل الإسلامي , والتعرف على مصاديقه في العالم الإسلامي , وتكوين فكرة عن كل مصداق , وبذل النصح والمعونة عند الحاجة . 

6- اللجنة المالية التي تعنى بتسجيل المال وضبط موارده , وأيجاد وكلاء ماليين , والسعي في تنمية الموارد الطبيعية لبيت المال , وتسديد المصارف اللازمة للجهاز , مع التسجيل والضبط . ولاشك أن هذا الجهاز يحتاج إلى تطوير طويل الأمد ليبلور من خلاله تطوير القابليات         على العمل . 

    


المبحث الثاني 

تقليد المرأة 

توطئة 


الإستقراء التأريخي للمسألة 

شرعية تقليد المرأة 

الرأي الراجح في المسألة 

أدلة أشتراط الذكورة في المرجعيَّة 

إستنتاج 




توطئة : 

        تناول الفقه الإسلامي في القرن الأخير قضايا المرأة بطرق مختلفة , وقدمت في هذا المجال رؤى وتصورات , وبحجم تنوع النتائج كانت هناك آليات متنوعة أيضاً في تناول الموضوع , كانت الآليات المدرسية في الأجتهاد الفقهي واحدة من مناهج طرق قضايا المرأة , وقد قدمت هناك أيضاً نتائج مختلفة وجديدة . 

وبدورنا هنا سنحاول في هذا البحث وبإيجاز تناول موضوع أشكالي في الثقافة الإسلامية اليوم ,سيما في الوسط الأمامي , وهو ثنائي المرأة ومرجعية الأفتاء , ولما كان الموضوع منتمياً إلى مقولة الفقه الإسلامي , كان من الطبيعي أن نقترب ولو بعض الشيء من لغة هذا الفقه ونقطة البحث هنا تتعلق بقضايا الأجتهاد والتقليد , حيث ذكرت في المصادر الفقهية شروطاً للمقَّلد ومنها الذكورة , أي لابد في مرجع التقليد من أن يكون ذكراً رجلاً فلا يمكن لمقام المرجعية أن يكون أنثى مهما بلغت من العلم , لامن ناحية عدم الأعتقاد بأمكان بلوغ المرأة مرتبة الأجتهاد , بل من زاوية حقوقية  تمنعها من التصدي لمقام الأفتاء , كي يرجع إليها الأخرون . 

(1) الأستقراء التأريخي للمسألة :    

تبدو المعطيات التأريخية لهذا الموضوع غير متكافئة بين الفقه الأمامي وفقه الجمهور , فلم نجد ظهوراً جاداً لهذا الموضع في فقه الجمهور مؤخراً , على خلاف الحال في الفقه الأمامي , ولعل السبب في ذلك يرجع الى ظاهرة الأنحسار النسبي لموضوعة التقليد نفسها في فقه الجمهور قياساً بما عليه الحال في الفقه الشيعي , فلم يتم تناول مسألة المرجعية عند الجمهور كما تلقاها الفكر الإمامي لتأخذ حيزاً كبيراً من الحياة الشيعية مؤخراً .

وعلى أية حال يبدو أن غير الإمامية لم يشترطوا بالأتفاق أو شبه الأتفاق على الأقل منصب الافتاء بالذكورة عند حديثهم عن الأجتهاد والمفتي والمستفتي ويمكن ملاحظة ذلك عند أبن حزم الأندلسي (456 هـ)  , وأبو أسحاق الشيرازي (476 هـ)  ,والغزالي (505 هـ)  , والأنصاري اللكنوي في فواتح الرحموت ويصرح الشيخ حسن العطار صاحب الحاشية المعروفة على جمع الجوامع للسبكي بعد أشتراط الذكورة في المجتهد , لامكان الأجتهاد لهن , وأن كان كلامه في الأجتهاد في المدلول المطابقي .

وينقل أبن قدامه المقدسي (620 هـ) في المغني أنه حكي عن أبن جرير الطبري قوله بجواز تولي المرأة القضاء , ثم يجيب بأنه يجوز لها أن تكون مفتيه لا قاضية , مرسلاً أمر أفتائها أرسال الواضحات . 

والى نفس الرأي يذهب أبن الصلاح الشهرزوري (643 هـ)  والنووي (677 هـ) في المجموع ويستعرض أبن قيم الجوزية (751 هـ)  مايسميه : المكثرين والمتوسطين والمقلين في الأفتاء , ناصاً على أن منهم جميعاً الرجال والنساء , ذاكراً أسامي بعض النساء في كل فريق من الفرقاء الثلاثة منهن:عائشة وأم سلمة وأم عطية وصفية وحفصة , وأم حبيبة إلى أخره .

ومن النصوص الحاسمة مؤخراً,نص موسوعة الفقه الإسلامي الكويتية,حيث ذكرت أن عدم أشتراط الذكورة في المفتي هو حكم أتفاقي.وهكذا نجد تناسياً في النصوص السنية ترفض هذا الشرط,ففي الفتاوي الهندية (مذهب أبي حنيفة) أنه لاتشترط الذكورة في المفتي ولا الحرية, وفي كشف القناع للبهوتي (1051هـ) أنه تصح فتوى العبد والمرأة,وقد ذكر علاء الدين الحصفكي (1088هـ) في (الدر المختار) عدم شرطية الذكورة ولا الحرية ولا النطق في الأفتاء . 

أما على صعيد الفقه الإمامي , فأن أول من أثار هذا البحث هو الشهيد الثاني (965هـ) في مباحث القضاء من الروضة البهية مدعياً الأجماع عليه إذ قال ((وفي الغيبة ينفذ قضاء الفقيه الجامع لشرائط الأفتاء وهي البلوغ , والعقل , والذكورة , والإيمان , والعدالة , وطهارة المولد أجماعاً , والكتابة , والحرية , والبصر على الأشهر))  . 

وحيث لم يكن مبحث الأجتهاد والتقليد متداولاً – بأستقلال – في المصنفات الفقهية الإمامية , كانت موضوعاته تدرس في علم أصول الفقه , وأحياناً في بحث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الفقه نفسه , ويلاحظ ثلاثة أنواع من المصادر الأصولية التي عالجت البحث هي : 

 المصادر التي تقع قبل حقبة الحركة الأخبارية , أي قبل القرن العاشر الهجري , وقد تعرضت هذه الكتب في مباحث الأجتهاد والتقليد لمباحث مثل التصويب والتخطئة وتعريف حقيقة الأجتهاد , وبيان أن أحكام النبي () ليست أجتهادية وجواز عدم التقليد في أصول الدين , ولم تذكر أشتراط الرجولة في المفتي , رغم أنها أفردت بحثاً حمل عنوان : صفات أو صفة المفتي والمستفتي . 

المصادر التي جاءت في أطار النزاع الأخباري – الأصولي , ولم نجد فيها حديثاً عن هذا الموضوع إطلاقاً . 

المصادر الأصولية المتأخرة التي عالجت في خاتمتها مباحث الأجتهاد والتقليد , وقد تعرضت هناك لحقيقة الأجتهاد ومايحتاج أليه كما تعرضت لشروط المقلد ذاكرةً منها الحياة والأعلمية , وتعرضت أيضاً لمبحث الأجتهاد المتجزئ كما تناولت مبحث التخطئة والتصويب ولم نجد في هذه المصادر أي ذكر لشرطية الذكورة , رغم التعرض لبعض الشروط لمرجع التقليد وقد شذت بعض الكتب الأصولية عن ذلك , وستظهر في ثنايا البحث أن شاء الله . 

ويبدو أن هذا البحث لم يلق حضوراً في الميدان الفقهي , رغم الأشارة السالفة للشهيد الثاني في الروضة , وإذا لقي حضوراً فهو ضعيف وبسيط جداً , حتى أن الشيخ الأنصاري (1281هـ) المعروف بتفريعاته الفقهية يخصص رسالة للأجتهاد والتقليد ويفصّل فيه شروط المقلد ولايذكر عدا البلوغ والعقل والأيمان والأجتهاد , باحثاً في الحياة والأعلمية دون أن يشير بتاتاً إلى فكرة الذكورة . 

وقد أستمر هذا الوضع إلى أن جاء السيد محمد كاظم اليزدي (1337هـ) وذكر شرط الذكورة في مرجع التقليد في كتابه (العروة الوثقى)  , وقد تبنى بعض الفقهاء قبل صاحب العروة هذا الرأي أمثال السيد محمد الطباطبائي (1242هـ) في كتابه (مفاتيح الأصول)  . 

ولرصد المشهد في الفترة الأخيرة نجد وجود رأيين في هذا المجال : 

الرأي الأول : يتبنى وجهة نظر صاحب العروة ومن أنصار هذا الرأي أضافة لليزدي كل من المحقق الجواهري (1340هـ) , والفيروز آبادي (1345هـ) , والميرزا النائيني (1355هـ) , والشيخ عبد الكريم الحائري (1355هـ) , والمحقق العراقي (1361هـ) , ومحمد حسين كاشف الغطاء (1373هـ) والسيد حسين البروجردي (1380هـ) , وعبد الهادي الشيرازي (1382هـ) , والشيخ محمد رضا آل ياسين (1370هـ) , وآية الله محمد الخوانساري (1405هـ) , والسيد الخميني (1409هـ) , والسيد الخوئي (1413هـ) , والسيد الكلبايكاني (1414هـ)  . 

وقد أستمرت هيمنة هذا الرأي على الموقف الفقهي في العصر الحاضر ,  حيث يذهب أكثر مراجع التقليد المعاصرين إلى أشتراط الذكورة , كالسيد السيستاني , والشيخ التبريزي , والوحيد الخراساني , والشيخ محمد تقي بهجت , والسيد محمد سعيد الحكيم . 

الرأي الثاني : وهو الرأي المخالف لما ساد في الفترة الأخيرة بالخصوص وقد ذهب أليه المحقق الأصفهاني (1365هـ) في رسالته في الأجتهاد والتقليد , متوقفاً فقط في موضوع التسالم , والسيد الحكيم في المستمسك , وأن كانا لم يعلقا على العروة في شرط الذكورة , مايعني تبنيهما هذا الرأي علمياً لافتوائياً . 

وممن ذهب الى هذا الرأي السيد رضا الصدر , والشيخ شمس الدين , ومال أليه السيد محمد حسين فضل الله , وتبناه الشيخ محمد الجيلاني , ولم يذكره صراحةً شرطاً الشيخ يوسف صانعي , وهو الظاهر من السيد تقي القمي أيضاً في مباني منهاج الصالحين , ومن شريعتمداري الجزائري في النور المبين وهذه هي الصورة الموجزة للمشهد التأريخي والمعاصر فقهياً في مسألة شرطية الذكورة . 

(2) شرعية تقليد المرأة : 

بحث الأستاذ حيدر حب الله هذه المسألة في بحثه الموسوم ((المرأة ومرجعية الأفتاء)) وحاصل ما أورده من أدلة لأثبات عدم أشتراط الذكورة في مرجع التقليد هي : 

أ- الدليل الأول : ((أن مبدأ قدرة المرأة على بلوغ مرتبة الأجتهاد , مما لا أشكال فيه من الناحية التكوينية , بل قد حصل ذلك تدريجياً , كما تشهد له كتب التأريخ والتراجم وغيرها , وهذا معناه أن المرأة ببلوغها مرتبة الأجتهاد يحصل لها القطع واليقين بالحكم الواقعي أو الظاهري , ومعه كيف يجوز لها تقليد غيرها ممن قد يخالفها الرأي ؟ ومن ثم لاتكون مشموله بالبناء العقلائي في رجوع الجاهل إلى العالم بعد فرض خروجها عن الجهل . 

وبعبارة أخرى : لأن مادل على عدم جواز تقليد المجتهد لغيره – أو عدم لزومه عليه كما هو مبنى جماعة – يجري في المرأة تماماً كما يجري في الرجل , فلا معنى لألزامها بالتقليد بعد بلوغها مرتبة الأجتهاد))  . 

ويرى الباحث أن المشرع الإسلامي عندما أشترط الذكورة في بعض الأمور لم يأت بشيء جديد ولاشاذ في تأريخ البشرية , بل هو الأصل الأولي والقاعدة الأولى الإ ماشذّ وندر , والشارع المقدس عندما يشرع أمراً يكون التشريع لعامة الناس ولاينظر للقضايا الشاذة والنادرة , لأن المصاديق الشاذة والنادرة لاتصلح لأن تكون أصلاً وسبباً لصياغة قاعدة عامة ؟ ((نعم هناك قضايا شاذة ونادرة تحققت في خصوص الأسر الحاكمة , فعندما تكون الحكومة حقاً لأسرة معينة , ولم يتواجد فيها رجل تتوفر فيه الشروط اللازمة كان يتم أختيار أمرأة مع ضم مجلس وصاية أليها تتحمل مسؤولية الحكم والأدارة الى أن يوجد الرجل الكفوء , وهذه الأستثناءات النادرة أيضاً , لم تتوفق في طول التأريخ بـ(كيلوبترا في مصر , وزنوبيا في تدمر) , ومجموعة أخرى من النساء تسلمن   السلطة قديماً))  .

وأيضاً هذه الندرة نجدها في حقل الأفتاء والقضاء أيضاً , وحتى في التشريعات الأخرى نجد أشتراط الرجولة في بعض الأمور , ففي الملاحق المدونة لـ(جوستنيان) ملحق ضامن بالمرأة ينص على أن ((ليس للنساء ولاية الأعمال العامة , والمرأة مهيأة بالفطرة للعناية بأمور البيت , والرجل للأعمال العامة والخارجية))  . 

وكلامنا هذا ليس معناه التجاوز على حقوق المرأة وشخصيتها أو بخس حقوقها الخاصة , بل توزيع أدوار الحياة على الناس بحسب قابلياتهم وفطرتهم وتركيبتهم الذهنية والجسدية , فأعطيت المرأة الأدوار اللائقة بها , من قبيل إدارة البيت والأهتمام بالأولاد , والأعمال التي تتناسب مع وضعها الخاص وتنسجم مع حالتها الجسدية المعينة , وخواصها الفكرية , وهذه ليست من القضايا الشاذة النادرة الخاصة بالشريعة الإسلامية , بل يوجد لها أسس عقلية وأجتماعية وتأريخية , فأشتراط الرجولة في المقلَّد ليس قضية نادرة بعد مالم تكن المرجعية مسألة فكرية بحتة , لأن مرجع التقليد مضافاً إلى الأهتمام بالجانب الفكري يتحمل مجموعة من المسؤوليات الأجتماعية كمسؤولية القضاء والأهتمام بشؤون المسلمين , أما من باب ولاية الفقيه المطلقة , أو من باب أولوية التصدي للأمور الحسبية . 

ب- الدليل الثاني : التمسك بالأدلة العامة المثبتة لمبدأ التقليد , فأن في هذه الأدلة أطلاقاً يشمل كون المقلد أنثى , وأبرز هذه الأدلة : 

أولاً : العمومات والاطلاقات اللفظية الواردة في الكتاب مثل آية الذكر وآية النفر إلى غيرها من الأدلة العامة غير المقيدة بقيد الذكورة . 

ثانياً : الأرتكاز والسيرة العقلائية القائمة على رجوع الجاهل إلى العالم , بلا فرق – جزماً – بين كون العالم ذكراً أو أنثى , فأن هذا المبدأ يعمل به العقلاء غير ناظرين فيه إلى الجنس المرجوع أليه من الذكورة والأنوثة  . 

ولكن الأدلة اللفظية هنا ليست في مقام البيان من حيث شروط الرجوع إلى أهل الذكر أو غيرهم , وأنما هي بصدد أرشاد إلى المرتكز العقلائي العام في رجوع الجاهل إلى العالم فقط , ومعه لايمكن التمسك بأطلاقها لنفي شرطية ما أو قيد مخصوص , فالأطلاق هنا منعقد في الأرشاد لا في المرشد إليه كما هو واضح من ظهور الآية الكريمة , ثم أن هذه الأطلاقات منصرفة إلى الرجل , لعدم معهودية تصدي النساء لشؤون الأفتاء , ومعه لامجال للتمسك بها , فأن الأنصراف يهدم الأطلاق , كما هو المقرر في أصول الفقه . 

ج- الدليل الثالث : ماذكره بعض الفقهاء المتأخرين من التمسك بصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن ابي عبدالله (C) – في حديث – قال ((أن معنا صبيّاً مولوداً , فكيف نصنع به ؟ فقال : ُمر أمَّه تلقى حميدة , فتسألها كيف تصنع بصبيانها ؟ فأتتها , فسألتها كيف تصنع ؟ فقالت : إذا كان يوم التروية فأحرموا عنه , وجردوه , وغسلوه كما يجرد المحرم , وقفوا به المواقف فإذا كان يوم النحر فأرموا عنه وأحلقوا رأسه , ثم زوروا به البيت , ومُرِّي الجارية أن تطوف به في البيت وبين الصفا والمروة))  . 

وتقريب الأستدلال بالرواية أن الأرجاع إلى حميدة كان أرجاعاً في الحكم لا في أخذ الحديث , مضافاً إلى أن حميدة نفسها بحسب الرواية , لم تنقل للمرآة حديثاً أو تروي لها رواية , بل أعطتها حكماً شرعياً , مايدل على أن المقام مقام أفتاء وتقليد لا مقام رواية أو نقل . 

وناقش الرواية العلامة شمس الدين ورأى بأنها غير ظاهرة في الحكم , والأفتاء بقدر ماهي  ظاهرة في نقل الحكم وتعميمه ,فلا معنى للتسّرية في غير محلها . 

فالرواية المتقدمة قاصرة في لغتها عن أفادة جواز تقليد المرأة , لأنه قد يكون مراد الأمام (C) أن تسأل حميدة كيف تصنع هي بصبيانها , خصوصاً مع أستخدام صيغة الجمع في الصبيان مع أن السائلة كان معها صبي واحد , لكن حميدة أجابت بصيغة الحكم دون صيغة الأخبار ,وهذا معناه أن الأمام أنما أرجع إليها لتخبر ماذا تصنع هي ماعرفته عن الأمام (C),ويكون(C) ممضياً فعلها هذا . 

د- الدليل الرابع : التمسك بسكوت الأئمة (‡) عن إفتاء عائشة (رض) , بل عن أتفاق أهل السنة على جواز تقليد المرأة , وقد كان الأمران – أي إفتاء عائشة وإجماع أهل السنة على الجواز – بمرأى من أهل البيت () ومسمع ولم يصدر منهم شيء , ولو صدر لوصلنا شيء منه , مما يدل بمجموعه على الأمضاء . 

ويمكن المناقشة فيه بوجهين : 

الوجه الأول : أن الشق الثاني فيه وهو أجماع أهل السنة على الجواز وبمرأى من أهل البيت () , لايمكن قبوله بحال , فالمعلومات التأريخية التي وصلتنا حول هذا الموضوع لاتحكي عن الموقف السني في تلك الحقبة بوضوح , نعم هي تحكي عن بدايات القرن الرابع الهجري تقريباً من بعد , وهذا يعني نهايات الغيبة الصغرى , ومن ثم لادليل على أن موضوعاً من هذا القبيل كان مطروحاً على بساط البحث الجاد في القرون الثلاثة الهجرية الأولى . 

الوجه الثاني : أنه من غير الضروري أن يكون ردع الأئمة () عن خطأ مافي الثقافة الإسلامية والفقه السني عبر أصدار نص معارض لمضمون ما أتفق عليه أهل السنة أو أمر فعلته نساء الصدر الأول , فأن هذا أحد أشكال الردع وبيان الخطأ , وثمة شكل أخر يتبلور عبر تكوين وعي متشرعي لايسمح بأنعقاد حكم من قبيل ما أتفق عليه الفقه السني , بل يراه بأرتكازه منافياً للشريعة وهذا كافٍ في تحقيق الردع وبيان الحق , ومن غير البعيد أن يكون أهل البيت () قد أستخدموا هذا السبيل عبر عشرات من النصوص التي تفيد تنحية المرأة عن مثل هذه المجالات , مثل أمامة الجماعة , ومنصب القضاء , والشهادة أضافة إلى مادل على عدم تولّيها شيئاً , وما أوكل إليها من وظائف تناسب طبيعتها الجسمية , وعدم مشاورتها وماشابه ذلك , فأن هذا الحجم الهائل من النصوص يمكن – بتراكمه – ان يساهم في تكوين أرتكاز متشرعي رادع بنفسه , يكون له من قوة الردع ماقد لايكون لنص الصريح , وهذا الوجه في غاية المتانة من وجهة نظر الباحث , ولذا فالدليل الذي ذكره السيد رضا الصدر يمكن أن يكون شاهداً وليس دليلاً , ثم أن أمضاء الأئمة عليهم السلام ربما يكون من جهة الاحترام والتقدير لكونها زوجة النبي () وليس لكونها مفتية . 

(3) الرأي الراجح في المسألة : 

قبل أختيار الرأي الراجح لابد من الأشارة الى نقطتين : 

الأولى : ان الشريعة الاسلامية تنظر الى المراة نظرة احترام وتقدير فالبعض منهن قد وصلت إلى مرتبة عظيمة وتقع في الرعيل الأول سيدة نساء العالمين (فاطمة الزهراء () ) , فهذه السيدة العظيمة وقفت موقفاً لاينساه التأريخ في الدفاع عن الرسالة والإمامة بعد وفاة أبيها العظيم () , وتلتها أبنتها العظيمة بطلة كربلاء السيدة زينب () التي شاطرت أخاها الشهيد () في ذلك اليوم الرهيب , وتقع في هذه المجموعة السيدة نفيسة في مصر , والسيدة رقيّة في دمشق والسيدة فاطمة المعصومة في قم ... فلهن مزارات كمزارات الأئمة يجتمع فيها الملايين من المسلمين كل سنة , فالمرأة تحتل موقعاً عظيماً في الفكر الأمامي وتحمل من القداسة والأحترام أحيانا مالم يحمله رجل . 

الثانية : يجب النظر إلى الإسلام كمنظومة فكرية متكاملة , إذ يوجد تناسق غير مرئي بين أحكامها , فما يرد في كتاب الديات لابد وأن يكون متناسقاً مع الثابت في الطهارة والصلاة , وبين القضاء والشهادات تناسق خاص كما أن بين الأحكام المالية والعبادية يوجد تناسب معين .., فلا يصح أذن إخراج حكم خاص من المجموعة والتركيز عليه والمناقشة فيه – لأنه يكتسب كماله وحكمته من المجموعة في ضمنها ... ومن هنا ينظر للمرأة وأحكامها من هذه الحيثيّة ... فلا يمكن الفهم الدقيق والعقلائي للأحكام المجعولة لها إلا عند ضمِّها الى المجموعة الكبيرة من التشريعات الصادرة منه والذي يمكن تسميته بالفكر الإسلامي , ومن هنا أختلفت الاحكام الخاصة بها من الأحكام الثابتة لها في النظم الغربية . 

وهنا يقع البحث عن أجتهاد المرأة من جهتين : 

الأولى : الجانب الفردي : وهذا لايمكن المناقشة فيه لأن المرأة كالرجل تتمكن من تحصيل ملكة الأجتهاد , ومن هنا إذا أمتلكت القابلية للأستنباط فيحرم عليها التقليد كالرجل .  

الثانية : الجانب الأجتماعي : ويقع البحث فيه من طريق الأحكام المختصة به , ففي رواية الأمام أمير المؤمنين (C) عن النبي (C) ((ياعلي ليس للنساء جمعة ولاجماعة ولاعيادة مريض ولا أتباع جنازة ولاتولي القضاء ولاتستشار إلا عند الضرورة))  . 

كما أنه ليس لها الشهادة إلا في قضايا معينة , كما أنه ليس عليها الجهاد ,وحيث أن للأفتاء لازمين لاينفكان هما : 

 التصدي للقضاء , فالفقيه المجتهد هو أولى الناس بالتصدي له . 

 التصدي لأدارة أمور الناس : فهو أولى الناس بتولّي أمور المسلمين إن لم نقل بأختصاصه . 

وحيث ثبت لنا أن الشريعة لم تسمح لها بالتصدي للآمرين الآخرين , فيثبت من ذلك أيضاً عدم السماح لها بالملزوم , إذ إن التفكيك بينهما يتنافى مع النصوص الشرعية , نعم للضرورات أحكامها لكننا لانتكلم هنا عما تمليه الضرورة . 

وبحسب أستقرائنا للتاريخ فلم نجد أن امرأة تصدت لتنفيذ حكم الأعدام لاقديماً ولاحديثاً , ولاتنفيذ أحكام الجلد والضرب حسب ماتسمح به الأنظمة والقوانين والأديان , ولم يقل أحد بأن ذلك منافياً لحقوقها فكذلك الأمر هنا في مورد البحث , لأن القضاء قد يوجب أصدار أحكام قاسية كالقتل في موارد القصاص , وقطع اليد في مورد السرقة ,وغيرها , كما أن الحكومة والولاية قد تستوجب أعلان حكم الحرب مثلاً ,لذا لم توافق الشريعة على تصديها لهذه الأمور. 

يقول الشيخ الهرندي ((إن أدارة الشؤون الأجتماعية تقتضي توظيف جميع الأمكانيات البشرية من الرجال والنساء ولكن لابد من توزيع المسؤوليات على الناس بحسب الأمكانيات والقابليات , فيوظف كل أنسان بما يتناسب مع قابلياته النفسية والجسدية , بل حتى العاطفية , وحيث أن المرأة (الأم , الزوجة , الأخت),حساسة وعاطفية...ومن هنا كانت الوكر الدافئ للرجل والمهد الحنون للطفل والأخت الحبيبة للأخ فلابد من ملاحظة هذه الحالة في مرحلة التوظيف وتقسيم المسؤوليات)) . ومن هنا لم تكن المرأة موفّقة في حقل الولاية والحكومة .

(4) أدلة أشتراط الذكورة في المرجعية : 

أ- النصوص : 

هناك طائفة من النصوص الشريفة يستشف منها أختصاص الحكم بالرجل دون المرأة , والردع عن الرجوع إلى المرأة : 

الرواية الأولى : حسنة أبي خديجة سالم بن مكرم الجمّال قال ((قال أبو عبدالله جعفر بن محمد الصادق (C) : إياكم أن يحاكم بعضكم بعضاً من أهل الجور , ولكن أنظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فأجعلوه بينكم , فأني قد جعلته قاضياً , فتحاكموا إليه)) . 

وتقريب الأستدلال بالرواية : انها أحالت إلى الرجل مايدل على أن الذي يمكن الرجوع إليه في التقليد والفتوى أنما هو الرجل دون المرأة , ولذلك تتقيد المطلقات ويردع عن المرتكزات . 

إلا أن الأستاذ حيدر حب الله ناقش الرواية السابقة بكونها واردة مورد القضاء فتدل على عدم أمكان كون المرأة قاضية والأفتاء غير القضاء,ومعه فلا يمكن تسرية الحكم من القضاء إلى الأفتاء ,فتكون الرواية أجنبية عن مورد البحث . 

ويمكن الأجابة عن ذلك بأن هناك قرينتين تدلان على أختصاص الحكم بالرجل : 

القرينة الأولى : أن أخذ عنوان الرجل في الرواية الشريفة يكون من مقولة غيره من العناوين المقيدة , فكما أن الأصل في القيود الأحتراز إلا أن يدل دليل على التوضيح , ففي مورد البحث أيضاً يكون الأمر كذلك , فلابد إذن من الأقتصار على عنوان الرجل , إلا أن تقوم قرينة على عدم أختصاصه بالقضاء والأفتاء . 

القرينة الثانية : أن الرواية الشريفة في صدد بيان قاعدة عامة , وهي قاعدة الرجوع الى القاضي أو المفتي ,الذي يجوز الرجوع أليه في الأحكام الشرعية , فتكون ظاهرة في الأختصاص .

الرواية الثانية : مقبولة عمر بن حنظلة قال ((سألت أبا عبدالله (C) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث , قلت : فكيف يصنعان ؟ قال : ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا,ونظر في حلالنا وحرامنا , وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً , فأني قد جعلتّه عليكم حاكماً,فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه , فإنما أستخفّ بحكم الله وعليه رد))  . 

وقد أوردت عدة أعتراضات عليها منها : 

ما أفاده السيد الخوئي () , من أن الرواية ضعيفة السند بأبن حنظلة نفسه , إذ لم يرد فيه توثيق في المصادر الرجالية , والرواية الواردة في توثيقه ثمة في سندها يزيد بن خليفة , وهو واقفي لم يوثق , ألاّ على مبنى توثيق من يروي عنه أحد المشايخ الثلاثة ونحو ذلك , والمبنى مرفوضٌ في علم الرجال .

       أما القول بعمل الأصحاب بالرواية فهو جابر لضعفها السندي , ولهذا سميت بالمقبولة , ولذا فقد اختلفت كلمات السيد الخوئي () فيه بين كتبه , ففي بعضها أقر بذلك ورآه موجباً لامكان الأخذ بها , فيما رفض ذلك في بعض كتبه الأخرى . 

على أن هناك أعتراضاً في الدلالة , حيث أن (من) الموصولة لاتدل على الأختصاص , لأن (من) مشتركة بين الرجال والنساء , ويرى الباحث أن الأعتراض وارد وصحيح , والمحصلة أن الضعف في السند والدلالة يوهن الأستدلال بها . 

الرواية الثالثة : رواية الأحتجاج وفيها ((من كان من الفقهاء صائناً لنفسه ...... ألخ)) ووجه الدلالة أن الفقهاء جمع لكلمة (الفقيه) والظاهر منها أختصاصها بالرجل , وهذه مع التسليم بدلالتها , لايمكن الأستدلال بها لأنها ضعيفة السند ,ولكن في بحثنا عن الرواية سابقاً كان للباحث رأي آخر . 

ب- الأجماع : وهو الأجماع المدعى في لسان الشهيد الثاني على ماجاء في عبارة الروضة , مضافاً الى القول بأنه المشهور المعروف عند الإمامية , أو المتسالم عليه . 

ويناقش أن البحث التأريخي يؤكد لنا عدم وجود إجماع شيعي , ولاحتى شهرة شيعية في هذا الموضوع , ولانقل من عدم إحرازه , فقبل الشهيد الثاني في القرن العاشر الهجري لا أثر لهذا الموضوع في المصنفات الفقهية والأصولية , وحتى بعده لم يظهر لهذه الفكرة حضور واضح إلا بعد صاحب العروة في القرن الرابع عشر الهجري , فأي مستند لدعوى الأجماع الشيعي أو الشهرة على شرطية الذكورة في المرجعيّة ؟! والنتيجة من ذلك عدم تمامية دليل الأجماع المذكور . 


ج- السيرة العقلائيّة :  

         وهو ماذكره السيد الخوئي () من أن أحكام المرأة في الشريعة الإسلامية من قبيل وجوب الحجاب عليها , وعدم جواز أختلاطها بالرجال , وعدم جواز تولّيها للأمور العامة , يستفاد منها ردع الشارع – بالنسبة الى المرأة في مقام الأفتاء – عن عموم السيرة العقلائية الشاملة للرجال والنساء في قضية رجوع الجاهل الى العالم , فتختص حجية السيرة بالقدر المتيقن في باب الأفتاء , وهو الذكر خاصة . 

ويمكن أن نستشف ذلك من مذاق الشريعة المقدسة , إذ أن هناك مجالات خاصة لايسمح للمرأة الدخول فيها كما تقدم , وأن من مذاقها أيضاً عدم جواز أختلاط الرجل بالمرأة , لأن أختلاطهما في مجتمع غير نزيه لم يصل الى مرحلة الكمال , يستوجب تعريضه لكثير من المشاكل التي لايمكن أنكارها على الأطلاق .

د-  التمسك بالسيرة المتشرعية : 

القائمة على عدم تصدي المرأة شؤون القضاء والأفتاء ونحو ذلك , فأن المتشرّعة يرفضون مثل هذا التصدي للمرأة , رغم وجود مجتهدات ولم يعهد منهم الترحيب بمثل ذلك , مايكشف كشفاً آنياً عن عدم جعل هذه المناصب لها في الشريعة الإسلامية . 

وناقش ذلك الأستاذ حيدر حب الله بأن ((توفر أمر من هذا النوع في غاية البعد هنا فأن الثقافة السابقة سواءٌ في المجتمع الإسلامي أو غيره لم تكن ثقافة غير ذكورية , بل كان ينظر للمرأة عادة على أنها غير مؤهلة لتصدي مناصب من هذا النوع , لندرة المؤهلات وقلة المتعلمات منهن , وتفشي الأمية بينهن على نطاق واسع))  . 

ويرى الباحث أن ربط هذا الموضوع بتغيرات الزمان والمكان هو ربط غير دقيق , لأن الموضوع مدار البحث وهو تصدي المرأة للأفتاء موضوع في غاية الأهمية , ولهذا فلم ينظر المتشرعة لقضية ثقافة المجتمع الذكورية أو غير الذكورية , فلا يمكن تسرية هذا التغيير على حكم تصدر المرأة خصوصاً إذا عرفنا أنه ((لا إشكال في كشف سيرة المتشرعة عن رضا صاحب الشريعة , إذ من المستبعد جداً , بل من المحال عادة استقرار سيرة المسلمين وأستمرار عملهم على الشيء من عند أنفسهم من دون أن يكون ذلك بأمر من الشارع))  . 

(5) أستنتاج : 

يمكننا من خلال عرضنا للأدلة والمناقشات فيها , ورصد المعطيات المتوفرة إلى أنه يمكن للمرأة أن تكون مجتهدة في الحقل الشرعي , ولايمكن تقليدها بأي حال من الأحوال , للنصوص المتوفرة وللسيرة العقلائية والمتشرعية الدالة على ذلك ,لأن التقليد فيه نوع ولاية ولا ولاية للمرأة على الرجل . 

لكن كل ماذكرناه لايمنع من القول بأشتراك الرجل مع المرأة في صنع الحياة , فأن هناك مجالات متعددة تتمكن المرأة من دخولها كالطب النسوي وغيره , والمهم أن أبتعاد المرأة عن الرجل ووضع أحكام خاصة لها لايستوجب عدم إشتراكها مع الرجل , بل تتمكن من مشاركته واثبات مساهمتها له في جميع جوانب الحياة , مع ملاحظة شروط معينة . 


المبحث الثالث 

مسائل مهمة في التقليد 

تعدد المفتين 

التبعيض في التقليد 

صور التبعيض

العدول عن الحي إلى الحي 

طرائق الفحص عن الأعلم 

نظرة علماء الجمهور إلى المجتهد  





(1) تعدد المفتين : 

يستفاد من أدلة مشروعية التقليد وحجية الفتوى أن لها دلالتين من حيثيتين : أحداهما : دلالتها على حجية جميع الفتاوى من حيث كونها صادرة عن الفقهاء الجامعين للشرائط . وثانيهما : دلالتها على حجية ومرجعية الفقهاء الجامعين للشرائط من حيث كونهم مفتين . 

فإذا لم يوجد في البلد ألا مفتٍ واحد , فعلى العامي سؤاله والرجوع أليه , فأن كان هناك جماعة من المفتين , فمن الذي يستفتى منهم ؟ أختلف الأصوليون في هذا الأمر على قولين : 

يجب على العامي أستفتاء الأفضل في العلم والورع والدين ,فأن أستووا تخيّر بينهم , وقد أختاره الغزالي , مقرراً أن أحد المفتين إذا كان أفضل وأعلم في أعتقاده فأنه يجب عليه اتباع الأفضل , قال في المستصفى ((والأولى عندي أن يلزمه اتباع الأفضل , فمن أعتقد أن الشافعي رحمه الله أعلم والصواب على مذهبه اغلب,فليس له أن يأخذ بمذهب مخالفه بالتشهّي))  . وأتفق الأمامية على وجوب تقليد الأعلم , بل أدعي الأجماع عليه . 

والى هذا الرأي ذهب الزيدية . وهو ظاهر أبن الهمام في التحرير وشارحيه من الأحناف.وهو مختار احمد بن سُريج والقفّال , والقاضي المروزي وأبن السمعاني .

وأبو أسحاق الأسفراييني , والكياالهراسي , والرازي والسبكي من الشافعية . 

وهو ما اختاره أبن القصار , والشيخ عليش , من المالكية .

وهو مذهب أحمد بن حنبل , وأختاره أبن عقيل البغدادي , وهو الظاهر من الخرقي , وأختاره أبن بدران في شرح الروضة , من الحنابلة . 

يخيّر العامي في سؤال من شاء من العلماء , سواء تساووا أم تفاضلوا وعليه جماهير الأصوليين والفقهاء ومنهم الحنفية والمالكية وأكثر الحنابلة والشافعية , وعبارتهم المشهورة في ذلك : ((يجوز تقليد المفضول مع وجود الفاضل في   العلم))  . 

أ- أدلة القول الأول : لزوم البحث عن أفضل المجتهدين : 

 أن قول المفتين في حق العامي ينزل منزلة الأدلة المتعارضة في حق المجتهد وكما يجب على المجتهد الترجيح بين الأدلة فيجب على العامي الترجيح بين المجتهدين . 

ويمكن للباحث أن يناقش ذلك بأن الفرق واضح بين العامي والمجتهد ,فأن المجتهد يسهل عليه الترجيح بين المتعارضين بخلاف العامي , فأنه وأن تمكن من تفضيل بعض العلماء أحياناً , فربما لايتسير له في أحيانٍ أخرى ولكن الأمر يهون عندما يكون الترجيح بالتحري , وهذا أمر ممكن , والطاعة على قدر الأستطاعة . 

 القياس : فكما يجب تقديم الأفضل في الإمامة العظمى فكذا في الأفتاء . 

ويرى الباحث انه حتى على التسليم بحجية القياس , فأنه قياس مع الفارق كما نرى , لأن إمامة الصلاة تجب بها العدالة كشرط رئيسي , ولايشترط فيها الأعلمية , وأما الأفتاء فالموضوع هو الحكم الشرعي , ويحتاج هذا إلى مفهوم الأعلمية ليتسنى للمكلف الأطمئنان إلى ذلك الحكم , وإذا علمنا ذلك نستنتج عدم تمامية هذا الدليل . 

 الإخبار الدالة على ترجيح الأعلم على غيره ومنها مقبولة عمر بن حنظلة التي رواها المشايخ الثلاثة , ولاوجه للمناقشة في سندها بعد ماكانت مقبولة معمولاً بها فهي منجبرة بعمل الأكثر قال المحقق الداماد في الرواشح : ((ومقبولات الأصحاب كثيرة منها مقبولة عمر بن حنظلة التي هي الأصل عند أصحابنا في أستنباط أحكام الأجتهاد , وكون المجتهد العارف بالأحكام منصوباً من قبلهم)) , ووجه الأستدلال بها أن الإمام (C) قدم قول (الأعلم والأفقه) على غيره عند المعارضة والمخالفة وهو المطلوب ((ولايقال أن المراد بالحكم هو فصل الخصومة والقضاء فقط لا الفتوى بقرينة السؤال عن منازعة الرجلين في دين أو ميراث فتكون الرواية أجنبية عما نحن فيه , لأننا نقول : 

أولاً : الظاهر عدم القول بالفصل بين الحكم والفتوى , فكل من قال بتقديم حكم الأعلم قال بتقديم فتواه وقد أعترف بهذا الأجماع صاحب المفاتيح في ظاهر كلامه واعترف به الشيخ  الأنصاري () . 

ثانياً : أن المراد بالحكم في الرواية ليس ماهو المصطلح عند الفقهاء,أعني القضاء ,بل الظاهر أن المراد به المعنى اللغوي المتناول للفتوى مثل قوله تعالى في غير موضع    ((وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)).بدليل عدم ثبوت الحقيقة الشرعية . 

وثالثاً : ثبوت الملازمة بين الحكم والفتوى في الشبهات الحكمية فأن القاضي في الشبهات الحكمية لايحكم بشيء إلا إذا أفتى به فإذا رجح الحكم بمناط الأعلمية فلابد من ترجيح تلك الفتوى بهذا المناط , مضافاً إلى قول الراوي:(وكلاهما أختلفا في حديثكم) . 

فأن ظاهرة كون الأختلاف بينهما ليس من جهة اختلاف البينات أو الأيمان وأنما هو من جهة الأختلاف في الفتوى , فأن المنازعة قد تكون من جهة الأشتباه في الحكم الشرعي , فيرجعان إلى من يحكم بينهما بالفتوى , وقد يكون من جهة الأشتباه في الأمور الخارجية فيحكم بينهما بالبينات والأيمان , كما أن علماء الفقه في عصر الأئمة () أختلافهم بالفتوى يكون بأختلاف الحديث الذي يستندون أليه وكانت فتاواهم غالباً بلسان الحديث)) . 

ب- أدلة القول الثاني : (التخيير) : 

1- الإجماع : استدل جمهور الفقهاء بأن الصحابة كان فيهم الفاضل كالخلفاء الراشدين والمفضول من المجتهدين , ومع ذلك كان المفضول يسأل ويجيب ولايحيل على الأفضل , والفاضل يعلم ذلك فلا ينكر , فكان ذلك أجماعاً . 

قال الآمدي ((فأن الخلفاء الأربعة كانوا أعرف بطريق الأجتهاد من غيرهم , ولهذا قال (C) : (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي , عضوا عليها بالنواجذ) وقال عليه السلام : (أقضاكم علي , وأفرضكم زيد,وأعرفكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل) . 

وكان فيهم العوام ومن فرضه الأتباع للمجتهدين والأخذ بقولهم لاغير))  . 

ويرى الباحث أن هذا المورد لايصلح أن يُطلق عليه أجماعاً,فالآمدي نقل لنا كيفية أخذ الفتوى,دون التصريح من الصحابة على أجماعهم على هذه المسألة وهذا على مبنى الأجماع عند الجمهور,إما عند الأمامية فإن الإجماع لاعبرة فيه من غير كشفه عن رأي المعصوم . 

2- قوله تعالى ((فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)), فهذه آية مطلقة لم تفرق بين الاعلم وغيره من العلماء مع تفاوتهم في تحصيل العلم والمعرفة عادةً . 

وناقش السيد محمد تقي الحكيم هذا الأستدلال : بأن الآية لاتشمل العلماء المختلفين في الفتوى , إذ يمتنع أن يصدر التعبد من الشارع بالأمور المتناقضة , وأنما هي محمولة على أحالة الأتفاق بالفتوى , وهذا ليس بنادر كما يدعى . 

2- حديث العسيف حيث أخبر أبوه بأنه سأل اهل العلم – مع كونهم مفضولين لوجود النبي (),وهو فاضل بلاشك , وعلم بذلك,وأقرّه ولم ينكره فدل على جوازه . 

ويرى الباحث أن الحديث لايصح الأستدلال به لأنه حديث منقطع .  


رؤية الباحث : 

بعد عرضنا لهذه الأقوال والأدلة المتعارضة يمكننا الرجوع إلى الأصل العملي الذي ذكره الكثير من علماء الإمامية , وقالوا : أنه يقتضي الأخذ برأي الأعلم , وذلك لدوران الأمر بين التعيين والتخيير , ففي حالة تعارض قولي الفاضل والمفضول , يكون رأي الأعلم معلوم الحجية بينما رأي غيره مشكوك الحجية , والشك في الحجية مساوٍ للقطع بعدمها – كما هو مقرر , فالرجوع الى الأعلم متعين بمقتضى هذا الأصل . قال الشيخ كاشف الغطاء ((أن الظن الحاصل من قول الأعلم أقوى من قول غيره , وأقرب إلى الواقع لزيادة العلم المانعة من زيادة الخطأ , فيجب العمل به عيناً لأن أتباع أقوى الظنين واجب عقلاً على العامي))  . 

(2) التبعيض في التقليد:-

       كلمة التبعيض معجمياً تعني التجزئة أي تفريق الشيء إلى أجزاء، ونقصد من التبعيض في التقليد الرجوع إلى أحد المجتهدين في مسألة والى الآخر في مسألة أخرى، ثم أنه قد تكون المسألتان غير مرتبطتين، كأن قلّد أحدهما في العبادات، وقلّد الآخر في المعاملات وقد تكون المسألتان مرتبطتين.

       ومحل الكلام هنا هو ((في المجتهدين المتساويين، أما إذا كان أحدهما أفضل أو أحدهما حي والآخر ميت، وقلنا بعدم جواز تقليد المفضول أو الميت فلا إشكال في عدم جواز التبعيض ولزوم الرجوع إلى الحي ولزوم الرجوع إلى الأفضل، وأما إذا كان أحدهما أفضل في قسم من الأحكام والآخر أفضل في قسم آخر من الأحكام فالحق وجوب التبعيض فيقلد كل منهما فيما هو أفضل من الآخر فيه في المسائل المختلف فيها بينهم بناءاً على سقوط حجية المفضول مع فتوى الأفضل إلا إذا لزم من التبعيض المخالفة القطعية للواقع فلا يجوز التبعيض)).

ويبدو للباحث أنّ هذه المسألة لها ما يبررها للأسباب التالية:

سعة علم الفقه وتفنن أبوابه وكثرة فصوله مما لا يخفى على أحد من جهة تكفّله لجميع شؤون الحياة.

أختلاف الاستعدادات والمواهب في الأشخاص الذين يقتحمون هذا المجال الواسع بحسب الخلقة الإلهية وهذا كثير جداً كان يكون أحد المجتهدين أكثر إطلاعاً بالمصادر والأخبار المرتبطة بالعبادات، وبعضهم أكثر تضلعاً بالضوابط والجهات الاقتصادية، وبعضهم أكثر أحاطة بمقتضى الأزمنة المختلفة والعصور، وجمع منهم أوفر أطلاعاً على الجهات السياسية، وجمع آخر أكثر أطلاعاً على أقوال فقهاء العامة في عصر صدور الأخبار من المعصومين ()، وجمع منهم أخبر بالمسائل المستخدمة والبعض الآخر أعرف بأحوال الرواة وعلم الدراية، وهكذا ولجميع ذلك تأثير في كيفية الاستنباط ولكل منها مراتب متفاوتة.

        وبناءً على ما تقدم فإن ((مقتضى الأصالة التعينية عند الدوران في التخيير والتعيين في باب الحجج والسيرة العقلائية القائمة على الرجوع إلى الأعْلَم والأخْيَر في كل فن وباب وهو الرجوع إلى الأعلم في كل باب من أبواب الفقه وأتباع الأعلم فيما هو أعلم)) .

        وإذا علم بتساوي المجتهدين أو كان كل واحد منهم محتمل الأعلمية، ففي هذه الحالة لا يجب الاقتصار على تقليد مرجع واحد في جميع المسائل، بل يمكن تقليد فقهاء متعددين ويكون كل واحد منهم مرجعاً للمكلف في بعض الأبواب والمسائل الفقهية، وقد أفتى السيد اليزدي والسيد الحكيم وغيرهما بالتخيير بين المتساويين أو محتمل الأعلمية، قال السيد اليزدي ((إذا كان هناك مجتهدان متساويان في الفضيلة تخير بينهما، ألا إذ كان أحدهما أورع فيختار الأورع))، وقال أيضاً ((إذا كان هناك مجتهدان متساويان في العلم، كان للمقلد تقليد أيهما شاء، ويجوز التبعيض في المسائل، وإذا كان أحدهما أرجح في العدالة أو أورع أو نحو ذلك فالأولى بل الأحوط أختياره)) ، وقال أيضاً (في صورة تساوي المجتهدين تخير بين تقليد أيهما شاء، كما يجوز له التبعيض حتى في أحكام العمل الواحد، حتى أنه لو كان – مثلاً – فتوى أحدهما وجوب جلسة الأستراحة واستحباب التثليث في التسبيحات الأربع وفتوى الآخر بالعكس، يجوز له أن يقلد الأول في استحباب التثليث والثاني في استحباب الجلسة)).

       وقال السيد الحكيم في تخيير العامي في تقليد أي المتساويين شاء: ((إجماعاً من القائلين بجواز التقليد، من دون فرق بين الاتفاق في الفتوى والاختلاف وموافقة فتوى أحدهما للاحتياط المطلق دون الآخر وغيرها نعم مع الاتفاق في الفتوى قد عرفت أنه يجوز تقليدهما معاً كما يجوز تقليد أحدهما بعينه)) ، وقول التخيير بين المتساويين هو قول عامة الجمهور.

        لكن السيد الخوئي: خالف في التخيير والتبعيض، فذهب إلى أن التكليف في حالة الاختلاف في الفتوى بين المتساويين هو الأخذ بأحوط القولين وليس التخيير، كما لا يجوز التبعيض وذلك على مبناه، وهو سقوط دليل الحجية بالنسبة إلى الفتويين المختلفتين، لتعارض دليل الحجية مع نفسه، وعدم قيام دليل عنده على التخيير في هذه الحالة، وأما إذا لم يعلم الاختلاف بين المتساويين، فالتبعيض جائز.

        وقد خالف السيد الحكيم في مشروعية التبعيض في التقليد في حالة اختلاف المجتهدين بلا فرق بين التبعيض في المسائل أو في المسألة الواحدة، بناء على أن التقليد هو العمل، وأما بناءاً على أن التقليد هو الالتزام، فقد جوز التبعيض مطلقاً، قال السيد الحكيم في التعليق على قول السيد اليزدي في حكم المتساويين: ((ويجوز التبعيض في المسائل ....، وقد عرفت أنه مع اختلاف المجتهدين في الفتوى تسقط أطلاقات أدلة الحجية عن  المرجعية، وينحصر المرجع بالإجماع، فمشروعية التبعيض تتوقف على عموم الإجماع على التخيير بينهما لصورة التبعيض، لكن لم يتضح عموم الإجماع، ولم أقف عاجلاً على من ادعاه، بل يظهر من بعض أدلة المانعين عن العدول في غير المسألة التي قلد فيها المنع عن التبعيض، فراجع كلماتهم، ومثلها دعوى السيرة عليه في عصر المعصومين، فالتبعيض إذن لا يخلو من أشكال، نعم بناء على كون التقليد هو الالتزام بالعمل بقول مجتهد معين، لا مانع من التبعيض لإطلاق أدلة الحجية، إذ قد أشرنا في أوائل الشرح إلى أن اختلاف المجتهدين في الفتوى لا يوجب سقوط أدلة الحجية على هذا المبنى)).

       وهو يشير بذلك إلى ما أفاده في شرح المسألة الثامنة من مسائل الاجتهاد والتقليد من العروة الوثقى .

(3) صور التبعيض: للتبعيض صورتان:

إحداهما: تبعيض التقليد في أعمال متعددة، من قبيل تقليد أحد الفقيهين في أحكام العبادات وتقليد الفقيه الآخر في المعاملات، وتقليد الثالث في الأحكام، أو من قبيل تقليد أحد الفقهاء في مسائل الصلاة وتقليد ثانٍ في مسائل الحج، وتقليد ثالث في مسائل البيوع، وهكذا بحيث يكون المرجع في العمل الواحد مقلد واحد.

ثانيهما: تبعيض التقليد في العمل الواحد، كما في المثال الذي أورده السيد اليزدي في تقليد فقيهين في صلاة واحدة بترك جلسة الاستراحة فيها تقليداً للقائل باستحبابها وترك تثليث التسبيحات الأربع تقليداً للقائل باستحبابه وهنا لا إشكال في مشروعية التبعيض وصحته في الجملة في الأعمال المتعددة.

وأما في التبعيض في العمل الواحد، كما في مثال السيد اليزدي (المتقدم)، فقد أشكل عليه: بأن التبعيض في العمل الواحد يؤدي إلى بطلان العمل بنظر كلا المجتهدين من جهة فقدها لجلسة الاستراحة عند من يعتبرها جزءاً وفقدها للتثليث في التسبيحات عند من يعتبره.

وأجاب السيد الخوئي على هذا الإشكال – على تقدير صحة مبنى المشهور في التخيير بين المتساويين في حالة الاختلاف:- بالفرق بين صورتين من صور التبعيض في العمل الواحد:-

إحداهما: ما إذا كان بين الأمرين اللذين يراد التبعيض في تقليدهما ملازمة واقعية وجوداً وعدماً، فلا يجوز تبعيض التقليد فيهما.

وثانيهما: عدم وجود الملازمة، بحيث يمكن أن لا يكون تكليف ملزم في الواقع بالنسبة إلى الأمرين معاً، فيجوز تبعيض التقليد.

        والوجه في ذلك: هو العلم بالبطلان في الأول، وقيام الحجة على صحة العمل في الثاني، قال (): ((إن الجمع بين التقليدين يكفي في تصحيح العمل بجميع أجزائه، فإن كلا من المجتهدين يرى صحة العمل من ناحية ترك ما يراه الآخر معتبراً، فان القائل باستحباب التثليث يرى صحة الصلاة عند الاكتفاء بواحدة، إن كان الآخر يرى بطلانها من هذه الجهة، وهكذا العكس، فإذا قلد من يقول بالصحة كفى في مقام الامتثال وإن كان الآخر يقول بالبطلان لعدم حجية قوله ما لم يختره في مقام التقليد التخييري.

         والحاصل: أنه يستند المكلف في صحة العمل وعدم وجوب الإعادة إلى مجموع القولين، وضم أحدهما إلى الآخر، لا إلى كل منهما مستقلاً ........، نعم في الموارد التي يحصل العلم الوجداني بالبطلان من التبعيض، للعلم بالملازمة الواقعية بين كل من الأمرين وجوداً وعدماً لا يجوز التبعيض، فلا يجوز تقليد أحد المجتهدين في أتمام الصلاة وتقليد الآخر في الإفطار في موارد الخلاف في وجوب القصر والتمام، للملازمة الواقعية بين وجوب التمام ووجوب الصوم.

         وأما في أمثال المقام مما يمكن فيه عدم وجوب شيء من الجلسة والتثليث واقعاً، فلا محذور في التبعيض))، وقريب من هذا رد السيد الحكيم عن الأشكال المذكور وإليه يميل الباحث، ولكن هنالك إشكال آخر جدير بالاهتمام وهو: أن هذا التبعيض عبث بأمر المولى ينافي معنى العبادة والطاعة، فلا يكون مشروعاً من هذه الجهة – كما انه من جهة أخرى يمكن أن يؤدي إلى العلم الإجمالي بالمخالفة القطعية – إذا اتبع في مسائل عديدة، أخذ المكلف في كل منها بجانب الرخصة عند المفتين، وهذا أمر يعلم من مذاق الشارع عدم الرضا به ، والمسألة تحتاج إلى تأمل وتدقيق.

(4) العدول عن الحي إلى الحي: 

          يراد بالعدول في التقليد انتقال العامي بتقليده من مجتهد معين إلى مجتهد آخر، وذلك بأن يقلد مجتهداً معيناً ثم يعدل عن تقليده إلى مجتهد آخر.

إن في جواز العدول عن مفتٍ حي إلى مفتٍ حي آخر قولين:-

أ- حكي الجواز عن المحقق والشهيد الثاني في المقاصد العلية، تبعاً للمحكي عن العلامة في النهاية وأختاره المحقق الاصفهاني.

ب- وحكي عدم الجواز عن الشهيد الثاني في الذكرى وعن الشيخ الانصاري في رسالة الاجتهاد والتقليد.

أ- أدلة القائلين بالجواز مطلقاً:

بأطلاقات أدلة التقليد:- بتقريب أن هذه الأدلة الدالة على حجية فتوى المجتهد وجواز الأخذ بها لم تقيد بعدم عدوله عمن يقلده إلى غيره، بمعنى أنها مطلقة وعامة بالنسبة إلى سائر أقوال المجتهدين الجامعين للشرائط، وأن موضوعها عدم العلم بالواقع وهو موجود بعد الأخذ بإحدى الفتويين، بمقتضى ذلك جواز العدول.

الاستصحاب:- بتقريب ((أن المكلّف قبل الأخذ بفتوى أحدهما، كان مخيراً بين الأخذ بهذا أو بذاك لفرض أن المجتهدين متساويان، وفتوى كل منهما واجدة لشرائط الحجية، فإذا رجع إلى أحدهما وشككنا – لأجله – في أن فتوى الآخر باقية على حجيتها التخييرية أو أنها ساقطة عن الاعتبار حكمنا ببقاء حجيتها التخييرية بالاستصحاب، ومقتضى ذلك أن المكلف مخير بين البقاء على تقليد المجتهد الأول والعدول إلى المجتهد الذي يريد العدول إليه)).

ب- أدلة القائلين بعدم الجواز:-

الأصل العقلي: وهو قاعدة الاشتغال، بتقريب ((أن الأمر في المقام يدور بين التعيين والتخيير في الحجية، والعقل قد استقل بلزوم الأخذ بما يحتمل تعيينه، وذلك للقطع بأن الفتوى المأخوذة بها حجة معتبرة في حق المكلف، وإنما التردد في أنها حجة تعيينية أو تخييرية، وذلك للشك في جواز العدول الى فتوى المجتهد الآخر، إذن حجية فتوى المجتهد الأول مقطوع بها فيؤخذ بهاوفتوى المجتهد الآخر مشكوكة الحجية، والشك في الحجية يساوي القطع بعدمها)).

الاستصحاب: بتقريب: ((أن الفتوى المأخوذ بها قد صارت حجة فعلية في حق المقلد بأخذها، أو أن الحكم الذي أدت إليه الفتوى المأخوذ بها قد تعين عليه، وحيث لا ندري أن الأخذ أو الالتزام علة محدثة ومبقية أو أنه محدثة فحسب، فنشك في بقاء الفتوى المأخوذ بها على حجيتها الفعلية ,وسقوطها عنها برجوع المقلد إلى فتوى المجتهد الآخر، أو نشك في بقاء الحكم الفرعي على تعيينه فنستصحب حجيتها الفعلية أو بقاء الحكم على تعيينه، ومقتضى هذا عدم جواز العدول)).

        هذه الأدلة هي عمدة ما ذكروه من أدلة المقام على نحو مختصر، وهناك تفريعات كثيرة على الاستصحاب وفيها مناقشات وردود لا مجال لذكرها هنا خوفاً من الإطالة..

        لكن الأقوى عند الباحث هو القول بالجواز، لأن أطلاق أدلة التقليد اللفظية حاكم بذلك، ويدل على تخيير العامي في الرجوع الابتدائي إلى أي مفتِ من المفتين، يقول السيد الصدر ((فإن لسانها أثبات حجية ارشادية لقول المفتي، ومقتضاها التخيير بين الأخذ بها أو بمثلها، فكذلك يدل على تخييره أستمراراً في الرجوع إلى أي مفتٍ، فان لازم الحجية الإرشادية رفع اليد عنها، والأخذ بأخرى)).

       ثم أن سيرة المتشرعة أخذاً بما وجه الأئمة المعصومون () أتباعهم في مجال التقليد، تشير تأريخياً – الى أن المكلف الذي كان يسكن خراسان مثلاً – ويرجع إلى أحد الرواة الفقهاء هناك، ثم يهاجر إلى الكوفة فانه يرجع فيها إلى من هو موجود من الرواة الفقهاء، ولا يفسر هذا بغير العدول في التقليد.

       وكذلك فأن مشروعية الرجوع إلى المجتهد قائمة باجتهاده، وحجية فتواه مستندة إلى دليلها وهما متوفران في كل مجتهد توفر على شرائط الإفتاء وجواز تقليده وقد كان هذا يقع بمرأى ومسمع من المعصومين ().

(5) طرائق الفحص عن الأعلم:

          يعتبر وجوب الفحص ليس وجوباً شرعياً مولوياً، إذ لا دليل من الكتاب والسنة عليه، بل هو وجوب عقلي ناشئ من إدراك العقل للزوم دفع الضرر المحتمل في عدم تقليد الأعلم، فيدرك لزوم الفحص عنه لدفع هذا الضرر.

       وقد ذكر فقهاء الأمامية طرقاً محددة تفتح المجال أمام المكلف العامي لمعرفة مقلده ولولا تلك الطرق لكان من الصعب على العامي أن يقوم بنفسه بهذه المهمة خصوصاً إذا عرفنا بأنه بعيد عن الصعيد العلمي فلا يمكنه تشخيص ذلك.

        قال السيد المرتضى: ((وللعامي طريق إلى معرفة صفة من يجب عليه أن يستفتيه، لأنه يعلم بالمخالطة والإخبار المتواترة حال العلماء في البلد الذي يسكنه ورتبتهم في العلم والصيانة – أيضاً – والديانة , وليس يطغى على هذه الجملة قول من يبطل الفتوى بأن يقول : كيف يعلمه عالما وهو لايعلم شيئا من علومه , لأنا نعلم اعلم الناس بالتجارة والصياغة في البلد وان لم نعلم شيئا من التجارة والصياغة , وكذلك العلم بالنحو واللغة ومتون الآداب ))، ولا يخفى أن الأعلمية من الموضوعات الخفية، لأنها من الصفات المعنوية للأشخاص ومن هنا فأن طرق ووسائل كشفها ينبغي أن تتناسب مع طبيعتها وخصوصيتها، فهي ليست موضوعاً خارجياً له مشخصاته الخارجية التي يمكن ملاحظتها وقياسها وتقديرها بالمقارنة مع غيرها.

          قال السيد اليزدي ((يعرف اجتهاد المجتهد بالعلم الوجداني، كما إذا كان المقلد من أهل الخبرة وعلم باجتهاد شخص، وكذا يعرف بشهادة عدلين من أهل الخبرة إذا لم تكن معارضة بشهادة أخرى من أهل الخبرة ينفيان عنه الاجتهاد، وكذا يعرف بالشياع المفيد للعلم)).

          فهذه هي الطرق التي يتوصل العامي من خلالها لتشخيص من يأخذ بيده ليطمئن بفراغ ذمته من التكاليف المعلومة لديه، ولا بد من ملاحظتها على الترتيب المذكور:

العلم الوجداني والاطمئنان: وهو حجة في نفسه على صاحبه من أي طريق حصل، ولكن حجيته على الغير عن طريق الأخبار والشهادة تتوقف على حصوله من الطرق المألوفة المتعارفة لتحصيل العلم بالمجهولات ومنها قضية (الأعلمية) وأمثالها، والاطمئنان هو سكون النفس، فإذا لم تبلغ المعرفة حد اليقين،ولكنها بلغت درجة تسكن معها النفس إلى تحقق الموضوع، فإن ذلك هو الاطمئنان وهو أقوى من الظن، ولكنه لا يصل الى درجة نفي احتمال الخلاف وهو حجة مطلقاً إذا حصل من الأسباب المتعارفة لحصوله، ومن الطرق المتعارفة لحصول العلم الوجداني والاطمئنان بالاجتهاد والأعلمية هما المعرفة المباشرة والشياع.

أ- المعرفة المباشرة: وهذه تحصل عن طريق الاتصال المباشر بالمجتهدين عن طريق التتلمذ والدراسة أو المباحثة العلمية مما له علاقة بالقدرة على الاستنباط، والاطلاع من هذا الطريق على مقدار علم كل منهم من حيث الشمول والعمق ودقة الفهم وسلامة الذوق الفقهي،وهذه المعرفة تمكن واجدها من المقارنة بين المجتهدين موضوع الفحص وتشخيص الأعلم من بينهم على نحو الجزم واليقين أو على نحو الترجيح القوي (الاطمئنان) ومن يحصل له العلم الوجداني من هذا الطريق يكون (من أهل الخبرة) ويكون علمه حجة عليه، وتكون أخباره وشهادته حجة على الغير إذا أجتمعت الشروط المعتبرة في الشاهد – مع عدم المعارض – ومع العدد    المعتبر  .

ب- الشياع: لغةً ((شاع الخبر في الناس، يشيع شيعاً بالفتح، وشيوعاً بالضم، ومشاعاً بالفتح ... فهو شائع أي ذاع وفشا وظهر وأنتشر،وقولهم هذا خبر شائع، وقد شاع في الناس، معناه: قد أتصل بكل أحد، أستوى علم الناس به، ولم يكن علمه عند بعضهم دون بعض)) .

          وأصطلاحاً: فالظاهر هو تسالم الرأي العام على أمر من الأمور، وقد يحصل العلم الوجداني من الشياع وقد لا يحصل منه ألا الاطمئنان الذي تقدم توضيح مفهومه، والظاهر من الشياع أنه لا بد من أعتبار دخول أهل الخبرة بالإضافة إلى سائر الناس المتورعين في حياتهم والمتبعين للموازين الدقيقة في معرفة الأحكام الشرعية، وأما الشياع بين غير أهل الخبرة، فالظاهر عدم كفايته في مقامنا لإثبات أصل الاجتهاد فضلاً عن الأعلمية، خاصة في زماننا الذي تطورت فيه وسائل نشر الأخبار وترويجها وقوة تأثيرها بين الناس، فالموضوعات الخفية التي ليست لها آثار خارجية ممكن ملاحظتها لعامة الناس – كالأجتهاد والأعلمية - -لا يمكن الجزم فيها بالشياع بين عامة الناس الذين ليس فيهم أهل خبرة بتلك الموضوعات الخفية، ونستنتج من ذلك أن الشياع المعتبر في مقامنا هنا هو الشياع بين (أهل الخبرة) وحجيته ناشئة من أمضاء الشارع لبناء العقلاء وسيرتهم على أعتبار الاطمئنان الحاصل من الشياع عن طريق الثبوت، وعلى أعتبار الشياع من الأمور الموجبة للاطمئنان .

البينة: البينة لغةً: ((دلالة واضحة عقلية كانت أو محسوسة، وسميت شهادة الشاهدين بينة لقوله (ع): البينة على المدعي واليمين على من أنكر، والجمع بينات،وفي المحصول البينة: الحجة الواضحة)) .

          أذن هي مطلق الحجة وما يستبان به الأمر الخفي، وفي المصطلح الفقهي تطلق البينة بحسب موضوعها الذي تشهد عليه: على الشاهدين العدلين، وعلى أربعة رجال عدول أو ثلاثة وأمرأتين ، وتطلق على الشاهد الذكر وإمرأتين وقد تطلق على الشاهد واليمين.

          والمراد من البينة هنا (البيّنة الشرعية) التي تمتاز عن البينة العرفية بالعدد الخاص، فيما لو أشترطنا العدد في البينة القائمة على الموضوعات ولم نكتفِ بشهادة العدل الواحد،كما أنه يشترط فيها العدالة.

          ومن هذا المنطلق تختلف البينة العرفية والقانونية عن البينة الشرعية، لأن البينة العرفية والقانونية قد يكتفى فيها بحسن الظاهر والوثاقة، والظاهرة العامة في البينة القانونية الاكتفاء باليمين فقط، فإذا جاء الشاهد إلى الحاكم وأقسم عنده بالصدق، يصبح الشاهد بيّنة مقبولة عند الحاكم، بينما لا تثبت أعتبار البينة الشرعية باليمين بل يشترط فيها أحراز العدالة . 

          وفي المصطلح الفقهي تطلق البينة بحسب موضوعها الذي تشهد عليه: على الشاهدين العدلين، وعلى أربعة رجال عدول، أو ثلاثة وامرأتين، وتطلق على الشاهد واليمين، والمراد من البينة في محل الكلام الشاهدان العدلان .

          وقد صرح السيد اليزدي: ((بأشتراط البينة بكونها هنا من أهل الخبرة، فلا تكفي شهادة مطلق العدلين بالأعلمية، كما لا تكفي في أثبات أصل الاجتهاد)) .

          ويرى الباحث أن الشرط وجيه، لأن أعتبار الخبرة في البينة من جهة أن شهادة الشاهد لا بد أن تكون عن حس لأشتراط اعتبار الشهادة بكونها حسية، فلا تكفي العدالة وحدها في أهلية البينة والشاهد للشهادة بالأجتهاد والأعلمية، بل لا بد أن تكون الشهادة مع ذلك عن محسوس كما أن ((حسيّة كل موضوع تتناسب مع طبيعة ذلك الموضوع المشهود عليه، والحسية المناسبة لموضوع الاجتهاد والأعلمية في مقامنا هي خبرة الشاهد بالفقه وأساليب الاستنباط))  .

(6) نظرة علماء الجمهور إلى المجتهد: 

          فيما تقدم أعطينا فكرة عن المجتهد عند الأمامية وذكرنا الشروط الأساسية المطلوبة في مرجع التقليد، أما المجتهد عند الجمهور فله أقسام تبعاً لتقسيم الاجتهاد في نظرهم وهي:

أولاً:- تقسيم الحرّاني الحنبلي:

أ- المجتهد المطلق: وهو الذي استقل بإدراكه للأحكام الشرعية من الأدلة الشرعية العامة والخاصة، وأحكام الحوادث منها مع حفظه لأكثر الفقه، ولا يقلد أحداً ولا يتقيد بمذهب.

ب- المجتهد في المذهب: وهو إما المجتهد في مذهب إمامه أو إمام غيره وأحواله أربعة:

الحالة الأولى: أن يكون غير مقلد لإمامه في الحكم والدليل، لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتوى، ودعا إلى مذهبه، وفتوى هذا المجتهد كفتوى المجتهد المطلق في العمل والاعتداد بها في الإجماع والخلاف.

الحالة الثانية: أن يكون مجتهداً في مذهب إمامه، مستقلاً بتقريره، بالدليل لكن لا يتعدى أصوله وقواعده، مع إتقانه للفقه وأصوله، وأدلة مسائل الفقه، عارفاً بالقياس ونحوه، تام الرياضة، قادراً على التخريج والاستنباط وإلحاق الفروع بالأصول والقواعد التي لإمامه، فمن عمل بفتوى هذا فقد قلد إمامه دونه، لأن معوله على صحة إضافة ما يقول إلى إمامه، لعدم استقلاله بتصحيح نسبته إلى الشارع بلا واسطة إمامه  . 

الحالة الثالثة: أن لا يبلغ رتبة أئمة المذاهب أصحاب الوجوه والطرق، غير أنه فقيه حافظ لمذهب إمامه عارف بأدلته ... يصور ويجوز ويمهد ويقرر ويزيف ويرجح، لكنه قصر عن درجة أولئك ... وهذه صفة كثير من المتأخرين الذين رتّبوا المذاهب وحرروها وصنّفوا فيها تصانيف وهذا لا تبلغ فتاويه فتاوى أصحاب الوجوه، وفتاويه مقبولة أيضاً.

الحالة  الرابعة: أن يقوم بحفظ المذهب ونقله وفهمه،فهذا يعتمد على نقله وفهمه ... ويكفي استحضار أكثر المذاهب مع قدرته على مطالعة بقيّته قريباً .

     جـ- المجتهد في نوع من العلم: فمن عرف القياس وشروطه، فله أن يفتي في مسائل قياسية لا تتعلق بالحديث ... ومن عرف الفرائض فله أن يفتي فيها وإن جهل أحاديث النكاح وغيره، وقيل: يجوز ذلك في الفرائض دون غيرها وقيل: بالمنع فيها وهو بعيد.

     د- المجتهد في مسائل أو في مسألة: وليس له الفتوى في غيرها، فأما فيها فالأظهر جوازه، ويحتمل المنع، لأنه مظنة القصور والتقصير .

ثانياً:- تقسيم أبي زهرة:

المجتهدون في الشرع : وهم الطبقة الأولى الذين يستخرجون الأحكام من الكتاب والسنة، ويقيسون، ويفتون بالمصالح إن رأوها، ويستحسنون ويقولون بسد الذرائع، وقد يطلق عليهم المجتهدون المستقلون في الاجتهاد، أو المجتهدون المطلقون وهؤلاء مجتهدون مطلقون في الفروع والأصول .

المجتهدون المنتسبون:- وهم الطبقة الثانية الذين أختاروا أقوال الإمام في الأصل، وخالفوه في الفرع وهؤلاء مجتهدون في الفروع اجتهاداً مطلقاً، وليس لهم اجتهاد في الأصول، وأن أنتهوا إلى نتائج مشابهة في الجملة لما وصل إليه الإمام، ولهم به صحبة وملازمة.

المجتهدون المخرجون:- وهم الذين يستخرجون أحكاماً لمسائل لم تؤثر أحكام لها عن أصحاب المذاهب الأولين بالبناء على قواعد المذهب.

المجتهدون المرجحون: وهم الطبقة الرابعة، وهم الذين يرجحون بين الروايات والأقوال المختلفة يبينون أقواها ويميزون أصحها، أو أقربها إلى السنة والقياس الصحيح أو أرفقها بالناس.

وهذا وسابقه لهما اجتهاد في استخراج العلل ومناط الأحكام وتحقيق ذلك المناط في المسائل التي يتحقق فيها . 



الفصل الخامس 

آثار التقليد والعلاقة مع الأحكام الولائيَّة وحكم القاضي وضوابط الإفتاء 


المبحث الأول/آثار التقليد 

المبحث الثاني/التقليد والعلاقة مع الأحكام الولائية

                             وحكم القاضي   

المبحث الثالث/ضوابط الإفتاء 

المبحث الرابع/التقليد وتفسير بعض الظواهر 

                           الإجتماعية المعاصرة  



المبحث الأول: آثار التقليد : 

توطئة


الآثار الاقتصادية: 

المثال الأول/ خزن البضائع 

       المثال الثاني/ عقد التأمين 

      المثال الثالث/ الإيداع والاقتراض من البنوك الحكومية

الآثار السياسية 

المثال الأول/ الإمام الشيرازي وإلغاء احتكار التبغ والتنباك 

المثال الثاني/ السيد السيستاني وموقفه من الانتخابات العراقية

الآثار الاجتماعية: 

المثال الأول/ فتاوى طهارة أهل الكتاب وجواز التصدّق عليهم 

المثال الثاني/ دفن المسلم في مقابر النصارى



توطئة:

من أجلّ النعم التي أنعم الله عز وجل بها علينا أن بعث لنا محمد () نبياً ورسولاً ((وما أرسلناك إلا كافة للناس))، وأختار لنا أكمل الشرائع، وأتم علينا النعم بإمامة المعصومين ()، ورضي لنا الإسلام ديناً، ختم به سائر الشرائع السماوية، ولم يكن ذلك ليكون لولا أن هذه الأمة أفضل الأمم وأزكاها، وأعدلها وأوسطها وهي بذلك خير الأمم حسناً وفضلاً، اعتدالاً وقصداً، تصوراً واعتقاداً، تفكيراً وشعوراً تنظيماً وتنسيقاً، تلك الوسطية التي أفرزت معنى العدالة التي كفلت لهذه الأمة أن تكون شهيدة على الناس يوم القيامة.

((ومن لوازم الخاتمية أن لا تختص بزمان معين ولا بطبقة معينة، وإنما شمولها لجميع أحوال الإنسان فلأنها لم تترك جانباً من جوانب حياته إلا وأستوعبته كمال الاستيعاب)) .

فأشبعت بذلك معتقدات الإنسان في الجوانب الفكرية، وراعت فطرته المنطوية على رغبته الماسة في الاعتقاد والتدين، وأحاطت بحاجاته الضرورية في جانبه العملي، فلم تدع حكماً في أي حقل من حقول الحياة من غير بيان وكشف.

((ومن أعظم ما أختص به الاجتهاد، مسايرته لروح العصر وتفاعله المستمر مع النوازل والمستجدات، واستمرار تدفق العقل الإنساني من خلال قراءة النص الشرعي مرة بعد أخرى للوصول إلى معرفة حكم الله في المستجدات)) .

وأمتاز الإمامية عن غيرهم من الطوائف الإسلامية في عصر الغيبة الكبرى بدور بارز للمجتهدين في المجالات كافة، وكانت للفتاوى الصادرة من قبلهم الأثر البالغ بربط جمهور الأمة بمراجعها،((ومن هنا بدأ ينفرز خطان في المرجعية ومواقعها بنظر الأمة خط يمثل الجانب التقليدي في المرجعية، ونلاحظ أن جل اهتماماتها ما يخص الفتاوى في جانب العبادات والمعاملات التي تخص الفرد والشخص، وهناك خط آخر للمرجعية تجاوز هذا الأمر، ليدخل الفقه السياسي كعنصر جديد في عملية الاجتهاد وما يرافق ذلك من تداعيات على الواقع الاجتماعي)) .

لقد أكسب التقليد الشيعة الإمامية تنظيماً متميزاً بين الطوائف، مما عاد عليهم بثمار مهمة منها على سبيل المثال لا الحصر (ثورة التنباك) (والثورة الإسلامية في إيران في عام 1979م)، ويرى الباحث إنّ سر قوة الفقه الإمامي تكمن في موضوعة التقليد والذي من خلاله أنتشرت الثروة الفقهية بين عامة المكلفين، الأمر الذي دعا المفكر الإسلامي العراقي الدكتور أحمد الكبيسي إلى اعتماد مرجعية سنية في العراق على غرار المرجعية الشيعية فيه ، وهذه الدعوة تدل بوضوح على أهمية التقليد وتأثيره في المجالات الحياتية كافة سواء الاقتصادية منها أو السياسية أو الاجتماعية، وقد بدا ذلك واضحاً عند فقهاء الإمامية المعاصرين، بسبب تبني الفقه الأمامي أطروحة استمرارية فتح باب الاجتهاد خلافاً لغيره من المذاهب الإسلامية الأخرى، وسنوضح في هذا المبحث بعضاً من هذه الآثار وتأثيرها على حياة المكلفين.

(1) الآثار الاقتصادية:

        لا شك أن الاقتصاد العالمي اليوم ومن جملته الاقتصاد الإسلامي قائم على المعاملات المالية التي تجريها البنوك والمصارف فهي تلعب دوراً أساسياً في تدعيم الحركات التجارية، ونقل رؤوس الأموال، وتنمية الحياة الاقتصادية في التجارة والزراعة والصناعة وغيرها، لكن يبقى جانب كبير من معاملاتها يقع تحت طائلة الربا الذي حرمه الإسلام بشكل قطعي، قال تعالى ((وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)) وهو ما يسلب المشروعية عن أغلب المعاملات التجارية السائدة في العصر الحاضر.

والواقع أن الحكم بحرمة التعامل مع هذه الجهات المالية التي أصبحت تشكل جزءاً كبيراً ومهماً في اقتصاديات الدولة والفرد، يعني تعطيل سبل التعامل الاقتصادي، ومن هنا سعى الفقهاء لإيجاد البدائل التي تتفق مع روح الشرع ، وتكييف المعاملات المذكورة فقهياً، ولعل من أهم هذه البدائل هو (عقد المضاربة) وهو أول ما أتجهت إليه أنظار فقهاء المسلمين في بحوثهم عن وجود بدائل للنظام التقليدي الربوي في البنوك والمصارف ، وعقد الوكالة وبيع السلم الذي هو ((عقد بيع يعجل فيه الثمن ويؤجل فيه تسليم المبيع إلى أجل محدود))  وغيرها من العقود المحللة في الفقه الإسلامي وفيما يلي بعض النماذج التي توضح لنا الأثر الاقتصادي.

المثال الأول:- خزن البضائع:

       ومعنى ذلك قيام البنك بخزن البضاعة على حساب المستورد كما إذا تم العقد بينه وبين المصدر، وقام البنك بتسديد ثمنها له.

       فعند وصول البضاعة يقوم البنك بتسليم مستنداتها للمستورد وإخباره بوصولها، فإن تأخر المستورد عن تسلمها في الموعد المقرر، قام البنك بخزنها وحفظها على حساب المستورد إزاء أجر معين، وقد يقوم بحفظها على حساب المصدر.

       وقد أفتى السيد السيستاني بجواز أخذ البنك الأجرة إزاء عملية التخزين في كلتا الصورتين،إذا كان قيامه بها بطلب من المصدر المستورد، أو كان قد أشترط ذلك في ضمن عقد كالبيع،ونرى هنا أن صحة المعاملة يمكن أدراجها ضمن عمومات قوله تعالى (إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ ...)،واستحقاق البنك للأجرة إنما هو في مقابل خزن البضاعة المستوردة، وقيامه لكل الإجراءات الخاصة بذلك،وضمن العقد التام بين البنك من جهة والمستورد أو المصدر من جهة أخرى،ولذا فقد أفتى بعض الفقهاء على صحة هذه المعاملات .

المثال الثاني:- عقد التأمين:

        أو ما يعرف بـ(السكيورته) وهي كلمة معربة من اللغة الانكليزية (Security) ، وتعد من العقود الشائعة التي يلتزم بموجبها المؤمَّن له بدفع مبلغ معين شهرياً أو سنوياً أو دفعة واحدة إلى المؤمِّن في مقابل تعهد المؤمِّن أن يؤدي إلى المؤمَّن له أو إلى المستفيد الذي أشترط التأمين لصالحه مبلغاً من المال، أو أي عوض مالي آخر، في حالة وقوع حادث او ضرر مبين في العقد.

وهو على أقسام مثل التأمين على الحياة من خطر الوفاة ونحوه، والتأمين الصحي، والتأمين على الأموال كالبيوت والسيارات والمصانع ونحوها من خطر الحريق أو السرقة أو ماشاكل ذلك واشترط الفقهاء في وقوعه عدة أركان: أولها:- الإيجاب والقبول من الطرفين، وثانيها :- تعيين المؤمن عليه شخصاً كان أو ومالاً، وثالثها:- تعيين مدة عقد التأمين، وانه يعتبر في التأمين تعيين الخطر الموجب للضرر، كما أشترطوا في طرفي العقد البلوغ والعقل والقصد والاختيار وغيرها من الشروط الواجب توافرها لصحة العقد.

وقد صنف بعض الفقهاء المعاصرين هذا العقد ضمن العقود المشروعة ، وإدخاله بعنوان الهبة المعوضة فيدفع المؤمن له مقداراً من المال هبة ويشترط على الموهوب له أنه على تقدير حدوث حادثة يقوم بتداول الخسارة الناجمة له، أو يكون بعنوان المعاوضة إذا كان المتعهد يقوم بالتأمين له بعمل محترم له مالية محترمة عند العقلاء من تعيين حارس على المال أو غير ذلك فتكون المعاوضة وأخذ المال من الطرفين حلالاً.

       ولا يخفى أن المعاوضة عقد قائم على أساس إعطاء الطرفين كل منهما من المنفعة بنفس         المقدار ،أما الهبة المعوضة فيراد بها الهبة المشروطة بعوض، بأن يهب المؤمن له في كل سنة أو شهر مبلغاً للمؤمن (شركة التأمين) ويملكه مجاناً، ويشترط عليه أن يملكه مبلغاً يعادل قيمة المؤمن عليه عند حدوث حادث، وهو شرط لا مانع منه شرعاً، فيكون التأمين من مصاديق الهبة المعوضة.

ويدل على صحتها ونفوذها عموم أدلة الوفاء بالعقود وهي قوله تعالى ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ)) ، وقول الرسول () ((المؤمنون عند شروطهم)) ، وقد أجاز الأمامية والحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة اشتراط العوض في عقد الهبة بشرط أن يكون معلوماً  وقالوا: ((رغم أن لفظ العقد عقد هبة، إلا أن جوازه جواز البيع وعنوا بذلك أنه هبةً أبتداءً ومعاوضة أنتهاء)) ، وبهذا أشبه هذا عقد التامين لأنه: نص على تمليك أموال، هبة من المستأمن لشركة التأمين، وبمعاوضة الألتزام بدفع النفقات حال حدوث الحادثة.

      وذهب بعض الفقهاء إلى أن حقيقة عقد التأمين الضمان، وهو التعهد بالشيء وجعله في مسؤولية فيكون صحيحاً بعنوان الضمان المعاوضي ، وذهب بعض الفقهاء المعاصرين الى تكييفه فقهياً وادخاله في عقد الصلح والذي يعرفه الفقهاء بانه ((عقد وضع لرفع المنازعة))، وهذا الاتجاه يرى أن الصلح عقد عام مشروع لتصحيح أوضاع غير رضائية سواءً في الحيز القضائي أو الديانتي.

        وقد يثار إشكالان حول هذا العقد، أولهما : فقهي، وحاصله أن عقد التأمين ينطوي على معاملة غررية، وقد نهى النبي () عن بيع الغرر، حيث يحتمل أن يكون الإنسان طرفاً في عقد التأمين لعشرات السنوات ويموت من دون وقوع الخطر المحتمل المؤمن منه، ويمكن الرد عليه بأن المنهي عنه في الحديث هو بيع الغرر، والعقد ليس بيعاً.

وثانيهما: أن هذا العقد يشكل تحدياً للقدر الإلهي خصوصاً في عقد التأمين على الحياة، وهو ما يخالف عقيدة المسلم المبنية على التسليم المطلق لإرادة الله سبحانه وتعالى، ويرد عليه أن المؤمن لا يعد ولا يتعهد بعدم وقوع الأخطار أو النوازل، حتى يقال أنه تحدٍ لقدرة الله، بل يتعهد بترميم وإزالة آثار الأخطار.

المثال الثالث:- الإيداع والاقتراض من البنوك الحكومية:

        وهي البنوك التي تقوم الدولة بتمويلها ، وقد أفتى بعض فقهاء الأمامية المعاصرين ، بعدم جواز الاقتراض من البنوك الحكومية بشرط دفع الزيادة لأنه ربا، من غير فرق بين كون الاقتراض مع الرهن أو بدونه, لانهم قالوا بانها زيادة مشروطة . 

         ولو أقترض كذلك بشرط بطل الشرط، كما يبطل أصل القرض، وإن تنازل عن شرط الزيادة لأن البنك لا يملك ما تحت يده من المال ليملكه للمقترض، وللتخلص من هذه العملية، فقد جوّز بعض الفقهاء ومنهم السيد السيستاني قبض المال من البنك بعنوان مجهول المالك، لا بقصد الاقتراض الربوي المحرم، ثم يتصرف فيه بعد مراجعة الحاكم الشرعي.

          وقد أعطى السيد السيستاني مؤخراً أذناً عاماً للمكلفين ممن يقبض بالتصرف على نحوين: أما بتملّكه من غير عوض، أو بأن يحتسبه قرضاً على نفسه، ولا يضره العلم بأن سوف يلزم بدفع الزيادة أو أصل المال، ولو طالبه بها جاز له الدفع  ومن خلال ذلك نرى أن المجتهدين قد أرادوا من الأذن المذكور حاجة الناس الماسة للتعامل مع هذه البنوك والاستفادة من جانب، وأتساع نشاطاتها من جانب آخر.

        أما الإيداع في البنوك الحكومية فلم يجوزه بعض الفقهاء ؛ لأنه ربا، وحتى من دون شرط    الزيادة ، لأنه بمنزلة الإتلاف له شرعاً، لأن ما يمكن استرجاعه من البنك ليس هو مال البنك، بل بحكم المال المجهول مالكه، وعلى هذا يشكل – عندهم – إيداع الأرباح ونحوها التي يجنيها الشخص أثناء سنته في تلك البنوك، قبل إخراج خمسها لأنه مأذون في صرفه في مؤونته، وليس مأذوناً في إتلافه، ولو أتلفه ضمنه، وهو رأي السيد السيستاني. 

         ويبدو أن ما يريده السيد السيستاني من مسألة الإتلاف هو أختلاط مال الشخص المودع بمال البنك الذي تعد ملكية البنك له اعتبارية وليست حقيقية، لذا يعد في عرف السيد وسائر الفقهاء بـ(مجهول المالك).

         وبالتالي فلا يسع الشخص المودع استرجاع ماله لهذا السبب، ثم يذكر السيد السيستاني أن السبيل لتصحيح هذه المعاملة هو أخذ إذن الحاكم الشرعي، وترخيصه للبنك في أداء عوض المال المودع لديه، وهو تسهيل للمكلفين كافة، أما حكم الزيادة فقد أذن بالتصرف بنصفها، وأعطاء النصف الآخر للفقراء المتدينين ، ويلحظ هنا أن السيد السيستاني يختلف عن بقية الفقهاء بخصوص إيداع المال في البنك الحكومي، وتصريحه بأن الإيداع من غير أذن الحاكم الشرعي بمنزلة الإتلاف له شرعاً، وهذا الرأي لم يشر إليه غيره من الفقهاء ، وربما كان السبب في ذلك أن الغرض هو ضرورة الضبط الشرعي للمعاملات المالية مع أمثال هذه البنوك.ومما تجدر الإشارة إليه أن السيد محمد سعيد الحكيم يذكر تصحيحاً فقهياً آخر في جواز الإيداع في البنوك الحكومية في الحكومات التي لا تبتني على الولاية الدينية – على حد قوله – لا بنيّة اشتراط الفائدة، ثم يجوّز بنية كونها منحة مجانية من الدولة، لكن لا يمنع هذا من أن يجري عليها حكم مجهول المالك .

        ومن خلال ما تقدم يمكن أن نرى أن هذه الفتاوى وغيرها – على نفس الاتجاه – قد سهلت الكثير من المعاملات الحيوية الجارية في عصرنا الحاضر وتركت أثراً كبيراً يتمثل في مساعدة المكلفين على التكييف مع مستجدات الواقع.


(2) الآثار السياسية:

         كانت للظروف السياسية أثار واضحة في صياغة النص الفقهي وبالتحديد لدى الإمامية بكونهم أكثر الفرق الإسلامية تعرضاً لها، بل إن الظروف الزمانية والمكانية  التي كانت لها مدخلية واضحة في الفتوى، إنما كانت من صنيعة الظرف السياسي، وقد كان التعقيد في الظروف السياسية من اضطهاد الحكام للشيعة يستدعي التكتم في أمر الإمامة ككل، كما حصل في فترة الإمام الصادق ()  .

           لذلك – ومن أجل صون المذهب الشيعي من خطر الاندثار– شرع أئمة أهل البيت ()، مبدأ التقية التي قد ينتج عنها التعارض والاختلاف في الأخبار المروية عنهم ()، فورد عنهم التأكيد على أن ((من لا تقية له لا دين له)) ، إن سيرة أئمة أهل البيت () – وهم الخط الذي نهتدي بهم ونقتفي أثرهم – تشير إلى تحمل المسؤولية العامة بكاملها، ولكن الظروف الموضوعية لم تساعد بعضهم في تحمل المسؤولية علناً إذ لم تتوفر لديهم القوة اللازمة للمعركة، فأنصرفوا إلى التوجيه العلمي والتربوي والاجتماعي، وتهيئة الأمة للقيام بعملية التغيير، ويرى السيد محمد باقر الحكيم () أن الحوزة العلمية يجب أن تكون محور العمل السياسي الديني، كما هي محور العمل الثقافي والتربوي وكان السيد الحكيم ينعى على بعض علماء الحوزة عزلتهم وإنزواءهم في مجالس البحث والدرس والعبادة. 

إن الثورات العلوية التي تفجرت في عهد الأئمة ()، والتي دُعمت من قبلهم بصورة صريحة أو من وراء ستار دللت على قبولهم بها من أجل استلام السلطة الزمنية، كما هو مبدأ الإمام علي () حين تولى الخلافة، وهكذا محاولة الإمام الحسن () وجهاد الإمام الحسين () في سبيل تقويم الانحراف الطاغي في عهد يزيد بن معاوية، وهكذا ثورة زيد الشهيد بن الإمام السجاد () وثورة التوابين والمختار والعلويين، وما حدث خلال هذه المدة الطويلة حتى ثورة العشرين في  العراق، ومناداة زعيمها الشيخ محمد تقي الشيرازي بالمطالبة بدولة دستورية وملك عربي، إلى مساهمة الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في الجهاد ضد المستعمر البريطاني، وصولاً إلى ثورة الإمام الخميني الإسلامية في إيران، ومطالبة الشهيد السيد محمد باقر الصدر بإسقاط الحكم الديكتاتوري في العراق، كلها نقاط مركزية لها دلالاتها على أن العمل السياسي جزء من مهام المرجعية الدينية  .

ومن هنا يمكن القول أن الدين والسياسة توأمان لا ينفصلان في الشريعة الإسلامية، وعلى الفقهاء أن يتدخلوا في السياسة، وليس عدم اطلاع الفقهاء على المسائل السياسية، وعدم ورودهم فيها عذر لهم، ولا مبرر لقعودهم وإنزوائهم عن التصدي للحكومة وشؤونها، بل يجب الورود والخوض فيها وتعلمها، ثم ترشيح أنفسهم لما يتمكنون القيام به من شؤونها المختلفة، ويجب على الناس أنتخابهم وتقويتهم، إذ الولاية وإدارة أمور المسلمين من أهم الفرائض، فأنها الوسيلة الوحيدة لأجراء العدالة، وتنفيذ سائر الفرائض الإسلامية، فالانزواء عنها وإحالة شؤون المسلمين وإدارة أمورهم وبلادهم الى الطواغيت وعملاء الكفر والفساد ظلم كبير على الإسلام والمسلمين .

وإذا عرفنا ذلك فان لتقليد المجتهدين الأثر الكبير في ضبط التوجهات السياسية للعوام خصوصاً إذا عرفنا مدى أهمية المرجعية الدينية في حياتهم واحترامهم لفتاواها في هذا المجال.

وفي هذا البحث سنأخذ بعض النماذج على سبيل المثال لا الحصر لتوضيح هذا الأثر.

المثال الأول: الإمام الشيرازي وإلغاء أحتكار التبغ والتنباك:

         أنتقلت (مرجعية التقليد) لدى الشيعة بعد وفاة المرجع الأعلى في العراق العلامة الشيخ مرتضى الأنصاري سنة 1281هـ إلى العلامة الميرزا حسن الشيرازي، وأختار مدينة سامراء المقدسة مقراً له، والتحق به عدد من تلامذته كان من بينهم الآخوند محمد كاظم الخراساني، وبدأت مكانته العلمية تتعمق وسمعته تنتشر بين المسلمين كافة من الهند شرقاً إلى لبنان غرباً.

          إن الأحداث الجسام التي كانت تجري في إيران وسائر أقطار العالم الإسلامي، ومنها المطالبة بأجراء إصلاحات دستورية وإلغاء القروض الأجنبية، ومنح أمتياز احتكار التبغ والتنباك البريطانية – هذه الأحداث المتداخلة والمتلاحقة أسفرت عن استياء عام في المجتمع الإيراني، فبعث العلامة الشيرازي بعد مداولات جرت مع وفد يمثل علماء إيران برئاسة العلامة آقا منير الدين في 9ذي الحجة سنة 1308هـ (26تموز 1891م) ببرقية الى ناصر الدين شاه يشجب فيها منح الامتياز المذكور، ويطالب بإلغائه، وأبعاد كل نفوذ أجنبي عن البلاد فأصدر الشاه تعليماته إلى القائم بأعمال المفوضية الإيرانية في بغداد (محمود خان مشير الوزراء) بالتوجه فوراً إلى سامراء لمقابلة الإمام الشيرازي، لكن الإمام الشيرازي لم يقتنع بوجهة نظر الشاه، وأصر على الغاء الامتياز.

وفي شهر ربيع الثاني 1309هـ تلقى العلامة ميرزا حسن الاشتياني (أحد تلامذة الشيخ الانصاري) رسالة من الإمام الشيرازي يحثه فيها على تصعيد حملة المعارضة ضد الامتياز، فصدرت في طهران (فتوى) بتحريم التدخين، ونظمت حملات المقاطعة بإيعاز من الإمام الشيرازي، وعقد في طهران اجتماع مشترك لتدارس الموقف ضم عدداً من العلماء والمسؤولين والمقربين إلى البلاط، ولكنه لم يثمر عن نتيجة، ونجحت المقاطعة .

         وتفادياً لفشل المفاوضات ومضاعفاتها أقترحت الحكومة وقف المقاطعة وحصر الامتياز على تصدير التبغ فقط، وقد فسرت المعارضة هذا الاقتراح بأنه خطوة لشق الصف الوطني، وردت بتنظيم مظاهرات كبيرة أجتاحت شوارع طهران كان على رأسها العلامة الميرزا حسن الاشتياني منددة بامتياز التبغ فتصدت لها قوات الحكومة وأغلق سوق طهران الكبير المعروف بـ(البازار)، وتظاهر الآلاف حول مقر رئيس الوزراء يهتفون ضد الحكومة، فأطلقت القوات الحكومية النار لتفريقهم، وأزاء هذا الموقف المتدهور أرسل ناصر الدين شاه مبعوثاً خاصاً لمقابلة الميرزا حسن الأشتياني يحمل وعداً بإلغاء الامتياز وخاتماً هدية، ويدعوه للبقاء في طهران .

وفي اليوم الخامس من جمادي الآخرة سنة 1309هـ (26كانون الثاني 1892م) دعا الميرزا الأشتياني المتظاهرين للانصراف والعودة الى أعمالهم، وبعث في الوقت نفسه ببرقية إلى المجتهد الأكبر الشيرازي في سامراء تضمنت محادثاته مع مبعوث الشاه، مناشداً إبطال فتوى إلغاء الامتياز .

          وهنا ((أدركت الدول الغربية الكبرى، ولا سيما بريطانيا وروسيا، أكثر من أي وقت مضى مالعلماء الدين من مكانة بين الناس وقدرة على التعبير عن إرادة الجماهير، وبدأت تعيد النظر في التعامل معهم، وجرياً على عادة الدول الاستعمارية، ورغبة في أمتصاص النقمة الشعبية تلقى الإمام الشيرازي رسالة من قيصر روسيا يعرب فيها عن فرحته الكبرى بإلغاء امتياز احتكار التبغ والتنباك، وأعلن استعداده لتقديم كل عون ممكن لإعلاء شأن الإمام الروحي إذا ما واصل نشاطه لتحقيق الإصلاحات الداخلية المنشودة)) ، ومن خلال هذه الحادثة فقد بدأت بريطانيا بإعادة حساباتها إزاء العلماء المجتهدين في كل من إيران والعراق، وشرعت السفارة البريطانية في طهران بإيفاد مبعوثين دبلوماسيين إلى العراق والى العتبات المقدسة إذ يقصدها طلاب العلوم الدينية القادمين من الهند، والزوار في المواسم المقررة، أو المسافرين براً لأداء مناسك الحج .

فإن الأثر السياسي المتقدم يكشف لنا بوضوح عن أهمية نظرية التقليد في الحياة السياسية للمسلمين، ومن خلاله نكتشف أن هذه النظرية كانت على مر العصور عامل توازن      واستقرار لهم . 

المثال الثاني : السيد السيستاني وموقفه من الانتخابات في العراق:

           من الأنصاف أن نمتلك الجرأة الكافية التي تضع النقاط على الحروف، وتستبعد كل أشكال الاحتياط التي يتجاوزها البعض لأسباب قد تعرضه للمخاطر، فالبابا عند المسيح رجل مقدس لمجرد أنه يخرج سنوياً ويلقي كلمة أو يدعو إلى السلام عند حدوث طارئ بين دولتين، كذلك نجد أن مؤسسي الدول التي تسير على نظرياتهم هم مقدسون لدى شعوبهم ولهذا لا نجد ضيراً عندما نطالب بحصانة دستورية وقدسيّة لمرجعيتنا الدينية لارتباطها بالمعصومين وقدسية الناس لها وانها مسدّدة للقيادات السياسية . 

وما قدمه سماحة المرجع الأعلى آية الله العظمى السيستاني (دام ظله) لم يكن هو الأول فيما قام فيه وليس الآخر بالتأكيد، فالعراقيون مدينون للخط المرجعي في كل عهد وفي كل زمان فالسيد الشيرازي مقترن أسمه مع ثورة العشرين، وشيخ الشريعة بالمجلس التأسيسي، والشيخ محمد حسين كاشف الغطاء بالقضية الوطنية على جميع الأصعدة المحلية والإقليمية، والإمام الحكيم بحفظ الشريعة من المد الأحمر والانحراف الفكري، والسيد الخوئي بحفظ الخط المرجعي أيام الحكم الديكتاتوري البائد.

وفي هذا العهد لم يختصر السيد السيستاني على مورد واحد أو قضية معينة، فانه قارع النظام الفاشي بشكل حفظ الحوزة العلمية من الانهيار ، وتبنى منذ سقوط الطاغية قضية الشعب العراقي بجميع طوائفه  .

           فهو لم يكن جورج واشنطن ولا مصطفى كمال أتاتورك إذ أنهما أسسا لوجود غيّرا فيه نمط شعوبهم حسب نظريات مصيرها الاندثار، وإنما كان تأسيسه أمتداد لما وضع أساسه الأنبياء والأولياء ممهداً لدولة العدل الإلهي. وقد تجلى ذلك بطائفة من بياناته  السياسية، الكاشفة عن نوع السلطة في نظام الحكم، الذي يلزم – حسب تأكيده – أن يحدده الشعب العراقي بجميع مكوناته، وآلية ذلك الانتخابات العامة ، ثم يعلن عن شكل هذا النظام فيقول: ((إن القوى السياسية والاجتماعية الرئيسة في العراق لا تدعوا إلى قيام حكومة دينية، بل إلى نظام يحترم الثوابت الدينية للعراقيين ويعتمد مبدأ التعددية والمساواة)) ، ولذا فقد أبدى سماحة السيد تحفظه على إتفاق 15/11/2003م، لأن الآلية الواردة فيه لانتخاب أعضاء المجلس التشريعي الانتقالي لا تتضمن تشكيل مجلس يمثل الشعب العراقي تمثيلاً حقيقياً، ولا بد أن يصار إلى الانتخابات ليكون المجلس منبثقاً عن الإرادة العراقية محفوظاً من كل طعنٍ في شرعيته ومما يكشف عن عنايته العظيمة – بالانتخابات العامة – أنه عندما قررت المفوضية العليا فتح مراكز تسجيل الناخبين في أرجاء العراق لمدة ستة أسابيع أعتباراً من 1/11/2004م، هو تبنيه للتفاصيل المؤهلة للتصويت، من خلال التوجيهات التي أوجب بها على المواطنين – وجوباً شرعياً – وهو التحقق من أدراج أسمائهم في سجل الناخبين بصورة صحيحة، وأكد على أن من لم يدرج أسمه لخطأ أو لغيره مراجعة اللجنة الانتخابية في منطقته وإبراز المستمسكات المطلوبة ، كما أنه أوجب على وكلائه ومعتمديه المسارعة في انجاز هذا الأمر المهم – على حد وصفه – من خلال تشكيل اللجان الشعبية. 

            وشدد على أن هذه الانتخابات لا تقل أهمية عن انتخابات مجلس كتابة الدستور، وأوجب – لأجل ذلك – على المواطنين رجالاً ونساءً السعي الحثيث للمشاركة، لضمان فوز الحريصين على المصالح العليا، والمؤتمنين على ثوابت الدين وعدم تشتيت الأصوات وتعريضها للضياع .

             ومن الجدير بالذكر أن مراجع الحوزة العلمية وهم آيات الله العظمى الثلاث السيد محمد سعيد الحكيم والشيخ محمد إسحاق الفياض والشيخ بشير النجفي، وغيرهم من المجتهدين كالسيد صادق الشيرازي والسيد محمد تقي المدرسي كانوا قد أفتوا بوجوب المشاركة الجادة في الانتخابات.

         ويرى الباحث أن هذه الفتاوى كان لها الأثر الكبير في أنجاح عملية الانتخابات التي أفرزت فيما بعد حكومة شرعية في العراق، وقد كانت نسبة الاقتراع تفوق (73%)، وهي نسبة لا توجد حتى في الدول التي لها تاريخ طويل في المجال الديمقراطي أو الموغلة فيه، خصوصاً إذا عرفنا أن المجتمع العراقي خارج من حقبة نظام شمولي قمعي موجه، ويعيش في حالة من الاحباط والتقهقر المعنوي والنفسي، إن نسبة الاقتراع العالية لم تكن لتحصل لولا موضوعة التقليد المرتكزة في أذهان الناس، بل أن بعض الأفراد قد شاركوا في الانتخابات وهم أساساً غير مقتنعين بها ولو سألتهم عن ذلك لكان الجواب هو إبراء الذمة.

          ويذكر أن السيد السيستاني يذهب إلى القول بالولاية في الأمور العامة التي يتوقف عليها حفظ النظام العام، وإنها ثابتة عنده للفقيه المتصدي لتلك الأمور المنتخب من الفقهاء، والذي تكون له مقبولية عامة لدى المؤمنين، والولاية بهذا المعنى ولاية مسببة – بالأنتخاب – من قبل عموم المسلمين، فضلاً عن الفقهاء، وبعبارة أدق أنها تابعة للانتخاب بالأصالة وللفقيه بالتبع.

           وبناءً عليه فليس كل فقيه قد يحظى بهذه الولاية، وإنما من وقع عليه الانتخاب، كما أن الغاية وأقصد (حفظ النظام العام) تعطي الصلاحية لمن تصدى من الفقهاء لغرض شرعي، والمراد به استعمال الحق الشخصي للمواطنين بانتخابه وكيلاً وممثلاً عنهم، ومن هذا الحق أنطلق السيد السيستاني في الدعوة للانتخابات الدستورية والعامة، وقد يفهم من بعض كلماته أن التوكيل إنما يكون للفقيه على نحو الاحتياط وبالتالي فلا غضاضة من قبول غير الفقيه، إذ يقول ((ولا بد من الاحتياط، والأخذ بالقدر المتيقن وهو الفقيه العادل الثقة)) ، ومن هنا فالانتخابات – بهذا المعنى – تمنح الشرعية للحاكم، وتكلفه القيام نيابةً عن من انتخبه في أداء ما يجب عليه، وفقاً لهذا التوكيل الممنوح له عن طريق الانتخابات، وربّما أن هناك جملة من المباني التي يمكن الاستدلال بها والاعتماد عليها في التوجيه الفقهي للعملية الانتخابية في العراق، ومنها:-

أ- قاعدة حفظ النظام  :- وهي مما أتفق عليها الفقهاء بل العقلاء، وأطبقوا على حكم العقل بقبح الفوضى ووجوب توفير السبل لحفظ النظام.

وحيث أن ((كل ما حكم به العقل حكم به الشرع)) ، أصبح حفظ النظام لازماً شرعياً لا يحتاج مع وجوبه مباشرة المعصوم () أو إذنه، ((ولا شبهة في سقوط اعتبار مباشرته أو إذنه، لاستقلال العقل بلزوم القيام بما يحفظ النظام، غاية الأمر ما دام العادل قادراً على القيام به فهو المتيقن، وإلا فعلى كل من يتمكن منه)) ، والواقع أن هذه القاعدة من القواعد الفقهية لا الأصولية، بلحاظ أن نتيجة المسألة الأصولية حجة على الحكم الشرعي، بخلاف القاعدة الفقهية، فأنها بنفسها حكم كلي شرعي ينطبق على مصاديقه، التي هي أحكام جزئية شرعية.

أ- قاعدة أصالة اللزوم في العقود:- والمراد منها – بحسب الفهم الفقهي – أن الالتزام بالعقد والعهد هو ((القاعدة الأولية المستفادة من بناء العقلاء في معاملاتهم ومعاهداتهم)) ، ويمكن عد الانتخاب والتولية – وفقاً لهذا المعنى – معاهدة بين الناخب والمنتخب ينبغي الألتزام بها كونها عقداً وعهداً بين الطرفين، وأنها داخلة في عموم قوله تعالى ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ))، أو الرواية المنقولة عن الإمام الصادق () ((المسلمون عند شروطهم، إلا شرطاً خالف كتاب الله (عز وجل) فلا يجوز)) ، ومن هنا فقد حرم السيد السيستاني – بخصوص الانتخابات – المعاملة المؤدية إلى بيع أو شراء أصوات الناخبين، انطلاقاً من أنه حق غير قابل للنقل والانتقال، ولأنه ليس كحق التحجير وحق الاختصاص.

(3) الآثار الاجتماعية: 

          يختلف الأفراد في المجتمع الإنساني بعقائدهم وأجناسهم ولغاتهم ونظرتهم نحو الحياة والكون، ولكنهم يتحدون جميعاً برابط تكويني يربطهم برباط الإنسانية، وهذا الرابط الإنساني يجمع الأفراد في شتى المناسبات الحياتية، فالفرد أذن بغض النظر عن نوعية أرتباطه الأجتماعي بالآخرين، يعيش بالدرجة الأولى ارتباطاً إنسانياً معهم لأن الرابطة الإنسانية في نظر الإسلام أعم وأشمل من بقية الروابط الاجتماعية، فالإنسان أخو الإنسان، إذ تشترك البشرية في صفة التشابه في الصنع والإنشاء كما يشير إلى ذلك الإمام أمير المؤمنين () في وصف الأفراد قائلاً:((فأنهم صنفان أما أخ لك في الدين وأما نظير لك في الخلق))،ويشير القرآن الكريم بخصوص هذا المعنى الى القدر الجامع بين الأنبياء والكفار فيقول:((وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً)) ،((وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً))، إذ أن منطوق الآيتين الشريفتين يدل على أن القاسم المشترك والقدر الجامع بين كفار ثمود ومدين من جهة، والنبيين صالح وشعيب () من جهة أخرى هو أشتراكهم جميعاً في الأخوة الإنسانية على أختلاف ميولهم العقائدية ووظائفهم الاجتماعية وبطبيعة الحال، فان تصميم الإسلام على فهم الرابط الإنساني الذي يربط الأفراد – من دون النظر إلى منشئهم وعقيدتهم – ضروري ضمن النظرية الإسلامية في تكامل النظام الاجتماعي؛ لأن الإنسان – بحسب تلك النظرية – مصمم منذ نشأته الأولى على التحسس والشعور بالانفعال والتفاهم والتغير، وهي أمور يتميز بها الأفراد عن غيرهم من الكائنات.

وهذه الرابطة الإنسانية التي يعلنها الإسلام بكل صراحة ويطبقها في كامل أحكامه وتشريعاته تميزه عن باقي الأديان والأفكار والعقائد في الاهتمام بكرامة الفرد وحريته، فيصرح القرآن الكريم بكل وضوح منادياً ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)) فالتفاضل الإلهي بين الأفراد مستند في الأصل، على الجهد البشري في العمل الأجتماعي والنزاهة الفردية وطاعة المولى عز وجل؛ لأن جعل الأفراد عن طريق الاجتماع شعوباً متميزة يحتاج بصورة أساسية إلى جهودهم في التعاون والتكاتف لبناء صرح الأنظمة الاجتماعية الرائدة.

وبالإجمال، فان الرابطة الإنسانية في النظرية الإسلامية هي الحبل الذي يربط الأفراد ضمن نظام عادل يضمن لكل منهم قدراً معقولاً من الحقوق والعدالة والمساواة بغض النظر عن عقائدهم وأجناسهم وأصولهم العرقية .

ويؤكد علماء الاجتماع في نظرياتهم أن الدين هو أحد مقومات التجانس الأجتماعي، وقد كشف الإسلام عن تلك الحقيقة قبل أن تتبلور على شكل نظرية من خلال تأكيده على مسألة التقارب والتعايش مع أبناء الديانات الأخرى، وإلغاء أسباب التمايز العقدي والجنسي بين المجتمع، كما أن التجانس الاجتماعي بين المسلمين وغيرهم، إنطلاقاً من هذا الحق، لم يكن ليستقيم ويستمر لولا القوانين التي نظمتها الشريعة الإسلامية المتمثلة بعقود الذمة .

سنأخذ في هذا المبحث بعض النماذج للفتاوى التي كان لها الأثر الكبير في تقوية الروابط الإنسانية وإثراء مقومات التجانس الاجتماعي.

المثال الأول: فتاوى طهارة أهل الكتاب وجواز التصدق عليهم 

         أختلفت الآراء عند الفقهاء في حكم طهارة أهل الكتاب وغيرهم، وربما ذهب بعضهم إلى تأليف المصنفات في ذلك، لكن أجماعهم على مانقله المحقق النراقي (ت 1244هـ) هو نجاستهم.وذلك لصريح بعض الآيات الكريمة وظهور بعض الروايات، التي أستفاد منها طائفة من الفقهاء وأستدلوا بها على هذا الحكم، وقد أفتى بعض الفقهاء المعاصرين كالسيد الخامنئي والسيد الحائري والسيد السيستاني بطهارتهم، بل يصرح بأن أهل الكتاب من يهود ومسيحيين ومجوس طاهرون، وأستدل السيد السيستاني – حسب ما صرح في استفتاءاته – أن مجموع الروايات عنده لا تدل على نجاسة الكتابي وحيث لا دليل في المسألة، يتعين حينئذٍ الطهارة، بناءً على حكم الشرع بطهارة كل شيء لم يرد فيه دليل على نجاسته.

ويذهب السيد السيستاني إلى أكثر من ذلك، إذ لا حرج عنده في استخدام المسيح للعمل في البيوت،وغسل الملابس أو الأواني ؛ لأنها محكومة – عنده – بالطهارة، كما أنه جوز الحلاقة عند الكتابي، وطهارة كل ما يترتب من الرطوبة المسرية من غسل الشعر واللحية ، كما وأفتى بطهارة الملابس المغسولة في محلات غير المسلمين.

والحق أن فتاوى الفقهاء بشأن طهارة أهل الكتاب لها أثرُ مباشر في رفع الحرج الاجتماعي بشكل كبير، الأمر الذي من شأنه أن يشد وشائج القربى والمودة بين المسلمين وغيرهم من أهل الكتاب، كما وأفتى فقهاء الإمامية المعاصرين على جواز التصدق المندوب على (الغنى والمخالف والكافر الذمي) ومن المعاصرين كالسيد الخوئي والسيد الروحاني وغيرهم، وقد أوقف بعضهم كالسيد محمد سعيد الحكيم الجواز على الضرورة  كسد الجوع ورَي العطش، أما السيد السيستاني فقد صرح بان التصدق يجوز على الكفار الفقراء كتابيّين كانوا أم غيرهم ما لم ينصبوا العداوة لأهل بيت العصمة () وإن المتصدّق مثاب.

المثال الثاني: دفن المسلم في مقابر النصارى 

من المتسالم عليه أنه لايجوز للمسلم أن يدفن في غير مقابر المسلمين، وحول هذا الموضوع سئل الشيخ يوسف القرضاوي عن حكم دفن المسلم في مقابر النصارى، لعدم وجود مقبرة للمسلمين، أو مع وجود مقبرة للمسلمين لكنها بعيدة عن أهل الميت، بحيث لا يتيسر لهم الزيارة لميتّهم بسهولة كلما أرادوا؟ .

فأفتى بوجوب دفن المسلمين في مقابر المسلمين، فان لم يكن للمسلمين في هذه البلاد مقابر، فليكن لهم رقعة في مقابر النصارى على الأطراف، فان لم يستطيعوا جاز لهم دفن المسلم في مقابر النصارى، ولكن لا يجوز أن يدفن المسلم في مقابر النصارى مع وجود مقابر للمسلمين؛ لأن دفن المسلم في مقبرة المسلمين فريضة كما يبدوا من أجماع العلماء على ذلك، وزيارة الميت نافلة، ولا يجوز أن تضيع فريضة من أجل نافلة. 

ويبدو للباحث أن الشيخ القرضاوي بنى فتواه هنا على أمرين:-

الأول: فقه الضرورة في حال عدم وجود مقبرة للمسلمين، فان كان الأصل أنه لا يجوز للمسلم أن يدفن في غير مقابر المسلمين، لكنه يجوز للضرورة عند وجود مقبرة خاصة بهم.

الثاني: أحترام إجماع علماء الأمة من عدم جواز دفن الكافر في مقابر المسلمين، والبناء على فقه الأولويات، فيقدم المفروض على المسنون.

ويذكر أن السيد السيستاني يجيب على إستفتاء مماثل ما نصه ((إذا كان نقل المسلم الميت إلى بلدان إسلامية يكلف كثيراً، فهل يجوز دفنه بمدافن غير المسلمين من أصحاب الديانات السماوية الأخرى؟

- لا يجوز دفن المسلم في مقابر الكفار إلا مع الانحصار والضرورة الرافعة للتكليف)).

وهنا نرى أن هذه الفتاوى قد راعت خصوصية كلا الطرفين في دفن موتاهم وفي الوقت نفسه رفعت الحرج والعسر الاجتماعي المتمثل من عدم وجود المقابر الخاصة وذلك من خلال تطبيق فقه الضرورة .



المبحث الثاني

التقليد وعلاقته بالأحكام الولائية وحكم القاضي

توطئة

الولاية لغة وأصطلاحاً .

سلطات الفقيه وصلاحياته في عصر الغيبة.

الفرق بين الحكم الولائي والحكم الأولي أو الثانوي.

أقسام الحكم الولائي.

دائرة الحكم الولائي.

نماذج تطبيقية للحكم الولائي.

المثال الأول:- تحديد مقدار الجزية على أهل الكتاب.

المثال الثاني:- النهي عن بيع فضل الماء.

المثال الثالث:- عفو الحاكم عن العقوبات.

المثال الرابع:- تحليل الخمس للشيعة.

                             تعقيب واستنتاج:

مفهوم القضاء

حجية حكم القاضي

توطئة: 

      إن حاجة المجتمع إلى حكومة تدير أموره إدارة صحيحة قائمة على العدل والأنصاف ليس بالأمر الذي يمكن إنكاره، بسبب إن كل مجتمع عرضة للظلم والعدوان، ما لم تكن ثمة حكومة عادلة وحكام أتقياء يحولون من دون وقوع ذلك، كما أن تأسيس المدينة الفاضلة ووصول الجميع إلى حقوقهم أمر مرهون بوجود الحكومة القائمة على أساس العدل والتوزيع المتكافئ للثروات العامة بين الناس ورفع التمييز الطبقي بينهم، وتطبيق قانون الشرع الإلهي وسد منافذ الشر والظلم التي تحدق بالمجتمع وتهدده.

       ومما لاشكّ فيه أن جميع الأنبياء () الذين بعثوا لتحقيق سعادة المجتمع البشري إنما كانوا يهدفون – مضافاً لإبلاغ الرسالة – إلى إقامة الحكومة التي تضمن في كنفها سعادة الناس في الدنيا والآخرة، بعد أن كان الإنسان عاجزاً – وهو يعيش في خضم الحياة المادية – عن ارتقاء سلم التكامل المعنوي بدون الاستعانة بهدى الأنبياء () وتعاليم الوحي .

         وطبيعي أن هذا الأمر لا ينسجم ووجود الحكومات الجائرة، إذ لا يفتأ حكامها من التمادي في قضم حقوق الضعفاء ونهب الثروات العامة، وليست المحاكم والقضاء في مثل هذه الحكومات ممن يهمه أمر الضعفاء والمحرومين لتدافع عنهم وتحفظ حقوقهم، إذ أن ما يعني ذوي المناصب والمواقع في ظل الحكومة الجائرة ليس هو ألاّ المصالح الخاصة، ويمكننا القول أن المجتمع البشري كلما أنكب على الدنيا وطلب الجاه أبتعد عن جادة السعادة وأخطأ الطريق، فلا ضامن لسعادته غير إجراء القانون الإلهي وتطبيقه، ويدل على ذلك أمور:-

أولاً: ملاحظة سيرة النبي (6) والأئمة المعصومين () من بعده، فقد تصدى (6) لطواغيت عصره، ثم تصدى بعد ذلك لأمر الحكومة في القضاء وتنفيذ الأحكام وإدارة الأمور الأقتصادية والسياسية والأجتماعية، الأمر الذي لا يمكن تفسيره بأنه كان تدبيراً فردياً منه (6) لا يمت إلى الدين والوحي بصلة وذلك لعصمته (6) الرادعة له عن العمل خارج دائرة الأمر الإلهي لقوله تعالى ((وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى{3} إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)) ومن هنا فان ما قام به (6) يدل بشكل قطعي على أن أمر الحكومة هو من صلب الدين.

ثانياً:- أن المنصف والمتأمل في تعاليم القرآن والسَنة يدرك بوضوح أن تطبيقها يعتمد اعتماداً كاملاً على وجود الحكومة الإسلامية، قال تعالى ((لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ)).

ثالثاً:- إن سيرة جميع الأئمة الأطهار () وهم عترة النبي (6) تدل بوضوح على السعي إلى تأسيس الحكومة، فالإمام أمير المؤمنين () قد سعى بعد تنصيب النبي (6) له بالخلافة وبشكل حثيث قل نظيره بين الحكام إلى تأسيس الدولة وتقلد مهامها في أول فرصة سنحت له بذلك حتى نال الشهادة في هذا الطريق، كما نالها من بعده في نفس السبيل ولداه الحسنان ()، والمتأمل من سيرة الأئمة () وتحليلها يثبت اهتمامهم وتخطيطهم للأمر المذكور، ولسنا بحاجة هنا إلى أثبات ولاية الفقيه فقد تناولها الباحثون والعلماء في أبحاثهم ودراساتهم، آثرنا لمن يريد الاطلاع عليها مراجعتها في المصادر ذات الصلة.

          وقد حاول بعض علماء الإمامية أن يناقش في مسألة ولاية الفقيه من حيث الصلاحيات كما ناقشها من حيث المبدأ، ومنهم الشيخ محمد مهدي شمس الدين إذ ذكر أن صلاحيات الولي الفقيه ليست نفس صلاحيات الإمام () سواءُ كان دليلها النص أو العقل ثم قال ((والمعيار في ذلك هو دليل نيابة الفقيه عن الإمام المعصوم في الشأن السياسي السلطوي والتنظيمي، وهذا الدليل أما الأعتبار العقلي من جهة وجوب حفظ النظام العام لحياة المجتمع، وأما الأدلة اللفظية التي يدعى دلالتها على النيابة عن الإمام فإذا كان دليل الشرعية هو وجوب حفظ النظام فمن المعلوم أنه دليل عقلي لبيّ لا أطلاق له، ولا يمكن التمسك به ألا بالمقدار المتيقن منه، وكل مورد يشك في أندراجه فيه يكون خارجاً عنه في مقام العمل))، ثم تحدث عن الدليل اللفظي ورفض دلالته على ولاية شاملة للأمة كلها.

          ويرى الباحث أن فكرة الولاية العامة للفقيه التي يقول بها السيد الخميني()، لها ما يبررها بأن الدليل العقلي على ولاية الفقيه ليس هو وجوب حفظ النظام، بل أن وجوب حفظ النظام هو دليل على ضرورة الحكومة الإسلامية التي تستدعي ضرورة وجود والٍ فيها، وأما الدليل العقلي على ثبوت كون الولي هو الفقيه فهو دليل الحسبة لا غير، وعلى كل حال فان ظاهر الأدلة اللفظية تعطي عموم الولاية للفقيه، وإن له ما للإمام () من حيث هو حاكم، فهي أمتداد طبيعي لولايتهم حتى تتحقق حكومة الله في أرضه، ولا تتعطل الأحكام والحدود، والله العالم .

(1) الولاية لغةً وأصطلاحاً :

        الولاية لغةً: ((الولاية – بالكسر – السلطان، وقال سيبويه: الولاية – بالفتح: المصدر،وبالكسر: الأسم، مثل الإمارة، والنقابة، لأنه أسم لما توليته، وقمت به)).

وأصطلاحاً:- عرفت بأنها ((سلطنة على الغير عقلية، أو شرعية نفساً كان أو مالاً، أو كليهما بالأصل، أو بالعارض)) ، ويظهر أنها في الاصطلاح تحمل نفس مدلولها اللغوي، أي السلطان مع توسع وتضييق في نوع السلطنة، وتتضح من تقسيمهم على قسمين ٍأساسيين: (ولاية عامة) و(ولاية خاصة).

الولاية العامة: وهي الولاية المجعولة للنبي () بآية: ((النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم)) ، والحديث الشريف: ((أنا أولى بكل مؤمن من نفسه))، وكذلك للأئمة المعصومين () لقوله () – في حديث الغدير: ألست أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: بلى، قال: من كنت مولاه فهذا علي مولاه، وهذا واضح في ثبوت الولاية للنبي (6) والإمام على النفوس،ومقتضى عدم الفصل والأولوية ثبوت الولاية على الأموال أيضاً .

أما الولاية الخاصة: فهي لا تتعدى بالنسبة إلى المجتهد ولاية القضاء لما دل على عدّها له بالخصوص، والولايات الأخرى كالحسبة ، وغيرها والتي تحدثت عنها بعض الكتب، فالظاهر أنها لا تختص بالمجتهد، بل تعم كل من يصلح لها من المسلمين لذا لا نتعرض لها في هذا المقام.

نعم قيل بثبوت الولاية العامة للمجتهد، وأستدل على ذلك بأدلة منها:

أ- قوله (): ((الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا)) .

ب- قوله (): ((أفتخر يوم القيامة بعلماء أمتي، فأقول: علماء أمتي كسائر الأنبياء قبلي)) ، إلى غير ذلك من روايات المعصومين ()، وفي هذا المضمار قال الشيخ الأنصاري ((ولكن الأنصاف بعد ملاحظة سياقها، أو صدرها، أو ذيلها يقتضي الجزم بأنها في مقام بيان وظيفتهم من حيث الأحكام الشرعية، لا كونهم كالأنبياء والأئمة صلوات الله عليهم))  في كونهم أولى بالمؤمنين من أنفسهم.

ومن هنا دخلت السياسة عنصراً أساسياً في حياة الفقهاء والمجتهدين/ فمن يرى الولاية العامة يتصرف بحكم ولايته لما له من مقام كالمعصوم () وعندها تدخل الشؤون السياسية جزءً من وظيفة المجتهد، ويفكر في الدولة والحكم وأمثالهما لما لولايته من سعة وضيق في ذلك.

         ومن لايرى الولاية العامة يقتصر على الأمور الحسبية في عصر الغيبة، ويرى إقامة الدولة وأمثالها في شأن المعصوم ووظيفة الإمام الغائب (عج)، وكل من الفريقين له أدلته واستنباطاته التي يعتمدها ونهجه في الحياة، ومن ثم ارتباط الأمة حسب تقليدها لأحد هذين النهجين، فأما أن تكون أمة مقلِّدة منتظرة أنتظاراً سلبياً لظهور قائمها إن كان مجتهدها لم يقل بالولاية العامة، وإما أن تكون أمة منتظرة أنتظاراً إيجابياً لظهور قائمها، وتعمل لما يريده المعصوم ()، وما يتبناه فتكون أمة متوثبة فاعلة حسب مقلدها وإيمانه بدائرة ولايته سعةً وضيقاً .

(2) سلطات الفقيه وصلاحياته في عصر الغيبة :

للفقيه الجامع للشرائط مناصب ثلاثة كما يشير إليها الشيخ الأنصاري () هي:

1- الإفتاء:- فيما يحتاج إليه العامي في عمله ومورده المسائل الفرعية والموضوعات الأستنباطية من حيث ترتب حكم فرعي عليها، ولا أشكال ولا خلاف في ثبوت هذا المنصب للفقيه .

والإفتاء في الفقه الإسلامي بديل السلطة التشريعية التي تنيطها القوانين الوضعية بالمجالس أو الهيئات التشريعية، ولما كان التشريع خاصاً بالله سبحانه وتعالى، ولم يكن لأي إنسان حق في التشريع، كانت صلاحية الفقيه في هذا المجال تقتصر على الإفتاء، وهذه الصلاحية تختص بالفقهاء، ولا يجوز لأحد من الناس عدا الفقهاء ، وهنا يتبين لنا الفارق الأساسي بين الحكم الصادر من الإمام ()، والصادر عن المفتي، فإن الأول واقعي والثاني ظاهري؛ لأن المجتهد يخطئ   ويصيب. 

2- الحكومة (ويعني القضاء):- فله الحكم بما يراه حقاً في المرافعات وغيرها في الجملة، وهذا المنصب أيضاً ثابت له بلا خلاف  لما جاء في التوقيع الشريف عن الإمام الحجة (عج) حيث قال (فأرضوا به حكماً) .

ولا يجوز التخاصم إلى الحكام والقضاة الجائرين المنصوبين من قبل الحكام الظالمين، وإذا حكم أحدهم لأحد بمال أو حق، فلا يجوز له أن يأخذه بحكم القاضي (إذا كان يتوفر هناك من الفقهاء من يحكم بين المسلمين) حتى لو كان ذلك المال حقاً مشروعاً له، كما ورد في مقبولة عمر بن حنظلة ((وما يحكم له فإنما يأخذه سحتاً، وأن كان حقاً ثابتاً له، لأنه أخذه بحكم الطاغوت،وما أمر الله أن يكفر به))وكما لا يجوز التخاصم إلى القضاة الجائرين، كذلك لا يجوز التخاصم إلى غير الفقهاء والعلماء بأحكام الله وحدوده، وقد ادعى الشهيد الثاني الإجماع عليه في المسالك.

ولأن فصل الخصومات بين الناس فصلاً عادلاً وفي حدود ما حكم الله سبحانه يتطلب فقهاً بأحكام الله عز وجل وحدوده، وعلماً بهذا الدين وأحكامه والفقيه وحده هو الذي يتوفر لديه كل ذلك، ويكون حكمه صادراً عن معرفة وفقه بهذا الدين وأحكامه وحدوده،وقد ورد في ذلك نصوص كثيرة نقتصر منها على النص التالي:- ((عن أبي خديجة قال: قال أبو عبدالله (): إياكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن أنظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فأجعلوه بينكم، فإني قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه)) ،ولا معنى (للحكومة) و(القضاء) التي يجعلها الإمام () في رواية عمر بن حنظلة وأبي خديجة للفقهاء، غير النفوذ في الحكم والقضاء، ووجوب الأنقياد له من قبل المتخاصمين.

3- ولاية التصرف في الأموال والأنفس:- أي بمعنى سلطة الحكم والولاية والتنفيذ،والحديث في هذا الأمر من السهل الممتنع،والواضح العسير؛لأن كل من يلقي نظرة إلى طبيعة الدين الإسلامي ورسالته في الحياة، ودوره في إقامة حكم الله ومسؤوليته في تعبيد الإنسان لله وأنقاذه من سلطة الطاغوت، ويحكم شريعة الله ويطمئن إلى أن موقع هذا الدين في حياة الإنسان هو موقع القيادة والحاكمية والولاية، فهذا واضح وفي نفس الوقت عمل صعب وعسير؛ لأن الفترة التأريخية الطويلة التي أقصي الإسلام فيها عن ممارسة دوره في حياة الإنسان من الحكم،وأقتصر دور الإسلام فيها على الشؤون الفردية للإنسان من عبادة ومن أحوال شخصية وعائلية، أدت إلى إضعاف التصور الفقهي لهذا الشأن الخطير والمهم من شؤون الإسلام، والى نضوب شديد للممارسات الفقهية والفكرية في هذا المجال مما يجعل الكتابة والبحث في هذا الأمر صعباً عسيراً .

وربما نسأل حول التجربة العراقية في حقبة ما بعد النظام الدكتاتوري السابق، وقبولنا بالدولة المدنية التي تحترم الإسلام، نقول أننا قبلنا ذلك لأن الواقع والمتغيرات الدولية والإقليمية قد فرضتها علينا، وقبلنا بها من باب حفظ النظام ليس إلا، وإلا فلا مناص من الحكومة الإسلامية، ففي التعليق الوارد عن الإمام الحجة (عج) ((إنهم حجتي عليكم)) يدل على وجوب العمل بجميع ما يلزمون ويحكمون.


(3) الفرق بين الحكم الولائي والحكم الأولي أو الثانوي:-

قبل الشروع في بيان الفروق لا بد لنا من معرفة الحكم الولائي أو الحكم الحكومتي وهو: ((الحكم الصادر من الفقيه بصفته حاكماً وولياً)) ، وتتمثل الفروق بينه وبين الحكم الأولي أو الثانوي بما يلي:-

إن خصوصية الأحكام الولائية هي أنها أحكام يصدرها الفقيه، فهي إنشائية، وأما الأحكام الأولية فهي أحكام يكشفها الفقيه ويستنبطها فهي أحكام أخبارية. 

إن الأحكام الولائية هي أحكام تطبيقية،أي تطبيق لحكم كلي في الموضوعات الخارجية، وأما الأحكام الأولية فهي أحكام كلية غير مطبقة على مصاديقها الخارجية، وعملية التطبيق للحكم الولائي تارةً تكون تطبيقاً لحكم أولي،وأخرى تكون تطبيقاً     لحكم ثانوي.

جـ- إن الأحكام الولائية لا يمكن نقضها من قبل فقيه آخر، بخلاف الأحكام الأولية فلكل فقيه رأيه الذي يصل إليه من خلال مراجعة الأدلة الشرعية، لذا فالنقض لا يصدق في الفتاوى، ولكنه يصدق في الأحكام.

د- إن الأحكام الأولية قائمة على أساس المصالح والمفاسد في ذوات الأشياء، يلحظها الشارع المقدس ويصدر حكمه فيها، أما الأحكام الولائية فهي أحكام تتبع المصالح العامة لحفظ النظام والملاكات الأهم التي يدركها الحاكم الشرعي، أو التطبيقات التي ينصرف نظره إليها في الموضوعات الخارجية.

هـ- إن الأحكام الأولية تعبر عن الحالة الطبيعية للأشياء كما يراها الإسلام وأما الأحكام الولائية فقد تعبر عن مقتضيات المصلحة التي يراها ولي الأمر وتشكل حالة استثنائية.

ويمكن توضيح ذلك بأن الأحكام الصادرة من  الولي على قسمين:الحكم الولائي والحكم الكاشف، أما الحكم الكاشف فهو الذي يصدر من الولي من دون قصد لأعمال ولايته،بل لأنه يرى حقيقةً ثابتة قبل أعماله الولاية، وأما الحكم الولائي فهو الحكم الذي يراد منه أنشاء تكليف واقعي على المجتمع، لا تنجيز الواقع، كما لو رأى الولي ضرورة تحديد الأسعار. 

(4) أقسام الحكم الولائي:

ينقسم الحكم الولائي على أقسام كثيرة وهي كالآتي : 

أولاً: الأحكام الصادرة من الفقيه الحاكم في موارد أجراء الأحكام الجزائية من الحدود والقصاص والديات.

ثانياً: الحكم الصادر لدفع المفاسد ومنع المنكرات بأنواعها.

ثالثاً: الحكم الصادر منه في الأمور السياسية، مما يرتبط بشؤون الحكومة كنصب الأمراء والوزراء ومسؤولي الحكومة وعمالها وعزلهم، والحكم بقطع العلاقات مع بعض الدول وإيجادها مع بعض آخر.

رابعاً: الأحكام الصادرة في جهة عمران البلاد والتخطيط الحضري للمدن مثل إحداث الطرق وتوسيع الشوارع في أملاك الناس باقتضاء المصلحة والضرورة وتخريب المساجد والبيوت والأماكن الواقعة في مسير الطرق.

خامساً: الأحكام الصادرة في الأمور العسكرية، والخدمة الإلزامية، والتوجيه الإجباري إلى جبهات الدفاع والقتال، ومنع عموم الناس من حمل السلاح.

سادساً:الحكم الصادر في الأمور القضائية كالحكم في المرافعات لفضّ الخصومات ورفع النزاع . 

سابعاً: الحكم الصادر في الأمور الاقتصادية، كالحكم بتعزير المحتكر، وتقييم الأجناس ، والمنع من إخراج العملة والأمتعة الأساسية عن الدولة الإسلامية، وكذلك الحكم في تحديد الإجراءات الكمركية، ومنع الازدواج الضريبي، وأخذ الضرائب المالية، والحكم بمصادرة الأموال الربوية، ونحو ذلك مما يكون له مدخلية في حفظ النظام الاقتصادي  .

           ويجمع الكل على أن الحكم الولائي، أما أن يكون من قبيل تطبيقات الأحكام العامة، وأما أن يكون تدبيراً لنظم الأمر، ((فإذا حدد الأسعار لم يعد جائزاً للبائع تجاوزها وإن كان هذا في ذاته مباحاً له، لولا النهي الحكومي الصادر من الولي، وبعد هذا النهي يحق للولي إجبار البائع على الألتزام بالسعر، لأنه إلزام بما وجب على البائع لابما هو مباح له، وأما حكم الولي في دائرة المحرمات، فمعناه أن الوالي يعمل بتشخيصه فيما لو تزاحم واجب مع محرم، فيقدم الأهم على المهم، كما هي القاعدة في باب التزاحم*))، وفي هذا المجال (أي مجال التدبيرات لنظم الأمر) قد يقال بعد إمكان تخطئة الحاكم، لأنه لا واقع له وراء إنشاء الحكم، وهذا يدعونا إلى البحث عن دائرة الحكم الولائي، والطريقة التي سنعتمدها في بيان دائرة الحكم الولائي هو ملاحظة الأحكام الولائية الصادرة عن المعصومين () لمعرفة مدى سعة الدائرة، ويعتمد ذلك على أنه متى تحددت الدائرة للحكم الولائي، وقامت الأدلة على ثبوت الولاية العامة للفقهاء، كان مقتضى الأصل ثبوت الولاية لهم بكل ما يثبت للمعصوم () بما هو ولي وحاكم، لا بما هو معصوم، على أن يكون تضييق تلك الدائرة متوقفاً على الدليل المخصص.

         وبعبارة أخرى، يكون تضييق الدائرة هو المحتاج الى الدليل، وعليه لا بد لنا من ملاحظة هذه الموارد بعد توضيح محل البحث.

(5) دائرة الحكم الولائي :

       يعد البحث عن دائرة الحكم الولائي من أهم أبحاث ولاية الفقيه، ولا يرتبط البحث فيها بمسألة الإيمان بولاية الفقيه وعدمه ؛ لأن الدائرة متى كانت واسعة قد تلتزم بثبوت قسم منها حتى على القول بالولاية الخاصة، وتحديد هذه الدائرة يساعد القائلين بالولاية العامة على سوق أدلتهم وأحكامها.

        وقد أختلفت الاتجاهات في تحديد دائرة الحكم الولائي، فمنهم من خص تلك الدائرة بالأمور المباحة، فان كان المراد المباح بالمعنى الأخص، أي ما كانت الإباحة فيه قسماً خاصاً مقابل الأحكام التكليفية الأخرى كانت دائرة الاحكام الولائية في غاية الضيق، وان المراد بالإباحة بالمعنى الأعم كانت الدائرة أوسع إذ تشمل حينئذٍ الأحكام الثلاثة من المستحب والمكروه والمباح بالمعنى الأخص، وهي بهذا المعنى لا تشمل سوى منطقة الفراغ التشريعي، وهي التي اصطلح الشهيد الصدر أنها تطلق على ما أوكل فيه الشارع لولي الأمر أمر ملئها وفق مقتضيات متبدلة، والذي يظهر أن السيد الشهيد الصدر يخص هذه المنطقة بدائرة المباحات بالمعنى الأعم .

            وهناك رأي ثالث يرى أن هذه الدائرة متسعة، فتشمل حتى الوجوب والحرمة، فهي تشمل جميع الأحكام الشرعية، دون أن يضر ذلك بالأحكام الأولية الثابتة على الأشياء بعناوينها الأولية، لأن علاقة الحكم الولائي مع الحكم الأولي تكون كعلاقة الحكم الثانوي مع الحكم الأولي، وهو وما يعبر عنه بالحكومة، فيكون الحكم الولائي مقدّماً على الحكم الأولي، من دون أن تقع المزاحمة بينهما، بل أن الحكم الولائي حكم أولي مقدّم على جميع الأحكام هنا، وموقعية الحكم الولائي متقدمة بطبعها على الأولي، ولعل قطب هذه التوسعة السيد الخميني ()، ويظهر ذلك في رسالة وجهها إلى السيد الخامنئي ينص فيها صريحاً على مدى سعة هذه الدائرة إذ يقول () ((إن الحكومة شعبة من ولاية رسول الله المطلقة، وواحدة من الأحكام الأولية للإسلام، ومقدمة على جميع الأحكام الفرعية حتى الصلاة والصوم والحج، وإن باستطاعة الحاكم أن يخرّب أي مسجد أو بيت يقطع طريق الشارع، ويعطي قيمة ذلك البيت لصاحبه , ويستطيع الحاكم أن يعطل المساجد عند الضرورة وأن يخرب المسجد الذي يصبح كمسجد ضرار ولا يستطيع أن يعالجه بدون التخريب، وتستطيع الحكومة أن تلغي من طرف واحد الاتفاقيات الشرعية التي تعقدها مع الشعب إذا رأتها مخالفة لمصالح البلد والإسلام، وتستطيع أن تقف أمام أي أمر عبادي أو غير عبادي إذا كان مضراً بمصالح الإسلام ما دام كذلك، وإن الحكومة تستطيع أن تمنع مؤقتاً، وفي ظروف التناقض مع مصالح البلد الإسلامي إذا رأت من ذلك أن تمنع من الحج الذي يعتبر من الفرائض المهمة الإلهية)) ، وهنا يظهر لنا دوائر ثلاث من الممكن أن تكون متبناة في الحكم الولائي فدائرة أضيق هي المباح كحكم شرعي من الأحكام الخمسة، ودائرة أوسع هي المباح بالمعنى الأعم، ودائرة كبرى هي جميع الأحكام الشرعية بما فيها الوجوب والحرمة، وتكون علاقة الحكم الولائي فيها مع الحكم الأولي هي الحكومة، كعلاقة الحكم الثانوي مع الحكم الأولي.

وتوضيح ذلك يتم على مرحلتين:-

المرحلة الأولى: ملاحظة الحكم الولائي مع الأحكام غير الإلزامية ، أي المباحات بالمعنى الأعم الشامل للمستحبات والمكروهات، والمباحات بالمعنى الأخص، وهنا تأتي نظرية (منطقة الفراغ) لتتحدث عن خلو الواقعة فعلاً من أي حكم إلزامي عن قصد من قبل الشرع لذلك لتكون يد الحاكم الإسلامي مطلقة تجاه أصدار حكم إلزامي طبق مصالح ومفاسد عصره.

المرحلة الثانية: ملاحظة الحكم الولائي مع الأحكام الإلزامية، أي:الوجوب والحرمة وهنا لا شك في أن تبديل الحكم الإلزامي يبتني على نظرية التزاحم المطروحة في الأبحاث الأصولية  .

ولكن أي نوع من التزاحم هو؟!

ويتجه بعض الباحثين المعاصرين إلى إدراج ذلك ضمن ما اصطلح عليه (التزاحم الحفظي التطبيقي والإجرائي) وهو يشترك مع التزاحم الحفظي في مقام التشريع، من جهة كون الملاك فيه حفظ الأحكام الواقعية، ويعتقد بشمول هذا الوجه للحكم الولائي في دائرة الأحكام غير الإلزامية والإلزامية، وهذه هي جهة افتراقه عن التزاحم الأمتثالي. 

((نعم تحديد هذه الدائرة التي يرجع فيها إلى الحاكم الإسلامي تخضع لمسألة مركز التزاحم، وذلك لأن التزاحم يقع على مستويين، فهو أما أن يكون على مستوى المصالح والمفاسد الشخصية للمكلف، وهنا يقع تشخيص الأهم من المهم بيد المكلف، فهو لا بد له من تقديم الأهم على المهم بعد تشخيصه لذلك، وأما أن يقع التزاحم على المستوى الاجتماعي بنحو لا يرتبط ذلك بشخص مكلف محدد، وهنا يقع على عاتق الولي الفقيه مهمة تشخيص الأهم من المهم، وتحديد الأولويات وتقديم ما يراه منها))، وبهذا يظهر افتراق الحكم الولائي عن الحكم الثانوي؛ لأن الحكم الثانوي يرتبط بالتزاحم الشخصي، أي: تزاحم ملاكات الأحكام عند أشخاص المكلفين، وأما الحكم الولائي فيرتبط بالتزاحم الاجتماعي، أي تزاحم الملاكات عند الحاكم.

(6) نماذج تطبيقية للحكم الولائي :

المثال الأول:- تحديد مقدار الجزية على أهل الكتاب:

        الجزية من الفرائض المالية التي فرضها الإسلام على أهل الكتاب الذين يقيمون في الدولة الإسلامية، وقد ورد في الروايات بان ذلك من الأمور المفوضة إلى الإمام، أي الحاكم، وانه ليس في ذلك شيء محدد.

         وذلك كما في صحيحة زرارة: ((قال: قلت لأبي عبدالله (): ما حد الجزية على أهل الكتاب؟ وهل عليهم في ذلك شيء موظّف لا ينبغي أن يجوز إلى غيره؟ فقال: ذلك إلى الإمام، يأخذ من كل إنسان منهم ما شاء على قدر ماله ما يطيق)) .

          وقد ورد في رواية أخرى عن الخمس الذي فرضه عليهم النبي (6) أنه ((كان مما وقع عليه الصلح آنذاك، وأن الأمر إلى الإمام)) وذلك في تتمة الرواية السابقة: قال: وقال أبن مسلم: قلت لأبي عبدالله () أرأيت ما يأخذ هؤلاء من هذا الخمس من أرض الجزية، ويأخذ من الدهاقين جزية رؤوسهم، أما عليهم في ذلك شيء موظف؟ فقال: ((كان عليهم ما أجازوا على أنفسهم، وليس للإمام أكثر من الجزية، إن شاء الإمام وضع ذلك على رؤوسهم، وليس على أموالهم شيء، وإن شاء فعلى أموالهم، وليس على رؤوسهم شيء، فقلت: فهذا الخمس؟ فقال: أنما هذا شيء كان صالحهم عليه رسول الله (6) )) ويلحظ أن أمر الجزية موكول إلى الإمام بما انه ولي وحاكم ، ولذا لا يكون الحكم الصادر من الإمام الذي سبقه ملزماً، بل له وضع ما فيه المصلحة التي تقتضيها الظروف المعاشة،فليس ما ورد من فعل النبي والإمام () حاملاً لجنبة الإلزام.

المثال الثاني:- النهي عن بيع فضل الماء:

           ورد في رواية سماعة عن آبان عن أبي بصير، عن أبي عبدالله () قال: ((نهى رسول الله () عن النطاف والأربعاء، قال: والأربعاء: أن يسني مسناةً فيحمل الماء فيسقي به الأرض، ثم يستغني عنه، قال: فلا تبعه، ولكن أعره جارك، والنطاف: أن يكون له الشرب فيستغني عنه)).

وكذلك ورد في رواية عقبة بن خالد، عن أبي عبدالله () قال: ((قضى رسول الله (6) بين أهل المدينة في مشارب النخل انه لا يمنع نقع الشيء، وقضى بين أهل البادية انه لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلاه، وقال: لا ضرر ولا ضرار)) .

قال الشهيد الصدر() تعليقاً منه على هذه الرواية: ((وهذا النهي نهي تحريم مارسه الرسول الأعظم (6) بصفته ولي الأمر، نظراً إلى أن مجتمع المدينة كان بحاجة شديدة إلى إنماء الثروة الزراعية والحيوانية)) .

المثال الثالث:- عفو الحاكم عن العقوبات:

        أقر الإسلام تشريعاً متكاملاً للعقوبات على من يتجاوز الحدود التي رسمها الله عز وجل، وقد قسم الفقهاء الحقوق الموجبة للعقوبات إلى ماكان من حقوق الله كحد الزنا وشرب الخمر، وما كان من حقوق الناس، كالقصاص وحد القذف، والبحث عن حق الحاكم في العفو عن القصاص بحث طويل، ومايهمنا منه هنا انه بناءً على ثبوت هذا الحق للحاكم فهو أنما يثبت له بما هو حاكم وولي للأمر، ولا يثبت للقاضي؛ لأن الروايات التي تحدثت عن هذا الأمر تضمنت أن ذلك له بما هو ولّي وحاكم ففي معتبرة طلحة بن زيد، عن جعفر () قال: ((حدثني بعض أهلي أن شاباً أتى أمير المؤمنين () فأقر عنده بالسرقة قال: فقال له: أني أراك شاباً لا بأس بهيئتك، فهل تقرأ شيئاً من القرآن؟ قال: نعم، سورة البقرة، فقال: فقد وهبت يدك لسورة البقرة)) وذلك ((حيث أن الوارد فيها جميعاً أن أمير المؤمنين () عفا عن المجرم وقد كان ولياً للأمر، فالتعدي منه إلى القاضي غير وجيه))  وبعض الروايات تتحدث عن كون ذلك من الأمور المجعولة للإمام بما هو ولي وحاكم، وذلك كرواية تحف العقول عن أبي الحسن الثالث () في حديث قال: ((وأما الرجل الذي أعترف باللواط فانه لم تقم عليه بينة، وإنما تطوع بالإقرار من نفسه، وإذا كان للإمام الذي من الله أن يعاقب عن الله، كان له أن يمن عن الله)) .

المثال الرابع:- تحليل الخمس للشيعة:-

        تعدّ فريضة الخمس من الفرائض المالية التي أوجبها الله تعالى على المسلمين بقوله تعالى: ((وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ)) وقد ورد في كثير من الروايات تحليل ذلك للشيعة، ومن هذه الروايات:

صحيحة الفضلاء الثلاثة:- أبو بصير وزرارة ومحمد بن مسلم، كلهم عن أبي جعفر () قال: قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (): ((هلك الناس في بطونهم وفروجهم، لأنهم لم يؤدوا ألينا حقنا، ألا وأنّ شيعتنا من ذلك وآباءهم في حلّ)).

عن يونس بن يعقوب قال: ((كنت عند أبي عبدالله ()، فدخل عليه رجل من   القماطين، فقال: جعلت فداك، تقع في أيدينا الأرباح والأموال وتجارات نعلم أن حقك فيها ثابت، وإنا عن ذلك مقصرون، فقال أبو عبدالله (): ما أنصفناكم أن كلفناكم ذلك اليوم)) .

جـ- الحارث بن المغيرة النصري: ((عن أبي عبدالله () قال: قلت له: إن لنا أموالاً من غلات وتجارات، ونحو ذلك، وقد علمت أن لك فيها حقاً، قال (): فلم أحللنا إذن لشيعتنا إلا لتطيب ولادتهم، وكلّ من والى آبائي فهو في حل مما في أيديهم في حقنا، فليبلغ الشاهد الغائب)) وهذه الروايات الواردة في تحليل الخمس لا ينبغي الريب في بلوغ مجموعها حد التواتر، بحيث يقطع بمضمونها في الجملة ، وهذا التحليل الصادر من الأئمة إنما هو لأن هذا الحق ثابت لهم بما هم حكام على الناس، ولذا ذهب جماعة من الفقهاء إلى أن هذه الروايات تدل على التحليل في عصر النص فقط؛ لأن الحكم الولائي الصادر عن الإمام المعصوم () يختص بعصره، ولأجل ذلك تمسكوا لإثبات التحليل في عصر الغيبة بمكاتبة إسحاق بن يعقوب حيث ورد فيها: ((وأما الخمس فقد أبيح لشيعتنا، وجعلوا منه في حل إلى أن يظهر أمرنا، لِتطب ولادتهم ولا تخبث)) ، فان هذه الروايات حيث كانت صادرة عن إمام العصر والزمان عجل الله فرجه، فإذن تدل على التحليل في عصر الغيبة.

        وقد ذهب بعض الفقهاء إلى رفض كون هذا التحليل الصادر من الأئمة () من باب الولاية، فلا يكون حكماً ولائياً، بل هو من باب الملك، وينطلق هذا الاستنتاج من أمرين:

الأول: إن هذه الروايات تحكي عن الأذن المالكي ؛ لأن الخمس ملك للإمام () فإذن هي عملية تصرف من الإمام فيما يملك، فله أن يهبه للشيعة، وأن يتنازل عنه في وقت ما.

ولكن هذا الأستنتاج مبني على كونه ملكاً لشخص الإمام ()، وأما إذا بنينا على انه ملكاً لمنصب الإمامة , فيكون الإذن فيه ولائياً لاملكياً , فإذن حتى هذه الملكية لو سلّمت فإنها ملك المنصب لا الشخص . 

الثاني : إن الخمس كما هو معلوم ينقسم على سهمين , سهم للإمام وسهم لبني هاشم، وعليه فعفو الإمام () إن كان أذناً مالكياً لا حكماً ولائياً كما يذهب إليه أصحاب هذا الرأي، لتم بالنسبة لسهمه المبارك دون سهم بني هاشم، ولأجل هذا ذهب صاحب الحدائق الى أنه لا بد من تخصيص التحليل بحق الإمام () لأن النصف الآخر من حق السادة هو ملك لهم، فلا معنى لصدور التحليل من الإمام () فان هذا المال، أي سهم القربى ليس ملكاً له.

والجواب عن ذلك بان تحليل هذا السهم المختص ببني هاشم يكون من الإمام () من باب الولاية، فمتى وجد الإمام مصلحة في أباحته، كطيب الولادة، جاز له ذلك ويستدل على ذلك بان نسبة التحليل من قبل الإمام إلى أبيه () إذ قال: ((ألا أن أبي جعل شيعتنا من ذلك في حل ليزكّوا)). وعليه يظهر تدخل الحكم الولائي لتحليل الخمس كقدر متيقن في سهم بني هاشم، وهو رفع لفريضة واجبةٍ، فيظهر مدى اتساع دائرة الحكم الولائي.

تعقيب واستنتاج:

         بعد عرضنا لمفهوم الحكم الولائي وأخذنا لنماذج من الأحكام الولائية، فان الملاحظ في هذه الموارد المذكورة مدى السعة التي يمكن أن يستوعبها الحكم الولائي، ويمكن لنا تنويع هذه الموارد على ثلاثة أنواع :

الحكم الولائي الذي مثل فراغاً تشريعياً ويكون أمره موكولاً إلى الفقيه الحاكم لتشخيصه كتحديد مقدار الجزية على أهل الذمة (المثال الأول) .

الحكم الولائي الذي يتدخل في دائرة المباح بالمعنى الأعم، أي ما يشمل رفع الإباحة بالمعنى الأخص والكراهة والاستحباب، كالنهي عن بيع فضل الماء (المثال الثاني) .

جـ- الحكم الولائي الذي يرفع أو الحرمة الثابتين على الأشياء كعفو الحاكم عن العقوبات (المثال الثالث) وتحليل الخمس للشيعة (المثال الرابع) .

ولا شك أن الحكم الولائي لا بد وأن يكون محكوماً بالمصلحة، وهذه المصلحة هي المصلحة الإسلامية ومصلحة الأمة، وتحدد هذه المصلحة من خلال الأطر العامة والتي تسمى (أدلة التشريع العليا).

إن إقامة الدولة الإسلامية تعتبر من الأحكام الأولية للإسلام، بل قد تكون مقدمة على جميع الأحكام الأولية، وينظر السيد محمد حسين الطباطبائي إلى مسألة الولاية على أنها حكم فطري ثابت غير قابل للتغيير، ويستدل على ذلك بأن أحكام الإسلام جميعها فطرية ؛ لأن القرآن الكريم يصرح بأن أحكام الإسلام تقوم على الفطرة، وعليه تصبح مسألة أصل الولاية من المسائل الدينية الثابتة التي لا تقبل التغيير، لكونها جزءاً من الشريعة نفسها، ومن جهة أخرى يستدل بسيرة النبي () بين المسلمين، وتأكيده على مسألة الولاية والحكم، وعدم إهماله لها ثم يتم كلامه ((أن مسألة الولاية هي من ثوابت الشريعة الإسلامية، ومما يدخل في العناصر التشريعية الدينية التي يجب أن تبقى حيةً في المجتمع الإسلامي إلى الأبد)) ولذا فان علاقة الحكم الولائي بالتقليد هو أن الالتزام بالحكم الولائي هو متفرع عن أصل تقليد المكلف لولي الفقيه، وهذا طبعاً بالنسبة لمن يعتقد بولاية الفقيه، فالمكلف ملزم بالأخذ بهذا الحكم على أساس التفريع المتقدم، وأما المكلف الذي لا يعتقد بولاية الفقيه، فانه ملزم بتنفيذ الحكم الولائي وذلك لوجوب حفظ النظام، الذي أشرنا إليه سابقاً، وقد يستشكل علينا بان دليل حفظ النظام غير منحصر بولاية الفقيه، نقول أن وجوب حفظ النظام هو دليل ضرورة الحكومة الإسلامية، وأن الحفاظ على إقامة الدولة الإسلامية هو من الأمور المهمة التي حث عليها المشرع الإسلامي، ومن المهم أن نشير إلى أن ((عدم الاعتقاد اجتهاداً أو تقليداً بولاية الفقيه المطلقة في زمن غيبة الإمام الحجة (عج) لا يوجب الارتداد والخروج عن الإسلام)).

وفي سؤال للسيد كاظم الحائري حول هذه القضية بالذات ما نصه :

((مسألة: هل ترون ولاية الفقيه؟ وكيف توفقون بين الولاية والتقليد؟ وخاصة إذا لم يعرف رأي المقلد أومعروف بعدم رؤيتها، وهل هي من الضرورات المذهبية؟ وفي أي حدود؟ الجواب: نعم نحن نرى ولاية الفقيه،ولكنها ليست من الضرورات المذهبية، أما الفرق بين مجال الولاية ومجال التقليد فهو أن مجال التقليد هو مجال معرفة الأحكام الشرعية الابتدائية، أما مجال الولاية فهو مجال إنشاء أحكام جديدة حفظاً لمصالح الوقت من قبل ولي الأمر)) وحول سؤاله أيضاً بمدى الإلتزام بأمر السيد الخامنئي (دام ظله) بحرمة ضرب القامة في يوم عاشوراء، علماً بأن السائل لا يقلد السيد الخامنئي فهل هذا الأمر جارٍ على غير مقلديه؟ أجاب السيد الحائري بأن ما يحكم به السيد الخامنئي بوصفه ولياً للأمر يجب أتباعه على غير مقلديه .

وهنا نرى الإجابة كانت تتوافق تماماً مع وجوب حفظ النظام ورعاية المصالح العليا للحكومة الإسلامية. والله العالم .

(7) مفهوم القضاء في الشريعة الإسلامية : 

يطلق القضاء في الاصطلاح الفقهي على معنييّن:-

الأول:- الإتيان بالعبادة بعد انقضاء وقتها، كقضاء الصلاة والصوم الفائتين خارج الوقت المحدد شرعاً لأدائهما.

الثاني:- الحكم وفصل الخصومة بين المتداعييّن، وهو المراد بالبحث هنا وقد عرفه الكاساني الحنفي انه ((الحكم بين الناس بالحق، والحكم بما أنزل الله)) وعرفه الشيخ النظّام صاحب الفتاوى الهندية بأنه ((قول ملزم يصدر عن ولاية عامة)) ويلحظ أن متقدمي الأمامية لم يعيروا التفاتاً لمسألة تعريف القضاء اصطلاحاً وأول من عرفه هو فخر المحققين أبن العلامة الحلي المتوفى (771هـ) وقال ((القضاء هو ولاية الحكم شرعاً لمن له (أهلية) الفتوى بجزئيات القوانين الشرعية على أشخاص معينة بشرية متعلقة بإثبات الحقوق واستيفائها للمستحق)) وقد تابعه على هذا التعريف جمع ممن تأخر عنه من العلماء كالمقداد السيوري، والشهيد الثاني، السيد علي الطباطبائي، والفاضل الهندي .

         وقد أشكل البعض على هذه الصياغة للتعريف بأنها غير شاملة، لوضوح أن موارد القضاء أوسع من خصوص رفع الخصومة بإثبات الحقوق واستيفائها، إذ أنها تشمل غير ذلك كالحكم بثبوت الهلال وغيره من الموضوعات والمصالح العامة ، كنصب القيم على اليتامى، وكالحجر على السفيه والمجنون ونحو ذلك , ولعله لأجل هذا عمد الشهيد الأول () لطرح صيغة ثانية للتعريف، فقال: ((القضاء: ولاية شرعية على الحكم في المصالح العامة من قبل الإمام () )) وهذا التعريف وأن كان يتفادى أشكال عدم الشمول مما جعل بعض العلماء يفضلونه على سابقه إلا أنه يمكن الاعتراض عليه بأنه غير مانع لدخول الولاية على الصغار والأيتام والمجانين والسفهاء والغائبين. .

ولعله لأجل الكثير من الملاحظات عليه استقر رأي بعض المعاصرين ومنهم السيد الخوئي بأنه: ((فصل الخصومة بين المتخاصمين والحكم بثبوت دعوى المدعي أو بعدم حق له على         المدعى عليه)) ، ومن مجموع هذه التعريفات يمكن الاستنتاج بان القضاء منصب للمجتهد لأنه هو الذي يستطيع أن يعبر عن أحكام الله بعد فحص الأدلة من كتاب أو سنة، وأعتبار الاجتهاد في القاضي هو الذي عليه جمهور الفقهاء وبه قال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وبعض الحنفية، وقالا بعضهم: يجوز أن يكون عامياً فيحكم بالتقليد، لأن الغرض منه فصل الخصائم فإذا أمكنه ذلك بالتقليد جاز كما يحكم بقول المقومين .


(8) حجية حكم القاضي:-

       قسم الفقهاء القاضي على قسمين أساسيين هما: قاضٍ منصوب، وقاضي التحكيم والمقصود من هذا التقسيم هو أن القاضي: تارة يكون منصوباً ابتداءً وبالذات من الإمام، فلو رفع احد المتخاصمين الشكوى إليه فطلب القاضي من الآخر الحضور والخضوع للحكم وجب عليه ذلك؛ لأن هذا المنصب ثابت له من الإمام .((وهو إنشاء وإلزام بما تقتضيه الأسباب الشرعية مثل      الألتزام بأداء الدين أو ثبوت الملك ونحو ذلك ويسمى من يقوم بهذه المهام قاضياً,وباعتبار كونه قاضيا فهو نافذ الرأي على نفسه وعلى مقلّده وعلى المجتهد الأخر في المنازعات     والخصومات))  . 

        أما قاضي التحكيم فهو شخص أو أشخاص , يتراضى به طرفا النزاع أن يترافعا عنده وان يقبلا قوله ويعملا به , وعلى هذا فانه يتم نصب قاضي التحكيم بتعيين طرفي الخصومة أياه , هذا إذا كان غير منصوب لذلك من قبل الإمام () أو من له ولاية النصب , أو كان منصوبا ولكن يتراضى به الخصمان في غير موارد نصبه . 

      وقال الدكتور وهبه الزحيلي ((التحكيم , أن يحكم المتخاصمان شخصا أخر لفضّ النزاع القائم بينهما على هدى حكم الشرع)) . 

     ويبدو أن قوله ((على هدى حكم الشرع)) هو شرط لنفوذ حكمه , ولذلك فإذا تراضى الخصمان بشخص أن يحكم بينهما على قانون خاص فهو قاضي للتحكيم أيضاً . 

ومن الجدير بالذكر فان مسالة قاضي التحكيم لم نجدها في كتب القدماء مثل الصدوقين والمفيد, والظاهر أنّ أول من تعرض لبحثه من دون هذا العنوان هو الشيخ الطوسي في كتابيه الخلاف. والمبسوط , وأول من تعرض لها بهذا العنوان أي (قضاء التحكيم) هو الشهيد الأول () في الدروس إذ قال (( القضاء قسمان احدهما قضاء التعميم وهو مشروط بإذن الإمام خصوصاً أو عموماً ... والثاني قضاء التحكيم وهو سائغ وإن كان في البلد قاض))  . 

وقد بحث المحقق السيد عبد الكريم الأردبيلي في كتابه (فقه القضاء) أدلة مشروعية التحكيم من الكتاب في الآيات الدالة على الحكم بما أنزل الله ولزوم أقامته القسط والعدل ,               وأية النشوز وكذلك روايات المعصومين () , والإجماع الذي نقله جمع من العلماء كالشيخ الطوسي والشهيد الثاني والمحقق الأردبيلي والشيخ الأنصاري يقول الشيخ صاحب الجواهر ((فقد ظهر لك بالتأمل في جميع ماذكرناه أنحصار دليل مشروعية التحكيم بالإجماع المدعى , وهو حجة على من لم يتبين خلافه))  . 

وكذلك أن العقلاء والمتشرعة كان ديدنهم دائما هو الرجوع إلى الحكمين فأستقرت عليه سيرتهم مما يدل على مشروعية التحكيم . ليخلص السيد الأردبيلي بعد ذلك إلى أنه : لاشك في مشروعية الرجوع إلى قاضي التحكيم ومشروعية حكمه ولزوم العمل به فيعامل الحكم معاملة الفتوى بالنسبة للطرفين . 

ويلتزم المتحاكمان بقرار الحكم عند الأحناف والحنابلة , ولكل واحد الرجوع عن التحكيم قبل إصدار الحكم عند الحنفية , والراجح عند المالكية ألا يشترط دوام رضائهما حتى صدور الحكم , فأن رجعا معاً ولم يرتضياه قبل الحكم , فلهما ذلك .     

 


المبحث الثالث :- ضوابط الإفتاء

توطئة

الإفتاء لغة ً واصطلاحا ً

الفرق بين الإفتاء والاجتهاد

حاجة الناس إلى الفتوى

أنواع الفتاوى

تعريف الضوابط 

    الضابط الأول / التحلي بصفات الإفتاء

    الضابط الثاني / الانضباط المنهجي في فهم الواقعة والحكم

    الضابط الثالث / تيسير الفتوى

صور عملية لفتاوى شاذة 

    أولا ً : الزواج من ابنته الزنا

    ثانيا ً : كفارة الجماع في رمضان

صور عملية لفتاوى ميسرة 

    أولا ً : حكم زيارة أهل الكتاب في عيدهم وتهنئتهم

    ثانيا ً : أثبات الصوم والإفطار بالحساب الفلكي

فتاوى فاقدة للانضباط المنهجي

القياس في الزكاة

توطئة :- 

       تعد الفتوى من الإعمال الدينية الجليلة , والمهام  الشرعية الجسيمة , التي ينوب فيها المجتهد بالتبليغ عن احكام رب العالمين , لذا يجب أن يكون المتصدي للفتوى مؤهلا ً, حتى يقوم بها خير قيام , واهم ما يجب أن يتأهل به المفتي هو الاستقامة على دين الله سبحانه وتعالى , والعلم بالإحكام الشرعية والتحلي بالآداب والصفات التي تقوده إلى مرضاة الله وتوفيقه , وان يسير في فتواه وفق منهجية منضبطة في فهم الواقعة المعروضة عليه , وفي فهم الحكم الشرعي الذي يجب انزاله على تلك الواقعة .

وموضع البحث هنا يتضمن قضيتين هامتين من القضايا التي تمس حاضر الأمة وتؤثر في     مستقبلها :-


القضية الأولى :- قضية التوقيع عن الله (عز وجل) وأخبار المستفتين عن حكمه وقد قال تعالى : ((قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ )) .

وقد رتبت الآية الكريمة كبائر المحرمات ترتيبا ً تصاعديا ً فبدأت بالفواحش وهي ما يقبّح من المعاني , ثم انتقلت إلى الإثم , ثم إلى البغي ثم ذكر الشرك , وجعل أكبر المعاصي أن تقولوا على الله تعالى ما لا تعلمون . وقد جعل القول على الله بغير علم من أعظم المحرمات عنده , لأنه يتضمن الكذب على الله , ولهذا اشتد نكير الله (سبحانه وتعالى) على المتكلمين في الحلال والحرام افتراء على الله عز وجل , وحكم على أهله بأنهم لا يفلحون , قال تعالى : ((وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَـذَا حَلاَلٌ وَهَـذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ)).


القضية الثانية :- قضية التيسير وعدم التعسير لرفع الحرج عن المكلفين , فالتيسير الذي ندعوا إليه هو تيسير الدليل , وليس الهوى , والباحث يعتقد أن منهج التيسير كامن في نصوص الشرع وقواعده , ولكن هناك مجافاة فالتيسير الذي ينبغي للمجتهد (المفتي) أن يلتزمه ليس هو الذي يتعارض مع قطعيات الدين , والمعلوم منه بالضرورة , بل المراجعة لازمة للظنيات فهناك مثلا ًأحكام يثبت على نصوص ظنية حملت معها غطاء التشدد , عارضتها نصوص ظنية أخرى وافقت روح التيسير ,فإذا رجّح المفتي هذه التي رافقت روح التيسير على تلك التي حملت عناء التشدد - وكلاهما ظني – لم يكن المفتي قد جانب الصواب أو تساهل .

ومن جهة أخرى فان الناس على الأغلب صنفان : أما متدين ملتزم ... أو متحلل فاسق ... والذي يسال عن الحكم الشرعي ويستفتي هو الأول ,فإذا شدّدنا عليه نكون قد ضّيقنا  عليه حياته وأوقعناه في العنت في دينه . فمن اجل أن لا يكون التدين عقبة تقف في طريق المتدينين , ومن أجل أن لا يكون عنتا ً, ينبغي لنا أن نيسّر لهؤلاء .

ومن الرسائل التي ناقشت موضوع تيسير الفتوى , رسالة الباحث عبد الله بن إبراهيم الطويل المقدمة إلى كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية لنيل الماجستير في 12/4/1425هـ , والقارئ لهذه الرسالة يجد انه قد شدد في الرد على أهل التيسير الذي هو من التساهل والتفريط , فالتيسير الذي ينتقده هو التيسير الذي يتبناه دعاة العلمانية , والذي يدعوا إلى فكرة أن يكون التشريع من حق المجتمع , وليس من حق الإسلام أن يشرع ويحلل ويحرم , ويرى إلى جانب هذه الدعوى , أن لا تبقى القيم والمعتقدات ثابتة على حالها  .

فالتيسير الذي ندعوا أليه هو التيسير المستند إلى الأدلة الشرعية المنضبطة بثوابتها , والذي لا يفرغ التشريع المقدس من محتواه .


(1) الإفتاء لغة واصطلاحا ً :


جاء في لسان العرب : والفتيا تبيين المشكل من الاحكام,اصله من الفتى , ((وهو الشاب الحدث الذي شّب وقوي , فكأنه يقوّي ما أشكل بيانه فيشبَّ ويصير فتيا ً قويا ً)) . 

أما في القاموس المحيط : (( الفُتيا والفتوى:ما أفتى به الفقيه,وأفتاه في الأمر:أبانه له)) .

وقد جمع ابن فارس في المقاييس بين الأصلين لكلمة الفتوى , وهما :الأبانه والفتوة , فقال :         (( فتى : الفاء والتاء والحرف المعتل أصلان : أحدهما يدل على طراوة وجدّة , والأخر :على      تبيّين حكم)) .

ويبدو من معجمات اللغة أن الفتيا والفتوى (بالضمة وبالفتح) كلمتان متقاربتان يقصد بهما تبيّين المشكل من الأحكام,وقد رجح الدكتور محمد سليمان الأشقر أن كلمة الفتوى مأخوذ من الإفتاء , بمعنى الإبانة والظهور , معترضاً على تفسيرها بالقوة والحداثة .


وأما أصطلاحا ً :

من خلال أستقراء الباحث فأن أوّل من عرف الفتوى في الاصطلاح هو الراغب الأصفهاني , إذ عرفها بأنها (( الجواب عما يشكل من الأحكام )) فقصرها على جواب الأحكام – أي الشرعية- وهذا المعنى دقيق في أن الفتوى لا تكون ألا جوابا ً لسؤال في الأحكام , ولكن هناك غموض في نوع الأحكام , أهي عقلية أم عادية , أم شرعية ؟.

وعرفها الجويني في البرهان بأنها (( نص جواب المفتي)) , والملاحظ أن التعريف هنا بالرسم لا بالحد , وهو اقرب في اللغة منه إلى الأصطلاح , والتعريف كما يقولون غير جامع ولا مانع, فالمفتي يمكن أن يكون معلما ً ونص جوابه كمعلم لتلاميذه ليس فتوى بل الفتوى جواب من نوع معين .

وعرفها القرافي بقوله ((الفتوى : أخبار عن حكم الله تعالى في إلزام أو إباحة))

وعرفها الجرجاني ((الإفتاء : بيان حكم المسألة)) .

وفي العصر الحديث عرفها الدكتور محمد سليمان الأشقر بانها : ((الأخبار بحكم الله تعالى باجتهاد عن دليل شرعي لمن سأل عنه في أمر نازل)) , وهنا يشترط فيها أن يذكر المجتهد الدليل , وهو مالم يشترطه جميع العلماء , بل ذكر ابن الصلاح عن الصيمري انه قال : (( لم تجر العادة أن يذكر في فتواه طريق الاجتهاد ولا وجه القياس والاستدلال , اللهم الا أن تكون الفتوى تتعلق بنظر قاضٍ فيومئ فيها إلى طريق الاجتهاد , ويلّوح بالنكتة التي عليها بني الجواب)) .

ويرى الباحث أن يكون تعريفها بأنها (( الإجابة عن مسألة شرعية )) لما فيه من قلة عبارة وسعة للمعنى , فالجواب يستلزم وجود سؤال من المستفتي سواء كان المستفتي فردا ً أم جماعة معينا ً أو مبهما ً, وقولنا (مسالة شرعية) فهي تشمل الأحكام الشرعية العملية .

(2) الفرق بين الإفتاء والاجتهاد :المختار عند العلماء أن بين الإفتاء والاجتهاد فرقا ً , ولذا فقد ألّف القرافي كتابا ً سماه (( الأحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام )) وفي هذا تنبيه إلى التفريق بين الاجتهاد والفتيا وعقد لها مباحث تبين وجه الفرق .

فالإفتاء إخبار  بحكم شرعي لقضية قد حدثت في الواقع , أما الاجتهاد فهو استنباط الحكم الشرعي لمعالجة واقعة قد حدثت أو واقعة لم تحدث , ولكن يقدر وقوعها , فالاجتهاد إذن اعم من الإفتاء , فالأول يتناول الفقه الواقعي,والفقه التقديري,والثاني يتناول الفقه الواقعي فقط .

وقد مثّل له القرافي بالترجمان الذي عليه أن يتبع الحروف والكلمات الصادرة من المجتهد ويخبر بمقتضاها من غير زيادة  ولا نقص , فهذا هو المفتي يجب عليه أتباع الأدلة بعد استقرائها , ويخبر الخلائق بما ظهر له منها من غير زيادة ولا نقص إن كان المفتي مجتهدا ً , وان كان مقلدا ً كما في زمانه فهو نائب عن المجتهد في نقل ما يخص إمامه لمن يستفتيه , فهو كلسان إمامه والمترجم عن جنانه  .

وقد ذكرت فروق أخرى غير هذا الفرق ومنها :-

الأول : إن الإفتاء أخصّ من الاجتهاد , إذ الاجتهاد هو استنباط الأحكام سواء ٌحصل سؤال في موضوعها أم لم يحصل , وسواء ٌ أحدثت الواقعة أم لا ؟ 

أما الإفتاء فيتطلب أمرين , وهما : السؤال من قبل المستفتي , وحدوث الواقعة المسؤول عنها , فكل إفتاء اجتهاد , وليس كل اجتهاد إفتاء.

الثاني : إن عمل المجتهد في أستباط الأحكام جهد وعمل مجرد عن النظر في الوقائع بخلاف المفتي فانه عند إصدار الفتوى ينظر في المسالة التي سئل عنها وفي الظروف المحيطة بها والقرائن المحتفّة بها , وفي حال المستفتي والمجتمع الذي يعايشه ُ .

الثالث : إن الاجتهاد لا يكون ألا في الأحكام الشرعية الظنية , فلا مجال للاجتهاد في الأحكام القطعية ,أما الإفتاء فلا يختص بالأحكام الظنية ,بل يشمل القطعية أيضاً . 

(3) حاجة الناس إلى الفتوى :

تعد الفتوى فرضاً من فروض الكفاية إجمالاً,وتشمل الأحكام التكليفية الخمسة تفصيلا ً , وكما لا يتصور الأمة من دون أطباء ومستشفيات لعلاج المرضى,ولا يمكن تصور الأمة من دون مهندسين ومشاريع لبناء الاقتصاد ولا يمكن تصور الأمة من دون معلمين ومدارس لنشر العلم , كذلك لا يمكن تصور الأمة الإسلامية بحال صحيّة سليمة من دون مجتهدين ومؤسسات أفتاء توضح للناس أمور دينهم .

فحاجة الناس إلى المفتين كبيرة جدا ً , لكي يبينوا لهم أحكام الله سبحانه وشرعه فيما يحيط بهم من وقائع , وما ينزل بهم من  أحداث , وما يجب أن يسيروا عليه في عباداتهم ومعاملاتهم وسائر شؤونهم .

ولاشك أن خلو المجتمع من المفتين يجعل الناس يسيرون تبعا ً لأهوائهم ويتخبطون في دينهم , ويرتكبون المعاصي من حيث يعلمون أو لا يعلمون .

وإذا كانت حاجة الناس إلى المفتين كبيرة في كل العصور , فأنها في هذا العصر أكثر أهمية , وذلك لكثرة ما يواجه الناس من قضايا ومستجدات , ولغياب المؤسسات التي تقوم بتطبيق الشريعة أو القضاء بها .

(4) أنواع الفتوى :-

تنقسم الفتاوى بشكل عام على قسمين أساسيين هما : 

القسم الاول : فتاوى الافراد : وهي ماتتعلق بحالة فردية لاتتعدى صاحبها من التوجيه او الفعل او الاعتقاد او التصرف , ويمكن تعريفها بأنها : الفتاوى التي تتعلق بأفعال المكلفين المذكورة في الرسائل العملية للمجتهدين والتي أمتلأت كتب الفقه بها , فهي اجوبة المجتهدين على أسئلة المقلدين ويصدرها كل من كان له اهلية الاجتهاد والافتاء .   

القسم الثاني : فتاوى الامة : وهي الفتاوى التي تتعلق بالجماعة او الامة والتي يرتبط بها مصير الشعوب والامم والحضارات , ويكون الافتاء فيها في غاية الخطورة والحساسية ولاسيما ماكان متصلاً منها بالعلاقات الدولية والسياسية وتلك التي تتعلق بقضايا المسلمين وتحدياتهم الحضارية والاستراتيجية . 

ومن امثلتها ما افتى به المراجع العظام من وجوب انتخاب اعضاء الجمعية الوطنية لكتابة الدستور وماكان متصلاً بها لتأسيس الحكومة العراقية . 

ومن مميزات فتاوى الامة وخصائصها وهو عدم تسييس الفتوى وذلك لخطورة الشأن الافتائي فيها. 

وإن هذه الفتاوى قد تصدر من دون استفتاء في بعض الاحيان , فهي لاتنظر الى المستفتي , كما لامانع فيها من ان يقام بتعديل السؤال ان لزم الامر , ومايفترض ان يسأل فيه حتى يعلم المستفتي كيف يسأل , ومايفترض ان يسأل فيه ؟!  .      


(5) تعريف الضوابط :

        الضوابط لغة ً: جمع ضابط , وهو ماخوذ من ضبط الشيء يضبطه ضبطا ً: أي حفظه حفظا ً بليغا ً أو حازما ً . ومنه قيل , ضبطتّ البلاد , إذا قمت بأمرها قياما ًحازما ً محافظا ًعليها , والضبط : لزوم الشيء وحبسه وحصره . والضبط , الإتقان والإحكام .

أمام الضابط في الأصطلاح الفقهي فقد  استعمل في عدة معان منها :-

إنه (( حكم كلي ينطبق على جزئيات )) , وقد بين هذا بعض العلماء بأنه القضية الشرعية الكلية المختصة بباب من أبواب الفقه , والمشتملة بالقوة على أحكام جزئيات موضوعها.

إنه المعيار الذي يكون علامة على تحقق معنى من المعاني في الشيء

تعريف الشيء ومثاله : (ضابط العصبة) : كل ذكر ليس بينه وبين الميت أنثى.

وتطلق الضوابط الفقهية على الشروط والأسباب المتعلقة بأمر من الأمور . ومثاله أن الشافعية اشترطوا لانعقاد الجمعة أربعين , وذكر النووي , ضابط انفساخ العقد بالأسباب التالية : خيار المجلس , وخيار الشرط , وخيار العيب , وخيار الخلف , بان شرط في العبد كونه كاتبا ً فخرج غير كاتب .

       ويتبيّن أن الضوابط في الاصطلاح الفقهي لها معنى واسع وشامل لكل ما يحصر ويحبس ,سواء ٌأكان بالقضية الكليّة,أم بالتعريف , أم بذكر علامة الشيء,أم بالشروط  والأسباب .

ويرى الباحث أن اقرب هذه المعاني إلى موضوع البحث,هو المعنى الأخير الذي يقصد فيه الضوابط ( الشروط اللازمة لكمال الشيء وإتقانه وأحكامه ).

الضابط الأول :- التحلي بصفات الإفتاء :- بما أن وظيفة المفتي خطيرة,ومهمته عظيمة ,كان لابد أن تتوافر فيه الأهلية للقيام بهذه المهمة,وان يتحلى بمجموعة من الصفات حتى يكون محلا ً للقيام بهذه المهمة على أكمل وجه,وقد ذكرنا في مبحث سابق الشروط التي يجب توافرها في المجتهد أو (المفتي) حتى يكون مؤهلا ً للقيام بمهمة الإفتاء,ونضيف أليها هنا في هذا الضابط بان تكون فيه التقرب بفتواه إلى الله تعالى,فان لم تكن له نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور,ومعنى ذلك : أن يعقد وينوي بفتواه وجه الله تعالى , فلا يفتي طمعا ً في جاه أو منصب أو مغنم ,                  ولا خوفا ًمن سلطان . وان يكون متمكنا ً من معرفة أحوال الناس ,فان من يجهل أحوالهم لا يدرك كل ملابسات الواقعة التي يفتي فيها,وبالتالي فانه يخطئ في فتواه .

وأن يكون حريصا ً في فتواه على ما يرضى الله بمواقفه شرعه ما استطاع , أن يتجنب الخضوع لأهواء الناس ورغباتهم المخالفة لشرع الله و وان يبعد فتواه على أن تكون تبريراً ومجاراة ً لتطورات العصر أو رغبات السلاطين من دون انضباط بنصوص الشريعة , فان هذا يفتن الأمة , ويدخل عليها ما هو غريب عن فطرتها وقيمها وشريعتها .

الضابط الثاني :- الأنضباط المنهجي في فهم الواقعة والحكم :- ونقصد به جمع المعلومات المتعلقة بالواقعة وإعطاءها حقها من الإيضاح والاستيعاب والتروي , وفهمها من جميع جوانبها , ومعرفة حقيقتها وأقسامها ونشأتها والظروف التي أحاطت بها , وأسباب ظهورها . إلى غير ذلك من الأمور اللازمة لاستيعاب المفتي موضوع الواقعة حتى يفهمها بشكل صحيح فيحكم عليها , فالحكم على الشيء فرع عن تصوره,يقول ابن القيم (( ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق ألا بنوعين من الفهم,احدهما فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ماوقعبالقرائن والامارات والعلامات حتى يحيط به علماً,والنوع الثاني,فهم الواجب في الواقع,وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان قوله في هذا الواقع,ثم يطبق أحدهما على الأخر)) 

ثم يبحث المجتهد (المفتي) عن حكم الواقعة المعروضة عليه في كتاب الله تعالى فان وجد نصاً أو ظاهرا ً تمسك به وأفتى به , فأن لم يجد نظر في السنة فان وجد فيها خبرا ً أو سنة عملية اخذ بها وأفتى بها , وقد يتوافر في القضية نصوص من الكتاب والسنة فعلى المفتي أن يستجمعها ويرى ما بينها من تكامل في الدلالات من حيث العموم والخصوص والإطلاق والتقييد , فلعله يجد  نصا ً عاما ً يخصصه نص أخر , أو مطلقا ً يقيّده نص أخر , كما أن عليه أن ينظر في إجماعات العلماء , فان لم يجد في المسالة نصا ً ولا أجماعاً, فان الرجوع في المسألة تختلف عند الفريقين , فالأمامية يرون بالرجوع إلى الأدلة الفقاهتية (الاستصحاب والبراءة والاحتياط والتخيير) , إما الجمهور فأنهم ينزلون إلى الأدلة العقلية الظنية من القياس والأستحسان والمصالح المرسلة وسد الذرائع وغيرها ... .

يقول الشوكاني مبينا ًما يجب أن يسير عليه المفتي والمجتهد في استنباط الأحكام وبيانها(( فعليه أولاً: أن ينظر في نصوص الكتاب والسنة فان وجد ذلك فيهما قدّمه على غيره , فان لم يجد اخذ بالظواهر منهما وما يستفاد من منطقوهما ومفهومها , فان لم يجد نظر في أفعال النبي () , ثم في تقريراته لبعض أمته , ثم في الإجماع ان كان يقول بحجيته , ثم في القياس على ما يقتضيه اجتهاده من العمل بمسالك العلة كلا ً أو بعضا ً .

وما أحسن ما قاله الإمام الشافعي فيما حكاه عن الغزالي : انه إذا وقعت الواقعة للمجتهد فليعرضها على نصوص الكتاب , فان أعوزه عرضها على الخبر المتواتر , ثم  الآحاد , فان أعوزه لم يخض في القياس بل يلتفت إلى ظواهر الكتاب , فان وجد ظاهرا ً نظر في المخصصات من قياس وخبر , فان لم يجد مخصصا ً حكم به , وأن لم يعثر على ظاهر من كتاب ولا سنة نظر إلى المذاهب , فان وجدها مجمعا ًعليها أتبع الإجماع , وان لم يجد أجماعاً خاض في القياس ويلاحظ القواعد الكلية أولاً – ويقدمها على الجزئيات)) .

وكمثال على الانضباط المنهجي , نأخذ السيد الخوئي الذي يعد بحق من أعاظم علماء الإمامية المعاصرين , ففي مسألة طهارة أهل الكتاب دلت طائفة من الروايات على طهارتهم , ودلت طائفة أخرى على نجاستهم , فالفقهاء المتقدمون والمتأخرون كانوا يرجحون الأخبار الدالة على النجاسة لموافقتها الكتاب في نظرهم ولمخالفتها للعامة.

ولكننا نجد أن السيد الخوئي () , قدّم الأخبار الدالة على الطهارة ومنع من أن تكون أخبار النجاسة موافقة للكتاب , وأيضا ً منع من الترجيح بمخالفه العامة  , ومما استدل به على التقديم ما ذكره من وجود عدة روايات يستفاد منها ارتكاز طهارة أهل الكتاب في أذهان المتشرعة في زمانهم () وإنما كانوا يسألون عن حكم مؤاكلتهم أو غيرها ؛ لأنها مضنّة النجاسة العرضية وليست الذاتية فمن هذه الأخبار صحيحتا إبراهيم بن أبي محمود المشتملة على قوله : (( وأنت تعلم أنها نصرانية لا تتوضأ ولا تغتسل من جنابة )) .

فلولا ارتكاز طهارة أهل الكتاب عند السائل لم يكن حاجة لذكر : (( أنها لا تتوضأ ولا تغتسل من جنابة )) , ولاكفتى بالسؤال عن نجاستهم الذاتية .

فهذه الرواية التي يستشف منها ارتكاز المتشرعة جعلها السيد الخوئي قرينة منفصلة ساعدت على ترجيح أخبار الطهارة على إخبار النجاسة على خلاف مشهور الفقهاء السابقين الذين كانوا يرجحون أخبار النجاسة , وهنا ترى الأسلوب المنهجي المتكامل لدى السيد الخوئي واستيعابه ودراسة موضوع الحكم من كل جوانبه لإعطاء هذا الحكم , كما أن هذا المثال يوضح لنا كيفية استفادة المجتهد من تظافر سيرة المتشرعة وإرتكاز المتشرعة على تأسيس حكم شرعي , ومع أن السيد الخوئي يرى طهارة اهل الكتاب , لكنه يلتزم بالاحتياط ألاستحبابي ( وهو الاحتياط الذي يصدره المجتهد بعد الفتوى ) حذرا ً من مخالفة المشهور , أي بمعنى انه استدل على طهارة أهل الكتاب , ولكن من ناحية وجود  الشهرة المحققة على نجاستهم , التزم بالاحتياط , ويذكر أن جميع الفقهاء الأمامية قبل السيد محسن الحكيم قد أفتوا ((بنجاسة أهل الكتاب أجماعا ً محكيا ً)) , أما بعد السيد محسن الحكيم () فهناك من أفتى بطهارتهم ومنهم السيد الخوئي (قدس),وأيضا ً السيد السيستاني الذي يرى في الكتابي ((بأنه لا يبعد الحكم بطهارته وان كان الأحتياط حسنا ً)) .

 الضابط الثالث :- تيسير الفتوى :- التيسير مأخوذ من اليسر الذي هو بمعنى السهولة , والتيسير: التسهيل والتوسعة والتخفيف , والبعد عن التعصب والتضييق والإحراج والإعنات الذي هو مضمون كلمة (التعسير).

وفي اصطلاح العلماء جاء اليُسر بمعناه اللغوي فذكر الطبري  أن اليُسر هو : التخفيف والتسهيل , وذلك في تفسير قوله تعالى ((يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)) .

وقد فطر الله الإنسان على حب التيسير والسعة , وكراهة العسر والحرج , ولاشك أن من خصائص الشريعة الإسلامية السماحة واليسر ورفع الحرج .

           ومن يتتبع أحكام الشريعة يجد ذلك جليا ً, ومن ذلك : قوله تعالى في ختام آية الطهارة : ((مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)). 

وفي آية الصيام قال تعالى ((يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)) وفي خواتيم سورة الحج – بعد أن أمر الله المؤمنين بالعبادة وفعل الخيرات – قال تعالى ((وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)) .

ويقول النبي () : ((يسرّوا ولا تعسروا , وبشّروا ولا تنفروا)) , ونهى النبي () عن التنطع بالدين , فقال : ((هلك المتنطعون ... قالها ثلاثا ً)) والمتنطعون كما يقول النووي – هم المتعمقون المغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم .

وللتيسير في الإسلام مظاهر كثيرة , منها : التيسير في الفتوى , حتى يسهل على المستفتي الالتزام والتطبيق , وليس المقصود بالتيسير الإتيان بشرع جديد , أو إسقاط ما فرضه الله تعالى , أو أحلال ما حرّمه , أو أبتداع شيء في الدين لم يأذن به الله تعالى , وإنما المقصود بالتيسير : جملة من المعاني يتمثل بالوسطية في الفتوى ومراعاة مصالح الناس في ظل النصوص , ومراعاة المصالح المتغيرة .

(6) صور عملية لفتاوى شاذة :

           في تأريخ الفقه الإسلامي بعض الفتاوى (الشاذة) التي جاءت على خلاف نصوص الشريعة , والتي أصطلح عليها العلماء بـ (زلة العالِم) , وهذه التسمية مأخوذة من رواية أخرجها البيهقي عن كثير بن عبد الله بن عمروا بن عوف عن أبيه عن جده أن رسول الله () قال : (( أتقوا زلة العاِلم وانتظروا فيئته)) .

ويفسر أبن عباس (رض) المقصود بهذه الزلة فيقول (( ويل للإتباع من زلة العالم , قيل وكيف ذلك ؟ قال : يقول العالم برأيه فيلقى من هو أعلم منه برسول الله () منه فيخبره ويرجع ويقضي الإتباع بما حكم)) . 

وإن تسمية هذه الفتاوى شاذة , لا يعني أبداً الطعن في أصحابها , وأنما هي تسمية وردت على لسان الخليفة العباسي المنصور عندما طلب من الإمام مالك أن يؤلف كتاب (الموطأ) , فقد ورد   (( أن المنصور قال للإمام مالك : ياأبا عبد الله ضع هذا العلم ودوّن كتابا ً وجنّب فيه شدائد عبد الله بن عمر ورخص عبد الله بن عباس (رض), وشواذ أبن مسعود(رض), واقصد أواسط الأمور وما اجمع عليه الصحابة والأئمة )) .

إذن هي أقوال بالرأي بلا دليل من كتاب أو سنة أو ما ارشد أليه الكتاب أو السنة من الأصول الأخرى , وقد تكون أيضا ً في فهم مرجوح يقع فيه العالم لخفاء في بعض الأدلة حتى يتوهم فيه ما لم يقصد منه  .

سنأخذ في هذا البحث بعض الصور التي شذّ فيها أصحابها وكان لبعضها أسوأ الأثر :

أولاً :-  الزواج من ابنة الزنا :ومما يمكن أن توصف بالشذوذ من المسائل العملية , ما ورد عن الشافعي من جواز الزواج من ابنته من الزنا فقد ورد في كتاب (الأم) : (( ما حرمنا على الآباء من نساء الأبناء , وعلى الأبناء من نساء الآباء , وعلى الرجل من أمهات نسائه وبنات نسائه اللاتي دخل بهن بالنكاح فأصيب , فاما بالزنا فلا حكم للزنا يُحّرم حلالا ً , فلو زنى رجل بامرأة لم تحُرم عليه ولا على أبنه ولا على أبيه )) .

وورد أيضاً (( وأكره له في الورع أن ينكح بنات الذي ولد له من زنا كما أكرهه للمولود من زنا وإن نكح من بناته أحداً لم أفسخه لأنه ليس بابنه )) 

وقد أشار الفقهاء إلى أن ولد الزنا لا يلحق بالزاني , وأنهم اختلفوا هل يجوز للزاني أن يتزوجها إذا كانت بنتاً على الأقوال التالية :

القول الأول : أن نكاحها حرام عليه ومتى أقرّ بها لحقته , حكي ذلك عن عمر والحسن وابن سيرين وبه قال احمد وأسحاق .

والقول الثاني : أنها تحرم عليه ولا تلحق به حتى إذا أقرّ بها وهو قول أبي حنيفة  ,              وهو رأي الشيخ وأبو الصلاح وأبن البراج وأبن زهرة وأبن حمزة والعلامة الحلي من             الإمامية  , الذي يستدل بعموم قوله تعالى:(( وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ)) والمزني بها يصدق عليها أنها من النساء , إذ الإضافة إلى الشيء يكفي فيها أدنى ملامسة , كقولك لأحد حاملي الخشبة : خذ طرفك.

والقول الثالث :أنها تحلّ له ولا يكره له نكاحها , وبه قال المُزني  .

القول الرابع : وهو قول الشافعي أنه يحلّ له نكاحها ويكره له ذلك واختلف أصحابه في معنى كراهيته على وجهين :

أحدهما : - وهو قول أبي أسحاق المروزي يجوز أن تكون مخلوقة من مائه فعلى هذا لو تحقق خلقها من مائه بان حبسا معاً من مدة الزنا إلى وقت الولادة حَرمت عليه .

والأخر : - وهو قول أبي حامد المروزي أنه يكره نكاحهما لما فيه من اختلاف كما كره القصر في أقل من ثلاث وان كان عنده جائزا لما فيه من الاختلاف , فعلى هذا لو تحقق خلقها من مائه لم تحرم عليه , وإنما جاز له أن يتزوجها لثلاثة أمور :-

لأنتفاء نسبها عنه كالأجانب .

لأنتفاء أحكام النسب بينهما من الميراث والنفقة والقصاص , وكذلك تحريم النكاح .

لإباحتها لأخية ولو حرمت عليه , لأنه الأب ,ولحرمت عليه لأنه العم  .

وأختلاف (الأحناف مع الأمامية ) والشافعية هنا في النكاح , أهو حقيقة في الوطء مجاز في العقد كما قال الحنفية , أم هو حقيقة في العقد مجاز في الوطئ كما قال الشافعية , وهذا لا طائل منه , لأن النكاح في اللغة مختلف فيه حتى قال صاحب التاج (( وأستعماله في الوطء والعقد مما وقع فيه الخلاف هل هذا حقيقة في الكل أو مجاز في الكل أو حقيقة في أحدهما مجاز في الأخر )) .

وفي القران ورد النكاح بمعنى الوطئ ((فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ)) , فلو كان المراد بالنكاح في هذه الآية هو العقد لوجب أن يحصل التحليل بمجرد العقد , وكذا في قوله تعالى ((وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ)) والمراد من النكاح هنا الوطئ لا العقد لان أهلية العقد حاصلة في مختلف الأعمار ولا حد لها .

وورد بمعنى العقد في قوله تعالى ((وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)) . أي زوّجوهم , وكذا في قوله تعالى : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً)) , فالنكاح هنا بمعنى إذا تزوجتم , إذن لا يمكن  الترجيح هنا ؛ لان اللفظ هنا من المشترك .

وأما الرد على تجويز هذا الزواج فيردّه قوله تعالى : ((وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاء سَبِيلاً )) بطريق الأولى , فان الأب هو الذي من مائه تكوّن الولد , والولد من الناحية الطبيعية يتكون من أختلاط ماء الرجل مع ماء المرأة ,  ويلتحق نسبه بابيه بالعقد , فإذا نفي النسب لعدم وجود العقد فهذا لا يعني نفي النسبة الطبيعية , أي أن بنت الزنا إذا لم يلحق نسبها بالزاني لعدم العقد الذي رتّب حكما ً دنيويا في أن لا تلحق بالزاني , لم يسقط أصل حقها في النسب وبالتالي لا يجوز الزواج منها في حكم الديانة  . 

ثانيا ً :- كفارة الجماع في نهار رمضان :-  ومن هذه الفتاوى الشاذة ما ورد عن تلميذ مالك الذي نشر مذهبه في الأندلس يحيى بن يحيى بن كثير الليثي  .

فقد ذهب الجمهور إلى أن الفطر بالجماع متعمدا ً في رمضان يوجب الكفارة على الترتيب    وهي :-

عتق رقبة , فان لم يجد صيام شهرين متتابعين , فان لم يستطع اطعم ستين مسكيناً.وهو قول ابن أبي عقيل من الإمامية  .

وهناك من قال بوجوب الكفارة على التخيير لا الترتيب وهو القول المشهور للإمامية فقد حكي ذلك عن الشيخين, وابن الجنيد وأبني بأبويه والسيد المرتضى وأبي الصلاح , وسلاّر وأبن البراج وأبن أدريس , والعلامة الذي يرى أن الأصل براءة الذمة من الترتيب  . ولا يوجد قول ثالث في المسألة , لذا ذكر الشاطبي الإجماع على ذلك  , أي على القولين ولم تعرف الأمة مخالفا ً ألاّ فتوى شاذة ردّها العلماء , وهي تروى عن تلميذ مالك , يحيى بن يحيى بن كثير الليثي (( حيث أفتى بعض ملوك المغاربة بذلك وهو الأمير عبد الرحمن بن الحكم الأموي المعروف بالربضي صاحب الأندلس وكان قد نظر في رمضان إلى جاريه له كان يحبها حبا َ شديدا ً فعبث بها فلم يملك نفسه أن وقع عليها , ثم ندم ندما ً شديدا ً فسأل الفقهاء عن توبته وكفارته , فقال يحيى بن يحيى , تصوم شهرين متتابعين , فلما بدر يحيى بذلك سكت بقية الفقهاء ,حتى خرجوا فقالوا ليحيى ماَلكَ لم تفته بمذهب مالك وهو التخيّير بين العتق والإطعام والصيام , فقال لو فتحنا له هذا الباب سهل عليه أن يطأ كل يوم ويعتق رقبة , ولكن حملته على أصعب الأمور لئلاّ يعود )) .

وقد علق الغزالي على هذه الفتوى بقوله ( هذا قول باطل ) وبيّن سبب البطلان بأنه :-

أولاً : مخالف لنص الكتاب بالمصلحة , وفتح هذا الباب يؤدي إلى تغيير جميع حدود الشرائع ونصوصها بسبب تغيّر الأحوال .

ثانيا ً : ثم إذا عرف ذلك من صنيع العلماء لم تحصل الثقة للملوك بفتواهم , وظنوا أن كل  ما يفتون به فهو تحريف من جهتهم بالرأي  .وهنا يرى أن الفتوى فيها مفسدتان : الأولى : معارضة النصوص بالمصلحة , وهذا الباب لو فتح لم ينضبط شيء من الشرع , ولتقدم الهوى على أوامر الوحي,وهو في النتيجة يؤدي إلى القول بتأريخية النصوص الشرعية وأحكامها,وهذا ما لم يقل به أحد 

والذين قالوا بالمصلحة في معارضة النص كالطوفي مثلا ً : قالوا هي في الأمور العادية المعقولة المعنى , وليس في الأمور العبادية غير المعقولة المعنى .

والثانية : سوء الظن بالمفتين لان الناس يتعبدون الله بالنصوص أولاً , فإذا علم المستفتي – والحكام بصورة خاصة – أن المفتي يفتي بما يراه لابما ارشد إليه النص , فان ذلك يزعزع ثقتهم بالمفتي , وربما اعتقدوا فيهم التحريف في الدين  .

وهنا نرى أن الكفارة حينما شرعت , كان المقصود بها الميسورين الذين لا يملكون الرقاب وليس الفقراء الذين لا يملكون , والفقراء هم الذين يسّر الشارع لهم بالإطعام أو الصيام لعدم قدرتهم على مُلك الرقاب . وبعض الفقهاء يسمون هذا (المناسب الذي ثبت إلغاؤه ولم يثبت أعتباره) ويقصد به وجود معنى مناسب لأن يعلل به الحكم , ألا أن الشرع ألغى هذا الاعتبار ولم يثبته , فالكفارة إذن فلسفتها في الشرع هو الزجر والملوك لا يزجرهم الإعتاق ويزجرهم الصيام , وهذا وصف مناسب لان يناط الحكم به , ولكن العلماء عدّوا هذه الفتيا باطلة لان النصوص أشارت إلى التخيّير أو الترتيب في الكفارة ووجوب تقديم الصيام على العتق بالنسبة للغني لم يقل به أحد .

(7) صور عملية لفتاوى ميسّرة :

         يشير العلماء والباحثين إلى أمرين مترابطين :-

الأول : صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان حتى تقوم الساعة , وقدرته على إصلاح أحوال الناس وتحقيق مصالحهم وسعادتهم في الدارين .

الثانية : النصوص التي جاءت بها الشريعة الإسلامية محصورة ومتناهية , والوقائع متجددة وغير متناهية ,ولأجل مواجهة الوقائع غير المتناهية , فقد أرشدت النصوص إلى مصادر تشريع تبعيّة غير الكتاب والسنة , وكذا القواعد الكلية التي يمكن أن يستنبط منها الأحكام المستجدة للنوازل والوقائع الحادثة ما لا يتناهى من الأحكام.

وفي عصرنا الحاضر نحتاج إلى تغليب التيسير والتخفيف وعدم التشدد في الفتوى لأمرين :

الأول : لان الشريعة الإسلامية مبنية على التيسير ورفع الحرج كما ورد في نصوص كثيرة أنتشرت في الكتاب والسنة , فالأصل في الدين هو التيسير وعدم التعسير .

الثاني :- لطبيعة عصرنا الذي طغت فيه المادية على الروحية , والنفعية على الأخلاق , وكثرت فيه مغريات الشر وعوائق الخير وأصبح القابض على دينه كالقابض على الجمر , يعيش في محنة قاسية , لذا ينبغي للمتصدين للفتوى أن ييّسروا عليه ما استطاعوا ترغيباً في الدين , وتثبيتاً لقدمه على الطريق القويم .

ولكن ذلك لا يعني أن نلوي أعناق النصوص والأدلة ,فلا نعني بالتيسر ما عارض نصا ًمحكماً, ولا قاعدة قطعية ً, بل هو الذي يسير في ضوء النصوص وعلى هدي القواعد العامة وروح الإسلام .

وقد اخترنا هنا صورتين عمليتين واجه فيها العلماء بما يثبت قدرة الاستلام على مواكبة الإحداث والاستجابة لتحديات العصر :

أولاً : حكم زيارة أهل الكتاب في عيدهم وتهنئتهم :-  من المسائل التي بدأت تضغط على المتدينين في مجتمعنا المعاصر الذي تغيرت فيه الأمور من موقع قوة المسلمين إلى موقع ضعفهم , مسألة التعامل مع أهل الكتاب , ففي السابق كان غير المسلمين يسكنون أحياء خاصة , ويمارسون أعمالا ً خاصة , أما اليوم فصاروا يشاركوننا في الإعمال , ويجاوروننا في السكن , وصار الكلام على حقوق الأقليات, والتعامل معها قضية عالمية .

ومن هذه الإحكام حكم زيارتهم في أعيادهم مجاملةً لهم , وتهنئتهم بمناسباتهم .وقد وجد الباحث فتاوى فيها جرأة وحكمة واستدلالاً دقيقاً يتناسب مع زماننا ومنها سؤال حول حكم زيارة النصارى في أعيادهم والسلام عليه والأكل من الحلوى التي يعملونها في هذه الأعياد يجيب السيد السيستاني :((لا بأس بأبتداء السلام عليهم لكنه مكروه ألاّ لضرورة ولو كانت عرفية ويرد سلامهم بقوله (عليك) ولا بأس بتهنئتهم في المناسبات)) 

ويجيب في مورد آخر حول جواز الذهاب إلى الكنيسة بأنه ((لا مانع منه في نفسه))

وفي سؤال للميرزا جواد التبريزي (قدس) حول الترحيب بغير المسلمين بتحيتهم أم بتحيتنا يجيب قائلا ً ((إذا كان المجلس عاما ًأقيم لمناسبة دينية كالذي يقام في الكنائس , فلا يجوز تأييدهم ولو بالمشاركة فيه , وأما إذا كان المجلس خاصا ً , مثل مناسبات الزواج أو الولادة أو غيرها مما يعد مناسبة شخصية , فلا بأس بالتهنئة فيه بما هو المناسب لها على طريقتنا , ولا بأس بالأكل في الأواني إذا لم يعلم بنجاستها )) .

وحول هذا الموضوع يجيب الشيخ الدكتور محمد عبد القادر أبو فارس من الأردن ((أن زيارة أهل الكتاب في الأصل مشروعه , مع أطلاقها , فقد عاد النبي () يهوديا ً في مرضه , وعرض عليه الإسلام فأسلم )) .

ويرى الباحث أن الحكم الشرعي لزيارة أهل الكتاب مرتبط بالدرجة الأساس بالنية والمقصد والهدف , فإذا كانت الزيارة من اجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتوضيح ذلك , فهذا أمر مندوب إليه ,وقد تكون الزيارة من أجل تعظيم أعيادهم فهذا محرم شرعاً, خصوصا إذا كان هذا العيد فيه شرك أو تقديس لغير الله تعالى , أو أقرار لأمر نفاه الشرع كصلب السيد المسيح () وأما إذا كانت الزيارة مجاملة ومن قبيل الإحسان إلى الصديق أو الجار وفي عيد ليس محرما ً في شرعنا فهذا يقع في دائرة المباح , ففي سؤال للسيد السيستاني حول جواز تبادل الود والمحبة مع غير المسلم , إذا كان جارا ً أو شريكا ً في عمل أو ما شابه ؟! يجيب السيد السيستاني (( إذا لم يكن يظهر المعاداة للإسلام والمسلمين بقول أو فعل , فلا بأس بالقيام بما يقتضيه الودّ والمحبة من البر والإحسان أليه قال تعالى (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) )) , وهنا نرى الأستفادة من ظاهر النص في أستنباط الحكم الشرعي .

وإما حكم الأكل من الحلوى التي تعمل في هذه المناسبات فلا شيء فيه شريطة أن تكون الحلوى خالية من كل ما هو محرم شرعا ً, كالخمر وشحم الخنزير وما إلى ذلك  .

ومن خلال هذه الفتاوى ومثيلاتها , لابد وان ننظر في قضايا غير المسلمين نظرات جديدة , وأن نرجح فقه التيسير وفقه التدرج في الأمور مراعاة ً لتغير الأوضاع .

فهذه الفتاوى لم يرد في معارضتها نص صريح صحيح ,وأخذت بعين الاعتبار تغيّر العادات والزمان والمكان وجاءت ترفع الحرج عن المتدين الذي صار يضطر إلى رفقة غير المسلم في عمل أو سكن أو نحو ذلك . على عكس فتاوى خرجت من علماء لا يعيشون الواقع , ويسقطون ما وجد في بطون الكتب على واقع مغاير للواقع الذي قيلت فيه الفتوى , فردا ًعلى سؤال في حكم منح يوم عيد النصارى عطلة للموظفين ؟ أجاب الشيخ محمد صفوة نور الدين :(( لا يجوز للمسلم أن يحتفل بأعياد الكافرين : فأن هذا من الموالاة الممنوعة , فضلا ً عن مخالفته لعقيدة المسلم في أن المسيح () لم يقتل , ولم يقبر حتى يقوم من قبره , فيكون له قيامة لقوله تعالى:(( وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ)) .

وهنا يتساءل الباحث : هل تعطيل الموظف عن الدوام في دائرته في يوم عيد النصارى يمثل مشاركة لهم في الاحتفال بعيدهم ؟ وهل هذا يدخل في باب الولاء والبراء ؟ أنّ ((الموالاة المحرّمة بالإجماع هي موالاة الكافر بكفره , والعاصي لمعصيته ونحو ذلك))  كما يقول ابن الوزير, أما بره لعمل أو جيرة فهذا ليس من الموالاة التي نهينا عنها ... وهل عندما يحضر المسلم تجمعا ً أو جماعة يخالفهم الرأي , هل معنى هذا انه وافقهم على مخالفتهم ؟ إذن كيف كان الرسول الأكرم () يغشى مجالس الكفار في قريش لدعوتهم؟ وهل يمكن أن ندعوهم ألا بحضور مجالسهم؟! .

إن هذه الفتوى غريبة حتى على فتاوى الكتب القديمة ومنها كتب أبن تيمية التي لم يشدد فيها على حضور تلك المناسبات , لكن شدد على أحداث منكرات فيها مشاركتهم لهذه المنكرات , وهذا حرام لاشك فيه , ولكنه لا ينطبق على ما يستفتي الناس عنه اليوم .

ثانيا ً :- أثبات الصوم والفطر بالحساب الفلكي :- في كل عام تتكرر مسألة أختلاف المسلمين في هلال رمضان المبارك وفي هلال شوال المكرم , فيصوم بلد يوما ً , ويتأخر بلد ليصوم يوما ً أخر و وربما أختلف المسلمون في البلد الواحد فصام جماعة على رؤية بلد , وصام آخرون على رؤية بلد آخر وصام ناس على رؤية بلدهم وهكذا في الفطر .

وقد أشار الفقهاء استرشادا ً بالسنّة إلى ما يمكن أن يحدد بدايات الأشهر القمرية , فقد اجمعوا على أن الشهر القمري يكون تسعاً وعشرين ويكون ثلاثين على أن الأعتبار في تحديد شهر رمضان أنما هو الرؤية , يقول الشيخ الطوسي : (( علامة  شهر رمضان ووجوب صومه أحد شيئين : أما رؤية الهلال أو شهادة شاهدين , فان غُمّ عدّ شعبان ثلاثين يوما ً, ويصام بعد ذلك بنية الفرض,فأما العدد والحساب فلا يلتفت أليهما,ولا يعمل بهما,وبه قالت الفقهاء أجمع )) .

وقد أستدل الفقهاء بالأخبار المتواترة عن النبي () ومنها خبر عبد الله بن عمر أن رسول الله () ذكر رمضان فقال((لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فان غُمّ عليكم      فاقدروا له)) 

واختلفوا في الحكم إذا غمّ الشهر ولم يتم تمكن الرؤية في وقت الرؤية المعتبر : فالجمهور يرون أن الحكم في ذلك أن تكمل العدة ثلاثين , فان كان الذي غُمّ هلال أول الشهر عُدّ الشهر الذي قبله ثلاثين يوما ًوكان أول رمضان الحادي والثلاثين , وأن كان الذي غُمّ هلال أخر الشهر صام الناس ثلاثين يوما ً, فلا يصح أعتقاد رمضان إلاّ بأحد ثلاثة أمور :

الأول : الرؤية للهلال , والشهادة على ذلك .

الثاني : إكمال شعبان ثلاثين يوما ً وعلى هذا مذهب جمهور الفقهاء في الأمصار بالحجاز والعراق والشام والمغرب ومنهم أبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي والأوزاعي والثوري وعامة أهل الحديث ألا احمد .

ويؤيد هذا الرأي ما ورد عن الرسول () (( صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته فان غمّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)) .

وأيضاً عن عبد الله بن عمر أن رسول الله () قال : ((الشهر تسع وعشرون ليلة فلا تصوموا حتى تروه فان غُمّ عليكم فأكلموا العدة ثلاثين)) .

الثالث : التقدير للهلال , ومنهم من رأى أن معنى (فاقدروا له ) قدروه تحت السحاب , وعلى المرء أن يصبح صائما ً في اليوم التالي وهو مذهب ابن عمر واحمد بن حنبل وغيره .

وذهب بعض السلف الى أنه إذا أغُمّي الهلال رجع إلى الحساب بمسير القمر وهو مذهب جماعة منهم مطرف بن الشخير وهو من كبار التابعين , وأبن قتيبة من المحدثين , وأبو العباس بن سريج من الشافعية , ونقل العيني عن بعض الحنفية : لا بأس بالأعتماد على قول المنجمين , وسبب أختلافهم الإجمال الذي في قوله () (فان غُمّ عليكم فاقدروا له) فذهب الجمهور إلى أن تأويله أكملوا العدة ثلاثين بدليل الحديث الأخر (فان غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين) , وذلك مجمل وهذا مفسر , فوجب أن يحمل المجمل على المفسر , وهي طريقة لا خلاف فيها بين الأصوليين فأنهم ليس عندهم بين المجمل والمفسر تعارض .

ومنهم من رأى أن معنى التقدير له هو تقديره تحت السحاب , أو عدّه بالحساب كما ذكرنا  .

وكان كلام الجمهور هو أرجح ما يمكن التمسك به لإثبات الشهر في زمن كان علم النجوم فيه يمارس بعض أنواع الشعوذة,وادعاء معرفة الغيوب المستقبلية,وعلى هذا الأساس جاء النهي عن ابن عباس مرفوعاً :(( من اقتبس علما ً من النجوم أقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد )) . 

وأما علم الفلك اليوم فأنه يقوم على المشاهدة بوساطة الأجهزة العلمية الدقيقة وعلى الحساب الرياضي القطعي , فصار يملك الإمكانيات العلمية والعملية ما جعله يصل بالإنسان إلى سطح القمر , ويبعث بالأقمار الاصطناعية والسفن الفضائية إلى الكواكب الأكثر بعدا ً وغدت نسبة الخطأ في تقديراته 1/100000 وأصبح من أسهل ما يكون حساب ميلاد الهلال فلكيا ًوإمكان ظهوره بالدقيقة والثانية , يقول الشيخ مغنيه (( وأما حديث الرؤية فانه لا يتنافى مع العلم السليم لان الرؤية وسيلة للعلم , وليس غاية في نفسها , كما هي الحال في جميع الطرق الموصلة إلى الواقع , ولكننا نقول : أن أقوال الفلكيين لا تفيد العلم القاطع لكل شبهة كما تفيد الرؤية البصرية ؛ لان كلامهم مبني على التقريب لا على التحقيق بدليل أختلافهم وتضارب أقوالهم في الليلة التي يتولد فيها الهلال , وفي ساعة ميلاده , وفي مدة بقائه . ومتى جاء الزمن الذي تتوفر فيه لعلماء الفلك المعرفة الدقيقة الكافية , بحيث تتفق كلمتهم , ويتكرر صدقهم المرة تلو المرة حتى يصبح قولهم من القطعيات , تماما ً كأيام الأسبوع , وأن غدا ً السبت أو الأحد , يمكن والحال هذه الاعتماد عليهم , بل يتعين على من يحصل له من أقوالهم , ويجب أن يطرح كل           ما يخالفهم )) .

وإن الأخذ بالحساب القطعي اليوم كوسيلة لإثبات الشهور يمكن القبول بها ؛ لأن المشرع عندما شرع الرؤية كوسيلة أدنى لما يحيط بها من الشك والاحتمال لا يرفض وسيلة أعلى وأكمل وأوفى بتحقيق المقصود , والخروج بالأمّة من الأختلاف الشديد .

وقد ناقش القضية مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الثالثة المعقودة في عمان عام 1408هـ-1987م وكان من أحدى مقرراته هو ((وجوب الاعتماد على الرؤية , ويستعان بالحساب الفلكي والمراصد مراعاةً للأحدايث النبوية , والحقائق العلمية)) .

ومن الجدير بالذكر هنا أن مكتب السيد السيستاني في النجف يصدر سنويا ً كراساً بعنوان      (مواقيت الأهلّة) يوزع على المكلفين , وقد وجد الباحث أن نسبة الخطأ فيه معدومة جدا ً بالنسبة لمواقيت بدايات الشهور القمرية مما يدعم صحة ما ذهبنا إليه في هذا المورد .

وممن أفتى باعتماد الحساب الفلكي في الزمن الحاضر الشيخ احمد محمد شاكر في رسالة له , وكذلك القرضاوي , فضلا ًعن الشيخ مصطفى الزرقا الذي بيّن أن قوله () ((أنا امة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا ... يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين )) لا يعني  أن وصف الأمة بالأمية  وصف لازم لها عبر العصور , ولا هو وصف أريد به المدح , بل هو وصف في تلك الفترة , وعلى العكس فان مفهوم الحديث  أن الأمة إذا  كانت تكتب وتحسب بحيث تستطيع رصد الأجرام الفلكية فانه يمكنها أن تعتمد الحساب الفلكي .



(8) فتاوى فاقدة للانضباط المنهجي :

يفتي بعض الفقهاء بفتاوى تخالف أصول الاستنباط الصحيح  ,بل وتخالف حتى رأي المتصدي للإفتاء , ونأخذ هنا على سبيل المثال لا الحصر بعض الأمثلة التي توضح ذلك .

1- القياس في الزكاة :- يعتمد الدكتور القرضاوي القياس أصلاً , ودليلا ً رابعا ً, ويراه أمراً أودعه الله تعالى في العقول والفطر , ويوافق في ذلك ابن القيم في أن القياس من الميزان الذي ذكر في قوله تعالى ((اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ)) وقوله تعالى ((لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ)).

ويقترح القرضاوي تسمية القياس الصحيح بالميزان ؛ لان القياس منه ما هو صحيح ومنه ما هو فاسد , ومنه ما هو حق , ومنه ما هو باطل و ومنه ما هو محمود ومنه ما هو مذموم         حسب قوله .

ومن أمثله القياس الفاسد : ما أفتى أنه لا ربا بين الحكومة والشعب قياسا ًعلى انه لا ربا بين الوالد وولده , وهذا الرأي ليس فيه نص ٌ أو إجماع  ,بل هو رأي احد المذاهب , والقياس على تقدير ثبوت حجيته يكون على نص أو إجماع يقيني . وحتى لو كان هذا حديثا ً لم يصلح القياس عليه؛لأنه قياس مع الفارق , فان هنا فرق معتبر , فقد جاء في علاقة الولد بالوالد حديث يقول فيه الرسول () للولد (( أنت ومَاِلكَ لأبيك)),أي عند الحاجة ولم يجيء حديث يقول أنت ومَاِلكَ للحكومة , ولو قلنا ذلك للحكومة لجرّأناها على أموال الرعية التي يفترض أن تكون حارسه لها .

ويقبل القرضاوي القياس في الزكاة على خلاف ما هو مقرر من انه لا قياس في العبادات , ويدلل لذلك :-

إن النبي () اخذ زكاة الفطر من بعض الحبوب والثمار كالشعير والتمر والزبيب , فقاس عليه الشافعية والحنابلة كل ما يقتات أو غالب قوت البلد , ولم يجعلوا هذه الأجناس المأخوذة مقصودة لذاتها تعبدا ً فلا يقاس عليها .

وكذلك قاس جمهور الفقهاء زكاة الزروع والثمار على ما جاء في النصوص من دون الوقوف عليها .

ج- إن عمر (رض) ادخل القياس في الزكاة حين أمر بالزكاة من الخيل لما تبين له أن فيها ما يبلغ قيمة الفرس الواحد منه ثمن مائة ناقة .

وطبّق الدكتور القرضاوي ذلك , فقاس العمارات المؤجرة للسكنى ونحوها على الأراضي الزراعية , مع حسم مقابل أستهلاك العمارة حتى يصح القياس , وقاس الرواتب والأجور على الأعطيات التي كان يأخذ منها (أبن مسعود ومعاوية وعمر بن عبد العزيز) الزكاة عند صرفها , مع دخولها في العمومات .

وإن كانت مناهج الفقهاء أختلفت لاعتماد بعض المدارس أدلة بينما نفاها أخرون , فان الدكتور القرضاوي يرى اعتماد كل الأدلة الشرعية , ويرى أنّها تمثل نوعا ً من الثراء في الأجتهاد الفقهي , مما يتيح توليد أحكام شرعية للحوادث النازلة , ويرى ذلك مظهرا ً من مظاهر التيسير الذي اعتمده في فتاواه , ويرى الدكتور القرضاوي أن القياس يدخل في كثير من أبواب الزكاة , ولم نجد مذهبا إلاّ قال به في صورة من الصور . ففي زكاة العقارات أفتى بأنه تجب الزكاة في العقارات التي تتخذ للإيجار و وكذلك المحال التجارية التي تشترى وتؤجر أن فيها الزكاة فيما يغلّهُ من أيراد قياساً على الزكاة فيما تغلّه الأرض الزراعية , وإنّ الأقرب للأدلة أن الزكاة فيها نصف العشر , قياسا ً على زرع الأرض التي تسقى بآلة , وإن كان ربع العشر أيسر على الناس .

وفي زكاة المستغلات المستأجرة فقد أفتى بان يخرج المسلم زكاة ما تجمّع في يده من غلّة هذه الدور أو العمارات عقب قبضها أول كل شهر , ولا ينتظر بها حولاً , أخذاً بعموم النصوص وإطلاقها , وقياسا ً على الزرع  , الذي جاء فيه ((وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ)) .



المبحث الرابع

التقليد وبعض الظواهر الأجتماعية المعاصره 

توطئة 

تقليد المجتهد ومحاكاته

إختلاف التقليد وأثره كشرط في صحة عقد الزواج

حقيقة الشرط

شروط صحة الشرط

     تعقيب واستنتاج 


توطئة :- 

        تعدّ الثقافة الاجتماعية للأمة كالشخصية للفرد , فكما أن لكل فرد له شخصيته الخاصة به , إذ هو يتميز بها عن أي فرد آخر, كذلك تكون كل امة من الأمم , إذ هي اختصت بثقافة اجتماعية معينة لا تماثلها أي ثقافة أخرى في أية أمّة .

ويمكن تعريف الثقافة الاجتماعية بأنها مجموعة التقاليد والقواعد والأفكار الموجودة في أية أمة من الأمم , وهي تشمل مختلف شؤون الحياة فيها , كالشؤون الدينية والأخلاقية والقانونية والفنية والصناعية واللغوية وغيرها  .

والمجتمع المسلم يمتاز بثقافة واضحة , ألا وهي ثقافة ربط الإنسان مع الله سبحانه وتعالى والواقع , فالإسلام أطروحة عقائدية تشريعية , وموضوعة التقليد فيه هي إحدى آليات هذا الربط , ومن خلال ممارستها ظهرت في الآونة الأخيرة بعض الظواهر المرتبطة بها .

وقد اهتم الإسلام كثيراً بعلاقة المسلم مع مجتمعه , فحدّد في تعاليمه ومناهجه الإلهية الصيغ المطلوبة لهذه العلاقة التي تهدف إلى تعزيز الرابطة الاجتماعية بين المسلمين وصناعة المجتمع الإسلامي المتماسك في علاقاته وأسسه وعناصره .

وقد رسم الإسلام خطا ًتصاعديا ً في هذا الخصوص , يبدأ من الإنسان ثم ينتهي بالمجتمع , وخلال هذا الشوط الطويل يتحمّل الإنسان المسلم المسؤولية الكبرى في توفير مستلزمات الحياة الاجتماعية المطلوبة , فالفرد لاينفصل في تصرفاته وسلوكه عن المحيط الذي يعيش فيه , فهو وحدته الأساسية , وقد تتحول هذه الوحدة إلى عنصر بناء أو ربما تصبح عامل هدم , وفي كلتا الحالتين يرتبط السلوك الفردي بالحصيلة الاجتماعية للمحيط الذي يعيش فيه .

ولقد حرص الإسلام على موقع الإنسان في المجتمع لذلك أكد على الترابط الميداني بينه وبين مجتمعه , فعن الرسول () (( من فارق جماعة المسلمين  ,فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه , قيل : يا رسول الله , ما جماعة المسلمين ؟ قال : جماعة أهل الحق وان قلّوا)) وعن الإمام الصادق (C) , أنه قال : (( من خلع جماعة المسلمين قدر شبر خلع ربقة الأيمان من عنقه)),أن هذا التأكيد على ملازمة الجماعة أنما من اجل حفظ المجتمع الإسلامي كخطوة أولى وعدم أفساح المجال أمام محاولات التفتيت والإضعاف كخطوة ثانية  .

واستنادا ً إلى ما تقدم فقد اهتم الإسلام اهتماما ً كبيرا ً بالعائلة باعتبارها وحدة اجتماعية صغيرة تبدأ من عقد الزواج بين امرأة ورجل , وتتسع دائرتها بأنضياف ولدٍ أو ولدين إليهما او اكثر , وهذا الزواج ينشأ من حاجة طبيعية وجاذبية جنسية , لذا إهتم الإسلام إهتماما ً كبيرا ً بالزواج وتأسيس العائلة وأعتبر ذلك أمرا ًمقدسا ًوضروريا ً , فيصفه في الأحاديث بأن أفضل بناء يبنى وأحسن صرح يشيد , فعن ابي جعفر (C) قال : (( قال رسول الله () : ما بني بناء في الإسلام أحبّ إلى الله عز وجل من التزويج )) .

وفي هذا المبحث سنشير إلى تفسير وتحليل بعض الظواهر الاجتماعية التي ظهرت في الآونة الأخيرة وبالأخص في المجتمع العراقي ومنها ظاهرة تقليد المجتهد في طريقة كلامه وملبسه وحركاته , وأيضاً ظاهرة اشتراط موضوعة التقليد في أجراء عقد الزواج , فان البعض لا يزوجون من يخالفهم في التقليد , هذه الأمور ستكون محور نقاشنا في هذا البحث .

 (1) تقليد المجتهد ومحاكاته :

ظهرت في الآونة الأخيرة أمور مرتبطة بشكل مباشر بمسألة التقليد ومنها تقليد المجتهد في طريقة كلامه وأفكاره وملبسه بل وحتى طريقة المشي , وهذه الظاهرة ظهرت بشكل واضح في أوساط المجتمع العراقي الحديث , ويرى الباحث أن هذه الظاهرة يمكن إدراجها ضمن عملية المحاكاة المعروفة في بحوث علم النفس التربوي .

ويقصد بالمحاكاة بأنها ((عمل ٌ ينزع إلى تكرار تصرف فردٍ أخر مأخوذ بوصفه نمطاً)) .

ويعدّ المتخصصون في أبحاث علم النفس طريقة المحاكاة أو التقليد من الطرق الهامة لإتمام عملية التعليم , فالطفل يتعلم لغة والديه بالمحاكاة ويقلد حركاتهما وكلامهما وإشاراتهما , وكثيراً من أنواع السلوك الأخرى كالنظرات والوقوف والابتسامة والتحية ويقلدهما في الصلاة والوضوء والأذان وان كان التقليد غير تامٍ , فانه يساعد على صقل شخصيته الأجتماعية بينهما فترتسم عنده معالم القيم والخلق والعادات والتقاليد المجتمعة بصفة عامة , وفي مثال أخر , فالعامل يتعلم المهارات الحرفية عن طريق محاكاة معلّمه أو مدرّبه , والمؤمنون كانوا يحاكون الرسول () فيتعلمون منه الخلق الحسن والقيام بالعبادات وسائر المناسك الأخرى , والصحابة كانوا يتعلمون من الأئمة الحكمة والفقه وتصريف أمور المسلمين في الدين والدنيا .

فعن جابر بن عبدالله الأنصاري قال : رأيت النبي () يرمي على راحلته يوم النحر ويقول : ((لتأخذوا مناسككم فأني لا أدري لعلّي أن لا أحجّ بعد حجتي هذه)) .

وهذا امير المؤمنين علي (C) يقول لأصحابه ((سلوني قبل أن تفقدوني فوالله ما في القران آية ألاّ وأنا اعلم فيمن نزلت وأين نزلت في سهل أو في جبل وان ربي وهب لي قلبا ًعقولا ًولسانا ً   ناطقا ً)). 

ونقل عن الخليفة الثاني (رض) قوله ( ما من معضلة إلا ولها أبا الحسن) مشيرا ً إلى عقلية الإمام علي () في حل المعضلات التي تواجه المسلمين كافة  .

ولقد دعا الأنبياء والأئمة () الناس إلى طريق الاستقامة ومحاكاتهم بعملهم قبل أن يدعوهم بألسنتهم , فقال أمير المؤمنين علي (C) (( أني والله ما أحثّكم على طاعةٍ ألا وأسبقكم إليها , ولا أنهاكم عن معصية ألا وأتناهى قبلكم عنها )) وقال علي بن حمزة عن أبيه : ((رأيت أبا الحسن الإمام علي الهادي (C) يعمل في ارض وقد إستنقعت قدماه في العرق , فقلت : جعلت فداك أين الرجال ؟ فقال (C) يا علي قد عمل باليد من هو خير مني ومن أبي في أرضه , فقلت له : ومن هو ؟ فقال : رسول الله () وأمير المؤمنين (C) وآبائي كلهم كانوا قد عملوا , وهو من عمل النبيين والمرسلين والأوصياء والصالحين )) .

ويميل كثير من علماء النفس – وخصوصا ً الفرنسيين منهم – إلى عدّ التقليد غريزة من الغرائز , ألا أن الباحث يعتبر التقليد استعدادا ً فطريا ً عاما ً , ومع هذا ففي التقليد مجال للتعبير عن الدوافع الفطرية المختلفة , وأول هذه الدوافع هو الدافع الفطري للأجتماع .

فنحن نتبع سلوكا ً يشبه سلوك مجموعة من الناس ,حتى إذا اجتمعنا بهم شعرنا معهم بشعور الاطمئنان , وقضينا على شعور الخوف الناشيء من الوحدة .

ونجد أحيانا ً في المواقف الداعية للتقليد مجالاً واسعاً لغريزتي السيطرة والخضوع فالشخص الذي يقوم بتقليد شخص أخر يرى فيه تفوقا ً ويشعر بشيء من النقص إزاء ناحية التفوق , لهذا ينزع إلى كسب هذه الناحية حتى يصبح متفوقاً, وعليه فالتقليد والاجترار من الداني الى العالي من ناحية اللبس والشكل والحركات وأسلوب التعبير شيء ممدوح ؛ لأنها تنشط الدافعية عند المتلقي في أن يقلد حتى في الأمور المعرفية , فالعملية ليست لها آية إشكالات اجتماعية .

إذن للمحاكاة عنصران هما : الرغبة أو الدافع , والقدرة أو الاستعداد , وهناك عنصر ثالث يلتقي غالبا ًمع هذين العنصرين وهو عنصر الغرض النهائي من التقليد فقد يكون التقليد بدافع تحقيق غاية خارجة عن موضوع التقليد نفسه فعندما تقلد احد الصالحين في طريقه كلامه وملبسه وشكله فإننا نقصد بذلك أن نحصل الغرض النهائي من هذا التقليد وهو رضا الله سبحانه وتعالى عنا وهنا نلاحظ أن الغاية النهائية من التقليد لا تقع في الشخص المؤثر ولا في سلوكه وإنما تقع في نتيجة هذا كلهِ .

(( وقد يكون الدافع للمحاكاة والتقليد هو الإعجاب بالشخص نفسه , فيحدث أحياناً أن يصل الاعجاب والحب والتقدير الى درجة تجعل المتأثَّر يتقمص شخصية المؤثِّر فيقلّده في كل شيء)). 

وإما من الناحية الشرعية , فان الباحث يرى أن محاكاة المقلد ليس فيها أي زجر شرعي , فأن أطلاقات الأدلة الخاصة بالتقليد لا تشير إلى هذه الظاهرة المستحدثة , فالمقصود من التقليد هو الأحكام الشرعية الفرعية فقط , وإذا عرفنا ذلك فان هذه الظاهرة ليس فيها أي محذور شرعي إذا كان المقصود منها الوصول إلى الكمال النفسي والروحي لدى المكلفين , بل بالعكس فقد دعا الإسلام إلى الاقتداء بالأولياء الصالحين ,وحديث الثقلين هو خير دليل على ما نقول .


(2) الاختلاف في التقليد وأثره كشرط في صحة عقد الزواج :

ندب الإسلام إلى الزواج بكونه ركنا ًحياتيا ًفجعله مستحبا أكيداً , قد يسمو إلى مستوى الوجوب – وقد حث الخالق تعالى عليه في آيات عديدة من القران الكريم , وتحدث عن حكمه وبعض أحكامه , كما وحثّ عليه النبي () والأئمة المعصومون () في روايات كثيرة.

وقد أشار القران الكريم إلى أن الزواج يعد من السنن الإلهية للحياة , وان من المفترض بالإنسان أن يجاري هذه السنّة ,فهي أستجابة لمتطلبات الفطرة التي جُبل عليها , فقال تعالى في بيان سنة سيادة الزوجية والأثنينيّة على كل شيء ((وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)) , وقال أيضا ً في انسحاب هذا الحكم على الإنسان باعتباره جزءا ًمن الخليقة ((وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً)) . 

والرجل عنصر مهم في الحياة الزوجية تترتب عليه اغلب الآثار التربوية , والمعنوية , فإذا لم يقع الاختيار على الزوج الصالح الذي يتمتع بقابليات عالية جديدة بان ترشحه لأهلية الرئاسة للبيت الزوجي , فحتما ً ستكون الحياة الزوجية  معرضة للاضطراب , والانحلال , والضابطة الرئيسية لاختيار الرجل هي الخلق والدين ففي حديث لجابر بن عبد الله عن النبي () انه قال(( ألا أخبركم بخيار رجالكم ؟ قلنا : بلى يا رسول الله قال : أن خير رجالكم التقي النقي السمح الكفين السليم الطرفين البر بوالديه ولا يلجأ عياله إلى غيره )) .

وفي حديث آخر يقول احد الرواة : (( كتبت إلى أبي جعفر (C) في التزويج فأتاني كتابه بخطه قال : قال رسول الله () : أذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوّجوه)) فالدين هو العنصر المقوّم لاستقرار الحياة والعيش في جو يسوده الاحترام من جميع الجهات , إن الدافع الديني هو الذي يضع الزوج أمام الأمر الواقع فلا يتهرب من تلك المسؤولية , وُيلجئ عياله إلى غيره كما ينص عليه الخبر المتقدم . 

وقد شاعت في الآونة الأخيرة ظاهرة في المجتمع العراقي , وهي اشتراط ولي المرأة على الخاطب أن يكون في تقليده على نفس المجتهد الذي يقلده ولي المرأة , وفي هذا المقام سنبحث هذا الشرط في العقد ونرى ما هو تأثيره عليه .

(3) حقيقة الشرط :

ذكر العلماء في بيان معنى الشرط عرفا ً ولغة ً أمورا ً هي :-

الإلزام والإلتزام أما في البيع ونحوه كما ذكر ذلك صاحب القاموس , أو مطلقا ًمن انه جعل إلزامي أي الجعل المستلزم للإلزام والعهدة والعلاقة ومطلق الربط والتعليق كما ذكر ذلك السيد اليزدي في حاشيته على المكاسب وذهب الشيخ الأنصاري (قدس) إلى أن له معنييّن عرفييّن :

احدهما : الإلزام والإلتزام .

وثانيهما : ما يلزم من عدمه العدم , وان له معنييّن اصطلاحييّن :

احدهما : ما يستعمل في ألسنة النحاة وهي الجملة الواقعة تلو أداة الشرط , وثانيهما : ما يستعمل في ألسنة أهل المعقول . 

وروى السيد الروحاني أن له معنى واحدا ً لا غير وهو: الربط والتعليق , وأستعماله في جميع الموارد انما يكون في ذلك المعنى .

ويضيف قائلا ً (( أن أطلاقه في جميع الموارد من ذلك الباب وهو : تقييد أمرٍ بآخر , غاية الأمر أن هذا التقيد  والربط قد يكون تكوينيّاً كربط أحراق النار بالمحاذاة وقد يكون مجعولا ًبجعل تشريعي كجعل الطهارة شرطا ً للصلاة , وقد يكون مجعولا ًبجعل المتعاملين وليس له معنى     أخر )) .

وينقسم الشرط في باب المعاملات على أقسام :

شرط الفعل :  وهو ما يتعلق بفعل من أفعال المكلفين , كما إذا باع وشرط على المشتري أن يخيط له قميصا ً أو يعلّمه القران مثلا ً .

شرط الوصف : وهو ما يتعلق بوصف من صفات المبيع الشخصي , مثل كون السجادة مصبوغة بصبغ خاص مثلا , وكون الفرس أصيلاً, والى غير ذلك من الأوصاف المطلوبة في المبيع .

شرط النتيجة:وهو ما يتعلق الغرض بما هو من قبيل الغاية للفعل كما إذا باع داره بثمن وشرط أن تكون ثمرة الشجرة التي فيها ملكا ًله , فالشرط في هذا القسم عبارة عن الغاية الحاصلة من الفعل  .

ومن خلال ما تقدم نستنتج أن الشرط مورد بحثنا هنا يندرج تحت القسم الأول , فالتقليد هو فعل خاص من أفعال المكلفين وله أهمية من حيث الخروج عن عهدة التكاليف الموضوعة من قبل الشارع المقدس . وقد أشار العلماء إلى أدلة إثباته وهي : الإجماع والنصوص العامة الواردة في الشروط والنصوص الخاصة والسيرة العقلائية,وخوفا ًمن الإطالة أثرنا لمن يريد الاطلاع عليها في المصادر ذات الصلة  .

(4) شروط صحة الشرط :

 عرفنا أن الشرط قد يطلق ويراد به الشرط الأصولي وهو تعليق المنشئ على شيء , وقد يطلق ويراد به الشرط الفقهي – ونعني به : جعل الشيء على ذمة احد المتعاقدين , فأن وفّى بالشرط لزم العقد , وإن تخلّف يثبت للمشروط له الخيار .

وبما أن الشرط بهذا المعنى ينقسم إلى صحيح وفاسد , عنون الفقهاء بابا ً بأسم شروط صحة الشرط . وممن توسع في هذا البحث الشيخ الأنصاري () بعد فراغه من بيان أقسام الخيار , وقد ناهز عدد الشروط عنده التسعة , سنحاول هنا عرضها وتطبيقها على شرط التقليد في عقد الزواج لنرى مدى صحته .

الشرط الأول :- أن يكون مقدورا ًعليه : أي يشترط في صحة الشرط قدرة المشروط عليه على إنجازه بأن يكون داخلا ً تحت قدرته , قال المحقق الحلّي((لا يجوز أشتراط ما لا يدخل في مقدوره , كبيع الزرع على أن يجعله سنبلاً , والرطب على أن يجعله تمراً)) .

وذكر صاحب الحدائق بأن الشرط يبطل بأشتراط غير المقدور المشروط عليه كأشتراط حمل الدابه فيما بعد  .

ويحتمل لهذا الشرط ثلاثة أمور :-

ما هو ممتنع عقلا ً أو عادة ً

شرط فعل الغير إذا كان مستلزما ً للغرر

شرط فعل الغير , إذا كان هناك اطمئنان بتحصيله , وهو أمر عقلائي .

ولذا يرى السيد محمد تقي الخوئي أنه لأوجه لاعتبار القدرة على الشرط شرطا ً في نفوذه وصحته , فأنها لا تخلو عن كونها أما شرطا ً في تحقق الإرادة الجديّة في الاشتراط , أو كونها معتبرة بملاك نفي الغرر , أو كونها غير معتبرة وعلى جميع التقادير فهي ليست شرطا ً مستقلاً  في نفوذ الشرط وصحته  .

ويرى الباحث انه على فرض التسليم بنفوذه , فان المسألة (مورد البحث) يكون مقدورا ًعليها بناءا ً على الأحتمال الثالث .

الشرط الثاني :- كون الشرط سائغا ً في نفسه : - أي لا يجوز أشتراط جعل العنب خمرا ً أو نحوه لعدم نفوذ الالتزام بالمحرمات .

ويلحظ عليه أنه يتداخل مع الشرط الرابع والمهم وهو( ما لا يكون مخالفا ً للكتاب والسنة ) والذي سنتطرق إليه لاحقاً,والحق الاستغناء عن هذا الشرط كالأول؛لان مورد الشرط الرابع أعمّ وأشمل 

وعلى فرض التسليم به , يرى الباحث أن أشتراط التقليد في عقد الزواج سائغ في نفسه إذ ليس فيه ألتزام بالمحرمات بالمرة , بل العكس فان فيه تطبيقاً لأحكام الشريعة .

الشرط الثالث :- كون الشرط عقلائيا ً: أي بمعنى أن يتعلق به الغرض ولا يعدُّ لغواً , فلا يصح أشتراط  ما يخلو عن الفائدة بالمرّة .

وبعد أن عرض السيد محمد تقي الخوئي أقوال الشيخ الأنصاري () والإيرادات عليها من المحقق الإيرواني والمحقق الأصفهاني يصل إلى نتيجة مهمة وهي:((أن هذا الشرط ذا فائدة معتدّ بها      عند العقلاء , فلا يصح أشتراط عديم الفائدة بالمرة , أو ما تكون فائدته من القلة والهوان إلى حد لا ينظر أليها العقلاء ولا يعتبرونه حقاً للمشروط)) .

واما (الشرط) مورد البحث فيرى الباحث بأنه عقلائي من جهة أنه قد يفضي إلى مشاكل كبيرة بين الزوجين بسبب أختلاف التقليد , ولكن إذا عرفنا بأنه لامدخليَّة منه في أتمام العقد فيكون غير عقلائي , لان المعيار في أختيار الزوج الكفوء هو الخلق والدين  وليس للتقليد أي      دور فيها .

الشرط الرابع : أن لا يكون مخالفا ً للكتاب والسنّة : وهذا الشرط على نحو الموجبة الجزئية – حكم إجماعي إتفاقي , لا يختلف فيه اثنان إطلاقاً . 

وقد استدل العلماء عليه بروايات كثيرة وهي على أصناف لا مجال لذكرها لكننا سنذكر واحدة منها فقط وهي رواية إسحاق بن عمار ، عن جعفر عن أبيه () ((أن علي ابن أبي طالب كان يقول : من شرط لامرأته شرطا ً فليفِ لها به , فان المسلمين عند شروطهم , إلاّ شرطا ًحرّمَ حلالا ً أو أحلّ حراما ً)) .

وأما المراد من عدم جواز اشتراط مخالف الكتاب والسنة ,هو المنع عن اشتراط ماينهى المصدران , سواءٌ أكان في مجال الأحكام الوضعية أم التكليفية ,وأمثلة ما يخالف الحكم الوضعي كثير منها :

الولاء للمعتق فجعله لغيره مخالف له .

الطلاق والجماع بيد الزوج فجعلهما بيد الزوجة يخالفه .

التركة كلها للوارث , وتسهيم الأجنبي وتوريثه يخالفه .

الزوج والزوجة يتوارثان على ضابطة خاصة , وأشتراط ضابطة أخرى في عقد النكاح يخالفها. 

وأمثلة ما يخالف الحكم التكليفي كثيرة منها :

إذا باع الخل وأشترط عليه أن يجعله خمرا ً .

إذا أجّر عاملاً وأشترط عليه ترك الصوم ليقوم بالعمل .

إذا نكح امرأة وأشترط عليها أن لا تمنع من وطئها في المحيض,إلى غير ذلك من الأمثلة .

فكل شرط خالف بمفهومه العرفي ,الحكم التكليفي المجعول في الشرع , لا يجوز اشتراطه            في العقد .

       ويرى الباحث أن أحكامه عز وجل لها كرامتها الخاصة لا يصح التلاعب بها , ولا المسّ بها تحت أي عنوان ,والمعيار في تمييز الموافق عن المخالف هو أن كل ملتزمٍ يعد مخالفا ًلنفس التشريع بالدلالة المطابقية فهو شرط مخالف في كلا المجالين : الوضعية والتكليفية , وكل شرط لا يكون بالدلالة المطابقية مخالفا ً لما شرعه الشارع فلا يعدّ مخالفاً, فلو شرط في العقد , ترك الواجب أو فعل الحرام يعد شرطه مخالفا ً للكتاب والسنّة بالدلالة المطابقية , وأما لو شرط الأخذ بأحد طرفي المستحب أو المكروه أو المباح فلا يعد شرطه مخالفا ً لهما مطلقاً, لابالمطابقية ولابالألتزامية .

واما الشرط الوارد (مورد البحث ) فأنه لايعد مخالفا ًللكتاب ؛ لأن شرط تقليد مجتهد أخر ليس نفياً لأصل التقليد وإنما يعد تغييرا ً في نطاقه وليس فيه أي معصيةٍ تذكر, وإنما قد يتحرّز منه لغرض عقلائي لأجل توطيد العلاقة بين الزوج وزوجته من خلال الوجهة الواحدة في موضوعة التقليد ولكنه شرط مخالف للسنّة ؛ لأن لزوم النكاح حكمي لا حقّي ولا أقل من الشك في ذلك , فلا يجوز التمسك بالعام . والله العالم . 


الشرط الخامس : عدم كونه مخالفا ً لمقتضى العقد : ومما تسالم عليه الفقهاء في لزوم الشرط ونفوذه أعتبار أن لا يكون منافياً لمقتضى العقد  .

وينقسم الشرط المخالف لمقتضى العقد على أقسامٍ أربعة هي :-

أن يكون مخالفا ًلماهيّة العقد, أي أن لكل عقد ماهية أعتبارية بها تتحقق وبأنتفائها تفوت الماهية , فالمضاربة بلا مشاركة في الربح والبيع بلا عوض والمزارعة بلا مشاركة في النماء تنفي ماهية هذه العقود .

ب- أن يكون مخالفا ً لمنشئه ,بمعنى أن يلزم الإلتزام بشيئيّن متضادين كما إذا شرط أن يكون المّثمن وقفاً لمسجد أو ملكا ًلأبنه , فقد شرط ما ينافي المنشئ .

ج- أن يكون مخالفا ً لأثره العرفي ,إذ ربما يكون للعقد اثر عرفي لا ينفك عنه عند العرف , بحيث يساوي سلبه سلب المعاملة عرفا ً, فيكون نظير أشتراط ما يخالف منشئه , ومثال ذلك إذا قال : بعت هذا بشرط عدم تسليم المبيع للبائع , ولمّا كانت الغاية من البيع هي السيطرة على المبيع , فأشتراط عدمها في نظر العرف مساوق لعدم مالكيته .

د- ما يكون مخالفا ً لإطلاق العقد , أي أن هناك أثارا وأحكاما ً يقتضيها أطلاق العقد بحيث لو لم يقيّد بوصف أو وقت أو مكان  يترتب عليه الأثر , ومثال ذلك ما إذا باع المكيل أو الموزون فمقتضى أطلاق العقد هو الكيل والوزن المعتاد في البلد .

والدليل على بطلان الشرط المنافي لمقتضى العقد هو : 

 أولاً: وقوع التنافي في العقد المقيّد بهذا الشرط , بين مقتضاه الذي لا يتخلف عنه , وبين الشرط الملازم لعدم تحققّه فيدور الأمر بين أمور هي (الوفاء بالمشروط والشرط معا ًوهو مستحيل عادة ً, أو الوفاء بالشرط من دون المشروط وهو مستحيل أيضاً, أو الوفاء بالمتبوع من دون التابع , أو الحكم بتساقطهما , وعلى كل تقدير يسقط العمل بالشرط .


ثانيا ً: أن الشرط المنافي لمقتضى العقد , هو المخالف للكتاب والسنة الدالين على عدم تخلف العقد عن مقتضاه فأشتراط تخلفه عنه مخالف للكتاب لقوله تعالى ((أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ)) .

ويرى الباحث أن المسألة المطروحة (مورد البحث) تخالف مقتضى العقد من جهاته الأربعة , فهي تخالف ماهيّته ومنشأه وأثره العرفي وإطلاقه ,فأشتراط تقليد مجتهد معين يتناقض أساساً مع عقد الزواج القائم على الإيجاب والقبول من الطرفين ؛ لان الشرط هنا مناف للدوام المعتبر في النكاح الدائم , إذن هو شرط مخالف لمقتضى العقد , فلو شرط هذا الشرط يكون الشرط فاسد والعقد صحيح بين الطرفين .

الشرط السادس :-  أن لا يكون مجهولا ًجهالة ً توجب الغرر , ومن شرائط صحة العقد , عدم الجهالة , قال الشهيد في اللمعة ((ويصح اشتراط سائغ في العقد إذا لم يؤدّ إلى جهالة في احد العوضين)) . 

ومثال ذلك :- إذا باع وشرط على المشتري أن يخيط له ثوبا ً ما , أو يبني جدارا ً ما , فأن الجهالة في الموردين تسري إلى الجهالة في الثمن ؛ لان هناك ثوبا ً يخاط بدينار وثوبا ً يخاط بمائة دينار , فإذا أشترط عليه الخياطة المجهولة يكون الثمن مجهولا أيضاً  .

ويرى الباحث أن الشرط المفروض ( مورد البحث ) لا يوجب جهالة ً توجب الغرر لان شرط تقليد مجتهد معين لا توجب الغرر في عقد الزواج بسبب عدم المدخليّة في أصل العقد , فالعاقدان محددان والمهر معلوم وليس هناك أي موجب للغرر عند سريان العقد ونفوذه .

الشرط السابع :- عدم أستلزامه المحال :- ربما يكون الشرط محالا ً بالذات كالجمع بين الضدين و وربما يكون ممكنا ً بالذات , ويكون وجوده رهن أسبابٍ خاصة كالنكاح والطلاق ,فأنها من الأمور الأعتبارية الممكنة المتحققة بأسبابها الخاصة .

أما الأول فهو خارج عن محط البحث ؛ لأنه خارج عن قدرة المكلف أولاً ومقاصد العقلاء    ثانيا ً .

وإما الثاني فهو محط البحث , كما إذا باع أو أجّر وشرط أن تكون بنته زوجة ً له بهذا الشرط أو زوجته مطلقة بهذا الشرط من دون حاجة إلى عقد جديد , وهذا ما يقال من استلزامه المحال لان النكاح والطلاق لا يتحققان في عالم الاعتبار ألا بصيغة خاصة فشرط تحققهما بنفس الشرط دون تحقق أسبابه يرجع إلى شرط ما يستلزم المحال , لاستلزامه تحقق المعلول بدون علته  .

وشرطنا (مورد البحث) لايستلزم المحال مطلقاً ؛ لأن عقد الزواج لايتحقق في عالم الأعتبار ألا بصيغته الخاصة المعروفة بالأيجاب والقبول,وهي صيغة غير مرتبطة تماماً بموضوعة التقليد.   

الشرط الثامن :- الإلتزام بالشرط في متن العقد : المشهور انه يشترط في لزوم الوفاء بالشرط أن يلتزم في متن العقد  ,فلو توطأ عليه قبله لم يكف ذلك في إلتزام المشروط .

وقد أدعى الشيخ الأعظم ()عدم العلم بالخلاف عدا ما يتوّهم من ظاهر(الخلاف) للشيخ و(المختلف) للعلامة . وأستدل عليه بالإجماع والروايات.ثم أن المشهور عدم الأعتداد بالشرط غير المذكور في العقد وهو رأي الشيخ الأنصاري أيضاً, وكان العلامة السيد محمد الكوهكمري من المُصرّين على لزوم ذكر الشرط في العقد,غير أن لفيفاً من المحققين أنكروا ذلك الأصل منهم المولى النراقي في عوائده,والسيد الطباطبائي في تعليقته على الخيارات,والشهيدي في حاشيته . 

ومن هنا يرى الباحث أن هذا الشرط على إفتراضه صحيحا ً وعقلائيا ً يكون ملزما ًعند أشتراطه في متن العقد .


الشرط التاسع :-  تنجيز الشرط : والمراد به هو ذكر الشرط في العقد على وجه التنجيز , بأن يقول : بعتك هذا بدرهم على أن تخيط لي قميصا ً,فخرج ما اذا كان الشرط مقيدا ًبقيد كأن يقول: ((بعتك هذا بدرهم على أن تخيط لي قميصاً إن جاء زيد)) فالخياطة شرط ,وهو مقيد بمجيء زيد .

والدليل على ذلك هو أنهم اتفقوا في باب شرائط العقود على لزوم كون العقد منجّزا ً لا معلقا ً , وأستدلوا عليه بوجوه , منها الإجماع المحصل في كلمات الأصحاب قديما ً وحديثا ً بحيث لا يعرف منهم مخالف في هذا الباب , ومنها أن التعليق في العقد مناف لوضع العقود والإيقاعات المتعارفة بين الناس .

أما في شرطنا (مورد البحث) فان قال ولي المرأة للرجل (( أزوّجك أبنتي على أن تقلّد المجتهد الفلاني)) فان الشرط هنا منجز وليس معلّق كما هو ظاهر لنا , ومن هنا نستنتج أن الشرط التاسع منطبق عليه .

تعقيب واستنتاج :-

بعد عرضنا الموجز لشروط صحة الشرط نجد أنها تتوافق تماما ً مع المسألة المطروحة (مورد البحث) باستثناء الشرط الثالث كونه عقلائيا ًفهذا الشرط لا ينطبق مع هذه المسألة من جهة أن مسألة التقليد مسألة نفسيه خاصة بالمكلف , فنحن لا نستطيع أن نجبر مكلفا ًعلى تغييّر تقليده , خصوصا ً إذا عرفنا أن من أهم شروط المجتهد الواجب تقليده هو (الأعلمية) , ومعيار الأعلمية قد يختلف من مكلف لآخر , وكذلك شقّ من الشرط الرابع وهو مخالفته للسنة , وكذلك الشرط الخامس أي مخالفته لمقتضى العقد كما بيّنا سابقا ً , هذا من جهة ومن جهة أخرى فان المشهور بين الأصحاب عدم صحة أشتراط الخيار في عقد النكاح , ومنها خيار الشرط , وذلك لتوقف أرتفاعه على الطلاق , وكذلك ما أفاده صاحب الجواهر , من أن فيه شائبة العبادة التي لاتقبل الخيار, وقوله بأن أشتراط الخيار فيه يفضي إلى إبتذال المرأة وهو ضرر لها , ومن خلال ذلك يستلزم أن أشتراط تغييّر التقليد هو شرط غير صحيح بالمرّة وأن ذلك يستلزم المحذور الكبير وهو إشاعة عدم الألفة والتلاحم بين الأمة الواحدة , بمعنى أن الشرط فاسد والعقد صحيح . والله العالم .


المبحث الرابع

التقليد وبعض الظواهر الأجتماعية المعاصره 

توطئة 

تقليد المجتهد ومحاكاته

إختلاف التقليد وأثره كشرط في صحة عقد الزواج

حقيقة الشرط

شروط صحة الشرط

     تعقيب واستنتاج 






توطئة :- 

        تعدّ الثقافة الاجتماعية للأمة كالشخصية للفرد , فكما أن لكل فرد له شخصيته الخاصة به , إذ هو يتميز بها عن أي فرد آخر, كذلك تكون كل امة من الأمم , إذ هي اختصت بثقافة اجتماعية معينة لا تماثلها أي ثقافة أخرى في أية أمّة .

ويمكن تعريف الثقافة الاجتماعية بأنها مجموعة التقاليد والقواعد والأفكار الموجودة في أية أمة من الأمم , وهي تشمل مختلف شؤون الحياة فيها , كالشؤون الدينية والأخلاقية والقانونية والفنية والصناعية واللغوية وغيرها  .

والمجتمع المسلم يمتاز بثقافة واضحة , ألا وهي ثقافة ربط الإنسان مع الله سبحانه وتعالى والواقع , فالإسلام أطروحة عقائدية تشريعية , وموضوعة التقليد فيه هي إحدى آليات هذا الربط , ومن خلال ممارستها ظهرت في الآونة الأخيرة بعض الظواهر المرتبطة بها .

وقد اهتم الإسلام كثيراً بعلاقة المسلم مع مجتمعه , فحدّد في تعاليمه ومناهجه الإلهية الصيغ المطلوبة لهذه العلاقة التي تهدف إلى تعزيز الرابطة الاجتماعية بين المسلمين وصناعة المجتمع الإسلامي المتماسك في علاقاته وأسسه وعناصره .

وقد رسم الإسلام خطا ًتصاعديا ً في هذا الخصوص , يبدأ من الإنسان ثم ينتهي بالمجتمع , وخلال هذا الشوط الطويل يتحمّل الإنسان المسلم المسؤولية الكبرى في توفير مستلزمات الحياة الاجتماعية المطلوبة , فالفرد لاينفصل في تصرفاته وسلوكه عن المحيط الذي يعيش فيه , فهو وحدته الأساسية , وقد تتحول هذه الوحدة إلى عنصر بناء أو ربما تصبح عامل هدم , وفي كلتا الحالتين يرتبط السلوك الفردي بالحصيلة الاجتماعية للمحيط الذي يعيش فيه .

ولقد حرص الإسلام على موقع الإنسان في المجتمع لذلك أكد على الترابط الميداني بينه وبين مجتمعه , فعن الرسول () (( من فارق جماعة المسلمين  ,فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه , قيل : يا رسول الله , ما جماعة المسلمين ؟ قال : جماعة أهل الحق وان قلّوا)) وعن الإمام الصادق (C) , أنه قال : (( من خلع جماعة المسلمين قدر شبر خلع ربقة الأيمان من عنقه)),أن هذا التأكيد على ملازمة الجماعة أنما من اجل حفظ المجتمع الإسلامي كخطوة أولى وعدم أفساح المجال أمام محاولات التفتيت والإضعاف كخطوة ثانية  .

واستنادا ً إلى ما تقدم فقد اهتم الإسلام اهتماما ً كبيرا ً بالعائلة باعتبارها وحدة اجتماعية صغيرة تبدأ من عقد الزواج بين امرأة ورجل , وتتسع دائرتها بأنضياف ولدٍ أو ولدين إليهما او اكثر , وهذا الزواج ينشأ من حاجة طبيعية وجاذبية جنسية , لذا إهتم الإسلام إهتماما ً كبيرا ً بالزواج وتأسيس العائلة وأعتبر ذلك أمرا ًمقدسا ًوضروريا ً , فيصفه في الأحاديث بأن أفضل بناء يبنى وأحسن صرح يشيد , فعن ابي جعفر (C) قال : (( قال رسول الله () : ما بني بناء في الإسلام أحبّ إلى الله عز وجل من التزويج )) .

وفي هذا المبحث سنشير إلى تفسير وتحليل بعض الظواهر الاجتماعية التي ظهرت في الآونة الأخيرة وبالأخص في المجتمع العراقي ومنها ظاهرة تقليد المجتهد في طريقة كلامه وملبسه وحركاته , وأيضاً ظاهرة اشتراط موضوعة التقليد في أجراء عقد الزواج , فان البعض لا يزوجون من يخالفهم في التقليد , هذه الأمور ستكون محور نقاشنا في هذا البحث .

 (1) تقليد المجتهد ومحاكاته :

ظهرت في الآونة الأخيرة أمور مرتبطة بشكل مباشر بمسألة التقليد ومنها تقليد المجتهد في طريقة كلامه وأفكاره وملبسه بل وحتى طريقة المشي , وهذه الظاهرة ظهرت بشكل واضح في أوساط المجتمع العراقي الحديث , ويرى الباحث أن هذه الظاهرة يمكن إدراجها ضمن عملية المحاكاة المعروفة في بحوث علم النفس التربوي .

ويقصد بالمحاكاة بأنها ((عمل ٌ ينزع إلى تكرار تصرف فردٍ أخر مأخوذ بوصفه نمطاً)) .

ويعدّ المتخصصون في أبحاث علم النفس طريقة المحاكاة أو التقليد من الطرق الهامة لإتمام عملية التعليم , فالطفل يتعلم لغة والديه بالمحاكاة ويقلد حركاتهما وكلامهما وإشاراتهما , وكثيراً من أنواع السلوك الأخرى كالنظرات والوقوف والابتسامة والتحية ويقلدهما في الصلاة والوضوء والأذان وان كان التقليد غير تامٍ , فانه يساعد على صقل شخصيته الأجتماعية بينهما فترتسم عنده معالم القيم والخلق والعادات والتقاليد المجتمعة بصفة عامة , وفي مثال أخر , فالعامل يتعلم المهارات الحرفية عن طريق محاكاة معلّمه أو مدرّبه , والمؤمنون كانوا يحاكون الرسول () فيتعلمون منه الخلق الحسن والقيام بالعبادات وسائر المناسك الأخرى , والصحابة كانوا يتعلمون من الأئمة الحكمة والفقه وتصريف أمور المسلمين في الدين والدنيا .

فعن جابر بن عبدالله الأنصاري قال : رأيت النبي () يرمي على راحلته يوم النحر ويقول : ((لتأخذوا مناسككم فأني لا أدري لعلّي أن لا أحجّ بعد حجتي هذه)) .

وهذا امير المؤمنين علي (C) يقول لأصحابه ((سلوني قبل أن تفقدوني فوالله ما في القران آية ألاّ وأنا اعلم فيمن نزلت وأين نزلت في سهل أو في جبل وان ربي وهب لي قلبا ًعقولا ًولسانا ً   ناطقا ً)). 

ونقل عن الخليفة الثاني (رض) قوله ( ما من معضلة إلا ولها أبا الحسن) مشيرا ً إلى عقلية الإمام علي () في حل المعضلات التي تواجه المسلمين كافة  .

ولقد دعا الأنبياء والأئمة () الناس إلى طريق الاستقامة ومحاكاتهم بعملهم قبل أن يدعوهم بألسنتهم , فقال أمير المؤمنين علي (C) (( أني والله ما أحثّكم على طاعةٍ ألا وأسبقكم إليها , ولا أنهاكم عن معصية ألا وأتناهى قبلكم عنها )) وقال علي بن حمزة عن أبيه : ((رأيت أبا الحسن الإمام علي الهادي (C) يعمل في ارض وقد إستنقعت قدماه في العرق , فقلت : جعلت فداك أين الرجال ؟ فقال (C) يا علي قد عمل باليد من هو خير مني ومن أبي في أرضه , فقلت له : ومن هو ؟ فقال : رسول الله () وأمير المؤمنين (C) وآبائي كلهم كانوا قد عملوا , وهو من عمل النبيين والمرسلين والأوصياء والصالحين )) .

ويميل كثير من علماء النفس – وخصوصا ً الفرنسيين منهم – إلى عدّ التقليد غريزة من الغرائز , ألا أن الباحث يعتبر التقليد استعدادا ً فطريا ً عاما ً , ومع هذا ففي التقليد مجال للتعبير عن الدوافع الفطرية المختلفة , وأول هذه الدوافع هو الدافع الفطري للأجتماع .

فنحن نتبع سلوكا ً يشبه سلوك مجموعة من الناس ,حتى إذا اجتمعنا بهم شعرنا معهم بشعور الاطمئنان , وقضينا على شعور الخوف الناشيء من الوحدة .

ونجد أحيانا ً في المواقف الداعية للتقليد مجالاً واسعاً لغريزتي السيطرة والخضوع فالشخص الذي يقوم بتقليد شخص أخر يرى فيه تفوقا ً ويشعر بشيء من النقص إزاء ناحية التفوق , لهذا ينزع إلى كسب هذه الناحية حتى يصبح متفوقاً, وعليه فالتقليد والاجترار من الداني الى العالي من ناحية اللبس والشكل والحركات وأسلوب التعبير شيء ممدوح ؛ لأنها تنشط الدافعية عند المتلقي في أن يقلد حتى في الأمور المعرفية , فالعملية ليست لها آية إشكالات اجتماعية .

إذن للمحاكاة عنصران هما : الرغبة أو الدافع , والقدرة أو الاستعداد , وهناك عنصر ثالث يلتقي غالبا ًمع هذين العنصرين وهو عنصر الغرض النهائي من التقليد فقد يكون التقليد بدافع تحقيق غاية خارجة عن موضوع التقليد نفسه فعندما تقلد احد الصالحين في طريقه كلامه وملبسه وشكله فإننا نقصد بذلك أن نحصل الغرض النهائي من هذا التقليد وهو رضا الله سبحانه وتعالى عنا وهنا نلاحظ أن الغاية النهائية من التقليد لا تقع في الشخص المؤثر ولا في سلوكه وإنما تقع في نتيجة هذا كلهِ .

(( وقد يكون الدافع للمحاكاة والتقليد هو الإعجاب بالشخص نفسه , فيحدث أحياناً أن يصل الاعجاب والحب والتقدير الى درجة تجعل المتأثَّر يتقمص شخصية المؤثِّر فيقلّده في كل شيء)). 

وإما من الناحية الشرعية , فان الباحث يرى أن محاكاة المقلد ليس فيها أي زجر شرعي , فأن أطلاقات الأدلة الخاصة بالتقليد لا تشير إلى هذه الظاهرة المستحدثة , فالمقصود من التقليد هو الأحكام الشرعية الفرعية فقط , وإذا عرفنا ذلك فان هذه الظاهرة ليس فيها أي محذور شرعي إذا كان المقصود منها الوصول إلى الكمال النفسي والروحي لدى المكلفين , بل بالعكس فقد دعا الإسلام إلى الاقتداء بالأولياء الصالحين ,وحديث الثقلين هو خير دليل على ما نقول .


(2) الاختلاف في التقليد وأثره كشرط في صحة عقد الزواج :

ندب الإسلام إلى الزواج بكونه ركنا ًحياتيا ًفجعله مستحبا أكيداً , قد يسمو إلى مستوى الوجوب – وقد حث الخالق تعالى عليه في آيات عديدة من القران الكريم , وتحدث عن حكمه وبعض أحكامه , كما وحثّ عليه النبي () والأئمة المعصومون () في روايات كثيرة.

وقد أشار القران الكريم إلى أن الزواج يعد من السنن الإلهية للحياة , وان من المفترض بالإنسان أن يجاري هذه السنّة ,فهي أستجابة لمتطلبات الفطرة التي جُبل عليها , فقال تعالى في بيان سنة سيادة الزوجية والأثنينيّة على كل شيء ((وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)) , وقال أيضا ً في انسحاب هذا الحكم على الإنسان باعتباره جزءا ًمن الخليقة ((وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً)) . 

والرجل عنصر مهم في الحياة الزوجية تترتب عليه اغلب الآثار التربوية , والمعنوية , فإذا لم يقع الاختيار على الزوج الصالح الذي يتمتع بقابليات عالية جديدة بان ترشحه لأهلية الرئاسة للبيت الزوجي , فحتما ً ستكون الحياة الزوجية  معرضة للاضطراب , والانحلال , والضابطة الرئيسية لاختيار الرجل هي الخلق والدين ففي حديث لجابر بن عبد الله عن النبي () انه قال(( ألا أخبركم بخيار رجالكم ؟ قلنا : بلى يا رسول الله قال : أن خير رجالكم التقي النقي السمح الكفين السليم الطرفين البر بوالديه ولا يلجأ عياله إلى غيره )) .

وفي حديث آخر يقول احد الرواة : (( كتبت إلى أبي جعفر (C) في التزويج فأتاني كتابه بخطه قال : قال رسول الله () : أذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوّجوه)) فالدين هو العنصر المقوّم لاستقرار الحياة والعيش في جو يسوده الاحترام من جميع الجهات , إن الدافع الديني هو الذي يضع الزوج أمام الأمر الواقع فلا يتهرب من تلك المسؤولية , وُيلجئ عياله إلى غيره كما ينص عليه الخبر المتقدم . 

وقد شاعت في الآونة الأخيرة ظاهرة في المجتمع العراقي , وهي اشتراط ولي المرأة على الخاطب أن يكون في تقليده على نفس المجتهد الذي يقلده ولي المرأة , وفي هذا المقام سنبحث هذا الشرط في العقد ونرى ما هو تأثيره عليه .

(3) حقيقة الشرط :

ذكر العلماء في بيان معنى الشرط عرفا ً ولغة ً أمورا ً هي :-

الإلزام والإلتزام أما في البيع ونحوه كما ذكر ذلك صاحب القاموس , أو مطلقا ًمن انه جعل إلزامي أي الجعل المستلزم للإلزام والعهدة والعلاقة ومطلق الربط والتعليق كما ذكر ذلك السيد اليزدي في حاشيته على المكاسب وذهب الشيخ الأنصاري (قدس) إلى أن له معنييّن عرفييّن :

احدهما : الإلزام والإلتزام .

وثانيهما : ما يلزم من عدمه العدم , وان له معنييّن اصطلاحييّن :

احدهما : ما يستعمل في ألسنة النحاة وهي الجملة الواقعة تلو أداة الشرط , وثانيهما : ما يستعمل في ألسنة أهل المعقول . 

وروى السيد الروحاني أن له معنى واحدا ً لا غير وهو: الربط والتعليق , وأستعماله في جميع الموارد انما يكون في ذلك المعنى .

ويضيف قائلا ً (( أن أطلاقه في جميع الموارد من ذلك الباب وهو : تقييد أمرٍ بآخر , غاية الأمر أن هذا التقيد  والربط قد يكون تكوينيّاً كربط أحراق النار بالمحاذاة وقد يكون مجعولا ًبجعل تشريعي كجعل الطهارة شرطا ً للصلاة , وقد يكون مجعولا ًبجعل المتعاملين وليس له معنى أخر )) .

وينقسم الشرط في باب المعاملات على أقسام :

شرط الفعل :  وهو ما يتعلق بفعل من أفعال المكلفين , كما إذا باع وشرط على المشتري أن يخيط له قميصا ً أو يعلّمه القران مثلا ً .

شرط الوصف : وهو ما يتعلق بوصف من صفات المبيع الشخصي , مثل كون السجادة مصبوغة بصبغ خاص مثلا , وكون الفرس أصيلاً, والى غير ذلك من الأوصاف المطلوبة في المبيع .

شرط النتيجة:وهو ما يتعلق الغرض بما هو من قبيل الغاية للفعل كما إذا باع داره بثمن وشرط أن تكون ثمرة الشجرة التي فيها ملكا ًله , فالشرط في هذا القسم عبارة عن الغاية الحاصلة من الفعل  .

ومن خلال ما تقدم نستنتج أن الشرط مورد بحثنا هنا يندرج تحت القسم الأول , فالتقليد هو فعل خاص من أفعال المكلفين وله أهمية من حيث الخروج عن عهدة التكاليف الموضوعة من قبل الشارع المقدس . وقد أشار العلماء إلى أدلة إثباته وهي : الإجماع والنصوص العامة الواردة في الشروط والنصوص الخاصة والسيرة العقلائية,وخوفا ًمن الإطالة أثرنا لمن يريد الاطلاع عليها في المصادر ذات الصلة  .

(4) شروط صحة الشرط :

 عرفنا أن الشرط قد يطلق ويراد به الشرط الأصولي وهو تعليق المنشئ على شيء , وقد يطلق ويراد به الشرط الفقهي – ونعني به : جعل الشيء على ذمة احد المتعاقدين , فأن وفّى بالشرط لزم العقد , وإن تخلّف يثبت للمشروط له الخيار .

وبما أن الشرط بهذا المعنى ينقسم إلى صحيح وفاسد , عنون الفقهاء بابا ً بأسم شروط صحة الشرط . وممن توسع في هذا البحث الشيخ الأنصاري () بعد فراغه من بيان أقسام الخيار , وقد ناهز عدد الشروط عنده التسعة , سنحاول هنا عرضها وتطبيقها على شرط التقليد في عقد الزواج لنرى مدى صحته .

الشرط الأول :- أن يكون مقدورا ًعليه : أي يشترط في صحة الشرط قدرة المشروط عليه على إنجازه بأن يكون داخلا ً تحت قدرته , قال المحقق الحلّي((لا يجوز أشتراط ما لا يدخل في مقدوره , كبيع الزرع على أن يجعله سنبلاً , والرطب على أن يجعله تمراً)) .

وذكر صاحب الحدائق بأن الشرط يبطل بأشتراط غير المقدور المشروط عليه كأشتراط حمل الدابه فيما بعد  .

ويحتمل لهذا الشرط ثلاثة أمور :-

ما هو ممتنع عقلا ً أو عادة ً

شرط فعل الغير إذا كان مستلزما ً للغرر

شرط فعل الغير , إذا كان هناك اطمئنان بتحصيله , وهو أمر عقلائي .

ولذا يرى السيد محمد تقي الخوئي أنه لأوجه لاعتبار القدرة على الشرط شرطا ً في نفوذه وصحته , فأنها لا تخلو عن كونها أما شرطا ً في تحقق الإرادة الجديّة في الاشتراط , أو كونها معتبرة بملاك نفي الغرر , أو كونها غير معتبرة وعلى جميع التقادير فهي ليست شرطا ً مستقلاً  في نفوذ الشرط وصحته  .

ويرى الباحث انه على فرض التسليم بنفوذه , فان المسألة (مورد البحث) يكون مقدورا ًعليها بناءا ً على الأحتمال الثالث .

الشرط الثاني :- كون الشرط سائغا ً في نفسه : - أي لا يجوز أشتراط جعل العنب خمرا ً أو نحوه لعدم نفوذ الالتزام بالمحرمات .

ويلحظ عليه أنه يتداخل مع الشرط الرابع والمهم وهو( ما لا يكون مخالفا ً للكتاب والسنة ) والذي سنتطرق إليه لاحقاً,والحق الاستغناء عن هذا الشرط كالأول؛لان مورد الشرط الرابع أعمّ وأشمل 

وعلى فرض التسليم به , يرى الباحث أن أشتراط التقليد في عقد الزواج سائغ في نفسه إذ ليس فيه ألتزام بالمحرمات بالمرة , بل العكس فان فيه تطبيقاً لأحكام الشريعة .

الشرط الثالث :- كون الشرط عقلائيا ً: أي بمعنى أن يتعلق به الغرض ولا يعدُّ لغواً , فلا يصح أشتراط  ما يخلو عن الفائدة بالمرّة .

وبعد أن عرض السيد محمد تقي الخوئي أقوال الشيخ الأنصاري () والإيرادات عليها من المحقق الإيرواني والمحقق الأصفهاني يصل إلى نتيجة مهمة وهي:((أن هذا الشرط ذا فائدة معتدّ بها عند العقلاء , فلا يصح أشتراط عديم الفائدة بالمرة , أو ما تكون فائدته من القلة والهوان إلى حد لا ينظر أليها العقلاء ولا يعتبرونه حقاً للمشروط)) .

واما (الشرط) مورد البحث فيرى الباحث بأنه عقلائي من جهة أنه قد يفضي إلى مشاكل كبيرة بين الزوجين بسبب أختلاف التقليد , ولكن إذا عرفنا بأنه لامدخليَّة منه في أتمام العقد فيكون غير عقلائي , لان المعيار في أختيار الزوج الكفوء هو الخلق والدين  وليس للتقليد أي       دور فيها .

الشرط الرابع : أن لا يكون مخالفا ً للكتاب والسنّة : وهذا الشرط على نحو الموجبة الجزئية – حكم إجماعي إتفاقي , لا يختلف فيه اثنان إطلاقاً . 

وقد استدل العلماء عليه بروايات كثيرة وهي على أصناف لا مجال لذكرها لكننا سنذكر واحدة منها فقط وهي رواية إسحاق بن عمار ، عن جعفر عن أبيه () ((أن علي ابن أبي طالب كان يقول : من شرط لامرأته شرطا ً فليفِ لها به , فان المسلمين عند شروطهم , إلاّ شرطا ًحرّمَ حلالا ً أو أحلّ حراما ً)) .

وأما المراد من عدم جواز اشتراط مخالف الكتاب والسنة ,هو المنع عن اشتراط ماينهى المصدران , سواءٌ أكان في مجال الأحكام الوضعية أم التكليفية ,وأمثلة ما يخالف الحكم الوضعي كثير منها :

الولاء للمعتق فجعله لغيره مخالف له .

الطلاق والجماع بيد الزوج فجعلهما بيد الزوجة يخالفه .

التركة كلها للوارث , وتسهيم الأجنبي وتوريثه يخالفه .

الزوج والزوجة يتوارثان على ضابطة خاصة , وأشتراط ضابطة أخرى في عقد النكاح يخالفها. 

وأمثلة ما يخالف الحكم التكليفي كثيرة منها :

إذا باع الخل وأشترط عليه أن يجعله خمرا ً .

إذا أجّر عاملاً وأشترط عليه ترك الصوم ليقوم بالعمل .

إذا نكح امرأة وأشترط عليها أن لا تمنع من وطئها في المحيض,إلى غير ذلك من الأمثلة .

فكل شرط خالف بمفهومه العرفي ,الحكم التكليفي المجعول في الشرع , لا يجوز اشتراطه            في العقد .

       ويرى الباحث أن أحكامه عز وجل لها كرامتها الخاصة لا يصح التلاعب بها , ولا المسّ بها تحت أي عنوان ,والمعيار في تمييز الموافق عن المخالف هو أن كل ملتزمٍ يعد مخالفا ًلنفس التشريع بالدلالة المطابقية فهو شرط مخالف في كلا المجالين : الوضعية والتكليفية , وكل شرط لا يكون بالدلالة المطابقية مخالفا ً لما شرعه الشارع فلا يعدّ مخالفاً, فلو شرط في العقد , ترك الواجب أو فعل الحرام يعد شرطه مخالفا ً للكتاب والسنّة بالدلالة المطابقية , وأما لو شرط الأخذ بأحد طرفي المستحب أو المكروه أو المباح فلا يعد شرطه مخالفا ً لهما مطلقاً, لابالمطابقية ولابالألتزامية .

واما الشرط الوارد (مورد البحث ) فأنه لايعد مخالفا ًللكتاب ؛ لأن شرط تقليد مجتهد أخر ليس نفياً لأصل التقليد وإنما يعد تغييرا ً في نطاقه وليس فيه أي معصيةٍ تذكر, وإنما قد يتحرّز منه لغرض عقلائي لأجل توطيد العلاقة بين الزوج وزوجته من خلال الوجهة الواحدة في موضوعة التقليد ولكنه شرط مخالف للسنّة ؛ لأن لزوم النكاح حكمي لا حقّي ولا أقل من الشك في ذلك , فلا يجوز التمسك بالعام . والله العالم . 


الشرط الخامس : عدم كونه مخالفا ً لمقتضى العقد : ومما تسالم عليه الفقهاء في لزوم الشرط ونفوذه أعتبار أن لا يكون منافياً لمقتضى العقد  .

وينقسم الشرط المخالف لمقتضى العقد على أقسامٍ أربعة هي :-

أن يكون مخالفا ًلماهيّة العقد, أي أن لكل عقد ماهية أعتبارية بها تتحقق وبأنتفائها تفوت الماهية , فالمضاربة بلا مشاركة في الربح والبيع بلا عوض والمزارعة بلا مشاركة في النماء تنفي ماهية هذه العقود .

ب- أن يكون مخالفا ً لمنشئه ,بمعنى أن يلزم الإلتزام بشيئيّن متضادين كما إذا شرط أن يكون المّثمن وقفاً لمسجد أو ملكا ًلأبنه , فقد شرط ما ينافي المنشئ .

ج- أن يكون مخالفا ً لأثره العرفي ,إذ ربما يكون للعقد اثر عرفي لا ينفك عنه عند العرف , بحيث يساوي سلبه سلب المعاملة عرفا ً, فيكون نظير أشتراط ما يخالف منشئه , ومثال ذلك إذا قال : بعت هذا بشرط عدم تسليم المبيع للبائع , ولمّا كانت الغاية من البيع هي السيطرة على المبيع , فأشتراط عدمها في نظر العرف مساوق لعدم مالكيته .

د- ما يكون مخالفا ً لإطلاق العقد , أي أن هناك أثارا وأحكاما ً يقتضيها أطلاق العقد بحيث لو لم يقيّد بوصف أو وقت أو مكان  يترتب عليه الأثر , ومثال ذلك ما إذا باع المكيل أو الموزون فمقتضى أطلاق العقد هو الكيل والوزن المعتاد في البلد .

والدليل على بطلان الشرط المنافي لمقتضى العقد هو : 

 أولاً: وقوع التنافي في العقد المقيّد بهذا الشرط , بين مقتضاه الذي لا يتخلف عنه , وبين الشرط الملازم لعدم تحققّه فيدور الأمر بين أمور هي (الوفاء بالمشروط والشرط معا ًوهو مستحيل عادة ً, أو الوفاء بالشرط من دون المشروط وهو مستحيل أيضاً, أو الوفاء بالمتبوع من دون التابع , أو الحكم بتساقطهما , وعلى كل تقدير يسقط العمل بالشرط .

ثانيا ً: أن الشرط المنافي لمقتضى العقد , هو المخالف للكتاب والسنة الدالين على عدم تخلف العقد عن مقتضاه فأشتراط تخلفه عنه مخالف للكتاب لقوله تعالى ((أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ)) .

ويرى الباحث أن المسألة المطروحة (مورد البحث) تخالف مقتضى العقد من جهاته الأربعة , فهي تخالف ماهيّته ومنشأه وأثره العرفي وإطلاقه ,فأشتراط تقليد مجتهد معين يتناقض أساساً مع عقد الزواج القائم على الإيجاب والقبول من الطرفين ؛ لان الشرط هنا مناف للدوام المعتبر في النكاح الدائم , إذن هو شرط مخالف لمقتضى العقد , فلو شرط هذا الشرط يكون الشرط فاسد والعقد صحيح بين الطرفين .

الشرط السادس :-  أن لا يكون مجهولا ًجهالة ً توجب الغرر , ومن شرائط صحة العقد , عدم الجهالة , قال الشهيد في اللمعة ((ويصح اشتراط سائغ في العقد إذا لم يؤدّ إلى جهالة في احد العوضين)) . 

ومثال ذلك :- إذا باع وشرط على المشتري أن يخيط له ثوبا ً ما , أو يبني جدارا ً ما , فأن الجهالة في الموردين تسري إلى الجهالة في الثمن ؛ لان هناك ثوبا ً يخاط بدينار وثوبا ً يخاط بمائة دينار , فإذا أشترط عليه الخياطة المجهولة يكون الثمن مجهولا أيضاً  .

ويرى الباحث أن الشرط المفروض ( مورد البحث ) لا يوجب جهالة ً توجب الغرر لان شرط تقليد مجتهد معين لا توجب الغرر في عقد الزواج بسبب عدم المدخليّة في أصل العقد , فالعاقدان محددان والمهر معلوم وليس هناك أي موجب للغرر عند سريان العقد ونفوذه .

الشرط السابع :- عدم أستلزامه المحال :- ربما يكون الشرط محالا ً بالذات كالجمع بين الضدين و وربما يكون ممكنا ً بالذات , ويكون وجوده رهن أسبابٍ خاصة كالنكاح والطلاق ,فأنها من الأمور الأعتبارية الممكنة المتحققة بأسبابها الخاصة .

أما الأول فهو خارج عن محط البحث؛لأنه خارج عن قدرة المكلف أولاً ومقاصد العقلاء ثانياً.

وإما الثاني فهو محط البحث , كما إذا باع أو أجّر وشرط أن تكون بنته زوجة ً له بهذا الشرط أو زوجته مطلقة بهذا الشرط من دون حاجة إلى عقد جديد , وهذا ما يقال من استلزامه المحال لان النكاح والطلاق لا يتحققان في عالم الاعتبار ألا بصيغة خاصة فشرط تحققهما بنفس الشرط دون تحقق أسبابه يرجع إلى شرط ما يستلزم المحال , لاستلزامه تحقق المعلول بدون علته  .

وشرطنا (مورد البحث) لايستلزم المحال مطلقاً ؛ لأن عقد الزواج لايتحقق في عالم الأعتبار ألا بصيغته الخاصة المعروفة بالأيجاب والقبول,وهي صيغة غير مرتبطة تماماً بموضوعة التقليد.   

الشرط الثامن :- الإلتزام بالشرط في متن العقد : المشهور انه يشترط في لزوم الوفاء بالشرط أن يلتزم في متن العقد  ,فلو توطأ عليه قبله لم يكف ذلك في إلتزام المشروط .

وقد أدعى الشيخ الأعظم ()عدم العلم بالخلاف عدا ما يتوّهم من ظاهر(الخلاف) للشيخ و(المختلف) للعلامة . وأستدل عليه بالإجماع والروايات.ثم أن المشهور عدم الأعتداد بالشرط غير المذكور في العقد وهو رأي الشيخ الأنصاري أيضاً, وكان العلامة السيد محمد الكوهكمري من المُصرّين على لزوم ذكر الشرط في العقد,غير أن لفيفاً من المحققين أنكروا ذلك الأصل منهم المولى النراقي في عوائده,والسيد الطباطبائي في تعليقته على الخيارات,والشهيدي في حاشيته . 

ومن هنا يرى الباحث أن هذا الشرط على إفتراضه صحيحا ً وعقلائيا ً يكون ملزما ًعند أشتراطه في متن العقد .

الشرط التاسع :-  تنجيز الشرط : والمراد به هو ذكر الشرط في العقد على وجه التنجيز , بأن يقول : بعتك هذا بدرهم على أن تخيط لي قميصا ً,فخرج ما اذا كان الشرط مقيدا ًبقيد كأن يقول: ((بعتك هذا بدرهم على أن تخيط لي قميصاً إن جاء زيد)) فالخياطة شرط ,وهو مقيد بمجيء زيد .

والدليل على ذلك هو أنهم اتفقوا في باب شرائط العقود على لزوم كون العقد منجّزا ً لا معلقا ً , وأستدلوا عليه بوجوه , منها الإجماع المحصل في كلمات الأصحاب قديما ً وحديثا ً بحيث لا يعرف منهم مخالف في هذا الباب , ومنها أن التعليق في العقد مناف لوضع العقود والإيقاعات المتعارفة بين الناس .

أما في شرطنا (مورد البحث) فان قال ولي المرأة للرجل (( أزوّجك أبنتي على أن تقلّد المجتهد الفلاني)) فان الشرط هنا منجز وليس معلّق كما هو ظاهر لنا , ومن هنا نستنتج أن الشرط التاسع منطبق عليه .

تعقيب واستنتاج :-

بعد عرضنا الموجز لشروط صحة الشرط نجد أنها تتوافق تماما ً مع المسألة المطروحة (مورد البحث) باستثناء الشرط الثالث كونه عقلائيا ًفهذا الشرط لا ينطبق مع هذه المسألة من جهة أن مسألة التقليد مسألة نفسيه خاصة بالمكلف , فنحن لا نستطيع أن نجبر مكلفا ًعلى تغييّر تقليده , خصوصا ً إذا عرفنا أن من أهم شروط المجتهد الواجب تقليده هو (الأعلمية) , ومعيار الأعلمية قد يختلف من مكلف لآخر , وكذلك شقّ من الشرط الرابع وهو مخالفته للسنة , وكذلك الشرط الخامس أي مخالفته لمقتضى العقد كما بيّنا سابقا ً , هذا من جهة ومن جهة أخرى فان المشهور بين الأصحاب عدم صحة أشتراط الخيار في عقد النكاح , ومنها خيار الشرط , وذلك لتوقف أرتفاعه على الطلاق , وكذلك ما أفاده صاحب الجواهر , من أن فيه شائبة العبادة التي لاتقبل الخيار, وقوله بأن أشتراط الخيار فيه يفضي إلى إبتذال المرأة وهو ضرر لها , ومن خلال ذلك يستلزم أن أشتراط تغييّر التقليد هو شرط غير صحيح بالمرّة وأن ذلك يستلزم المحذور الكبير وهو إشاعة عدم الألفة والتلاحم بين الأمة الواحدة , بمعنى أن الشرط فاسد والعقد صحيح . والله العالم .


الخاتمة والنتائج


بعد هذه الرحلة الشاقّة والمثمرة في رحاب هذه الظاهرة المهمّة من الدرس والبحث والتحليل , إستطاع البحث في حدود محاولاته واستيعابه أن يستخلص عدة نتائج هي الأهم من بين أمور كثيرة , ويجملها بالآتي : 

 يعدُ التقليد نظرية مهمة ؛ لأنها ضابطة أصولية عامة تربط بين مجموعة من الظواهر أو المعاني هي في الحقيقة أركان التقليد وهي (المقلِّد – المقلَّد – الفتوى) , وتكمن أهميتها في أنه ما من مسألة فقهية معنية إلاّ ويكون فيها المكلف إما مجتهداً أو مقلداً أو محتاطاً , ولو لم يكن التقليد نظرية لما توسع فيه العلماء أستدلالاً وأسلوباً ومنهجاً , كما أنه يحدد الملامح العامة لنظرية التكليف في الفقه الإسلامي . 

 تختلف نظرية التكليف في الفقه الإسلامي عنها في القانون الوضعي بعدة أمور أهمها: إن الإسلام يقدم أطروحة عقائدية – سلوكية وقانونية معيارية , أي أن هناك ربطاً بين العقيدة والقانون , بخلاف القانون الوضعي الذي لايهتم بمسألة العقيدة . 

 يأخذ التقليد اهتماماً خاصاً في المدرسة الأمامية بسبب فتح باب الاجتهاد بينما لانجده كذلك أو أنّه غير واضح المعالم عند مذاهب الجمهور . 

 للتقليد في اللغة ثلاثة معاني هي (الإحاطة – العطاء – التفويض) لكن البحث يرى أن المعنى الصحيح والدقيق له هو الإحاطة , أي وضع الشيء في عنق الإنسان . 

أختلف العلماء في تحديد المعنى الاصطلاحي للتقليد , فذهب البعض على أنه الالتزام , وذهب البعض على أنّه نفس العمل , لكن الأظهر هو (الأستناد إلى قول الغير في مقام العمل) وتكمن ثمرة النزاع هنا في مسألة جواز تقليد الميت . 

 ينقسم التقليد على قسمين هما : التقليد الأعم , والتقليد بالمعنى الأخص ومصطلح التقليد مورد البحث يندرج ضمن القسم الثاني , أي العمل بالإحكام الفرعية على طبق ماوصل إليه إجتهاد شخص آخر إن وجدت فيه الشروط التي تخوّل العوام من الرجوع إليه . 

التقليد مشروع في الشريعة الإسلامية , واستدل عليه العلماء بعدة أدلة 

, نقلية وعقلية , وأختلفوا في ترتيب الأدلة بحسب مايراه كل منهم من حيث قوة الدليل ومتانته , والأدلة هي : القرآن الكريم , وبداهة جوازه , والإجماع والعقل , والسيرة العقلائية والإخبار , وتوصل البحث إلى أن كل الأستدلالات السابقة تفي بجوازه في الأحكام الفرعية . 

 اختلف العلماء في الحكم التكليفي للتقليد على ثلاثة آراء هي : 

التحريم مطلقاً  ب- الوجوب مطلقاً  جـ- التفصيل , والرأي الثالث هو المهم في المسألة والذي عليه مشهور علماء الجمهور والإمامية والذي يفرّق بين من تتوفر لديه شروط الاجتهاد , وبين العامي الذي لم يصل إلى هذه الدرجة فيقال بعدم جواز التقليد للأول , بينما يُلزم الثاني به . 

 لايوجد خلاف جوهري بين الأصوليين والأخباريين في التقليد سوى إختلافهم بآليّة الوصول إلى الحكم الشرعي , أما إختلاف الإخباريين في الجزيئات فهو اختلاف طبيعي تماماً كما هو الحاصل بين الأصوليين أنفسهم . 

يرى مشهور العلماء قديماً وحديثاً , عدم جواز التقليد في الأمور الأعتقادية واستدلوا على ذلك بعدة أدلة , لكن ظهرت دعوات في الآونة الأخيرة تدعوا إلى تأسيس مرجعيَّة عقائدية مستدلين عليها بعدة أدلة , لكن البحث ناقش هذه الأدلة وأثبت رأي المشهور , ومع ذلك فهذا لاينافي من توجيه تلك الدعوى بان تؤسس مرجعية عقائدية تحقيقية , على أن لاتكون ضمن مصطلح التقليد مورد البحث . 

يشترط في المجتهد (المقلَّد) عدة شروط هي : البلوغ والحياة والذكورة والأعلمية والعدالة والكفاءة الإدارية , وقد وقع الخلاف في تحديد مفهوم الأعلمية , وتوصل البحث إلى أن معيار الأعلمية هو كون المجتهد أكثر مهارة في تطبيق القواعد الأصولية , أما الملاك أو المناط فهو الأقربية إلى الواقع والأقدرية على كشف  مجاهيله . 

برزت في الآونة الأخيرة دعوات لتقليد المرأة , وتوصل البحث بعد عرض الأدلة , ورصد المعطيات المتوفرة إلى أنّه يمكن للمرأة أن تكون مجتهدة في الحقل الشرعي , ولكن لايمكن تقليدها بأي حال من الأحوال للنصوص المتوفرة , وللسيرة العقلائية والمتشرعية الدالة على ذلك , ولأن التقليد فيه نوع من الولاية , ولا ولاية للمرأة على الرجل . 

يستفاد من أدلة مشروعية التقليد وحجية الفتوى أن لها دلالتين : أحداهما حجيّة جميع الفتاوى من حيث كونها صادرة عن الفقهاء الجامعين للشرائط , والأخرى دلالتها على حجية ومرجعية الفقهاء الجامعين للشرائط من حيث كونهم مفتين فإذا تعدد المجتهدون فعلى العامي إستفتاء الأفضل في العلم والورع والدين , وهذا الرأي هو المشهور عند الإمامية وبعض فقهاء المذاهب الأخرى , وذهب مشهور علماء الجمهور في قبال ذلك إلى  تخيير العامي في سؤال من شاء من العلماء سواءٌ تساووا أم تفاضلوا . 

في مسألة العدول في التقليد , أي انتقال العامي بتقليده من مجتهد معين إلى مجتهد آخر , قولان عند الإمامية هي الجواز كما عن المحقق والعلامة والشهيد الثاني في المقاصد العليّة والمحقق الأصفهاني , وعدم الجواز كما عن الشهيد الثاني في الذكرى والشيخ الأنصاري في رسالة الاجتهاد والتقليد , وتوصل البحث بعد عرض الأدلة للطرفين إلى أثبات القول الأول وهو الجواز من خلال إطلاق أدلة التقليد اللفظية الحاكمة بذلك , وكذلك للسيرة المتشرعية . 

طرائق الفحص عن الأعلم تتمثل بالعلم الوجداني والاطمئنان الذي يتضمن شقين هما : المعرفة المباشرة والشياع , وكذلك البينة الشرعية . 

لنظرية التقليد عدة آثار على صعيد الفرد والمجتمع , وقد تطرق البحث إلى الأهم منها وهي الاقتصادية والسياسية والاجتماعية . 

تعد الفتوى من الأركان المهمة لنظرية التقليد وهي الإجابة عن مسألة شرعية,ولها ضوابط خاصة أهمها الانضباط المنهجي وقضية التيسير,وقد أشار البحث إلى عدة أمثلة. 

ظهرت في الآونة الأخيرة بعض الظواهر الاجتماعية المرتبطة بشكل غير مباشر بقضية التقليد ومنها تقليد المجتهد عبر محاكاته عن طريق أسلوب كلامه وأفكاره وملبسه وغيرها , ومنها اشتراط تغيير التقليد في أتمام عقد الزواج , وتوصل البحث إلى أن محاكاة المجتهد (المقلد) ليس فيها أي زجر شرعي أو محذور إذا كان المقصود منها الوصول إلى الكمال النفسي والروحي . 

وأما شرط تغيير المقلد في أتمام عقد الزواج فقد توصل البحث إلى انه شرط فاسد ويبقى العقد صحيح . 

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين , والصلاة والسلام على نبيه وآله الطيبين الطاهرين .



المصــادر  والمراجع


خير مانبتدئ به : القران الكريم 

حرف الالف :  

إبراهيم:محمد زكي ابراهيم,المدرسة الشيخية,دار المحجة البيضاء,بيروت ,ط1, 1425هـ-2004م . 

إبراهيم: فؤاد إبراهيم ، الفقيه والدولة،دار الكنوز الأدبية – بيروت – لبنان ط1 1988م .  

إبن أبي جمهور: محمد بن علي الأحسائي، غوالي اللألئ العزيزية في الأحاديث الدينية،مطبعة سيد الشهداء () – قم المقدسة – إيران ط1 1405هـ - 1985م .

ابن أبي حاتم : أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن أدريس الرازي التميمي (ت 327هـ) , الجرح والتعديل , دار أحياء التراث العربي ط1 1952م .

إبن الأثير , المبارك ابن محمد الشيباني المعروف بابن الاثير الجزري (ت 606هـ) , جامع الأصول في أحاديث الرسول , دار الكتب العلمية , ط1, 1418هـ-1998م . 

إبن تيمية : أبو العباس احمد بن عبد الحليم ابن تيمية (ت 728هـ) , اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم , تح محمد حامد الفقي ,مطبعة السنة المحمدية – القاهرة ط2 ,1369هـ .

أحمد ابن حنبل (ت241هـ) ,مسند الإمام احد بن حنبل: رقّم أحاديثه محمد عبد السلام عبد الشافعي , دار الكتب العلمية –بيروت –لبنان ط1 1413هـ-1993م .

ابن السبكي : عبد الوهاب بن علي المعروف بأبن السبكي (ت 771هـ) , جمع الجوامع في أصول الفقه , دار الكتب العلمية , بيروت – لبنان , ط2, 1424هـ-2003م .  

ابن الحاجب : جمال الدين ابي عمرو عثمان بن عمر بن ابي بكر المقري (ت 646هـ) منتهى الوصول والامل في علمي الاصول والجدل,مطبعة السعادة , مصر ط1 , 1326هـ .  

ابن الشهيد الثاني : جمال الدين الحسن بن زين الدين النحاريري الجبعي العاملي 965هـ-1011هـ , معالم الدين وملاذ المجتهدين , منشورات مكتبة أيه الله العظمى المرعشي النجفي , قم المقدسة , مطبعة بهمن , ط1 1413هـ .ق .  

ابن خلدون : العلامة عبد الرحمن بن خلدون المغربي المتوفى (808هـ) , تاريخ ابن خلدون , دار الكتاب المصري ودار الكتاب اللبناني ط1 1420هـ-1999م .    

أبن كثير : الحافظ عماد الدين أبي الفداء أسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي المتوفى سنة (774هـ) ,تفسير القران العظيم, دار الخير – دمشق , ط3, 1414هـ-1993م .   

ابن القيم : شمس الدين بن عبدالله محمد بن ابي بكر المعروف بابن القيم الجوزية       (ت 751هـ), أعلام الموقعين عن رب العالمين , دار الكتب العلمية بيروت – لبنان ,ط1, 1417هـ-1996م .    

ابن منظور : العلامة جمال الدين ابي الفضل محمد بن مكرم الانصاري الافريقي المصري, المتوفى سنة 711هـ , لسان العرب , دار الكتب العلمية,بيروت – لبنان , ط1, 1426هـ-2005م.

إبن الهمام : أبن الهمام الاسكندراني (ت 861هـ), التحرير مطبوع في صلب كتاب تيسير التحرير لأبن بادشاه. 

ابن الوزير : محمد بن نصر المرتضى اليماني ابن الوزير ,إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات إلى المذهب الحق من أصول التوحيد,دار الكتب العلمية –بيروت ط2 1987م .

أبو أيوب : محمد بن احمد بن تميم بن تمام التميمي (ت 333هـ) , كتاب المحن , تح :د. عمر سليمان العقيلي دار  العلوم الرياض الطبعة الأولى .  

ابو زهرة : الشيخ محمد ابو زهرة , الملكية ونظرية العقد في الشريعة الإسلامية ,مطبعة فتح الله الياس , القاهرة , ط1 , 1929م .  

أبو زهرة : الإمام محمد أبو زهرة , أصول الفقه , دار الفكر العربي ومطبعة للمدني بالقاهرة ,ط1 , 1417هـ -1997م . 

أبو فارس : الدكتور محمد عبد القادر أبو فارس , فتاوى شرعية , دار الفرقان – عمان الأردن ط1 1424هـ -2003 .

الأردبيلي : السيد عبد الكريم الموسوي الأردبيلي , فقه القضاء , مؤسسة النشر لجامعة المفيد رحمه الله , مطبعة اعتماد , ط2 , 1423هـ . 

إسلامي : رضا اسلامي , نظرية حق الطاعة , (باللغة الفارسية) , الناشر بزوهشكاه , علوم وفرهنك إسلامي, ط2  1386هـ ش . 

الآصفي : الشيخ محمد مهدي الآصفي , الأجتهاد والتقليد سلطات الفقيه وصلاحياته,مركز الغدير للدراسات الإسلامية –قم , ط4 , 1426هـ-2005م .   

الأصفهاني : محمد حسين الأصفهاني (ت 1361هـ), نهاية الدراية في شرح الكفاية , تح , مؤسسة أهل البيت () لأحياء التراث , قم المقدسة , مطبعة المهدية – قم , ط1, 1408هـ .   

الأصفهاني : الشيخ محمد حسين الاصفهاني (ت 1361هـ) , بحوث في الأصول    (الاجتهاد والتقليد) , مؤسسة النشر التابعة لجماعة المدرسين – قم المشرفة ط2 1409هـ . 

الاستربادي : محمد أمين الاستربادي (ت 1021هـ) , الفوائد المدنية , مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين – قم المقدسة ط1 , 1424هـ . 

الأعرجي: الدكتور زهير الأعرجي ، العدالة الأجتماعية وضوابط توزيع الثروة في الإسلام، مطبعة أمير – قم المشرفة – ط1 1415هـ - 1994م . 

أكبريان : حسن علي أكبريان ، جايكاه حكم ولائي در تشريع إسلامي (مكانة الحكم الولائي في التشريع الإسلامي)، مجلة (حكومت إسلامي) بالفارسية، العدد 24، صيف 1381ش . 

أمام الحرمين : أبي المعالي عبد الملك بن عبدالله بن يوسف الجويني ت 478هـ , التلخيص في أصول الفقه , تح محمد حسن أسماعيل,دار الكتب العلمية – بيروت , ط1 , 1424هـ - 2003م .

الأمدي : القاضي ناصح الدين أبي الفتح عبد الواحد بن محمد التميمي الأمدي (ت550هـ) , غرر الحكم ودرر الكلم المفهرس من كلام أمير المؤمنين (ع) ,ترتيب عبد الحسن دهيني , دار الصفوة –بيروت لبنان ط1 1413هـ-1993م . 

الآمدي : سيف الدين ابي الحسن علي ابن محمد الآمدي (ت 631هـ) , الاحكام في اصول الإحكام , دار الكتب العلمية , بيروت – لبنان , ط5,1426هـ - 2005م . 

الأمين : شرف يحيى الأمين , معجم الفرق الإسلامية , دار الأضواء – بيروت ط1 1406هـ - 1986م .   

الأميني : إبراهيم الأميني , دورس في الثقافة الإسلامية , تعريب الأستاذ جعفر هادي , مطبعة الصدر – قم المقدسة  ,ط1 1413هـ .

الانصاري : الشيخ مرتضى الانصاري (ت 1281هـ) , فرائد الاصول , لجنة تحقيق تراث الشيخ الاعظمي , قم , مطبعة شريعت , ط2, 1424هـ . 

الأنصاري : الدكتور عباس السلامي الأنصاري , مباحث الاجتهاد , مركز محبين للطباعة والنشر و مطبعة ثامن الحجج () , ط1 1429هـ .    

حرف الباء: 

البجنوردي : ميرزا حسن الموسوي البجنوردي (ت 1377هـ) , منتهى الأصول , مطبعة الآداب – النجف الاشرف , ط1  1388هـ - 1968م .  

بحر العلوم: محمد صادق محمد باقر بحر العلوم ، النجف الأشرف بين المرجعية والسياسة، دار الزهراء للطباعة والنشر – بيروت – لبنان، ط1 1430هـ - 2009م .

بحر العلوم: السيد محمد بحر العلوم ، بلغة الفقيه، طبع إيران 1329هـ , حجري .

بحر العلوم : عز الدين بحر العلوم , الزواج في القرآن والسنة , دار الزهراء للطباعة والنشر والتوزيع –بيروت لبنان  ط2 1404هـ-1984 م .

بحر العلوم : عز الدين بحر العلوم , التقليد في الشريعة الاسلامية , مطبعة الديواني , بغداد ,ط4, 1410هـ - 1990م . 

البحراني : الشيخ يوسف البحراني, الحدائق الناظرة في أحكام العترة الطاهرة المتوفى سنة 1186هـ,دار الأضواء للطباعة والنشر–بيروت ط3 1413-1993م . 

البحراني : الشيخ يوسف البحراني المتوفى 1186هـ , الدرر النجفية من الملتقطات اليوسفية , , تحقيق ونشر شركة دار المصطفى لأحياء التراث ط1 1423هـ-2002م . 

البخاري:علاء الدين عبد العزيز ابن احمد البخاري,المتوفى سنة 730هـ , كشف الاسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي,دار الكتب العلمية,بيروت– لبنان , ط1, 1418هـ-1997م . 

البخاري : أبو عبدالله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ابن المغيرة بن بردزبه البخاري الجعفي المتوفى سنة 256هـ , صحيح البخاري,تحقيق الشيخ قاسم الشماعي الرفاعي , دار القلم       بيروت - لبنان , د. ط . 

البدارين : د. أيمن عبد الحميد البدارين , نظرية التقعيد الاصولي , دار ابن حزم  للطباعة والنشر – بيروت لبنان , ط1 , 2006م – 1427هـ . 

بدران : بدران أبو العينين بدران , الشريعة الإسلامية تاريخها ونظرية الملكية والعقود , مطبعة كرموز , الإسكندرية , د.ط .  

البروجردي : محمد تقي البروجردي , نهاية الأفكار , تقريراً لدرس الشيخ أغا ضياء الدين العراقي ,طبعة مؤسسة النشر التابعة لجماعة المدرسين قم ط1 1405هـ . 

البروجردي:أغا حسين الطباطبائي(1292 – 1380هـ),أسانيد كتاب الكافي , تخريج الشيخ محمود درياب النجفي,مؤسسة آية الله العظمى البرجوردي,ط1, 1385 هـ. ش.

بري : باقر بري , فقه النظرية عند الشهيد الصدر , دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع , بيروت – لبنان , ط1, 1422هـ - 2001م . 

البصري : أبو الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري المعتزلي , ت426هـ-1044م المعتمد في أصول الفقه , منشورات محمد علي بيضون , دار الكتب العلمية , بيروت – لبنان ,ط3 , 1426هـ-2005م .   

البهوتي : منصور بن يونس البهوتي (ت 1051هـ) , كشف القناع , دار الكتب العلمية , ط1 , 1418هـ. 

البهوتي : فقيه الحنابله منصور بن يونس بن إدريس البهوتي (1000-1051هـ) , شرح منتهى الإرادات , عالم الكتب , بيروت – لبنان , د . ط . 

البيهقي:أبو بكر احمد بن الحسين ابن علي البيهقي,المتوفى سنة 458هـ,السنن الكبرى,تحقيق محمد عبد القادر عطا,دار الكتب العلمية,بيروت – لبنان,ط3,                  1424هـ-2003م .  

حرف التاء :    

التسخيري: محمد علي التسخيري ، العمل الحكومي ودوره في تحقيق مسؤوليات الدولة الإسلامية، بحث منشور في مجلة رسالة الثقلين العدد 29 . 

التفريشي:السيد مصطفى ابن الحسين الحسيني التفريشي,من أعلام القرن الحادي عشر الهجري (بعد 1044هـ), نقد الرجال,نشر وتحقيق مؤسسة آل البيت (‡) لأحياء التراث,مطبعة ستارة , ط1, 1418هـ.  

التهانوي:العلامة محمد علي بن علي بن محمد التهانوي الحنفي المتوفى بعد سنة 1158هـ,كشاف اصطلاحات الفنون,دار الكتب العلمية ,بيروت – لبنان ,ط1,               1418هـ-1998م . 

حرف الجيم : 

الجرجاني : السيد الشريف ابي الحسن علي بن محمد بن علي الحسيني الجرجاني الحنفي المتوفى سنة 816هـ , التعريفات,دار الكتب العلمية , بيروت – لبنان , ط2,      2002م – 1424هـ.

الجزيري : عبد الرحمن الجزيري , الفقه على المذاهب الأربع