أثر البُعد العقدي في استنباط الأحكام الشرعية عند ابن تيمية

 أطروحة تقدم بها علي كاظم منهي الفياض - الى مجلس كلية الفقه ، وهي جزء من متطلبات نيل شهادة الدكتوراه في علوم القرآن الكريم – أشراف : الأستاذ الدكتور باسم باقر جريو - 1438هـ / 2017 م

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة.

الحمد لله ربّ العالمين, وسبحانه عما يقول الظالمون علواً كبيرا,  وصلى الله على نبيه المصطفى محمد الذي وصفه بعظيم الخلق, وأرسله هادياً لطريق الحق, وحباه جلت آلاؤه بالشفاعة, وجعل دعوته قائمة إلى قيام الساعة, وعلى آل بيته الأطهار أعلام الهداية وخزان العلم المنقذ من الضلال والغواية, ورحمته ورضوانه على صحبه الكرام, الذين جاهدوا في سبيله ولم يؤثروا على طاعته شيئا, وعلى من تبعهم على هذا المنوال إلى يوم العرض والمآل.

وبعد...

خلق الله تعالى الإنسان عاقلا في أحسن تقويم وفطره على دينه القويم, قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}, وقال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا}, فأبو البشر آدم "عليه السلام" كان نبياً, مستقيماً على دين الله تعالى أهبطه الله تعالى على هذه الأرض لحكمته وأمره بعبادته, ليسعد في دنياه وآخرته, وهذا جارٍ في ذريته إلى يوم القيامة, إلا أن النفس الإنسانية اشتملت على الشهوة والحسد والغيرة وغيرها أيضاً لحكمة الابتلاء والامتحان, فكان هناك من ينزلق وينحرف عن نداء الفطرة وخطاب العقل, وهذا ما قصه القرآن الكريم, قال الله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}, فقتل قابيل هابيل, {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ}, ومن لطيف المناسبة ووحدة السياق أن يأتي بعد هذه القصة حكم شرعي كلي؛ وهو قوله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ}. فنهت عن القتل وحذرت منه, ثم ربطته بمن يحارب الرسول "صلى الله عليه وآله" ويقف في وجه دعوته او ينحرف عن طريقته, إذ قال الله تعالى: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}ٌٌ, وهذه الآيات تعطي صورة كاملة بنبذة مختصرة إذ لخصت الانحراف منذ أولاد آدم الأولين إلى المنحرفين عن دعوة سيد المرسلين "صلى الله عليه وآله", مروراً ببني إسرائيل لما مثلوه من تمادي في الزيغ والانحراف وقتل النفس الذي جعله الله تعالى بمرتبة قتل الناس جميعاً وهو بضد ما يريده الله تعالى تشريعاً لأنه يفضي إلى الفساد.

ولم يقف الأمر على الفطرة بل أرسل الله تعالى الأنبياء والرسل لتأكيد نداء الفطرة القويمة والتحذير من اتباع الشهوات, ليدعو الناس إلى القيم الإلهية الحقة وترسيخ روح التوحيد والانقياد [لتعاليم الله تعالى وعبادته بما يشاء هو لا ما يشاء غيره, وتلك قضية أشار إليها القرآن الكريم في بيان انحراف إبليس عن إرادته التشريعية بدعوى عدم الشرك, قال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا}, فقد خلط إبليس بين الشرك والطاعة, ولذا ((ترك السجود لآدم "عليه السلام" لشبهة أنه سجود لمخلوق, وانضم إلى ذلك أنه مخلوق من طين وأنه هو مخلوق من نار وزل عنه أن الله سبحانه حين أمر من هو أجل منه وأقرب عباده إليه زلفى وهم الملائكة امتثلوا ولم يلتفتوا إلى التفاوت بين الساجد والمسجود له تعظيما لأمر ربهم وإجلالا لخطابه)), فبعد ان خلق الله تعالى آدم "عليه السلام"، ((وعلمه الأسماء، وفضله، وكرمه، أمر الملائكة بالسجود له، إكراما، وتعظيما، وإجلالا، فبادروا بالسجود ممتثلين، وكان بينهم إبليس، فاستكبر عن أمر ربه، وامتنع من السجود لآدم وقال: { قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ}•, فتبينت حينئذ، عداوته البليغة لآدم وزوجه، لما كان عدو الله، وظهر من حسده، ما كان سبب العداوة، فحذر الله آدم وزوجه منه، وقال: { فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى••}, فكانت عداوة إبليس لآدم "عليه السلام" استكبارا؛ وهو الاستعظام للنفس عن طريق بطر الحق وغمط الناس وغمصهم, وقد جافى الإيمان بافتراضه أن الامتثال من الشرك, إذ ((الإيمان بالقلب هو التسليم للرب، ومن سلم الأمور لمالكها لم يستكبر عن أمره، كما استكبر إبليس عن السجود لآدم، واستكبر أكثر الأمم عن طاعة أنبيائهم، فلم ينفعهم التوحيد كما لم ينفع إبليس))؛ لأنه خلط بين مفهوم التوحيد ومفوم الشرك, فعدّ الطاعة شركاً والمعصية توحيدا, وقد كفّر الملائكة "عليهم السلام" أجمعين؛ لأنهم سجدوا لآدم "عليه السلام", كما يظهر من لازم اعتراضه لأمر الله تعالى وعداوته لآدم والملائكة "عليهم السلام", وقد خلط بعض الناس كما خلط إبليس, فساووا في الحكم بين عبادة الأصنام وزيارة النبي "صلى الله عليه وآله" والاستغاثة والاستشفاع به إلى الله تعالى, بَيْدَ إن عبادة الأصنام هي من طاعة الشيطان، وتعظيم الأنبياء والأولياء "عليهم السلام" طاعة لله تعالى وامتثالا لأمره, قال تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}, ولم يدر في خلد أحد أنّ مسلماً يصلّي عند مقام إبراهيم "عليه السّلام" عبادةً لإبراهيم، بل لربّ إبراهيم "عليه السّلام" الذي أمرنا بذلك، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ}, وقال تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ}, فشرع ابتغاء الوسيلة وهي كل قربة ويندرج تحتها مراعاة الأنبياء والأولياء، وتعظيمهم وتوقيرهم, فقد ((جعلهم بما شرع من حبهم وتعزيرهم وتعظيمهم وسائل إليه ، ولا معنى لإيجاب حب شيء وتعظيمه وتحريم آثار ذلك, فلا مانع من التقرب إلى الله بحبهم وتعظيم أمرهم وما لذلك من الآثار إذا كان على وجه التوسل والاستشفاع من غير أن يعطوا استقلال التأثير والعبادة البتة...، وإنما ذم تعالى المشركين لقولهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}• حيث أعطوهم الاستقلال وقصدوهم بالعبادة دون الله سبحانه، ولو قالوا: إنما نعبد الله وحده ونرجو مع ذلك أن يشفع لنا ملائكته أو رسله وأولياؤه بإذنه أو نتوسل إلى الله بتعظيم شعائره وحب أوليائه، ... كمثل الكعبة في الاسلام هي وجهة وليست بمعبودة، وإنما يعبد الله بالتوجه إليها )). وليس البحث في صدد البحث التفصيلي لهذه المسألة وإنما لبيان الانحراف الذي وقع نتيجة الخلط بين مفهومي التوحيد والشرك ، الذي كان أحد أهم ركائز الانحراف العقدي الذي أوجب تكفير الموحدين من طرف المنحرفين, وقد كان هذا وغيره من الأسباب في الأمم السابقة وأمة نبينا محمد "صلى الله عليه وآله" ما تذرع به ودعا إليه من ينتمون إلى تلك الأديان باسم الأديان نفسها, وهذا شكل أمرا خطيرا أدى إلى إصدار أحكام تتسم بالصفة الدينية وهي في حقيقتها مضادة لدعوة الأديان السماوية.

وكان من الشخصيات البارزة التي أسست لهذا الانحراف العقدي في الأمة الإسلامية ابن تيمية كما يظهر من كتبه في العقيدة والفقه؛ إذ اتخذ ذلك ركيزة وغطاء للتكفير، وما يتبعه من آثار تدميرية شوهت وجه الإسلام ودمرت المسلمين بل عمّ شرهَّا العالم بأسره.

وجدير بالذكر أن هذه الأفكار تنشط وتروج كلما وجدت لها داعمين هذا من جهة, وبيئة خصبة من بعض المسلمين الذين تضللهم فتاوى أتباع هذه المدرسة المتصفة بالنزعة التكفيرية العنيفة من جهة أخرى. فكانت الحركات المتطرفة والتكفيرية وليدة الأفكار الضالة والمنحرفة والفتاوى التي إجتزأت من النصوص الدينية ما يلائم عقيدتها فصاغتها بحِرَفِيَة وحشية لتصنع التكفير, فقد لا يكون جزافا القول بأن ابن تيمية داعشي قديم بوصفه منظرا للتكفير والعنف في ضوء ما صاغه من النصوص لتترجم عبوات ناسفة وسيارات مفخخة ومناشير لذبح الأبرياء وما إلى ذلك من المسلسل الدموي في هذا العصر, وذلك ما تفصح عنه عباراته من ((حلال الدم)) و ((وكافر مرتد)) و ((فإن تاب وإلا قتل)), و ((تضرب عنقه)), وما استعمله من لفظ ((الجهاد)) ليصبغ فتاويه صبغة دينية خداعة. فإذا علمنا أن ما يسمى المذهب الوهابي المتفرع على مدرسة ابن تيمية قد أسس على فتاويه ثم تولد داعش من رحم الوهابية لا نستغرب عندما يفجر داعشي نفسه في سوق عام أو مسجد يصدع بصوت التكبير بمآذنه.

     وهذا يدعو المسلم أن يبحث في هذا الموضوع ليتحرى الدواعي والأسباب المؤدية الى ذلك , للوقوف على أوجه السبل التي تكشف حقيقة التكفير الصادر عن الانحراف العقدي ، وما يستتبعه من أحكام فقهية لا تمت للشريعة السمحاء بصلة, لتكون نتيجة البحث بيانا لبراءة الإسلام من ذلك, وإضاءة لمن أراد الاهتداء بعد تجلي حقيقة الأمر, وهذا هو السبب الداعي لهذا البحث, لما فيه من الأهمية التي يبتني عليها تمييز الحق من الباطل {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}, وليكون هذا البحث إسهامة في الجهود البحثية السابقة.

مؤلفات في الرد على أبن تيمية

            هناك مؤلفات عديدة عنيت بكشف انحراف ابن تيمية في العقيدة والفقه, وكان ذلك منذ أن كتب معاصروه جملة من الردود والنصائح, وعلى الرغم من أن هذه المؤلفات لم تكن أكاديمية متخصصة في حدود الموضوع المبحوث ، إلا أن المكتبة الإسلامية حفلت بكثير من الكتب في الرد على أبن تيميه حتى عصرنا الراهن , فمما كتب في ذلك:

1- نجم المهتدي ورجم المقتدي، للخفر ابن المعلم القرشي(ت725هـ).

2- الدرة المضيّة في الرد على ابن تيمية, لكمال الدين محمد بن علي الشافعي المعروف بابن الزملكاني (ت727هـ).

3- دفع شبه من شبه وتمرد ونسب ذلك إلى الإمام أحمد، لتقي الدين الإمام أبي بكر الحصني الدمشقي (ت 729 هـ).

4- شفاء السقام في زيارة خير الأنام، لتقي الدين السبكي (ت756هـ).

5- الدرة المضيئة في الرد على ابن تيمية، له أيضاً .

6- الرد على ابن تيمية في التجسيم والاستواء لشهاب الدين أحمد بن يحيى الكلابي الحلبي (ت ٧٣٣هـ).

7- التحفة المختارة في الرد على منكري الزيارة، لتاج الدين عمر بن علي اللخمي المالكي الفاكهاني (ت 734 هـ).

8- الأبحاث الجلية في الرد على ابن تيمية, لأحمد بن عثمان التركماني الجوزجاني الحنفي (ت 744هـ).

9- المقالة المرضية، لقاضي قضاة المالكية تقي الدين أبي عبداللّه الأخنائي (ت750هـ).

10- الرد على ابن تيمية في الاعتقادات، لمحمد بن أحمد حميد الدين الفرغاني الدمشقي الحنفي المتوفى سنة (867هـ).

11- البراهين الجلية في ضلال ابن تيمية، للسيد حسن الصدر الكاظمي (ت 1354 هـ).

12- الجوهر المنظم في زيارة القبر المعظم, لابن حجر الهيتمي (ت974هـ).

13- إكمال السنة في نقض منهاج السنة، للسيد مهدي بن صالح الموسوي القزويني الكاظمي (ت 1358 هـ).

14- البراهين الساطعة، للشيخ سلامة العزامي (1379 هـ).

15- المقالات السنية في كشف ضلالات أحمد بن تيمية, الشيخ عبد الله الهرري (ت1429هـ).

16- التوفيق الرباني في الرد على ابن تيمية الحرّاني لجماعة من المؤلفين (معاصرين).

وهذه المؤلفات ما هي إلا "غيض من فيض" في هذا المجال, وقد تخصصت بعض البحوث والدراسات بدراسة شخصية ابن تيمية وعقائده وفتاويه, مثل كتاب؛ "فتاوى ابن تيمية في الميزان", لمحمد بن مسكة اليعقوبي, وكتاب "ابن تيمية حياته.... عقائده", وكتاب "ابن تيمية في صورته الحقيقية" لصائب عبد الحميد, وكتاب "نقد الفكر السلفي, ممثلا بابن تيمية", لرائد السمهوري، وغيرها, واستطردت الكتب التي عنيت بموضوع التكفير والانحراف العقدي والفتاوى المتطرفة والحركات التكفيرية بذكر جملة من انحرافات ابن تيمية ، الذي يتصدر هذه الموضوعات؛ مثل: كتاب "فتنة الوهابية" لأحمد بن زيني دلان,  وكتاب "الرد على الفتاوى المتطرفة", لعلي الكوراني, وكتاب "الرَّدُّ على الوهّابية", لمحمد جواد البلاغي, وكتاب "بحوث قرآنية في التوحيد والشرك" لجعفر السبحاني, وكتاب "الكاشف الصغير عن عقائد ابن تيمية" لسعيد فودة, وكتاب "داعش من  النجدي إلى البغدادي" لفؤاد إبراهيم, وكتاب "داعش وظاهرة التكفير صنوان لا ينفكان" لمصطفى الجعيفري...، وغيرها...

الحاجة إلى دراسة موضوع البحث.

تأسيساً على ماتقدم فهذه الكتب والمؤلفات وإن كانت تتوافر على كثير من انحراف ابن تيمية في العقيدة والأحكام الفقهية المنحرفة التي انتجها إلا أنها وعلى كثرتها لم تدرس دراسة أكاديمية لتَدرسْ إنحراف العقيدة ودواعيه عند ابن تيمية لربطه باستنباط الأحكام الفقهية, فهناك حاجة لاستكشاف أثر الانحراف العقدي في النتاج الفقهي لأبن تيمية, بعد دراسة الشخصية وسلوكياتها وظروف الفتاوى وقواعدها.

وتترسخ الحاجة لمثل هذه الدراسة في ضوء المتغيرات المتسارعة التي ضربت العالم بذريعة إقامة الدولة الإسلامية وخلافتها المزعومة بعد ان اعتمدت التطرف منهجاً فتاكاً لتثبيت دعائمها وأقامت مرتكزاتها ، مذكرة بالماضي القديم لدول ألتزمت العنف طريقاً شرعياً في استراتيجيتها الفكرية وتسويغ أعمالها العنفية .

وفي ضوء ما حصل وما يحصل ، فلا تزال الفضاءات العلمية الجامعية بحاجة للمزيد لمثل هذه الدراسات لتقديم الحلول المناسبة والناجعة لعالم يسوده الأمن والسلام كما أَمَرَت بهِ كل دساتير السماء وحفلت به رسائل الأنبياء الهداة .  

فرضية البحث.

يفترض البحث إن هناك أسباباً ودوافعاً وعواملاً حدت بابن تيمية إلى اعتقاد يخالف العقيدة الإسلامية الصحيحة التي تنشأ فطرياً وتعضدها الرسالة السماوية, ومنشأ الانحراف يرجع إلى أسباب تتعلق بميول تنميها غرائز الإنسان بصورة عامة تتمادى ما لم تكبح جماحها بالرجوع إلى الخطاب القويم. كذلك هناك دوافع ذاتية تتعلق بتكوين الشخصية الفردية التي تصل بها إلى المعاناة النفسية المرضية لتسلك بعد ذلك مسلك الانحراف ، ثم إذا رافق ذلك عوامل ظرفية تتيح له التمادي في هذا السلوك المنحرف كوجود داعمين يستفيدون من هذه الظاهرة من جماعات أو جهات معادية تودي بالشخصية المرضية إلى التوغل في الانحراف بحيث أنها قد تصنع منه قائداً فكرياً لجماعات ضالة تستخدم كأداة لتحقيق أهدافها مثلاً ثم يكبر أكثر من الحجم الذي تريد ، فتنقض عليه متى تشاء مستخدمةً سلاحاً قاتل به من أجلها ، وأن ابن تيمية كان ممهدا رئيساً لحركات متطرفة معاصرة عن طريق ما أنتجه من فقه مرتكز على عقيدة فاسدة تؤدي إلى هذا النتاج الشائه. 

أهداف البحث.

يهدف البحث إلى دراسة سلوك ابن تيمية وما تبناه من عقائد تتلائم مع نشاطه الفكري والفقهي والسياسي, والنظر إلى مواقفه مع علماء المسلمين بصورة عامة, ليتجلى حقيقة أمر ذلك كله ، ويتبين مدى أثر الانحراف العقدي في فتاويه.

هيكلية البحث.

لما كان الدخول في موضوع البحث يحتاج إلى بيان مفردات عنوان البحث وارتباطه بهيكل البحث احتيج إلى تيسير ذلك بالتمهيد بعد المقدمة.

ولبيان جذور الانحراف جاء الفصل الأول بعنوان "الجذور التاريخية للانحراف العقدي", مشتملا على:

المبحث الأول: الإشارات القرآنية للانحراف, والأمم من بعد آدم عليه السلام.

المبحث الثاني: انحراف العقيدة الدينية بعد إبراهيم عليه السلام.

ولاستجلاء الملامح الشخصية لابن تيمية اندرج الفصل الثاني تحت عنون: "شخصيته ومعالم انحرافه". منتظما في المباحث الآتية:

المبحث الأول: المعالم الشخصية والبيئة.

المبحث الثاني: اختلاف معاصريه فيه.

ثم جاء الفصل الثالث ليستجلي أسباب انحراف ابن تيمية ودوافعه وربطها بالمخالفات المنحرفة, فكان الفصل تحت عنوان: " دوافع الأنحراف ومخالفات أبن تيمية ". ليشتمل على مفردات هي:

المبحث الأول: دوافع الانحراف.

المبحث الثاني: المخالفات المنحرفة.

ثم جاء الفصل الرابع بعنوان: " فتاوى ابن تيمية وأثرها في ظهور الفكر التكفيري" ليستكمل الصورة بما تمخض عنه البحث في الفصول السابقة وربطه مع الآثار التي نجمت عن تلك الفتاوى وما أعقبه من تشكل حركات تكفيرية استخدمت العنف الإجرامي ارتكازا على نتاج ابن تيمية الفقهي في ضوء نماذج من ذلك, فكان هذا الفصل حافلا بالمباحث الآتية:

المبحث الأول: الجذور الفكرية للتكفير لحركات التطرف الإسلامي.

المبحث الثاني: مباني الحركات التكفيرية وتأصيل ابن تيمية لها.

وبعد هذه الجولة لخص البحث ما توصل إليه من نتائج في ختام البحث.

بعد ذلك وتعزيزا لموضوعية البحث والحفاظ على الأمانة العلمية جاء ثبت المصادر والمراجع التي استقى منها البحث مادته.

ثم جاء بعد ذلك ملخص وصفحة العنوان باللغة الإنكليزية . 

وختاما نسال الله تعالى ان يجعل هذا الجهد في سبيله لإضاءة الحقيقة ودفاعاً عن الحق...، والله تعالى من وراء القصد.


                                                                          الباحث




بسم الله الرحمن الرحيم


التمهيد : الانحراف والعوامل المادية التي ساعدت في ظهوره

عندما نتكلم عن الانحراف, ينبغي لنا أن نركز على حقيقة ثابتة ألا وهي أن  الإنسان يولد على الفطرة سوياً مستقيما, إلا أنه قد يتعرض إلى عوامل تؤدي إلى تعبئته بأفكار تستدعي السير باتجاه غير سوي وغير مستقيم يجانب ما ترسمه الفطرة السليمة, ولا شك في أن الدين السماوي يؤيد الفطرة السليمة ويرسي دعائمها ويقوي عضدها ما لم تتدخل عوامل الانحراف التي تتمثل بأمور عدة منها البيئة المحيطة به التي تنتج سوء النشأة ، ولاسيما إذا كان المحيط الخاص له سلطة أو قدرة على ضخ أفكار سلبية مؤثرة في السلوك, مما قد يؤدي إلى تأصيل الانحراف ليشكل حالة مرضية تتجلى اعراضها في تصرفات الفرد, ثم إذا كان هذا الفرد له إمكانية خرق النظام الصحيح المفروض من الفطرة والعقيدة السليمة بواسطة التضليل والخداع, فضلاً عن ذلك فسح المجال أمامه من قبل السلطة أو جهة ذات قوة, مع قلة الوعي المجتمعي؛ فإنه لا محالة سيُظهر انحرافه بصورة بارزة لها أثر خطر، وخطير على المجتمع ولاسيما إذا كانت البيئة بيئة توتر وصراع أصلا.

ويتسم الفكر المنحرف بالقدرة على تشويه الحقائق وطمسها, وقلب المفاهيم عن طريق المغالطات بتقديم أدلة وقياسات وأستدلالات زائفة تعتمد مقدمات فاسدة تخفى على الجاهل, واستعمال مصطلحات وكلمات مبهمة أو مجملة لا يأخذ منها المغرر به إلا ما يريد قائلها أن يغرز في ذهنه ويغرس في نفسه, ليقوده إلى ما يبتغيه من الفساد في ضوء تبرير الغاية السيئة بإظهارها حسنة كما في تسويغ سفك الدماء المعصومة على انه جهاد من أجل الحق والعدل, بمقدمة التكفير واستحلال الدم والعرض.

ولم يقتصر أداء المنحرف على ذلك بل قد يلجأ إلى سبل شتى؛ عن طريق اختلال النظر إلى الأشياء نظرة لا تعتمد معيارية صحيحة, فقد يظهر توافه الأمور على أنها عظيمة وكبيرة ، ينظر لها بعين الشدة والصرامة, في حين يتغاضى أو يستسهل الأمور العظيمة الخطيرة, كتعظيم أمر الجهر بالنية في الصلاة وإيجاب القتل عليها, واستسهال أمر التكفير وإباحة الدماء والأعراض، وهذا من أمارات المنحرف والقرائن على انحرافه؛ إذ ينزع في الغالب إلى تسفيه الآخر وتكفيره دينيا لا أن يفيد من الاختلاف والتوسع في الفهم, وذلك سعياً للصدام والاحتراب الذي يظن أنه يأمن هو بنفسه من أن تناله يد الفتك. فإن أحس خطرا على نفسه أو على من يدعمه يتجلى تناقضه الفكري والعقدي مع سلوكه, ولو تأمل المنصف لوجد هذا التناقض واضحاً في فيما يبثه المنحرف أصلا؛ كدعوى الإصلاح والمحبة والتسامح الذي يتظاهر به ومدى تعسف نتائج أفكاره التي تنتهك الحرمات بواسطتها.

إذاً يمكننا القول بأن الانحراف من وجهة نظر إسلامية في معنى أوليّ له؛ أنه الاتجاه المخالف لما رسمه الله تعالى للإنسان بواسطة الفطرة السليمة والأديان.

الانحراف ومرادفاته في اللغة, وشواهده القرآنية.

          إن معنى الانحراف في القرآن الكريم أستعمل لدلالاتٍ عدّة, كما استعمل ألفاظاً أخرى تدل عليه أو تتحد معه في وجه أو وجوه, ويتضح ذلك بما سيذكره البحث من الشواهد, فالانحراف في اللغة: - فيما يخص موضوع البحث - يأتي على معان؛ منها: الميل عن الوسط والاعتدال, وصرف الشيء عن وجهه، والحيدة عن الاستقامة, والاعوجاج, والجنوح، والتغيير والتبديل، والإلحاد.

فهو معنى واسع يفيد الميل عن الوسط والاعتدال؛ قال الجوهري: ((يقال: انحرف عنه وتحرف واحرورف، أي مال وعدل))، وشاهده من القرآن الكريم, قوله تعالى: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}, إذ فسر التحرّف بأنه: ((الميل إلى حرف، أي طرف)), قال محمد حسين الطباطبائي: ((قوله تعالى: {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة"...} إلى آخر الآية. التحرف: الزوال عن جهة الاستواء إلى جهة الحرف وهو طرف الشئ وهو أن ينحرف وينعطف المقاتل من جهة إلى جهة أخرى)), وذلك؛ إن (("متحرف" من مادة "التحرف"؛ أي: الابتعاد جانباً من الوسط نحو الأطراف والجوانب)).

ومع أن التحريف هو تطبيق للانحراف ومصداق له, إلا أنه قد يستعمل للدلالة على الميل عن الطريق القويم؛ قال الفيروز آبادي: ((الحرف من كل شيء: طرفه، وشفيره وحده، ومن الجبل : أعلاه المحدد....، والتحريف: التغيير)), قال أحد الباحثين: ((التحريف والتبديل كلها بمعنى ....والتحريف: انحراف وميل عن قصد وهوى, وغلو, والتواء)). فجعلها بمعنى واحد, وشواهده في القرآن كثيرة, منها؛ ما في قوله تعالى: {يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ}, وذكر المفسرون أن ((معنى "يحرفون": يغيّرون))، و((يجوز أن يكون معناه: يبدلون حروفه، ويجوز أن يكون معناه: يتناولونه على غير معناه)), فالتحريف بمعنى التبديل والتغيير يكون تارة حسياً بتبديل حرف مكان حرف, وتارةً أخرى معنوياً بصرف الدلالة عن وجهها؛ وهو انحراف في الفكر والفهم, وقد يكون مقصودا كما في قوله تعالى: {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}، وكذلك بالنسبة للالتواء, ويشهد له ما فسر به "يلوون" قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}, 

قال الطوسي: ((و"الالحاد"؛ هو الميل عن الحق)), ولذا فإن اقتران الإلحاد بالظلم في قوله تعالى: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}, يكون أشد إيغالا بالانحراف عن الحق والتمادي في الجور والباطل؛ لأن  ((الإلحاد الميل, وهذا الإلحاد والظلم يجمع جميع المعاصي من الكفر إلى الصغائر)).

ويتضح مما تقدم إن الانحراف هو الميل, إلا أن غالب استعماله القرآني يتجه نحو دلالته التي تفيد مخالفة الاتجاه الصحيح, ومع أن دلالته اللغوية واسعة؛ فقد أفيد منها ما يتعلق بجانب مخالفة الاستقامة أيضا, في مصطلحات شتى, واختص كل اصطلاح بما يدور فيه من موضوعات, كالانحراف الفكري, والثقافي, والاجتماعي والجنسي, والقانوني, واستعمالات المصطلح في علم الطب والرياضيات, وفن تجويد القرآن الكريم...، وغير ذلك, وسيلقي البحث الضوء على بعضها مما هو أكثر تماسا مع موضوع البحث.


الانحراف في الاصطلاح.

استعملت لفظة "انحراف" في ميادين مختلفة, بالإفادة من الدلالة السيئة لها, فمن ذلك:


الانحراف الفكري.

عرف الانحراف الفكري بتعريفات عدّة مختلفة, منها ما عرّفه أحد الباحثين بأنه: ((خلل يطرأ على الغريزة المدركة، للعلوم الضرورية والنظرية، والعمل بمقتضاها)), بمعنى: إنه مخالفة مقتضى المنطق بوصفه معياراً لتنظيم عملية التفكير. إلا أن تعريفه غير تام, لأن إرجاع الخلل للغريزة المدركة يعني حدوث خلل بقوة الإدراك, وهذا ينحصر بمن كان لديه خلل قهري في عملية الفكر.

فالأولى أن يعرّف الانحراف الفكري بأنه: ((خلل أو إخلال في مقدمات العملية الفكرية يؤدي إلى نتائج خاطئة تخالف القيم والمبادئ الضرورية أو المسلّمة)), فقد يكون الخلل مقصودا عن طريق المغالطة التي يتعمدها المنحرف, وقد تكون عن خلل في إدراكه لا عن قصد.

 ويتضح ذلك مما ذكره هذا الباحث من عزو أسباب الانحراف إلى مصدرين؛ إذ يقول: ((وباستقراء أسباب الانحراف الفكري تبين أنها تعود لمصدرين رئيسيين هما: الانحراف الفكري باسم الدين، والانحراف الفكري عن الدين)). فالانحراف الفكري باسم الدين ينتظم كثيرا من التضليل والخداع والدجل الذي يكون ميلا عن مقتضيات العقل والفطرة والشريعة, مع العلم والإصرار، ويمكن أن يتصور ذلك في المصدر الأول أيضاً؛ إذ قد يكون عن جهل ، وقد يكون عن عناد.

ومن ثم فهو مجافاة المعايير الصحيحة في إجراء العملية الفكرية, وينتج عنه التطرف والتشدد تارة, والتساهل بالأمور والاستهانة بخطيرها أخرى.

الانحراف الاجتماعي.

وله تعريفات عدّة تصب في اتخاذ الفرد الخروج عن قيم المجتمع سلوكاً دأب عليه, فقد عرّف بأنه: انحرافات تتمثل في (( خروج أنماط معيّنة من السلوك على المعايير في مجتمع معيّن وزمن معيّن)). على أن هذه المعايير هي مما تسالم عليها المجتمع؛ ولذا عدَلَ بعضهم إلى تعريفه بأنه: ((سلوك يخالف المعايير التي يقدرها الناس, إذا اتصفت بالاستمرارية وأصبح لها دور سلبي في نظر الناس, وأصبح من الضروري أن تهتم بها وسائل الضبط الاجتماعي)).

ويلحظ أن المعايير المنظورة في هذين التعريفين وما نحا نحوهما تقصر النظر على كون القيم من وضع الناس, فغفلت عن كون العادات والقيم في المجتمع البشري حدد بعضها بحدود شرعها الله تعالى أو جعل لها ضوابط عامة, مثال ذلك الملابس؛ فإنها وإن اختلفت بألوانها وهيئتها إلا أنها شرعا محددة بكونها ساترة أو ليس فيها تشبه جنس بآخر, كما لها ضوابط تخص حالات معينة كالطهارة بالنسبة للصلاة, أو ما يتعلق بثوبي الإحرام من شروط...، وغير ذلك, وكذلك في الممارسات الاجتماعية كالاحتفال بالزواج وما حدد له من ضوابط كاستحباب الوليمة من جهة ويقابلها الاسراف في ذلك, وعلى ذلك فإن تعريف الانحراف الاجتماعي من وجهة إسلامية يختلف تبعاً لما اتخذه المجتمع من العادات والتقاليد بشرط انسجامها مع التعليمات السماوية, فالانحراف الاجتماعي هو: ترك الحق والاستقامة والوسطية في شتى الممارسات الاجتماعية في مختلف مجالات الحياة, ويلحظ هنا ان الضبط الاجتماعي مقنن شرعاً لا يخضع للأهواء والميول الغريزية والمصالح الجهوية أو الفردية, لأن ضابط الانحراف: ترك الحق, والحق هو الصراط المستقيم, وهو لا يكون إلا واحداً وما سواه باطل, ومن ثَمَّ ((فمن انحرف عن طريق الحق وقع في طرق الضلال, والصراط المستقيم هو طريق الأمة الوسط, كما جاء في قوله عزّ وجلّ: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ"•, فالصراط المستقيم هو: الطريق التي على طرفيها الإفراط والتفريط, ويتضمن أموراً باطنة في قلب الإنسان من اعتقادات وإرادات وتوجهات, ويتضمن كذلك أموراً ظاهرة من أقوال وأفعال وتصرفات))، وإن الأمور الباطنة الكامنة في قلب الإنسان من الاعتقادات والإرادات لا تدخل في الأمور الاجتماعية ما لم تترجم على أرض الواقع عن طريق الأقوال أو الأفعال لتكون حينئذ ممارسة ظاهرة يحكم عليها بأنها اجتماعية منحرفة كانت أم مستقيمة.




الانحراف العقدي.

    بعد أن وقف البحث على معنى الانحراف في اللغة والاصطلاح وملاحظة بعض المصطلحات المركبة من الانحراف مضافاً إلى موضوع معيّن؛ ينبغي للبحث أن يربط بين مفهومي العقيدة والانحراف ليشكل صورة واضحة لمفهوم الانحراف العقدي بوصفه عنوانا للبحث, ويستدعي ذلك بيان المراد من العقيدة.

فقد توصل البحث إلى أن الانحراف هو مجانبة الحق والميل عنه إلى سلوك طريق الباطل سواء في المفاهيم والنظر أم في المصاديق والتطبيق العملي.

أما العقيدة:

       فهي في اللغة؛ مأخوذة من العقد؛ وهو الربط, والإبرام, والإحكام, وهي ضد الحل, يقال: عقد الحبل؛ إذا ربطه وثيقاً, وعقد الرب [أي المسمى مربى]؛ غلظ؛ فهو عقيد, وهذا في الحسيّات, ويجري دلالياً في المعنويات فيما يقع بين الناس من المواثيق والعهود المبرمة بينهم, ويجري فيما يطمئن به الإنسان ويربط عليه قلبه, ومن شواهده القرآنية؛ قوله تعالى: {لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ}, أي: ((لا يؤاخذكم الله أيها المؤمنون من أيمانكم بما لغوتم فيه ، ولكن يؤاخذكم بما أوجبتموه على أنفسكم منها وعقدت عليه قلوبكم. بمعنى: أوجبتموها على أنفسكم، وعزمت عليها قلوبكم)), وذلك كما قال محمد حسين الطباطبائي: ((قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} العقود جمع عقد وهو شد أحد شيئين بالآخر نوع شد يصعب معه انفصال أحدهما عن الاخر، كعقد الحبل والخيط بآخر من مثله، ولازمه التزام أحدهما الاخر، وعدم انفكاكه عنه، وقد كان معتبرا عندهم في الأمور المحسوسة أولا, ثم استعير فعمم للأمور المعنوية كعقود المعاملات الدائرة بينهم من بيع أو إجارة أو غير ذلك، وكجميع العهود والمواثيق فاطلقت عليها الكلمة لثبوت أثر المعنى الذي عرفت أنه اللزوم والالتزام فيها))، فالعقيدة إذا ما يعقد الإنسان عليه قلبه ويلتزم به التزاماً وثيقاً لا ينفك, ولذا عرفت بما يدل على ذلك.

العقيدة في الاصطلاح.

في تعريف أولي للعقيدة يمكن القول إن العقيدة الأمر الذي يؤمن به الإنسان ، ويعقد عليه قلبه وتنطوي عليه سريرته بموجب ما غرس في نفسه من دوافع وارتكز في ذهنه من مرتكزات, وتختلف العقيدة باختلاف المضمون أو الميدان أو المجال فتتنوع العقيدة بموجبه, يقول أحد الباحثين: ((العقيدة أنواع ، هناك العقيدة السياسية وهناك العقيدة الاجتماعية وهناك العقيدة الدينية....وما يعنينا تعريفه هنا هو العقيدة الدينية فهي العقيدة التي تقف على رأس هذه الأنواع من العقائد، وهي العقيدة التي كتب لها الديمومة والبقاء من دون بقية العقائد الأخرى، وإذا كانت العقيدة تنبثق من عمل عقلي اختياري، للرغبة والوجدان دورهما فيه فهي من ثم تعد عقيدة مكتسبة، والانسان مطبوع على أن يعتقد ومهيأ لقبول معتقد ما)).

فالعقيدة بصورة عامة: ((عقد القلب على ثبوت أمر أو نفيه))؛ حسناً كان ذلك الأمر أم سيئاً, حقاً أم باطلا, دينياً أم غيره، ولذا عرفوا الاعتقاد من حيث هو من دون ملاحظة العمل بأنه: ((حكم الذهن الجازم, فإن كان موافقا للواقع فهو الصحيح, وإلا فهو فاسد)). فهو تصديق جازم لا يعتريه شك وإن كان هناك خطا في المقدمات؛ من قبيل الجهل المركب ، ((فعندما يتقبل الذهن أن الأرض تدور حول الشمس أو أن الشمس تدور حول الأرض، وعندما يتقبل أن الدم يدور في الجسم أو لا يدور، وعند ما يتقبل أن للكون خالقا أوليس له، وعندما يتقبل أن الإنسان بعد مماته يحيا أو لا، فتقبله لأي نظرية -حقا كانت أم باطلا- يعنى شد تلك النظرية إلى الذهن وربطها به وإحكام صلتها فيه)), هذه هي الصورة العامة للعقيدة.

أما بملاحظة إضافة العقيدة إلى الإسلام؛ فهي مجموعة الأمور الدينية التي ثبت وجوب التصديق بها بالضرورة, بحيث يعقد عليها قلبه, وتصدقه جوارحه.

وقد فصّل القول فيما هو من هذه الأمور, فاتفق المسلمون على وجود الله تعالى وتوحيده وصفاته, والنبوة, والمعاد, ووجوب أمور عملية كالصلاة والصوم والحج والزكاة والخمس والجهاد في سبيل الله, واختلفوا في جزئياتها ما عدا وجوده تعالى، واختلفوا في تمامية الإيمان وعدمه بالنسبة إلى بعض أمور العقيدة.

وجدير بالذكر أن العقيدة ((هي التي تحدد هيأته الباطنية وحقيقته الواقعية وتشكلهما، وهي التي تحفزه إلى العمل وتحدد اتجاهه في الحياة، فإذا كانت عقيدته صائبة مطابقة للواقع كان طريق حياته صائبا كذلك، أما إذا كانت عقيدته فاسدة باطلة فإن طريق حياته لا يؤدى إلا إلى الضياع)), وهذا الأخير هو الانحراف.

إذاً فانحراف العقيدة وفسادها ينشأ من المغالطات التي أسس لها الشيطان واتبعه أهل الأهواء؛ فبعد التسليم عقلا بضرورة فرض علة أولى لهذا الكون، بما فيه من أحياء وجمادات؛ لاستحالة وجوده بالاتفاق والمصادفة, وهي الحقيقة التي يدركها كل إنسان بدافع الفطرة وبما تفضل عليه الله تعالى بتعزيزها بإرسال الأنبياء لتوجيهه نحو خالقه الله سبحانه وتعالى الذي هو علة العلل, إلا أن تاريخ الإنسانية حفل بتخبط دفعه الى تشويه الفطرة السليمة نتيجة التضليل والخداع الذي قام به بعض من نسب نفسه للعلم لأجل إشباع غرائزه الشهوانية وغاياته الشيطانية، فاضطرب جملة من الناس في استكناه سر الوجود والخلق والنبوات والمعاد, ليتأرجح في خياله وأوهامه ولاسيما في الحقب التي تخللتها بعثة الأنبياء ((ولذا نراه قد عبد في تلك الفترات مما أحاط به من مظاهر التسلط المتمثل في حيوان تارة، ونبات أخرى، وفي ظواهر كونية كالرعد والبرق والمطر ثالثة، وفي كواكب وأجرام، ... ففي مصر القديمة عبد الناس النيل...، وعبد البابليون آلهة عديدة أيضا ...، وقس على ذلك ، كل الحضارات التي احتفظ لنا التاريخ المكتوب بشيء من أخبار عقائدها، كالفرس والسومريين وغيرهم، وقد كانت السماء دائما، وعلى فترات.... تمد يدها إلى البشرية، من خلال نبوة نبي أو رسالة رسول، لتصحح خط سير البشرية بعد انحرافه، إلى أن جاء رسول الله محمد "ص" ليقوم بالعملية التصحيحية الكبرى والأخيرة في حياة البشرية، فيردها إلى التصور الصحيح لله الواحد، ويكشف كل الانحرافات التي طرأت على ركيزة الإسلام الأساسية وقاعدته الرئيسية: التوحيد))، وكذلك الانحراف في الاعتقاد بالأنبياء, كطعن اليهود بالرد على موسى "عليه السلام" وإصرارهم على إمكان رؤية الله تعالى والطعن بوصيه هارون "عليه السلام", والطعن في عيسى "عليه السلام", من حين ولادته وإنكارها إلى تكذيبه والقول بوفاته وإنكار بقاءه حيا, وهذا يشبه ما قال به المنحرفون في أمة محمد "صلى الله عليه وآله", من الرد عليه ومخالفة ما سنّه, وتكفير من زاره بعد موته, وتحريم زيارته, وإنكار وصيته, والطعن في وصيه, وإنكار فضله وأهل بيته؛ فقد أنكروا كونه رسولا بعد وفاته, يقول الحصني: ((وهذا القول الشنيع والرأي السخيف الذي أخذ به هؤلاء المبتدعة من التحاقه "صلى الله عليه وآله وسلم" بالعدم -حاشاه من ذلك- يلزمه أن يقال: أنه ليس رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" اليوم، وهو قول بعض الضلال)) )). ثم قال: ((قال أبو محمد بن حزم في كتابه "الملل والنحل": حدثت فرقة مبتدعة تزعم: أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم "صلى الله عليه وآله وسلم"، ليس هو اليوم رسول الله، لكن كان رسولا. ثم قال [ابن حزم]: وهذه مقالة خبيثة مخالفة لله -عز وجل- ولرسوله "صلى الله عليه وآله وسلم"، ولما عليه أهل الإسلام منذ كان أهل الإسلام إلى يوم القيامة....، وإنما حملهم على هذا الرأي الخبيث قولهم الآخر الخبيث: إن الروح عرض، والعرض يفنى أبدا، أو يحدث ولا يبقى وقتين... فروح رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" عند هؤلاء بطلت، ولا روح له الآن عند الله، وأما جسده ففي قبره تراب، فبطلت نبوته ورسالته بموته عندهم. فنعوذ بالله من هذا القول، فإنه كفر صراح لا تردد فيه))، وحصل هذا الانحراف عند ابن تيمية لمّا ((تخيل بذهنه الجامد وخياله الفاسد: أن منع الزيارة والسفر إليها من المحافظة على التوحيد، وأن الزيارة تؤدي إلى الشرك وعبادة الأوثان، وهذا خيال فاسد)), ولعل هذا محمل حسن حمله الحصني عليه, فقد يكون لانحرافه دواع أخرى غير الشبهة....، ولما انحرفت عقيدة ابن تيمية ولبّس على اتباعه بين الشرك والتوحيد, أفتى بحرمة التوسل والاستغاثة بالنبي "صلى الله عليه وآله", يقول في ذلك تقي الدين السبكي: ((وجواز ذلك وحسنه من الأمور المعلومة لكل ذي دين، المعروفة من فعل الأنبياء والمرسلين، وسير السلف الصالحين، والعلماء والعوام من المسلمين، ولم ينكر ذلك أحد من أهل الأديان، ولا سمع به في زمن من الأزمان، حتى جاء ابن تيمية، فتكلم في ذلك بكلام يلبس فيه على الضعفاء الأغمار، وابتدع ما لم يسبق إليه في سائر الأعصار، ولهذا طعن في الحكاية التي ذكرها عن مالك، فإن فيها قول مالك للمنصور: "استشفع به"، ... وحسبك أن إنكار ابن تيمية للاستغاثة والتوسل، قول لم يقله عالم قبله، وصار بين أهل الإسلام مثلة))، وكان هذا الباب مفتاحاً للطعن في أهل البيت "عليهم السلام", الذين نصبهم الله تعالى أعلاما لدينه, وعليه يصب في تكفير المسلمين وطمس معالم الدين, هذا وأشباهه من الصور التي تثبت تأثير العقيدة على استنباط الأحكام التكفيرية أو الفقهية.


صلة العقيدة بالأحكام الشرعية الفرعية.

بعد أن أشار البحث إلى بيان مفهوم الانحراف والعقيدة والتطرق لبعض موارد الانحراف, ينبغي أن نلقي الضوء على الصلة بين العقيدة والأحكام الفقهية لتكتمل صورة المراد بعنوان البحث.

فهناك ارتباط واضح بين العقيدة والأحكام الفقهية الفرعية, إذ إن الأحكام الفقهية الفرعية تنتج عن ممارسة اجتهادية تقع في طريقها مسائل من علوم شتى ومناشئ شتى, ولاسيما مسائل من مباحث علم الكلام, بل أن جملة من مبانيه له أثر واضح فيه, ويؤرخ بعض الباحثين لظهور هذا الأثر بوضوح في مدونات الجبائيين "محمد بن عبد الوهاب ((ت303هـ)) وولده عبد السلام ((ت320هـ)).

ويلحظ بعض الباحثين ان ظهور ذلك سابق على تدوينه, فيرى انه مرّ على مراحل: إذ أن هذا الأثر برز بوضوح في عهد المأمون العباسي ثم المعتصم؛ عندما قويا شوكة الأعتزال فبرز ذلك الأثر في أصول الفقه على شكل آراء شفاهية كما هو الحال مع أبي بكر الأصم ((ت201هـ)) فقد كانت له آراء أصولية تبتني على الاعتزال وإن لم يكن له مدّون أصولي, ثم بشر المريسي ((ت218هـ)) والعلاف ((235هـ)) والنظّام ((ت231)), إذ ظهرت آراء الأخيرين الاعتقادية في أصول الفقه كإنكار حجية الإجماع والقياس والأخبار التي لا تفيد علما بالضرورة.... ثم أنه في نهاية القرن الثالث الهجري نافس المعتزلة مذهبان هما: الأول: الأشعري على يد أبي الحسن الأشعري ((ت324هـ)), الذي سعى لنقض آراء المعتزلة معززا موقفه الأصولي بمؤلفات عدّة كـ ((الاجتهاد في الأحكام)) و((القياس)) و((مسائل في إثبات القياس والإجماع))، والآخر الماتريدي على يد أبي منصور ((ت333هـ)) صاحب كتاب ((مآخذ الشرائع, وكان يقرب في آرائه للأشعري من حيث النقض على المعتزلة.

وقد تجلى أثر العقيدة بوضوح بل تداخلت مسائلهما أواخر القرن الرابع الهجري, فكانت مرحلة التفاعل الكامل بينهما, وفسح المجال أكثر أمام غيرهم من المذاهب مع ظهور اتجاه ينحو إلى وضع ضوابط منطقية لأصول الفقه, واتجاه ينحو إلى تجريد أصول الفقه من المسائل الكلامية بعد أن أخذ المذهب الاعتزالي بالتراجع لأسباب سياسية وفكرية؛ وذلك عند تولي المتوكل العباسي ((ت247هـ)) الحكم عام ((232هـ)) ووفاة خصمه أخيه الواثق, إذ تتبع المتوكل المعتزلة الذين كانوا أنصار أخيه ضده, ليعذبهم بأشد أنواع التعذيب من سمل العيون ونخس المسامير والإلقاء في التنور حتى جعل بعضهم طعاماً للكلاب, وقد أفاد المتوكل من الحنابلة في ذلك لما في نفوسهم من الحنق على سابقيه, وقد ضعف النظام السياسي للدولة العباسية في عصرها الثاني في عهد الموكل لذا ((احتاجت لكهنوت دينى قوى تعزّز به ضعف الخلفاء سياسيا، فكانت الحنبلية هي ذلك الكهنوت المناسب، وبه سيطر الحنابلة على الشارع العباسى، واستفاد الحنابلة من ضعف الخلفاء العباسيين وحاجتهم الى كهنوت قوى فأصبح لهم نفوذ قوى فى الشارع العباسى، وكان المتوكل بسياسته فى التعصب الحنبلى قائدا لهم، والعباسيون والحنابلة صنعوا لهم ضحايا فى الداخل يوجهون نحوهم سخط العوام، ليتسلّى عوام الحنابلة باضطهادهم....، وكافأ الحنابلة الخليفة المتوكل بدعايات من المنامات• شجعته على المزيد من الانحياز للحنابلة)). فقد أخذ الحنابلة باستنباط أحكام مبنية على المغالطات العقدية لتصفية خصومهم وخصوم السلطة العباسية الداعمة لهم, فمن ذلك تكفيرهم ((من قال إن القرآن مخلوق, وأن الله لا يرى في الآخرة, وأن الله ليس فوق عرشه)), وهناك ملحظ سياسي يمكن أن يتلمسه الباحث في أسباب دعم العباسيين في عصرهم الثاني فقد احتاجوا إلى تشدد ديني منحرف؛ ((ولأن الصراع الحربى كان مستعرا بين العباسيين والبيزنطيين, فقد تم تكثيف الصبغة الدينية على هذا الصراع الدنيوى, فأصبح بالحنبلية يعنى صراعا بين أمة محمد,  وأمة المسيح، وعكست هذا أحاديث الشفاعة وغيرها من أحاديث تنشر مصطلح امة محمد التي سيشفع فيها محمد، مع أحاديث أخرى تشرّع اضطهاد أهل الكتاب، وتركز في الفقه السّنى تقسيم العالم الى معسكرين: معسكر الاسلام والسلام، ومعسكر الحرب، أو دار السلام ودار الحرب، وأصبح من مصطلحات الفقه السّنى الحربى أي الذى ينتمى الى المعسكر الآخر، تمييزا له عن الذمي أي المسيحي أو اليهودي من السكان داخل معسكر الاسلام والسلام بزعمهم))، ولم يكن هذا الاستنباط من الأحاديث التي وضع أكثرها باحتراف بدواع طائفية ؛ إذ لم يقتصر الحكم بالتكفير على النصارى, بل على المسلمين ممن ترى فيهم السلطة خطراً عليها من الشخصيات والمذاهب الأخرى ولاسيما أئمة أهل البيت "عليهم السلام وأتباعهم, ((وقد انتهج المتوكل سياسة العنف تجاه العلويين وشيعة أهل البيت "عليهم السلام" فضلاً عن أهل البيت "عليهم السلام" أنفسهم ، وتجلّى ذلك بوضوح في أمره بهدم قبر الإمام الحسين بن علي "عليه السلام" وما حوله من الدور بل أمر بحرثه وبذره وسقي موضع القبر ومنع الناس من زيارته وتوعّد بالسجن على من زاره)), ويبدو أن تلك الأحداث قد تمت بفتاوى كما هو اليوم, فبعد أن حرّفت العقائد وسوغت تكفير المسلمين ياستنباطات شائهة وأحاديث موضوعة أعطت للحاكم العباسي دعما في هذا الاتجاه, وإلا لما كان يقدر ان يفعل ذلك لما لسيد الشهداء (ع) من المكانة عند المسلمين، ويلحظ استمرار نهج الانحراف العقدي لتأسيس أحكام فقهية منحرفة فقد ذكر سبط ابن الجوزي أن جد ابن تيمية المعروف بخطيب حران ((ت622هـ)) جلس يوم عاشوراء -وهو يوم مقتل ريحانة رسول الله "صلى الله عليه وآله"- ليبالغ في مدح معاوية بن أبي سفيان على المنبر والنيل من آل البيت "عليهم السلام"، وما ذلك إلا لترسيخ عقيدة منحرفة تفضي إلى التكفير والتقتيل، وهذا ملحظ مهم في توظيف العقيدة المنحرفة في استنباط لأحكام تكفيرية أو فقهية.

وبعد انحسار دعم الدولة العباسية لهذا الانحراف نتيجة لتفتتها ثم سقوطها؛ أتيح المجال لدخول العقيدة المضادة لتدخل في استنباط الأحكام الشرعية الفرعية, فكان القرن الخامس حافلا بالكتابات الأصولية المشتملة على مبانٍ مستوحاة من العقائد الأخرى فعزم القاضي عبد الجبار ((ت415هـ)) على تأليف كتاب في أصول الفقه على طريقة المعتزلة إلا أن المنية عاجلته, وبحسب غيث حلمي؛ فإنه قد صرح بذلك بقوله: ((ونحن بعون الله وتوفيقه إذا سهل السبيل إلى ذلك -إملاء أصول الفقه -على الطريقة التي سلكناها في أصول الدين، ونكشف عن الأغراض والحقائق في كل باب، ونذكر الدليل فيما الحق فيه واحد، وما عليه تنبني المسألة، وفيما طريقه الاجتهاد من غير تعصب لمذهب دون مذهب)), وفي العصر ذاته سلك الباقلاني ((ت403هـ)) في تقرير القواعد الأصولية طريقة شيخه الأشعري, ولذا تعد ((المؤلفات الأصولية المختلفة للقاضي الباقلاني أساسا -وللقاضي عبد الجبار كذلك وإن في اتجاه آخر- إبداعا تركيبيا حشد فيه الآراء الكلامية لمختلف الفرق، وخصوصا الأشاعرة والمعتزلة، لنصرة مذاهب أهل السنّة في وقت سجل فيه مذهب الاعتزال حضورا قويا، وينطبق نفس الأمر على المصنفات الأصولية لأبي حامد الغزالي -وكذلك لأستاذه أبي المعالي الجويني- حيث قام بالمزج المبدع بين آراء السابقين له ومناهجهم المختلفة، ليخرج منها بتركيب مؤتلف جمع شتات التراث الأصولي وأضاف إليه تركيبا آخر متمثلا في المقدمات المنطقية))، وقد سعى جملة من الفقهاء إلى تخليص علم الأصول من المباحث الكلامية وهي محاولات ليس إلا ؛ لأن العقائد ليست هي بقواعد كالقواعد المنطقية ، وإنما هي مسبقات ذهنية ذات قوة تؤثر على القواعد المنطقية بجعل مادة القياس أو الأستدلال غير علمية أو غير برهانية ، وفي أغلب الأحوال تكون مغالطية، ومن هؤلاء الفقهاء أبي الوليد الباجي ((ت474هـ)), وأبي إسحق الشيرازي ((476هـ)), وأبي المظفر السمعاني ((ت489هـ)) الذي صرح بضرورة تجريد أصول الفقه من المسائل الكلامية بقوله: ((وما زلت طول ايامي اطالع تصانيف الاصحاب في هذا الباب وتصانيف غيرهم فرأيت أكثرهم قد قنع بظاهر من الكلام ورائق من العبارة لم يداخل حقيقة الاصول على ما يوافق معاني الفقه وقد رأيت بعضهم قد أوغل وحلل وداخل غير انه حاد عن محجة الفقهاء في كثير من المسائل وسلك طريق المتكلمين الذين هم أجانب عن الفقه ومعانيه بل لا قبيل لهم فيه ولا وفير ولا نقير ولا قطمير ومن تشبع بما لم يعطه فقد لبس ثوبي زور وعادة السوء قطاع لطريق الحق وصم عن سبيل الرشد وإصابة الصواب فاستخرت الله تعالى عند ذلك وعمدت الى مجموع مختصر في اصول الفقه اسلك فيه طريقة الفقهاء من غير زيغ عنه ولا حيد ولا ميل ولا أرضى بظاهر من الكلام...)).

وكان للشيعة دور في هذا المجال؛ ولاسيما في مسألة العصمة التي كان لها الأثر في البناء على أن السنة الشريفة شاملة لأقوال وأفعال وتقريرات جميع من اعتبروا عصمتهم –وهم الأئمة الاثني عشر "عليهم السلام", كسنة النبي "صلى الله عليه وآله على حد سواء بمناط واحد وهو العصمة، وقد حفلت مصنفاتهم بذلك واخذت تسير حثيثا في التدوين والتطور المنهجي القويم, إذ كان هدفهم ضبط القواعد لتكون دعامة للفقه ضابطة للفروع من غير اعتبار مذهبي, وجل كتب الشيعة الأصولية قائمة على هذا الأساس.

ومن جانب آخر فإن الثلث الأخير من القرن السابع الهجري اقتصر على التلخيص لما سبق بالنسبة لغير الشيعة, وتوقف الفكر الأصولي عند هذه الجهود الضيقة بحسب غيث حلمي, فقد ألّف الرازي ((ت606ﻫ)) كتابه "المحصول، ولم يكد يخرج فيه عن كتابي «المستصفى» للغزالي, وألّف أبو الحسن البصري (( 436هـ )) كتاب المعتمد", ولخصه من بعدُ تاج الدين الأرموي ((ت656ﻫ)) في "الحاصل من المحصول"، الذي استخلص منه البيضاوي ((ت685ﻫ)) كتابه "المنهاج". إلا أن الآمدي ((ت631ﻫ)) مال إلى الاحتجاج في كتابه "الإحكام"، مستمدا مادته الكلامية التي وظفها في تقرير القواعد الأصولية استمدها من عقيدة الغزالي، مما حدا بابن الحاجب ((ت646ﻫ)) إلى تلخيص "الإحكام" في المختصر الكبير، موافقا فيه مذهب المصنف. ((فحصلت بهذه المختصرات زبدة أصول الفقه، وقد تعاقب الأصوليون عليها شرحا وتعليقا، ليتوقف الفكر الأصولي عند هذه الحدود الضيقة خصوصا مع نهاية القرن السابع الهجري)).

وبعد هذا العرض فإن المقصود بالانحراف العقدي المؤثر في الأحكام الفقهية؛ إنما ما يعقد عليه القلب وتنطوي عليه السريرة نتيجة لجهل أو مقدمات خاطئة غير مقصودة أو مغالطات مقصودة تستدعيها الميول والأهواء, لتستعمل بدورها كمقدمة لاستنباط حكم فقهي .


أصول الفقه عند ابن تيمية.

لم يعهد لابن تيمية مؤلف أصولي مستقل, إنما يُدعى معرفة مبانيه الأصولية من المباحث التي كتبها في العقيدة والتصوف والتفسير والحديث والمنطق, فبواسطة استقراء ذلك كله يمكن أخذ فكرة عن تلك المباني. إلا أن المتتبع لما جاء في عباراته من تهافت يجعل الأمر صعباً لمعرفة منهجه, بل أوضح ما يظهر على فتاويه أنها وليدة عقيدته وما يراه من مصلحة آنية تميل إلى التعصب, فتراه يكفر المغول والشيعة والمتصوفة وفي الوقت ذاته يدعم المماليك بفتاويه, وكذا تراه يكفر على أمور من دون إقامة دليل, وقد عرّف عنه ذلك الانحراف في الأصول والفروع, ويكفي في ذلك ما حكاه ابن طولون ((ت953هـ)) عن الحافظ أبي سعيد العلائي ((ت 761 هـ)), إذ ذكر جملة من المسائل المترابطة في الانحراف بين العقيدة والأحكام الفقهيه, -ينقل البحث النص بطوله لأنه يمثل بعضاً من كل-, إذ قال: ((ذِكرُ المسائل التي خالف فيها ابن تيمية الناس في الأصول والفروع، فمنها ما خالف فيها الإجماع، ومنها ما خالف فيها الراجح من المذاهب، فمن ذلك: يمين الطلاق، قال بأنه لا يقع عند وقوع المحلوف عليه بل عليه فيها كفارة يمين، ولم يقل قبله بالكفارة أحد من المسلمين البتة، ودام إفتاؤه بذلك زمانا طويلا وعظم الخطب، ووقع في تقليده جمّ غفير من العوام وعمّ البلاء، وأنَّ طلاق الحائض لا يقع وكذلك الطلاق في طهر جامع فيه زوجته، وأن الطلاق بثلاث يرد إلى واحدة، وكان قبل ذلك قد نقل إجماع المسلمين في هذه المسألة على خلاف ذلك وأنَّ من خالفه فقد كفر، ثم إنه أفتى بخلافه و أوقع خلقا كثيرا من الناس فيه، و أنَّ الحائض تطوف في البيت من غير كفارة وهو مباح لها، وأنَّ المكوس حلال لمن أقطعها، وإذا أخذت من التجار أجزأتهم عن الزكاة وإن لم تكن باسم الزكاة ولا على رسمها، وأنَّ المائعات لا تنجس بموت الفأرة ونحوها فيها وأن الصلاة إذا تركت عمدا لا يشرع قضاؤها، وأنَّ الجنب يصلي تطوعه بالليل بالتيمم ولا يؤخره إلى أن يغتسل عند الفجر وإن كان بالبلد، وقد رأيت من يفعل ذلك ممن قلَّده فمنعته منه، وسئل عن شرط الواقف فقال : غير معتبر بالكلية بل الوقف على الشافعية يصرف إلى الحنفية وعلى الفقهاء يصرف إلى الصوفية وبالعكس، وكان يفعل هكذا في مدرسته فيعطي منها الجند والعوام، ولا يحضر درسا على اصطلاح الفقهاء وشرط الواقف بل يحضر فيه ميعادا يوم الثلاثاء ويحضره العوام ويستغني بذلك عن الدرس، وسئل عن جواز بيع أمهات الأولاد فرجحه وأفتى به، ومن المسائل المنفرد بها في الأصول مسألة الحسن والقبح التي يقول بها المعتزلة، فقال بها ونصرها وصنف فيها وجعلها دين الله بل ألزم كل ما يبنى عليه كالموازنة في الأعمال، وأما مقالاته في أصول الدين فمنها قوله: إنَّ الله سبحانه محل الحوادث، تعالى الله عما يقول علوا كبيرا، وانه مركب مفتقر إلى ذاته افتقار الكل إلى الجزء، وان القرءان مُحدَث في ذاته تعالى، و أنَّ العالم قديم بالنوع ولم يزل مع الله مخلوق دائما، فجعله موجبا بالذات لا فاعلا بالاختيار، ومنها قوله بالجسمية والجهة والانتقال وهو مردود، وصرَّح في بعض تصانيفه بأن الله تعالى بقدر العرش لا أكبر منه ولا أصغر، تعالى الله عن ذلك، وصنّفَ جزءا في أنَّ علم الله لا يتعلق بما لا يتناهى كنعيم أهل الجنة، وأنه لا يحيط بالمتناهي، وهي التي زلق فيها بعضهم، ومنها أنَّ الأنبياء غير معصومين، وأنَّ نبينا عليه وعليهم الصلاة والسلام ليس له جاه ولا يتوسل به أحد إلا ويكون مخطئا، وصنف في ذلك عدة أوراق، وأنَّ إنشاء السفر لزيارة نبينا صلى الله عليه و سلم معصية لا يقصر فيها الصلاة، وبالغ في ذلك ولم يقل بها أحد من المسلمين قبله، وأنَّ عذاب أهل النار ينقطع ولا يتأبد حكاه بعض الفقهاء عن تصانيفه، ومن أفراده أيضا أنَّ التوراة والإنجيل لم تبدل ألفاظهما بل هي باقية على ما أنزلت وإنما وقع التحريف في تأويلها، وله فيه مصنف، هذا آخر ما رأيت، وأستغفر الله من كتابة مثل هذا فضلا عن اعتقاده)).

نتاج انحراف ابن تيمية وأثره في المجتمع.

إن معالم انحراف ابن تيمية واضحة في نتاجه الفقهي ومخرجاته من تلاميذ وأتباع فقد ضجت مؤلفاته بالتشبيه والتجسيم وإن حاول في بعض كتاباته ينقض ويبرم وينقل الآراء تارة, ويسهب في الكلام أخرى بفنون التضليل والخداع والمغالطات والتشويش التي تنبئ عن جهل عميق أو ارتباك في الشخصية أو حقد متأصل, وهو ما سوّغ للجماعات الضالة الإفادة من مضامين التكفير أو التصريح به, واستسهال إباحة دم المسلم, بعد أن تطاول على مقام الله تعالى وعلى حرمة رسوله واهل بيته الأطهار والجنوح إلى من عاداهم. فقد امتلأت كتبه بعبارته الشهيرة "وإلا فإنه يقتل, أو, "وإلا قتل", مما يؤثر على سلوك المتأثرين به او من يريد أن يتذرع بشيء يُنسب إلى الدين زوراً ان يركب هذه المطية باتجاه مبتغاه, ويركب هذه الموجة التي تفضي إلى التضليل والخداع. 

ولم تكن الكتب المنسوبة لابن تيمية هي المرجع الوحيد لحركات التكفير والانقلاب على أسس الدين الحنيف والشريعة السمحاء, بل كان مؤلفو الكتب من اتباعه على منهاجه في الانحراف العقدي وما يؤول إليه من الدفع باتجاه الانقضاض على المجتمع الإسلامي ومبادئه.

نعم, فهذا ابن قيّم الجوزية ((ت751 هـ‍)) اتخذ منهج شيخه ابن تيميّة مسارا يسلكه في الانحراف العقدي والفقهي إذ كفّر أهل القبلة قاطبة إلا من تبعه, فدخل مدخلا عقدياً بإطلاقه "اسم المعطلة" على جميع المسلمين الذين قالوا بتنزيه الباري جلّ وعلا عن التشبيه والجسم, مقابل ما انتهجه ابن تيمية وهو تبعاً له الذين يطلق عليهم "المثبتة" وذلك أنهما ((اختلفا مع سائر المسلمين في مفاد الصفات الخبرية كيد الله، وعين الله، وغيرهما، فالمسلمون على إجراء هذه الصفات على الله سبحانه مع تجريدها من التشبيه والتجسيم، ولكنّهما يصرّان على إجرائها على الله سبحانه بنفس معانيها اللغوية من دون تجريد عن التجسيم والتشبيه، ولذلك يطلقون على فرق المسلمين من الأشاعرة والمعتزلة والإمامية اسم "المعطّلة")).

وهذا ابن كثير ((774هـ)) يكفر المسلمين القائلين بالوصية والنص على أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب "عليه السلام", مع ما ورد من النصوص الصحيحة بذلك, إذ يقول في حق من يرى ثبوت الوصية: ((ومن وصل من الناس إلى هذا المقام فقد خلع ربقة الإسلام، وكفر بإجماع الأئمة الأعلام وكان إراقة دمه أحل من إراقة المدام)), فحكم بكفر طائفة كبيرة من المسلمين اعتمدوا أحاديث صحاح, بل جعل إراقة دمه واجبة كإراقة الخمر، وما ذلك إلا متابعة لمنهج ابن تيمية في ما يظهر من مناوئته لعلي بن أبي طالب "عليه السلام" بدافع عقدي منحرف أدى إلى إظهار بغض أهل بيت النبي "صلى الله عليه وآله", وإباحة دم أتباعهم بدعوى كفرهم ووصمهم بأقذع الألفاظ.

وتابع ابن اللحام ((ت803هـ)) شيخه ابن تيمية فيما اختاره من مسائله الفقهية, فقال ((وقتال التتار ولو كانوا مسلمين هو قتال الصديق -رضي الله عنه- مانعي الزكاة ويأخذ مالهم وذريتهم وكذا المقفز إليهم ولو ادعى إكراهاً ومن أجهز على جريح لم يأثم ولو تشهد ومَن أخذ منهم شيئاً خمس وبقيته له والرافضة الجبلية يجوز أخذ أموالهم وسبي حريمهم يخرج على تكفيرهم))، ويلحظ مجاراة السلطان ودعمه بفتاوى منحرفة, إذ قال: ((ويملك السلطان تعزير من ثبت عنده أنه كتم الخبر الواجب كما يملك تعزير المقر إقراراً مجهولاً حتى يفسره أو من كتم الإقرار وقد يكون التعزير بتركه المستحب كما يعزر العاطس الذي لم يحمد الله بترك تشميته وقال أبو العباس: في موضع آخر والتعزير على الشيء دليل على تحريمه)), وهذا الاتجاه واضح المعالم في موقف ابن تيمية من المماليك قبل أن يفتضح أمره بعد أن تمادى في الطغيان, وموقفه من التتار عندما اجتمع بهم على أسوار دمشق –كما سيبينه البحث- وفي هذا النحو سار تلاميذه وأتباعه؛ فهذا ابن تلميذه ابن مفلح؛ وهو إبراهيم بن محمد بن مفلح الحنبلي ((ت803هـ)) ، الذي حكم على من خالفه في مصالحة تيمورلنك بالقتل؛ يقول ابن تغري بردي: ((وقد غلب رأى ابن مفلح على من خالفه، وعزم على إتمام الصلح، ونادى في الناس: إنه من خالف ذلك قتل وهدر دمه)), وما قرأت في تاريخهم ترى عجبا.

ومن نتائج القواعد التي أسسها ابن اللحام في أصول الفقه ما مثل له بالحكم الشرعي الفرعي بقوله: ((ابن أربع عشر سنة إذا ترك الصلاة قتل)) حتى من دون أن يذكر استتابة أصلا.

وتلاميذ ابن تيمية هؤلاء وأمثالهم ممن كفّروا وأفتوا بإباحة الدم وهتك الأعراض لم يرقوا إلى ما بلغه محمد بن عبد الوهاب ((ت1206هـ)) ، الذي سار على نهجهم ونهج أستاذهم ابن تيمية وزاد على ذلك قيامه بالتطبيق, فلم يقتصر على التكفير العقدي والإفتاء بالقتل والعنف ضد المسلمين, بل اتخذ الجيوش في سبيل ذلك حتى فاق ابن تيمية توجهاته العقدية والفقهية, فقد كان ابن تيمية يدعي أنه يستقي من الكتاب العزيز والسنة الشريفة وبحسب ما يفهمه, وإن كان إلى جانب ذلك يدعي أو يدّعى له في بعض الموارد أنه ينظر إلى اللوح المحفوظ, إلا ان ابن عبد الوهاب –كما يذكر عنه- يدعي أن دعوته إنما هي وحي من الله تعالى؛ وإن تساويا في نسبة الكفر إلى جل طوائف المسلمين نظريا. 

وكم تحامل ابن تيمية على النبي محمد "صلى الله عليه وآله" وأهل بيته "عليهم السلام وشيعتهم, فما فعله ابن عبد الوهاب أكثر, فالأول عرف عنه دعوى الشرك في زيارة النبي "صلى الله عليه وآله", وشد الرجال إلى قبره, وأنكر صحة نسبة القبر المعلوم في النجف للأمير المؤمنين علي بن أبي طالب "عليه السلام", وكذا أنكر صحة وجود رأس الحسين "عليه السلام" في مصر, إلا أنه أقر بقبر الحسين في كربلاء ، وذكر ارتياد المسلمين مشهده وأن لأحمد ابن حنبل مسائل فيما يفعله زائر قبر الحسين من المراسم.... إلا أن ابن عبد الوهاب أفاد من تمهيد ابن تيمية التنظيري؛ ففعل ما فعل بانتهاك حرمة قبر النبي "صلى الله عليه وآله" من انتهاك حرمته, والهجوم على أضرحة أهل البيت "عليهم السلام" وتهديم ما تسنى له هدمه منها ، ومن قبور سائر الصالحين مع تزامن ذلك مع انتهاك حرمات المسلمين واستباحة دمائهم وانتهاك أعراضهم... بعد ما يلحظ من تأسيس نظري من قبل ابن تيمية ، الذي  أجاز القتل بأبشع صوره فقد أجاز التمثيل بالقتلى مع أن النبي "صلى اله عليه وآله" ثبت أنه نهى عنه "ولو بالكلب العقور•؛ يقول ابن مفلح: ((فَأَمَّا إذَا كَانَ فِي التَّمْثِيلِ الشَّائِعِ دُعَاء لَهُمْ إلَى الإِيمَانِ, أَوْ زَجْرٌ لَهُمْ عَنْ الْعُدْوَانِ, فَإِنَّهُ هُنَا مِنْ إقَامَةِ الْحُدُودِ، وَالْجِهَادِ الْمَشْرُوعِ))، وحدث مثل هذا في عصرنا من أتباع هذا المنهج كالتحريق والتعليق وقطع الأعضاء وأكل الأحشاء....، وهذا مما لا يحتاج الباحث اليوم إلى عزوه إلى مصدر.

وبقي هذا التيار التكفيري المشحون بشهوة القتل والسبي يخمد تارة ، ويتقد أخرى بحسب الظروف, إذ أفادت حركات مختلفة منذ ذلك الحين ، وحتى اليوم تفيد من ذلك لتنظّر أو تطبّق هذه العقيدة ، وما أنتجته كلما أتيح لها بدواعٍ متفاوتة واتجاهات شتى فتقوى تارة وتضعف أخرى.... حتى وصل الحال إلى ما يسمى "داعش" الذي يلبس مسوح الدين متخذا أسوء ما يمكن أن يؤخذ من هذه العقيدة وأفكارها وما أنتجته من مسائل فقهية مغلوطة تبيح لمنتسبي هذه الحركة ما يشبع نهم شهواتهم، التي قد تتفق مع مصالح دول كبرى تفيد من هذه الظاهرة لأجل مصالحها...

لذا فإن فرضية البحث هو أن ابن تيمية كان ممهدا رئيساً لهذه الحركات عن طريق ما أنتجه من فقه مرتكز على عقيدة تؤدي إلى هذا النتاج الشائه.

دواعي الانحراف.

جدير بالذكر؛ إن انحراف العقيدة له دواع وعوامل عدة تسهم في تغيير مسار الإنسان لتجنح به عن الفطرة وعن صوت الدعوة الإلهية, وتختلف تلك الدواعي بحسب اختلاف الدين والفرقة والمجتمع والشخص, ومنها ما يكون منشؤه ذاتياً مرَضياً, أو سياسياً جهوياً أو فردياً, أو اقتصادياً كذلك, مما يولد قناعات ترتكز في ذهن شخص له قدرة على استمالة جماعة نحو ما يتجه....، ولم تكن ظاهرة ابن تيمية فريدة من حيث الانحراف العقدي وما يؤديه إلى انحراف في الأحكام المتمردة على الاتجاه العام والسلوك الصحيح, فهي ظاهرة مسبوقة في أفراد أسسوا لانحراف العقيدة في الأمم السالفة ونالوا من أئمة نبينا محمد "صلى الله عليه وآله", إلا أن ظاهرة ابن تيمية الانحرافية لها أثر بالغ ومأساوي في الوضع الذي تعيشه الأمة الإسلامية, بل الإنسانية جمعاء. 

لذا فإن البحث سيتناول موجزاً من تاريخ الانحرافات البشرية عن الأديان السماوية ولاسيما عند اليهود والنصارى ولاسيما ما أشار له القرآن الكريم ، مفيدا من ذلك ما يلتقي مع موضوع البحث, وفي أثناء ذلك يمكن الوقوف على جملة من الدواعي المجتمعية والفردية لظاهرة الانحراف العنيف وأدواته وتأثر المجتمعات به.

وبعد ذلك كله لا بد من ربط ما يتمخض عنه كل مفصل من مفاصل البحث لاستشراف الحقيقة فيما ينسب لابن تيمية مع ملاحظة ما دوّن من سلوكه أو انتظمته كتبه وفتاويه, والإفادة من سلوك تلامذته وأتباعه, والوصول إلى ما آلت إليه أمور المسلمين اليوم من تفكك وضياع وتكالب الأمم عليهم.

والذي ينجلي للمتتبع أن من أهم العوامل التي ساعدت على ظهور الحركات التكفيرية وما أفرز من عنف وإرهاب سيء ارتكازه على منهج منحرف في صناعة الفتوى المبتنية على عقيدة مبنية على مغالطات بدوافع شتى, لتقوم على ذلك حركات وأحزاب وتنظيمات تتظاهر بأنها دينية وما هي في الحقيقة إلا أداة بيد أعداء الإسلام وآلة لتشوية صورة الإسلام الحنيف, وقد ظهرت على مر التاريخ جملة من هذه التنظيمات ، وكان أبرز صورها البشعة ما يسمى اليوم بـ "داعش", الذي ظهر من تحت عباءة تلك الفتاوى متظاهرا بدعوى إعادة الدولة الإسلامية, إلا أن الواقع المعاش يفصح عن وجه قبيح بشع لم يدع سبيلا للإضرار بالمسلمين إلا سلكه.

وقد كانت الفتاوى التي تمثل دعامة لأعمال داعش تصدر من أتباع ابن تيمية ترفده بتكفير المسلمين وإحلال دمائهم واعراضهم يتكئون في ذلك على ما أفتى به ابن تيمية ، حتى صارت هذه الفتاوى وقودا لجرائمهم –كما يعبر أحد الكاتبين- ويتضح ذلك الأمر باعتمادهم على كتاب "منهاج السنة", و "اقتضاء الصراط", و"مجموع الفتاوى", وغيرها, وقد صبوا جهدهم على تكفير المسلمين وتقتيلهم وسبي نسائهم, وقد خصوا الشيعة بأكثر جهدهم في ذلك. متجاهلين مصائب الأمة وما يعصف بها من دمار وما يعصف بها من أخطار ، وكأنهم يتآمرون مع أعداء الأمة الإسلامية لهدم كيانها ونهب ثروات بلدانها، ولم يتوقفوا عند حد في تجاوز حدود الله تعالى ، ولم يكتفوا بالتكفير والقتل والتشريد, بل نسب إليهم إباحة السفاح لأجل الجهاد وهي الفتوى المعروفة بجهاد النكاح, فقد اشتهر عن أحد علماء الوهابية ( العريفي الوهابي ) أنه أجاز للمسلمة ذات البعل أن تزني –والعياذ بالله- مع المجاهدين, وحصلت على إثر ذلك ضجة إعلامية كبيرة استدعت أن يظهر هذا المفتي ويكذبها, إلا أن الواقع الذي يحكيه الشارع يعاضد ما تناقل عنه وعن أمثاله؛ فقد صرح وزير الداخلية التونسي بأن عددا من التونسيات عدن حوامل من جهاد النكاح إذ يتراوح على كل واحدة رجال عدّة من جنسيات مختلفة, مما ادى إلى إصدار أمر بمنع السفر إلى سوريا, ولا شك في مثل هذا السقوط الأخلاقي يعد من ضحايا هذه الفتوى, فضلا عن ضحايا النفوس والأضرار المادية، وقد سوغ هذا الفكر التكفيري للمنحرفين تشويه صورة الرسول الكريم (ص) الخاتم ووصفوة بالشذوذ والإرهاب وغيره ، كما حصل في الرسوم الكاريكوتيرية وبعض الأفلام السينمائية التي عرضت في بعض الدول الغربية .



إضاءة على تقرير مفوضية حقوق الإنسان.

 لعل الباحث لا يجازف إن ادعى أن ضحايا الأعمال الناتجة عن الفتاوى المنحرفة تفوق بكثير حدّ الإحصاء؛ وذلك لصعوبة الإحصاء نتيجة ظروف البلدان التي تحدث فيها الصراعات القائمة على أساس الفتاوى المنحرفة, والملفت للذهن أن النسبة العظمى من أحداث العنف والقتل وقعت في البلدان الإسلامية, وإن نسبة غير المسلمين من الضحايا لا تشكل إلا نسبة ضئيلة, على أن الهجمات التي تطال البلدان غير الإسلامية كانت تفصح عن استهداف المسلمين المتواجدين في تلك البلدان اكثر من غيرهم، وبإلقاء الضوء على بعض النماذج التي نشرت في تقارير منظمة حقوق الإنسان في العراق التي تقول: ((إن العنف الجاري والذي طال أمده في العراق لا يزال يُلحق خسائر فادحة في المدنيين والبنية التحتية المدنية وتعريضهم لخسائر تعسفية في الأرواح....)), وهي تؤكد على أن أعداد الضحايا تفوق الإحصاء؛ إذ يقول التقرير: [(( إن التحقق من العدد للقتلى والجرحى من المدنيين نتيجة للصراع العنيف في العراق أمر صعب)) : ((وان المنظمة في العراق سجلت 4036 حالة وفاة من المدنيين, ووفقا لبعثة الأمم المتحدة "يونامي" كانت الأرقام تتراوح بين 2953 مدنيا قتلوا, وجرح 14398, بينما كانت تتراوح بين 3254 قتيلا, و13788 جريحاً وفقاً للإحصائية التي قدمتها حكومة العراق عن طريق وزارة حقوق الإنسان للعام 2010, وبغض النظر عن العدد الدقيق للمدنيين الذين قتلوا, وحتى أدنى الأرقام تمثل عددا كبيرا من العراقيين... نتيجة أعمال لأعمال العنف))، ويلحظ أنه في يوم واحد بتاريخ 10/آيار/ 2010م قتل 100شخص وأصيب 350 شخصاً في محافظات شتى كان أكثرها في شمالي الكوت إذ قتل فيها وحدها 70 شخصاً, وجرح 255شخصاً آخر عن طريق سيارات ملغومة وعبوة ناسفة], ولم يقتصر العنف على طريقة واحد فالاغتيالات طالت الشخصيات العلمية والاجتماعية والسياسية من دون من جميع الطوائف الإسلامية وغيرها من الأقليات. فضلا عن التشريد والتهجير والنزوح نتيجة هذه الأعمال, إذ بلغ ذلك أرقاما كبيرة جدا.

وعن تصريح أحد أعضاء المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق أن  21000 شخص لقوا حتفهم بسبب العنف والارهاب في ظرف أشهر, ففي عام2013 قتل أكثر من 33 ألفاً و105 شخص، بواقع ثمانية آلاف و645 شهيداً و23 ألفاً و460 جريحاً"، وإن "مجموع الضحايا من المدنيين في سنة 2014 كان 35 ألفاً و408 شخص، منهم 12 ألفاً و282 شهيداً و23 ألفاً و126 جريحاً"، وإن حصيلة ضحايا الإرهاب لسنة 2015 لغاية نهاية أيلول منها، بلغت 21 ألفاً و171 شخصاً، منهم ستة آلاف و238 شهيداً و 14 ألفاً و933 جريحاً"، وقد كانت "المفوضية قد أصدرت تقريراً وثقت فيه العدد الإجمالي للضحايا المدنيين خلال المدة من الأول من كانون الثاني 2013 ، ولغاية الأول من كانون الثاني 2015، تبين من خلاله أن عددهم بلغ 69 ألفاً و684 شخصاً، منهم 27 ألفاً و165 شهيداً و61 ألفاً و519 جريحاً"، وقد تبنى "داعش" هذه العمليات الإرهابية، ولم يتوقف هذا الأجرام المستند إلى التكفير, والذي يتضح استهدافه للمسلمين بصورة أكبر في ضوء اختياراته لأمكنة تفجيراته؛ فلو نظر الباحث إلى حادث تفجير الكرادة ببغداد في 3/7/2016م الموافق للسابع والعشرين من شهر رمضان الكريم من العام 1437, يلحظ بوضوح أنه وقع في أثناء تناول المسلمين وجبة السحور في أحد المطاعم من جانب وتبضعهم مستلزمات عيد الفطر من أحد المراكز التجارية المكتظة بالمتسوقين مما أدى إلى اندلاع نيران هائلة في السيارات والحافلات والمتاجر، فنتج عن ذلك تدمير ثلاثة مراكز تسوق، واحتراق عدد كبير من السيارات والحافلات ، التي كانت مركونة بالمنطقة، مما تسبب في اندلاع نيران كثيفة في محلات تجارية حوصر داخلها المتسوقون المدنيون الذين كان عددهم كبيرا كون المنطقة تشهد إقبالا مكثفا من العائلات في مثل هذا التوقيت من كل عام لاقتناء مستلزمات عيد الفطر, وتشير الإحصائيات الى أن العدد بلغ أكثر من 292 قتيلاً ، وأكثر من 200 جريح من الرجال والنساء والأطفال, وقد تبنى تنظيم داعش هذا التفجير، هذه نماذج قليلة جداً من بلد إسلامي واحد.

ومن خلال ما تقدم نستغرب الصمت المطبق للحكومة العراقية وشعبها يقتل ويهجر ويشرد وتسبى نساءه ويذبح أبناءه ولم نرى أو نسمع إن مسؤولاً تمت محاكمته أو سجنه أو أقالته أو محاسبته إدارياً كحد أدنى لما عاناه ويعانيه أبناء العراق ، ولم تتحرك الخارجية العراقية ولم يكن دور للدبلوماسية العراقية لتسجيل شكوى في المحافل الدولية ضد أصحاب الفتاوى التكفيرية الذين ساهموا في إراقاة دماء أبناء العراق الزكية .

 

لماذا يتمدد "داعش"؟

على كثرة الاستنكارات وشدتها من قبل المجتمع الدولي إلا إن "داعش" تتمتع بقوة عسكرية وإمكانات مادية كبيرة, ويعزى ذلك إلى فتاوى المنتمين إلى مدرسة ابن تيمية فعن طريق هذه الفتاوى تجعل ما تقوم به داعش وأضرابها من إفساد في العالم ولاسيما في البلدان الإسلامية والعربية منها بصورة أخص, إذ إن هذه الفتاوى صورت هذه الأفعال على أنها جهاد يقرّب إلى الله تعالى, فالذي ينتحر ليقتل المسلمين سيرتقي إلى الدرجات العليا من الجنة, ومن يدفع في هذه الموارد زكاته فذلك مجزٍ وهو أفضل مصارفه, وإن من كان لديه قدرة مالية فيجب عليه أن يدفع من ماله ما يديم زخم هذا الجهاد المزعوم, وهذا ما ضلل كثيرا من الناس ، ولاسيما الشباب من المسلمين من الجنسين للانخراط في هذا المسلك الصعب والمنزلق الخطير.

ومن يتتبع الأحداث ويستقرئ المواقف يرى بوضوح أن المفتين بهذه الفتاوى إنما يسيرون في ركاب سياسات دولية وإقليمية تغدق عليهم بالأموال ، وشتى وسائل الترف والترفيه في حين أنهم يدعون إلى إزهاق أرواح من سيسمونهم بالجهاديين ليقتلوا إخوانهم من المسلمين ويفتكوا بهم, ويتركون أوطانهم وأهليهم تحت عنوان الهجرة أو جهاد النكاح أو غيرها من المسميات....، وجلّ تلك الفتاوى مستقاة من أفكار عقدية منحرفة وفتاوى شائهة ضجت بها كتب عميد هذه المدرسة التي جسدت بشخصية ابن تيمية.

وهذا مما يلقي على عاتق كل مسلم قادر على البحث أن يتقصى الحقائق بموضوعية ، ويكشف عما يتسنى له من كشفه من أسباب ذلك ودواعيه ، وبيان خطأ اتباع المناهج المنحرفة التي تطيح بالأمة وتسخط الله تعالى بمخالفة أحكامه والإضرار بالعباد والبلاد, ومن خلال المخطط البياني أدناه يمكننا أن نتعرف على داعش ومفاصلها بيسر .




داعــــــــــــــــــــش

                       

البترو دولار        أُباحية         فتاوى وهابية      مخابرات دولية          أيدلوجية

                

سرقة       مال خليجي  جهاد النكاح

                                                                          صهيونية   ماسونية   

مخدرات تجارة بشر خطف           تجنيد    تنظير


 وقد ذكر البحث جملة من هذه الجرائم التي سودت وجه التاريخ, بعد أن خاض في دواعي الانحراف العقدي ، الذي أدى إليها ، ولاسيما في شخصية ابن تيمية الذي صار مرجعا فيها، 

وهذا ما سيتبين –إن شاء الله تعالى في أثناء البحث.
















الفصل الأول



الجذور التاريخية للانحراف العقائدي :

المبحث الأول: الإشارات القرآنية الى الانحراف, والأمم من بعد آدم عليه السلام.


المبحث الثاني: انحراف العقيدة الدينية بعد إبراهيم عليه السلام.









المبحث الأول


الإنحراف في المنظور القرآني, والأمم من بعد آدم عليه السلام.


المطلب الأول: الانحراف عن الفطرة ودعوة الرسل والأنبياء.

المطلب الثاني: انحراف العلماء.

المطلب الثالث: انحراف العقيدة الدينية بعد النبي آدم عليه السلام.

المطلب الأول: الانحراف عن الفطرة وعن دعوة الرسل والأنبياء.

صرحت النصوص القرآنية الكريمة على أن الأصل في فطرة الإنسان هو العقيدة الصحيحة, قال تعالى: ((فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)), فدين التوحيد ولوازمه فطر الله عليه, روي عن أبي عبد الله الصادق "عليه السلام", عندما سئل عن الفطرة في هذه الآية, أنه  قال: ((هي الإسلام، فطرهم الله حين أخذ ميثاقهم على التوحيد فقال: "ألست بربكم", وفيه المؤمن والكافر)), ويظهر من ضم قوله تعالى: ((وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ)), أنه تعالى أخذ ميثاقهم على الالتزام بهذه الفطرة وجعلهم مختارين, فهناك من يبقى على أصل خلقته والتزامه بعهده, ومنهم من ينحرف, فبحسب علمه تعالى أن بعضهم يؤمن في دار التكليف وبعضهم يكفر، ولم يكن فيهم حين أخذ الميثاق من هو منحرف, وتأكيدا فقد أقروا كلهم بالتوحيد وشرائطه بفطرتهم, وقيل إنه تعالى خلقهم لتوحيده, كما يقال بعثك على هذا الأمر؛ أي على شرط هذا الأمر, أو لهذا الأمر, بمعنى أن الله تعالى خلق الناس للإيمان والعبادة,"وأراد بذلك تحريم الحلرام، وتحليل الحلال" وهذا يقتضي التكليف, والتكليف يقتضي بعثة الأنبياء لبيان جزئيات الأحكام ولتقويم المسيرة كلما انحرفت.

ومما لاشك في أن العقيدة الصحيحة هي أصل عقيدة الإنسان، والبشر ابتدأ حياته مؤمناً مستقيماً، وجرت سنة الله على أنه عند انحراف البشرية عن ذلك أن يبعث إليها الأنبياء والرسل لردها إلى الحق والتوحيد بدلاً من الفساد والضلال، وقد أهلك الله أممًا وأباد حضارات كانت ملء الأرض بسبب فساد العقائد وتكذيبهم الأنبياء والرسل, مما أدى إلى السقوط الحضاري لتلك الأمم.

وفي سورة مريم ما يشير إلى بعثة الأنبياء في الأمم في الفترة بين آدم ونوح "عليهما السلام", وإلى بعثة الأنبياء من بعد نوح "عليه السلام", إلى بعثة النبي محمد "صلى الله عليه وآله", فبعد ذكر جملة من الأنبياء "عليهم السلام", قال تعالى: ((أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ)), مشيرا إلى انحراف الناس من بعد كل رسالة, إذ قال تعالى: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا}, وقال تعالى: ((كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)), فالأصل إن الناس أمة واحدة أصل عقيدتهم واحدة، وبعث الله تعالى الأنبياء كلما حصل انحراف, وهناك ملحظ مهم في ضوء ما أفادته الآية بأن الاختلاف يحصل عندما ينحرف العلماء من بعد الأنبياء, فالاختلاف فيما يشتمل عليه الكتاب ((إنما هو ناشئ عن بغي العلماء الحاملين له، فالاختلافات الدينية والانحراف عن جادة الصواب معلول ببغي العلماء بالإخفاء والتأويل والتحريف، وظلمهم)).

وتطلعنا سورة "المؤمنون" على بعض التفصيل في قصة قوم نوح "عليه السلام", قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ}, وبعد تطاول السنين على مجادلتهم بعد الإنذار وتماديهم في الغي والاستهتار, أخذهم الله بالطوفان وأنجى نبيه ومن آمن معه, ثم جاءت امة من بعدهم, قال تعالى: {ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ* فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ}, وهم قوم شعيب الذين انحرفوا فأخذتهم الصيحة, ثم جاءت بعدهم أمم أخرى والرسل تتوالى عليها, قال تعالى: {ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آَخَرِينَ}, وانبياؤهم: ((يوشع واشمويل وشمعون وداود وسليمان وشعيا وإرميا وعزير وحزقيل وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى...، وغيرهم)), وقال تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ}, يقول تعالى ذكره: ثم أرسلنا إلى الأمم التي أنشأنا بعد ثمود رسلنا تترى يعني: يتبع بعضها بعضا, وبعضها في أثر بعض، وهي من المواترة, وقيل: متقاربة الأوقات, وقيل: تترى؛ أي : بينها مهلة,  

أي بين كل نبيين قطعة من الزمان، ولا تنافي بين القولين,  فإنه تعالى قد أرسل إلى كل أمة من هذه الأمم منهم رسولا خاصا بهم, قيل: ((كانوا إلى زمن عيسى عليه السلام, أربعة آلاف، وقيل: سبعين ألفا, وكلهم على شريعته عليه السلام, منهم: يوشع وشمويل وشمعون، وداود وسليمان وشعياء وارمياء وعزيز وحزقيل والياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم "عليهم الصلاة والسلام")), فبعد هذه الأمم ورسلها جاء دور نبي الله موسى وأخيه هارون "عليهما السلام" في بني إسرائيل, قال تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ}, ثم من بعده نبي الله عيسى "عليه السلام", قال تعالى: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آَيَةً وَآَوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ}. حتى وصل الدور إلى بعثت الخاتم "صلى الله عليه وآله" قال تعالى: {إنَا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِير}, وهذا واضح في وجود الأنبياء والرسل أو أوصيائهم في كل الأمم, روي عن أبي عبد الله الصادق "عليه السلام" أنه قال: ((لما انقضت نبوة آدم وانقطع اكله أوحى الله عز وجل إليه ان يا آدم قد انقضت نبوتك وانقطع أكلك فانظر إلى ما عندك من العلم والإيمان وميراث النبوة وأثرة العلم والاسم الأعظم فاجعله في العقب من ذريتك عند هبة الله فإني لم أدع الأرض بغير عالم يعرف به طاعتي وديني ويكون نجاة لمن أطاعه)), وهو متسق وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}، وفي تفسير هذه الآية حكى السلمي ((ت412هـ)) عن بعضهم قوله: ((يخلف الولي وليا والصديق صديقا، ويرفع درجات البعض على البعض، ودرجات البعض بالبعض لئلا تخلو الأرض من حجة الله وأمانه)), وذلك يعني إن الذي حصل في الأمم من الانحدار إنما هو انحراف وزيغ عن خط أولئك الحجج الصالحين المبلغين عن الله تعالى, ويكون الانحراف أول ما يكون عند علماء السوء.


المطلب الثاني: انحراف العلماء.

خص الله سبحانه وتعالى نبيه آدم "عليه السلام" وهو أبو البشر بالعلم, قال تعالى: {وَعَلَّمَ آَدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا}, وجعل تعالى العلم حجة آدم "عليه السلام" على الملائكة, فبعد المحاورة في جعل الله تعالى آدم (ع) خليفة في الأرض, وكلام الملائكة في ذلك, أظهر الله تعالى لهم مدى علم آدم "عليه السلام" وبين لهم فضله عليهم بما علمه من العلم, وأنه يستحق أن يسجدوا له، وقد مدح الله تعالى العلماء إذ قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}, وقد قدم الإيمان عليه, وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ}, وفي ذلك فصل بين العلماء الصالحين والمنحرفين, وقد روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب "عليه السلام", قوله: ((إن ها هنا لعلما جما لو أجد له حملة! بلى قد أجد لقناً غير مأمون عليه، مستعملا آلة الدين للدنيا، أو مستظهرا بنعم الله على أوليائه، وبحججه على كتابه، أو منقادا لأهل الحق لا بصيرة له في أحنائه. يقدح الشك في قلبه لأول عارض من شبهة - فلا ذا، ولا ذا، ولا ذا- ومنهم من هو منهوم باللذة، سلس القياد للشهوة, أو منهوم بالجمع والادخار، ليسوا من رعاة الدين والعلم في شيء، أقرب شبها بهم الأنعام السائمة... بلى لا تخلو الأرض من قائم لك بحجة يقوم بالحق والصدق إما ظاهرا معلوما، وإما خائفا مقهورا، لئلا تبطل حجج الله وبيناته))، وعندما يكون الحجة مقهوراً وأتباعه مضطهدين, تبتلى الأمة بعلماء السوء أهل الزيغ والانحراف, ويلبسون الحق بالباطل ((وأما لبسهم على أنفسهم فهو بتخييلهم إلى أنفسهم إن الحق باطل وأن الباطل حق ثم تماديهم على الباطل فإن الإنسان وإن كان يميز الحق من الباطل فطرة الله التي فطر الناس عليها، وكان تلهم نفسه فجورها وتقواها غير أن تقويته جانب الهوى وتأييده روح الشهوة والغضب من نفسه تولد في نفسه ملكة الاستكبار عن الحق، والاستعلاء على الحقيقة فتنجذب نفسه إليه، وتغتر بعمله، ولا تدعه يلتفت إلى الحق ويسمع دعوته، وعند ذاك يزين له عمله، ويلبس الحق بالباطل)).

وقد ضرب الله مثلين للعلماء المنحرفين:

1- قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ}. فقد ذم الله تعالى هذا المنحرف, وقيل هو "بلعام" أو "بلعم" بن باعورا, من قوم نبي الله موسى "عليه السلام", وقد خان بلعم هذا أمانة العلم ، فأصبح من الغاوين الخائبين الخاسرين بانحرافه ومعاداته أهل الإيمان وأتباع أولياء الرحمن. 

2- قال تعالى:{مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}, فقد تعلموا وحفظوا إلا أنهم خالفوا ولم يعملوا بموجب ما علموا, فهؤلاء ابتعدوا عن الهدى وظلموا  بالانحراف عن صراط العدل, والعدول عما ينبغي من العمل إلى غير ما ينبغي, وهو موجب لعدم الاهتداء إلى الغاية المقصودة من العلم، ويكون عاقبته الخيبة والخسران بالآخرة، وهذه من الحقائق الناصعة التي ذكرها القرآن الكريم ، وأكد القول فيها في آيات كثيرة. 

فأي خزي أعظم من تمثيل حاله بالكلب والحمار؟! فشر الناس علماء السوء, وقد روي أمير المؤمنين "عليه السلام" في كلام له خطب به على المنبر: ((أيها الناس! إذا علمتم فاعملوا بما علمتم لعلكم تهتدون، إن العالم العامل بغيره كالجاهل الحائر الذي لا يستفيق عن جهله، بل قد رأيت أن الحجة عليه أعظم، والحسرة أدوم على هذا العالم المنسلخ من علمه، منها على هذا الجاهل المتحير في جهله، وكلاهما حائر بائر، لا ترتابوا فتشكوا، ولا تشكوا فتكفروا، ولا ترخصوا لأنفسكم فتدهنوا، ولا تدهنوا في الحق فتخسروا، وإن من الحق أن تفقهوا، ومن الفقه أن لا تغتروا، وإن أنصحكم لنفسه أطوعكم لربه، وأغشكم لنفسه أعصاكم لربه، ومن يطع الله يأمن ويستبشر ومن يعص الله يخب ويندم))، وعن علي بن الحسين "عليه السلام" أنه قال: ((إن العلم إذا لم يعمل به لم يزدد صاحبه إلا كفرا ولم يزدد من الله إلا بعدا)), ويرى الشيخ محمد بخيت الحنفي ((ت1350هـ)) بأن ابن تيمية من أوضح مصاديق العلماء المنحرفين الزائغين وإذ قال في هذا الصنف من العلماء (( هم من طمس الله على قلوبهم وطبع عليه أهل البدع في العقائد والأعمال الذين خالفوا الكتاب والسنة والإجماع فضلوا وأضلوا كثيرا قاتلهم الله أنى يؤفكون ومأواهم جهنم وساءت مصيرا وقد ابتلى المسلمون بكثير من هذا الفريق سلفا وخلفا, فكانوا وصمة وثلمة في المسلمين وعضوا فاسداً ، يجب قطعه حتى لا يعدي الباقي فهو المجذوم الذي يجب الفرار منه ومنهم ابن تيمية الذي ألف كتابه المسمى بالواسطة وغيره ، فقد ابتدع ما خرق به إجماع المسلمين وخالف فيه الكتاب والسنة الصريحة والسلف الصالح واسترسل مع عقله الفاسد وأضله الله على علم فكان إلهه هواه ظنا منه أن ما قاله حق وما هو بالحق ، وإنما هو منكر من القول وزور قال الإمام صاحب التصانيف النافعة في كل فن العلامة ابن حجر في فتاويه الحديثية ما نصه ابن تيمية عبد خذله الله وأضله وأعماه وأصمه وأذله وبذلك صرح الأئمة الذين بينوا فساد أحواله وكذب أقواله ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الإمام المجتهد المتفق على إمامته وجلالته وبلوغه رتبة الاجتهاد أبي الحسن السبكي وولده التاج والشيخ الإمام العز بن جماعة وأهل عصرهم وغيرهم من الشافعية والمالكية والحنفية ولم يقصر اعتراضه على متأخري الصوفية بل اعتراض على مثل عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما كما يأتي والحاصل أنه لا يقام لكلامه وزن بل يرمى في كل وعر وحزن ، ويعتقد فيه أنه مبتدع ضال ومضل جاهل غال عامله الله بعدله وأجارنا من مثل طريقته وعقيدته وفعله... آمين)). 

المطلب الثالث: انحراف العقيدة الدينية بعد النبي آدم ((عليه السلام)).

إنّ العقيدة الدينية عنصر أساسي في تكوين الإنسان؛ وإن إحساسه بالدين يكمن في أعماق قلبه, بل إنه يدخل في تركيب ماهيته, مثله مثل العقل, فقد عرف أرسطو الإنسانَ؛ بأنه: "حيوان ناطق", وذلك إن القوة الناطقية تتمثل بالعقل, وعرفه غيره؛ بأنه: "حيوان متديّن", فلقد ذهب هيجل إلى "أن الإنسان هو وحده الذي يمكن أن يكون له دين",  وإن الحيوانات تفتقر إلى الدين بمقدار ما تفتقر إلى القانون والأخلاق".

إن البشرية عرفت الألوهية ودانت بها منذ بداية الخليقة, إذ خلق الله تعالى الإنسان ليكون خليفته في الأرض, فقد خلق الله خلق آدم أبا البشرية, وآتاه النبوة التي تمثل رسالة الله تعالى إلى ذرية آدم "عليه السلام", ((وراح يعلم أبناءه ما يعلم, ويبني أول مجتمع بشري على أسس سليمة, ويلقن ذريته إن كل عمل يوزن في ذاته كما يوزن من حيث صلته بخالق الكون والناس, لأن كل  إنسان سيسال عما فعله يوم القيامة, وتعلم بنو آدم أنّ الملك لله, وأنَّ المال مالُ الله, وإن الله جعل الإنسان مستخلفاً في ماله, وغرست في وجدانهم قيم خلقية أسمى من الواقع الأرضي))، وفي كل فترة من فترات عيش الإنسان حفل تاريخه بإرسال الأنبياء والرسل, ولكن حصل الانحراف عن تلك المثل والقيم كلما بعدت الشقة بين الناس والسماء, فتظهر اتجاهات وتفسيرات لأصل الوجود,  وعلاقة الإنسان بخالقة, والأحكام والنظم, إلا أنها تكون مصطبغة في جل أحوالها بطابع ديني تعزوه إلى الإله أو القوة الغيبية.

يتضح من ملاحظة نشأة الدين في تاريخ الحضارات أن الإنسان لم ينفك عن التفكير الديني, ففي حضارات الشرق القديم واليونان؛ نلحظ أنها تظهر نمطاً من أنماط البحث عن العقيدة في ضوء التأمل بالوجود وفهم حركة صيرورة الأشياء فيه, مع أن ((المفاهيم  الميتافيزيقية في العالم القديم لم تكن مصاغة دائما في لغة نظرية, وإنما كان الرمز والأسطورة والطقس تعبر عن أصعدة مختلفة, وبوسائل خاصة, عن نظام يمكننا اعتباره نوعاً من الميتافيزيقية  في هذه المجتمعات))، ومن وجهة نظر الفلسفة الدينية فإن هناك فرقاً بين الديانة الطبيعية التي يؤمن في إطارها الناس بوجود الله –أيا كانت صورته أو مسمياته- إيماناً طبيعياً مبتنياً على بعض البراهين الساذجة أو العقلية المحضة, وبين االديانة التي يؤمن بها الناس نتيجة الوحي المنزل. فالإيمان الأول؛ فطري – طبعي-، والآخر؛ إيمان تسليمي, وإن كان يمتزج ببراهين عقلية وموافقة الفطرة التي فطر الله تعالى الناس عليها، وبين هاتين الحالتين عندما ينظر إلى الشعوب التي حفلت بالفلاسفة والمفكرين الدينيين وما رافق ذلك من انحرافات عن الدين؛ يتبادر سؤال عن الأصل الذي تستند إليه تلك الأفكار والرؤى وما حدا بهم إلى ذلك, على أن الفطرة تبقى هي الفيصل؛ لأنها أميل إلى الإيمان بوجود قوة عليا فيما وراء هذا العالم تنظمه وتحركه, إلا أن الاختلاف في تقدير هذه القوة وتسميتها وطرق التقرب إليها، ومن هذا البحث عن الإله والغيب وفي إطار رؤية الشعور الداخلي بالقوة الغيبية المطلقة والوحي السماوي وما يلحظ من انحراف امتزج ما هو مستقيم بما هو منحرف، وسيسلط الباحث الضوء على انحراف العقيدة لدى الشعوب القديمة في الآتي.


أولا: العقيدة وانحرافها في الشرق القديم.

ويقصد البحث بالشرق القديم الحضارات القديمة في وادي الرافدين ومصر والصين وفارس والهند, قبل الديانات الإبراهيمية.

1- بلاد ما بين النهرين.

وهي موطن السومريين, والبابليين والأشوريين, والمعروف أنّه : ((قبل الألف الرابع -قبل الميلاد- كانت هنالك تجمعات بشرية تسكن في جنوب العراق, على ضفاف الأنهار وحافات الأهوار, وقد أجادت التحكم بالمياه ونظم الزراعة والري, وشرّعت القوانين واستخدمت الكتابة وكان للدين بصماته الواضحة في حياتهم))، وكان ذلك منذ عصور ما قبل التاريخ، ولهم عقيدة يعتمد عليها, ويشهد على ذلك بقايا معابدهم والهياكل وأماكن التضحية وتقديم القرابين, والتماثيل الرمزية الصغيرة وتماثيل الآلهة وعادات الدفن.

اقترن تاريخ هذه الشعوب بخطاب عقئدي ذي طابع ديني, ويظهر ذلك عن طريق نظرتهم العقائدية لما يدور في محيط حياتهم, إذ إن تصورهم للكون يتسم بالنظام, وإن التكوين جاء من خلال خطوات لم تكن عشوائية, فهذا الكون الفسيح يحكمه إله السماء وهو الحاكم الرئيسي, وإله الأرض ، وهو الحاكم بأمر الله, ويعتقدون بأن الكون خلق من ماء, إذ ((يعتقدون إن البحر الذي كان في البدء هو السبب الأول الذي انبثق عنه الكون المخلوق, وتشكلت فيه الشمس والقمر والكواكب والنجوم, وكلٌّ يتحرك في طريقه الإلهي المرسوم, وما يحدث في السماء يحدث على الأرض, ثم ظهرت النباتات والحيوانات والحياة البشرية))، وكانت للسومريين عقيدة في كيفية خلق العالم من قبل إله السماء, فقد اعتمد ((السومريون مبدأ صار عقيدة سائدة في جميع الشرق الأدنى وهو مبدأ القوة الخالقة للكلمة الإلهية, فبموجب هذا المبدأ كان كلّ ما ينبغي لإله الخلق أن يفعله هو أن يصمم الخطط ويقول الكلمة وينطق بالاسم اسم الشيء المراد خلقه فيتم الخلق))، ويلحظ مدى اتفاق هذا مع العقيدة الصحيحة. 

إلا أن انحراف العقيدة يظهر بوضوح في إضفاء الصفات البشرية لإله السماء الذي يتحكم بالكون ((من ذلك: أنها كالرجال والنساء لها انفعالاتها الطاغية وجوانب ضعفها, كما أنها تأكل وتشرب وتتزوج وتنجب أطفالا وتقتني خدماً ومنازل, لكنها على خلاف البشر خالدة.... فالآلهة عندما خلقت البشر احتفظت لهم بالموت وأبقت الحياة في يدها))، وهذا انحراف واضح في العقيدة؛ إذ كيف يكون هو الإله ذا القوة المطلقة المحكم بالكون الأكبر, ومع هذا يتصف بالانفعالات التي تستلزم الضعف.

أما العصر البابلي الأول القديم, فقد اعتقدوا إن لكل موجود كوني قواعده وقوانينه الخاصة التي تجعله يستمر في الوجود إلى الأبد على وفق الخطة التي وضعها الإله الذي خلقه, بيد أنهم وضعوا مئات الأسماء المقدسة وصنفوا على أن كلا منها إله, ولكل إله خاصية مميزة ومناطق مسؤولية محددة, رغم أن كثيراً منها آلهة ثانوية, لكنهم يجمعونها في أسرة تلتف حول إله قوي بوصفها زوجات أو أبناء, أو موظفين أو خدما.

 ويتجه بعض المهتمين بالفلسفة إلى أن فكرة العدالة الاجتماعية من مبتكرات أفلاطون ((427 – 428 ق.م)) في كتابه المدينة الفاضلة, إلا أن وجود سوابق دينية تدل على ذلك يرجع إلى أصول شرقية, ولما كانت أفكار أفلاطون تشتمل على تعاليم دينية تصور بعض المفكرين أن أفلاطون كان مسيحيا قبل المسيح "عليه السلام", على أن البحث الموضوعي المتجرد يمكنه إقناع الكثيرين بأن أفلاطون الإلهي بوصفه فيلسوفا ليس إلا أسطورة, إذ يُلحظ أنَّ السومريين قد  سبقوه بفكرة العدالة الاجتماعية بحوالي خمسة وعشرين قرناً كما هو مدوّن في بعض الألواح والنصوص, كالذي يتحدث عن مدينة فاضلة تنعم بالعدالة والمحبة وإقامة الشريعة, وهي (("دلمون" الواقعة في الشمال الشرقي من شبه الجزيرة العربية, والتي تشمل جزر البحرين والشاطئ المجاور لها))، وكذلك من المدونات السومرية  كقصة "أنيمكار وإله أراتا" التي تنم عن عقيدة التوحيد، واعترافهم بأن الانحراف يؤدي إلى العذاب بحسب المدونات, وذلك بشهادة قصة الطوفان التي أشار لها "صمويل كريمر" في كتابه "من ألواح سومر" , على إن قصة الطوفان مهمة بالنسبة للتأصيل العقدي بالوحي الإلهي ومدى انحرافه, وذلك إن ((ما ورد فيها من عبارات ذات شأن كبير في إيضاح العقائد السومرية عن أصل الكون وأصل الآلهة, فهي تتضمن مواطن مهمة تلقي ضوءاً كاشفاً على خلق الإنسان, وأصل الملكية, ووجود مالا يقل عن خمسة مدن في عصر ما قبل الطوفان, فان ذلك يعني إن في سومر عبادة سماوية توحيدية إشارة إلى نبوة نوح, الذي يوصف بالصالح التقي الذي يخشى الإله)), وذكرت العقاب بعد الانحراف, فقالت على لسان الإله: ((إن البشر عبادي, بشرى في الهلاك المحيق بهم))، وتعدهم بالنعيم إذا اهتدوا وأصلحوا: ((سأعيد الناس إلى مواطنهم, سأجعل ظلالها مريحة مطمئنة, وبيوتنا سيضعون آجرها في مواضع مطهرة,  سيشيدون في المدن مواضع الشرائع الإلهية, وسيؤسسون في أماكن مطهرة, تلك الأماكن التي منها إرادتنا))، وعرض اليعقوبي ((ت284هـ)) كل هذه التفاصيل بجزئياتها الدقيقة وترتيب أسماء الأنبياء "عليهم السلام" من لدن آدم "عليه السلام" ومن ملك من ذرية آدم "عليه السلام, وذكر انحراف بعض أبنائهم واتباعهم الشيطان وما جرى عليهم من العذاب، وبمقارنة هذه الأسماء مع الألواح الطينية التي اكتشفت في العصور المتأخرة وملاحظة ما أشار إليه القرآن من حوادث هذه القرون الخالية وما أرسل من أنبياء فيها؛ يتضح أن الانحراف يأتي من تضليل المنحرفين الذين يغويهم الشيطان وتسول لهم نفوسهم السيطرة على الناس باسم الدين. ففي سومر وأكادكان يذكر الطوفان الذي أرسله الله تعالى حكما إلهيا لفساد الناس وانحرافهم, وهو أزمة كبيرة في تاريخ الإنسانية, ذكر المؤرخون فيها ثمانية حكام في قائمة الملوك السومرية, ثم امتد الطوفان هناك, وقد أظهرت الحفريات الأثرية أن الخراب الذي أحدثته الفيضانات في سومر وأكاد واقع ملموس، ولم يكن نوح "عليه السلام" يدعوهم بطريقة عدوانية, بل كان يدلي لهم بالمناصحة، مستغرقا في ذلك جميع وقته ، ليله ونهاره ، كما هو شأن الداعي الحريص على بث دعوته، الحاذق في أدائها، العالم بطرق تبليغها، يتحين لها الفرص، ولكنهم كانوا عتاة معاندين.

2- مصر القديمة. 

تظهر السمة العقدية وخطوط الانحراف عنها عند مراجعة المعطيات التاريخية, فقد كان المصريون يعتقدون بوجود حياة أخروية أبدية, ووجود ثواب وعقاب على ما قدمه الإنسان في حياته الدنيوية, وكان لذلك الأثر الأوضح في حرصه على تصوير هذه الحياة الأبدية , وأن توافر التاريخ على فكرة الإله جعله يتحرك نحو هدف أعلى وغاية سامية، ويلحظ بعض الباحثين إن الأصل الحضاري لمصر القديمة في ضوء المعطيات التاريخية أنه سماوي, إذ يرتبط بنبوة نبي الله "إدريس" "عليه السلام" في مصر قبل عهد الأسرات((الأسر)), الذي كان يدين لله بالتوحيد ويدعو له تعالى وحده, ويحذرهم من يوم البعث العظيم, فآمن المصريون بالله واليوم الآخر وشيدوا حضارتهم على قيم روحية هذبت ضمائرهم وجعلتهم يعملون على وفق أحكام الله وما شرع من النظم . ثم بدأ الانحراف العقدي؛ وذلك ((لما طال الأمد وقست قلوبهم نسجوا حول إدريس الأساطير وجعلوه "ازريس" قاضي الموتى من يضع موازين القسط يوم القيامة)), حتى صاروا إلى تأليه عناصر الوجود, فتخيلوا أربابا متفرقين يتكلفون كلٌّ على انفراد في تدبير شئون الموجودات من سماء وأرض وماء وهواء وشمس وقمر ومطر وخصب ونماء.... ثم شيئا فشيئا بدؤوا يطورون فكرهم تجاه هذه الأرباب ليألفوا بينها.

3- إيران.

إن قوام العقائد لدى إيران القديمة  يعتمد –بحسب أحد الباحثين- على عنصرين مهمين, أحداهما الإيمان الآري الموروث, والآخر الديانة الزرادشتية, فحدث امتزاج وتفاعل وتكامل بينهما، والذي يستقرئ التاريخ لا يستبعد أن تكون تلك العقائد ما هي إلا رواسب مما جاء به الأنبياء, فإنّ سيرة "زرادشت"-وإن كان هنالك من يثير شكوكاً حول إلهية النصوص التي جاء بها ونبوته, مستندين في دعواهم, على الشبه الكبير بين مدلول تلك النصوص والمدونات البابلية التي تتحدث عن تسلسل الناس جميعاً من أبوين وإنشاء جنة على الأرض, وغضب الخالق على خلقه, والطوفان-, إلا أنَّ االباحث يرى أن الصواب –بحسب ما قدم البحث من تاصيل العقائد عند البابليين- فإن وجه التلاقي في التوجهات الدينية شاهد على اتصال كلا الفكرين والحضارتين البابلية والزرادشتية وأنهما مخلفات ما العقيدة الإلهية الصحيحة, إلا أنها تعرضت لتشويهات التحريف,  فكما أشار البحث إلى بلاد ما بين النهرين من سومريين وبابليين وما فيهما من تأصيل للعقيدة الإلهية ثم انحرافها, فنجد ذلك في تعاليم زرادشت, يقول جفري بارندر: ((وصلتنا تعاليم "زرادشت" في سبع عشر ترنيمة من ترانيمه المسمات –جاثا – Gathas– وعلى الرغم من أنه يصعب ترجمتها, فان حماسه وحبّه لله, وحكمته كانت أمورا مذهله, فإن الله عند زرادشت هو السيد المهيمن الحكيم, "أهورا مزدا", خالق السماوات والأرض, وهو الأول وهو الأخر,....ولا يمكن أن تكون لله علاقة بالبشر, فروحه المقدسة هي التي تقيم الحياة, وتخلق الرجال والنساء, وتعارض الروح الشريرة, أو القوة المدمرة التي تتسم بالنوايا الشريرة, والتكبر والكذب, وعلى البشر أن يختاروا بين هاتين القوتين المتعارضتين...)), ولعل ذلك ما حدا بالمؤرخ الإسلامي المسعودي ((ت346هـ)) أن 




يقول إن: ((زرادشت بن اسبيمان, وهو نبي المجوس الذي أتاهم بالكتاب المعروف بالزمزمة عند عوام الناس, واسمه عند المجوس الابستاق "الافيستا Avesta", وأتى زرادشت عندهم بالمعجزات الباهرات للعقول, وأخبر عن الكائنات من المغيبات قبل حدوثها)), وأشار الشهرستاني  إلى ما نص عليه زرادشت بقوله: ((ومما نص عليه زرادشت: إن للعالم قوة الهبة, هي المدبرة لجميع ما في العالم, المنتهية مبادئها إلى كمالاتها, وهذه القوة تسمى: مشاسبند, وهي: على لسان الصابئة, المدبر الأقرب, وعلى لسان الفلاسفة: العقل الفعال, ومنه الفيض الإلهي, والعناية الربانية, وعلى لسان المانوية: الأرواح الطيبة, وعلى لسان العرب: الملائكة, وعلى لسان الكتاب والشرع الإلهي: الروح المنزل)).  إلا أن الانحراف العقدي حدث بعد ذلك عن طريق التخيل الذي أنتج بناء عقديا أسطوريا, ((ولم يفسد أتباعه تعاليمه عمداً, ولكن يبدو أنه حدث "تلاق والتحام" بين تعاليمه وبين الإيمان التقليدي في التراث, وكانت النتيجة إيماناً عميقاً يعبر عنه بطريقة أسطورية)). فاتجهوا إلى الثنوية وهو القول بإلهين اثنين متصارعين, لأن في عالم الكون أمورا توصف بالخير وأخرى توصف بالشر والبلايا, فلا يصح إسناد كلا الصنفين  إلى الخالق الحكيم, فيجب الاعتقاد بأن خالق الخير غير خالق الشر، ولذا اخترعوا عقيدة خيالية وهي: إن الخير موجود يدعى "يزدان", وإن خالق الشر موجود يدعى  "أهريمن", على أن كلا الخالقين مخلوق لله سبحانه، وبهذه الفرضية الخيالية، تمكنوا من إقناع أنفسهم بحل مشكلة الشرور والبلايا في صفحة الوجود، وأفاد الكهنة من ذلك الضلال للسيطرة على عقول الناس لتحريف كل ما هو مستقيم من العقيدة بدواعي حب السلطة.

ثم اختفت الزرادشتية  لمدة خمسة قرون, وذلك بعدما غزا الإسكندر المقدوني فارس في أواخر القرن الرابع قبل الميلاد، وبعد أن قامت دولة الساسانيين حاول هؤلاء العودة إلى الزرادشتية بوصفها جزءا من تراث إيران القديمة، ولكن الزرادشتية الساسانية كانت منحرفة تماما عن اتجاهات زرادشت، وكان همها تحقيق أهداف الملوك وطغيان الكهنة.


ثانياً: العقيدة وانحرافها في الشرق الأقصى القديم.

1- الهند القديمة.

لا شك أنَّ فطرة الهند تنادي بأن الله تعالى واحد، ولكن جهلهم وظلالهم طمس هذه الفطرة، واتبعوا خطوات الشيطان ليقعوا فريسة للمضللين, فأشركوا برب العالمين, وعدلوا به مخلوقاته المسخرة بأمره. يقول البيروني ((من أعلام ق:5 هـ)): ((واعتقاد الهند في الله سبحانه أنه الواحد الأزلي, من غير ابتداء ولا انتهاء, المختار في فعله, القادر الحكيم, الحي, المحيي, المدبر, المبقي, الفرد في ملكوته عن الأضداد والأنداد, لا يشبه شيئاً ولا يشبهه شيء)), ويذكر على ذلك شواهد من كتبهم, ويرجع سبب ذلك إلى ما يجري في كل المجتمعات؛ من أن طباع الخاصة ينازع المعقول ويقصد التحقيق في الأصول، وطباع العامة يقف عند المحسوس ويقتنع بالفروع ولا يروم التدقيق, ولاسيما فيما افتتنت فيه الآراء ولم تتفق عليه الأهواء, ويمكن القول إن الحضارة الهندية حضارة روحية في المقام الأول على الرغم من وجود بعض التيارات المادية, منذ ظهور ما يسمى بمرحلة الفيدا, وقد أنتجت فكرا فلسفيا روحياً, فكانت ((الفلسفة الهندية تحاول التعرف على طبيعة الإنسان الروحية وتهتم بمصير الروحي, ومن ثم فقد ارتبطت هذه الفلسفة في عمومها بالدين على اعتبار أن دافعهما واحد هو رسم الطريق الروحي للحياة وخلاص الإنسان في علاقته بالعالم والكون)), إلا أن ذلك أخذ طريقاً منحرفاً محفوفا بالأساطير, ((فسيطرت الميثولوجيا, على العقائد الهندية كلها, واستطاعت.... ان تشق طريقها عبر طريق محفوف بالخرافات)), كما تنبئ بذلك الملاحم السنسكريتية – التي كتبت باللغة السنسكريتية - وهي ((المهابهارات, والرامايانا, والبوراناس)) إذ اشتملت على نصوص حافلة بأمور تتسم بالطابع الميثولوجي, على أنها ذات مدلول خلقي وديني.

وأبرز ما يطالع الباحث في العقيد الهندية هي عقيدة البراهماك, والبراهمانيون, والذي يظهر أنهم كانوا يعتقدون إن كل ما في الكون من موجودات, إنما هي صادرة عن مصدر واحد وهو العلة الأولى, كل تلك الموجودات سوف يعود يوما ما إلى ذلك المصدر,((حالها حال قطرات الماء التي تصب في الأنهار والبحار من المطر, حيث يكون الأمر دوريا, والبحار تصعد ثم تنزل, وهكذا...، وفي الأصل كانت البرهمية الهندوكية ديانة توحيد)), ويعني : إن هذه العقيدة  تمتد جذورها إلى ديانة سماوية توحيدية, ثم شوهتها يد التحريف, ومن سمات عقيدتهم ما يوحي بذلك, إذ يلحظ أنهم ((يدّعون الفناء في الخالق, ويرون أن الطريق إلى ذلك إهمال مطالب الجسم ولذته وشهوته, والمنع عن متع الحياة, والصوم والتوبة والندم على ما اقترفه الإنسان من المعاصي والآثام)), وهذا ما جعل أحد الباحثين يقول: ((نحتمل أن يكون لها أصل ونبيّ واقعي, ثم حرفوا وبدلوا)), وعلى أقل تقدير, فإن وجود عقائد صحيحة ((يدل على تأثرها بأديان سماوية أصابها التحريف, وانبثق منها هذا)), فيكون التحريف هو الذي شوه عقيدتهم, وجعلهم أشتاتا حتى وصل بهم الحال إلى عبادة الكواكب, ومعادن كالذهب والفضة ادعوا أن الله تجلى فيها، وأنهار وآلات حرب, وآلات تناسل, وحيوانات وأشجار وجبال, وأبطال...وغيرها, حتى قيل إن التدهور الخلقي والاجتماعي عمّ فساده الكرة الأرضية، حتى وصل عدد الآلهة إلى مائتين وثلاثين مليوناً!؛ فقد أصبح كل شيء رائعاً، وكل شيء جذاباً، وكل مرفق من مرافق الحياة إلها يعبد.

وكان من دواعي الانحراف حب السلطة لدى الحكام وتزلف المحسوبين على علماء الدين, فبعد أن يسوغ هؤلاء للسلطان التمادي في غيه وينجرفون معه لشهواتهم والحفاظ على مكانتهم عنده حبا بالجاه والترف وزينوا للسلطان قبيح فعله, فتنحدر القيم وتسوء الأخلاق، وينجرف كل المجتمع, ويكون أهل الحق حينئذ في مرمى سهام السلطان, وعن هذا الواقع في الهند القديمة حكى الشيخ الصدوق عمن حدثه, أنه قال: ((فقد بلغني أن ملكا من ملوك الهند كان كثير الجند واسع المملكة مهيبا في أنفس الناس، مظفرا على الأعداء، وكان مع ذلك عظيم النهمة في شهوات الدنيا ولذاتها وملاهيها، مؤثرا لهواه، مطيعا له، وكان أحب الناس إليه وأنصحهم له في نفسه مَن زَيَّن له حاله وحَسَّن رأيه، وأبغض الناس وأغشهم له في نفسه من أمره بغيرها وترك امره فيها، وكان قد أصاب الملك فيها في حداثة سنّهِ وعنفوان شبابه وكان له رأي أصيل ولسان بليغ ومعرفة بتدبير الناس، وضبطهم, فعرف الناس ذلك منه فانقادوا له، وخضع له كل صعب وذلول، واجتمع له سكر الشباب وسكر السلطان، والشهوة والعجب، ثم قوى ذلك ما أصاب من الظفر على من ناصبه والقهر لأهل مملكته، وانقياد الناس له، فاستطال على الناس واحتقرهم، ثم ازداد عُجُبا برأيه ونفسه لما مدحه الناس وزينوا أمره عنده، فكان لا همة له إلا الدنيا وكانت الدنيا له مؤاتية، لا يريد منها شيئا إلا ناله، غير أنه كان مئناثا لا يولد له ذكر، وقد كان الدين فشا في أرضه قبل ملكه، وكثر أهله، فزين له الشيطان عداوة الدين وأهله وأضر بأهل الدين فأقصاهم مخافة على ملكه، وقرب أهل الأوثان، وصنع لهم أصناما من ذهب وفضة، وفضلهم وشرفهم، وسجد لأصنامهم. فلما رأى الناس ذلك منه سارعوا إلى عبادة الأوثان والاستخفاف بأهل الدين)), وقد تعسف في معاملة الأخيار وطرد العلماء الزهاد, ثم شاء الله أن يولد لهذا الملك ولد بعد طول انتظار وشدة شوق لأن يولد له ذكر, إلا أن هذا الولد هو "بوداسف", وهو ((بوذا 560- 480 ق. م)), الذي تمرد على ذلك الواقع وأسس الديانة البوذية، وتمثل هذه الشخصية -التي اتسمت بطابع ديني- انحرافا من نوع آخر ناتج عن التمرد النابع من الشعور بالألم نتيجة ما ارتكبه والده من اضطهاد, لتنتج بعد ذلك دينا مشوها آخر عبارة عن فلسفة مضطربة تتسم بمعاداة الحياة وملذاتها وإضفاء طابع ديني على هذا السلوك, وملخص تعاليم بوذا ان الحياة ألم, فمنذ أن يولد الإنسان حتى يموت والمآسي والآلام تلاحقه, وإن إيقاف الألم إنما يكون عن طريق التحرر والخلاص من عبادة الشهوات, والرغبات, واعتبروا ذلك طريقاً  للحكمة, وجوهر تلك المعاناة يكمن في الملذات, وإن لم تكن تلك الملذات مرتبطة بشخص آخر, فإن مجرد التعلق بها والاستمتاع بها من قبل الفرد سيكون داعيا من دواعي القلق والتنغيص؛ لاحتمال انقطاعها وزوالها, ولذا تعدّ ضحالة اللذة وافتقار الدافع إليها من أهم الأسس التي تقوم عليها البوذية, على أن ما يحصل عليه الإنسان من ملذات فإنها سطحية بحقيقتها, وعناصر تؤدي إلى التعاسة, ويظهر من أتباع هذه الديانة أنهم لا يؤمنون بجزاء, أو بعث, ولا نشور.

2- الصين. 

هناك ثلاث ديانات وضعية رئيسة كان لها الدور المهم في عقيدة الصينين منذ ثلاثة آلاف سنة من تاريخ الصين, وكان بعضها يمثل الديانة القومية وهي: الكنفوشية, والتاويّة, والثالثة وافدة من الهند وهي الديانة البوذية. لقد ظلت الديانة الكنفوشية لألفي سنة تمثل العصب الفعال لمنهج التربية والتعليم في الصين, على أن كلا من الكنفوشية والتاوية, كانتا في الأصل مذاهب فلسفية خالية من أي عنصر من عناصر العقيدة, ولم يكن لهما تنظير ديني خاص, إذ ((لم يكن الهدف الرئيسي للفلسفة الصينية في المقام الأول هو فهم العالم, وإنما جعل الناس عظماء)), فالكونفوشية التي أسسها "الكونفوشيوس" ((551 ق. م)) كان طابعها الرئيس فلسفيا تنظيميا اجتماعيا أخلاقيا, ولم يكن لكونفوشيوس كتابا محددا بل حاول أتباعه تسجيل مناقشاته بما عبروا عنه "منتخبات أدبية وأحاديث", ويظهر أن عقيدة الناس عملياً كانت مزيجاً مشوهاً من الديانات والخرافة, إذ إنهم يعتقدون بالإله الأعظم، أو إله السماء ويتوجهون إليه بالعبادة، وتقديم القرابين إليه مخصوصة بالملك أو بأمراء المقاطعات، ويعتقدون أن للأرض إلهاً، ويعبده عامة الصينيين، ويعتقدون أن للشمس والقمر والكواكب والسحاب والجبال، إلهاً- لكل منهم إله - وعبادتها وتقديم القرابين إليها مخصوصة بالأمراء وإنهم يقدسون الملائكة ويقدمون إليها القرابين، ويقدسون أرواح أجدادهم الأقدمين ويعتقدون ببقاء الأرواح، والقرابين عبارة عن موائد يدخلون بها السرور على تلك الأرواح بأنواع الموسيقى، ويوجد في كل بيت معبد لأرواح الأموات ولآلهة المنزل، وقد جاءت العقيدة التاوية في القرن الرابع قبل الميلاد كرد فعل ضد الكونفوشية إلى حد ما. فخلافًا للكونفوشيين، كان التاويون يعتقدون أن على الناس أن يتفادوا الالتزامات الاجتماعية ، ويعيشوا حياة مبسطة وأقرب إلى الطبيعة، وقد أثرت هذه الأفكار كثيرًا على الشعراء، حيث تغنوا بجمال الطبيعة، ونتج عن الفلسفة الطاوية رائعتان من الروائع الأدبية: الأولى هي كتاب نموذج الطريق والفضيلة كتبه في الغالب لاوزي، مؤسس الطاوية. أما الثاني المعروف باسم زوانجتزي فينسب إلى الفيلسوف زوانجتزي, وكانت التاوية متأثرة بالصين الشعبية. فمعظم الآلهة في زعم أتباع الديانة الصينية الشعبية هم بشر، أظهروا قدرات غير عادية خلال فترات حياتهم، منها على سبيل المثال قدرات جُوان دي، حامي حمى رجال الأعمال، رفيع المنزلة خلال القرن الثالث الميلادي، وأقام التاويون نظام كهانة وراثي، إذ يقوم الكهان بأداء الطقوس العامة التي يقدمون خلالها الصلوات إلى آلهة الديانة الشعبية، والكاهن الرئيسي، الذي يكون في حالة انجذاب، يصلي لآلهة أخرى بالأصالة عن المتعبدين، وهذه المعبودات لم تكن بشرًا في السابق، لكنهم يمثلون جوانب الطاوية، وحاول أعضاء بعض الجماعات الطاوية الوصول إلى الخلود عن طريق السحر والتأمل، أو طرق غذائية خاصة، أو السيطرة على التنفس أو ترتيل النصوص المقدسة، وقد أشار البحث إلى الديانة البوذية, وقد وفدت إلى الصين لتنظم إلى هاتين العقيدتين في الصين، وكل ما تقدم ينبئ عن أن هناك عقيدة صحيحة كانت لهؤلاء البشر، ولما تطاول بهم الزمن انحرفت تلك العقيدة.

ثالثاً: الغرب القديم.

استمدت عقيدة الإغريق والفكر اليوناني القديم كثيرا من مضامينها الفكر الشرقي القديم, المفعم بما هو أصيل من الدين، وما هو محرف مشوه منه محفوفا بالأساطير, من قبيل (( التمثلات الأسطورية السومرية والبابلية والكنعانية لعمليات الخلق الأول... في عمليات التكوين الأساسية للعالم والإنسان, وإنها تدين بولادتها وتطورها لهذه الأساطير التي شكلت نقطة انطلاق الفلسفة, وتجمع الأساطير الشرقية حول مسلمة أساسية تتعلق بفكرة الإنسان عن التكوين ونظرته إلى خلق العالم واصله وحركته, وتركز هذه المسلمة على الدور الاستثنائي والمميز للآلهة في عملية التكوين)), والتي تشير إلى إن الإنسان ليس له القدرة بذاته ليكون الأساس في عملية الخلق والتكوين, وإنما هناك قوة مفارقة تتكفل هذا الجانب بما تتمتع به من قوة خارجة عن قدرة الإنسان مهما كانت قداسته, وحتى لو كان من الآلهة المخترعة التي جعلتها الأساطير من سلالة منحدرة من الإله الأعظم ذي القوة العليا، وكانت الآلهة في الغالب إناثا في الفكر الغربي القديم على طريقة الشرق القديم، وقد اختلف في مرجعية ما جاء من تاريخ العقيدة اليونانية, وذلك بالنظر لما حفلت به من الأساطير التي يعزوها بعض الباحثين إلى بقايا قصص ديني تعرض للتحريف بشهادة ما فيه من قصص مثل الطوفان, وبعضهم يرى أنها قصص تاريخية من نسج أحداث وقعت قام ببطولتها ملوك أو شجعان ثم رفعهم الخيال الشعبي إلى مراتب الآلهة, ويفسرها آخرون تفسيرا أدبياً رمزياً؛ قد يجعلها مجرد رموز لقيم وأعراف وعادات وتقاليد, ويرى آخرون أنها محاولة إنسانية طبيعية لتفسير ما حوله من الموجودات والظواهر.

والراجح لدى البحث هو الرأي الأول القائل بأنها قبس من القصص الديني تعرض للإضافة والتحريف؛ وذلك إن أبا البشر آدم "عليه السلام" نبي, وهو أول الناس, وتوالت الرسالات السماوية على أيدي الأنبياء والرسل, فلا تخلو أكثر الموروثات من أصول دينية, إلا أن القائمين بشؤون الدين من الذين ينزون على هذا المنصب بالقهر والغلبة ويحاربون أولياء الله تعالى يحرفون الدين ويضلون عباد الله تعالى بالصد عما جاءت به الأنبياء والرسل.

وقد حفل تاريخ اليونان بالانحراف الديني والأساطير, وقد فرضت هذه الانحرافات هيمنتها على تراث أوربا القديم في منتصف الألف الثاني قبل الميلاد, وشاهد على ذلك ما ورد في ملحمتي هوميروس, الإلياذة والأوديسة,- ويذكر إن تأليف هذه الملاحم كان في حدود  عام 800 ق. م.- مما فيها من الروح العدوانية والوحشية وسلوك الحاكمين باسم الدين،  الذي ينم عن تعصب وحب لسفك الدماء كالتضحية بالبشر وقتل الأسرى, مما ينبئ شعور داخلي نفسي مريض عصف بالروح اليونانية التي يتجاذبها عقل منظم من جهة, وهوى غريزي متمادٍ من جهة أخرى, إلا أن هذه الملاحم لا تخلو من بعض الأحكام والأخلاق والنظم مما يشير إلى أنها ذات أصل ديني, لكنها محرفة، ولذا عدّ بعض الباحثين قصائد هوميروس إنجيل الإغريق. 

ومن المحطات المهمة ليس على مستوى تاريخ الإغريق فحسب بل في تاريخ الإنسانية؛ النتاج الفكري الذي حفل به تراث فلاسفتهم, وذلك لأنه ((لا يستطيع مؤرخ أو مفسر للتاريخ أن يعبر الفكر الإغريقي دون أن يشير إلى "سقراط, وأفلاطون, وأرسطو", وهؤلاء الأعلام الثلاثة الذين فرضت عبقريتهم نفسها على العالم))، وقد تركزت جهود سقراط على الفضيلة, وضرورة نقد النفس, ومراجعة العقل ونقده. أما تلميذه أفلاطون فقد بحث عن الإله والروح والغيب, واتصف ذلك بالنزعة المثالية, فلا وجود إلا للمثل ولا حقيقة إلا للمثل عنده.

أما أرسطو تلميذ أفلاطون, فقد اشتهر عنه ميله إلى الاتجاه العقلي, وقد ركز على الجانب السياسي في حياة الإنسان واعتبره كائنا أو حيوانا سياسيا, وصنف كتابا في السياسة ((Politics)), ناقش فيه الموقف السياسي.

أما على صعيد العقيدة الدينية فكان الاتجاه العام لهؤلاء الفلاسفة الثلاثة -"سقراط، وأفلاطون, وأرسطو"-، محاولة إيضاح حقيقة الدين، وإرجاع الوعي اليوناني إلى الاعتقاد بوجود الإله, فعن سقراط يقول ابن النديم ((ت438هـ)): ((سقراط بن سقراطيس . من أهل مدينة أثينة ، مدينة العلماء والحكمة ، لم يدوّن منه كثير شيء، والذي خرج من كتبه، مقالة في السياسة، وقيل إن رسالته في السيرة الجميلة له صحيح...، وكان زاهدا خطيبا حكيما، وقتله اليونانيون لأنه خالفهم)), وبحسب ما ورد فإن سقراط كان موحداًً, ولم يكن عدوانياً, فقد كتب في الأخلاق والسياسة التي تعني تدبير شؤون العباد بما يوافق العدالة الإلهية ودعا إليها بالحكمة, فكان جزاءه أن دس له السم، وهذا ينبئ عن وجود من تمسك بدعوة الأنبياء والرسل "عليهم السلام" وفي مقابله انحراف الأكثرية عن الاستقامة على دين الله تعالى.

أما أفلاطون, الذي يدعى "أفلاطون الإلهي" لما ظهر منه من التمسك المنهج الديني التوحيدي والأخذ بمنهج أستاذه سقراط, فعرف بالتوحيد والحكمة, ولما اغتيل سقراط بالسم قام مقامه وجلس على كرسيه, وضم إلى العلوم الإلهية العلوم الطبيعية والرياضية, ويبدو أنه بعد اغتيال سقراط احتاج إلى محاورة قومه بواسطة الأدلة الفيزياوية, ولم يكن يدعو للفوضى ولا للقتل وسفك الدماء, بل بالحكمة, يقول جفري بارندر عن أفلاطون: ((استعاد أفلاطون"427-347ق.م" البعد الديني, حيث تتضمن فكرته عن الخلق وجود اله صانع)) , ومن وصاياه: لا تلاحِ رجلا غضبانا فإنك تقلقه باللجاج, ولا تجمع في منزلك نفسين يتنازعان في الغلبة ولا تفرح بسقطة غيرك فإنك لا تدري متى يحدث الزمان بك ولا تنتفخ في وقت الظفر فإنك لا تدري كيف يدور عليك الزمان, ولا تهزل بخطأ غيرك فإن المنطق لا تملكه, وألق الخطأ من الناس بنوع الصواب)), مما يعني : إنه يوجه بالمحاورة بالحكمة والموعظة الحسنة وليس بالملاحات واللجاجة, وهذا منه – إذا صحت النسبة- مثل ما جاء به الأنبياء والرسل.

أما أرسطو فيبدو أنه صار إلى المحاورة بفلسفة الدين, ولم يكن ليأمر بالفوضى, ولذا أطلقوا عليه المعلم الأول, والحكيم المطلق,: ((أرسطو "384-322ق.م" أنبغ تلاميذ أفلاطون, وقد قدم كذلك فلسفة دينية))، ولذا قد عدّ بعضهم فلاسفة اليونان في عداد الأنبياء, فقيل: ((ولهم أنبياء كثيرة أكثرهم فلاسفة يونان كهرمس المصري وأغاذيمون وواليس وفيثاغورث وباباسوار جد أفلاطون من جهة أمه وأمثالهم)), ولكن مع كل هذه الدعوات الإلهية وأتباعها فقد طغى الفكر المتطرف على كثير من علمائهم الذين انحرفوا عن دعوة الحقّ إلى الميل مع الحاكم المنتصر وتقديسه إلى حد تأليهه؛ ليمدوه في غيه وطغيانه, فالحاكم الطاغي هو من وصل إلى الحكم بطريق غير شرعي.

ويلحظ تأثير الصراع بين الاستقامة والانحراف في اليونان القديم على الرومان فيما بعد؛ إذ ظهرت الرواقية التي سميت بعد ذلك "بالرواقية الجديدة"، والأبيقورية, لتثار ضجة بين كل اتجاه, مبتعدين بذلك عن فطرة الله وما جاءت به رسله وأنبياؤه, لتنحرف الأحكام التي تنظم المجتمع الإنساني على وفق ما تشتهيه أهواؤهم المتماشية مع السلطات, وما تمليه عليهم غرائزهم الحيوانية من اتباع الشهوات كحب الظهور والاستعلاء، فقد سجل التاريخ عن أحد تلامذة أرسطو ممن يطمح للحكم اعتراضه على أرسطو, بقوله إذا كنت تنشر كل العلوم التي تعلمناه منك, كيف يتسنى لنا أن نكون خيرا من الآخرين؟ فإنني أحب أن أفوق الآخرين في العلم لأفوق عليهم بالقوة!.

وخلاصة ما مر تفيد بأن الله تعالى خلق الإنسان وأصفاه بالعلم، وذلك ما أثار روح الحسد الناتج عن الاستعلاء لدى إبليس الذي طرد من الجنة، كما جاء بقوله تعالى :{ قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا } "الاعراف 18" ، وطلب إبليس المهلة ليغوي أبناء آدم ما استطاع إلى ذلك سبيلا, 

{ قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } "الأعراف14" ، والمعلوم أنه لا يتمكن من الذي تمسك بميثاقه مع الله, لكنه استطاع على مرّ حياة الإنسان في هذه الدنيا من إغواء جملة من الناس كان على رأسهم مجموعة من المنتسبين إلى العلم, إذ وظف إبليس الحقد والخصومة بالوسوسة لصنف من الناس وألقى في نفوسهم مقولة أنهم أرقى من غيرهم ليدعي بعضهم الربوبية, ويظهر بعضهم العدوانية لأولياء الله والتشكيك بما انزل الله بصرفه عن مراده, تحت ستار الدين, إذ زينوا الباطل بلافتات الحق، فكل جهة من هذه الجهات لها في خيام النفاق أساتذة وعباقرة، مهمتهم تمييع القضايا، وترقيع الحقائق برقع الباطل ليصلوا بالجميع إلى محطة لا يكون فيها الدين إلا اسما ولا يكون كتابه إلا رسما. 

                ومن خلال ما تقدم يتضح لنا ان جميع الأمم والأقوام التي بعثت إليها الرسل والأنبياء قد أنحرفت عن المسار الذي أتى به الرُسل نتيجة لإنحراف المتصدين من العلماء ...   




المبحث الثاني


انحراف العقيدة الدينية بعد إبراهيم ((عليه السلام )).


المطلب الأول: الديانة اليهودية.

المطلب الثاني: الديانة المسيحية.

المطلب الثالث: الديانة الإسلامية.

المبحث الثاني: انحراف العقيدة الدينية بعد إبراهيم.

احتلت نبوة إبراهيم "عليه السلام" موضعاً رفيعاً ومنزلة سامية في جميع الكتب السماوية؛ إذ أعطى العهد القديم "التوراة", والعهد الجديد "الإنجيل" و"القران الكريم" مساحة واسعة لنبوة إبراهيم "عليه السلام" وسيرته, الذي تلقى الوحي الإلهي في وادي الرافدين وانطلق مهاجراً بين ممالك الشرق القديم حاملا رسالة التوحيد ومبشراً بالحنفية, والبشرية تعاني من الانحراف, موغلة في الضلال الذي جعلها في سبات فكري وضياع ديني متخبطة بعبادة الظواهر الطبيعية وتأليه الطواغيت, وقد نسبت الديانات الرئيسة بعده إليه, إذ كان إبراهيم أمة حقاً, وأبا للشعوب, وقائداً للأنبياء, ونبراساً وإماماً لهدى البشرية، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ},  وقال تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } , فقد كان أثره واضحا فيمن جاء بعده من الأنبياء الذين بعثهم الله لتصحيح مسيرة الإنسانية كلما حاول من أغواهم الشيطان لأن ينحرفوا بالناس ويضلوهم, ومن أولئك الأنبياء: "لوط, وإسماعيل, وإسحق, ويعقوب, ويوسف, وأيوب, وشعيب, ثم موسى, وداود, وسليمان, وذي الكفل, وعمران, وزكريا, ويحيى, وإرميا, ودانيال, وجرجيس, وعزير, وأشعيا وغيرهم..., ثم عيسى, ثم محمد" عليهم السلام", إلا أن الديانات الكبرى بعد إبراهيم كانت ثلاثة؛ هي: اليهودية, المسيحية, الإسلامية، وقد قص القرآن الكريم مرارا وتكرارا قصص الأنبياء والرسل السابقين من هذه الحقبة لعلم الله تعالى بما سيجري في هذه الأمة كما جرى في الأمم السالفة وأشار الرسول الأكرم "صلى ‌الله ‌عليه ‌وآله" إلى ذلك فقد روي عنه أنه قال: ((لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم. قالوا: يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟!)) أو قال: ((فمن إلا اليهود والنصارى؟!)), وهو أحد معاني قوله تعالى: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ}, إذ إن من معانيه: لتركبن سنن من كان قبلكم من الأولين وأحوالهم، أو لتسلكن سبيل من كان قبلكم من الأمم في الغدر بالأوصياء بعد الأنبياء, وسنتناول الموضوع في ثنايا البحث 

المطلب الأول: انحراف الديانة اليهودية.

اليهودية؛ ديانة اليهود الذين يزعمون الانتساب إلى نبي الله يعقوب "عليه السلام"، وقيل: إن اليهودية ديانة العبرانيين المنحدرين من إبراهيم "عليه السلام" والمعروفين بالأسباط من بني إسرائيل الذي أرسل الله إليهم موسى عليه السلام مؤيداً بالتوراة,  ليكون لهم نبيًّا. أما نسبتها, فقيل: إنها منسوبة إلى يهود الشعب، وقد تكون نسبة إلى يهوذا أحد أبناء يعقوب وعممت على الشعب على سبيل التغليب, والاختلاف في انتسابها إلى نبي الله يعقوب "عليه السلام", والاختلاف في نسبتها إلى يهود الشعب أو يهودا ناشئ من انعدام نصوص تاريخية دقيقة وموثقة عن العبرانيين, إذ لم يثبت علمياً أنهم هاجروا من جزيرة العرب بوصفهم قوماً ذوي صفة جنسية واحدة, سوى ما أدخله مؤرخوهم من التزوير, فهم جماعات مختلفة آمنت بديانة واحدة وجمعتهم ظروف واحدة، وقد انحرفوا عن الديانة الإبراهيمية السماوية وعبثوا فيها على وفق أهوائهم وأغراضهم، مما جعلها بدل من أن تهدي إلى الحق والرشاد وما فيه الفلاح والنجاح أصبحت تدعو إلى الباطل من الاعتقاد وتنكب طريق الرشاد، فمن العسير التعرف على الحق الصريح من خلالها.

اليهود قبل موسى "عليه السلام".

نسب اليهود ديانتهم إلى مجموعة من الشخصيات المقدسة من الأنبياء "عليهم السلام", ابتداء بعصر الآباء –كما يسمونه- ويبدأ ذلك بأبي البشر نبي الله آدم "عليه السلام", ويدخل تحتها عصر نبي الله إبراهيم "عليه السلام", ثم المرحلة العبرية التي تبتدئ بعصر نبي الله يعقوب "إسرائيل" "عليه السلام", وتمتد حتى القرن السادس قبل الميلاد حين ظهرت التسمية الجديدة "الديانة اليهودية" في فترة السبي البابلي, وقد تعد المرحلة الثانية ظهور نبوة نبي الله موسى "عليه السلام", وهي المرحلة الموسوية نسبة إلى نبي الله موسى "عليه السلام".

ومع انعدام الدليل فقد نسب اليهود أنفسهم إلى نبي الله إبراهيم ولادة وعقيدة, ثم إلى ابنه نبي الله يعقوب "عليه السلام", محتجين بما كتبوه في سفر التكوين, وسفر "نحميا"  إذ جاء فيه: ((أنت هو الرب الإله الذي اخترت أبرام وأخرجته من أور الكلدانيين وجعلت اسمه إبراهيم. 8 ووجدت قلبه أمينا أمامك وقطعت معه العهد أن تعطيه أرض الكنعانيين و الحثيين والأموريين والفرزيين واليبوسيين والجرجاشيين وتعطيها لنسله)), ولتأكيد ذلك قالوا: ((ولما صارت الشمس إلى المغيب وقع على أبرام سبات، وإذا رعبة مظلمة عظيمة واقعة عليه. 13 فقال لأبرام اعلم يقينا أن نسلك سيكون غريبا في أرض ليست لهم14)), وأيضاً: ((لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات)), وهذا في الحقيقة تدويناتهم, وهي متهافتة وغير مؤيدة بشاهد علمي، واتسم ما يسمى بديانة الآباء بأنها مفرغة من محتوى العقيدة الصحيحة سوى بعض الطقوس العبادية البسيطة, إذ لم تكن هناك بيوت للعبادة, وكانت العلاقة بين الإله والشعب علاقة عصبية قبلية الأساس, وقد خلت هذه الفترة من التشريع التنظيمي لحياة العبرانيين التي اعتمدت على بعض العادات القبيلة أو بعض التشريعات البدوية أو شبه البدوية.

تعدّ شخصية إبراهيم "عليه السلام" الشخصية الدينية الأساسية في مرحلة الآباء بوصفه المتلقي للوحي الإلهي والمستجيب للأوامر الإلهية في طاعة تامة, والمتلقي –أيضاً- للوعد الإلهي الذي اعتبروه محددا لمصير الإسرائيليين، وجدير بالذكر: إن إبراهيم كان حنيفاً مسلما, قال تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}, وكذلك ديانة يعقوب "إسرائيل" "عليه السلام" هي الديانة الإبراهيمية, إذ جاء عن لسان نبي الله يوسف "عليه السلام", في قول الله تعالى: {إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ*وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ}, وقد فصل القرآن الكريم عقيدة نبيه إبراهيم "عليه السلام" ومن اتبعه من أبناءه الأنبياء "عليهم السلام, وبيّن خروج اليهود وانحرافهم عن العقيدة الصحيحة, قال تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}, وقال تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}, وبين أنهم أمة مسلمة واحدة, قال تعالى: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}, وقد أكد إبراهيم عليه السلام على أولاده في اتباع العقيدة الصحيحة, قال تعالى: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}, ومضى يعقوب "عليه السلام على ذلك ليؤكد على بنيه التزام ذلك المنهج, قال تعالى: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}, فهذه هي العقيدة الإبراهيمية الصحيحة التي تتمثل بالإسلام.

وقد أوضح الموقف من المنحرفين؛ إذ قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ}, وأشار إلى أن اليهود ليسوا على عقيدة إبراهيم "عليه السلام", ونفى عنهم الهداية ما لم يكونوا على ملة إبراهيم "عليه السلام", قال تعالى: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ}, ورد على قولهم {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}، وبهذا يتضح أن اليهود ليسوا على ملة إبراهيم "عليه السلام", ولا على ملة يعقوب "عليه السلام".

اليهود بعد موسى عليه السلام.

قد تنسب الديانة اليهودية لنبي الله موسى "عليه السلام", وذلك لما مرّ من ذكرهم لهذه المرحلة الأهم في الديانة اليهودية إذ يظهر فيها الإله "يهوه" بصورة واضحة في التاريخ اليهودي, بدعوى انه إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب "عليهم السلام", إلا أن التوراة لم تنصّ على ذلك, ولم يتم اكتشاف الاسم "يهوه" في العصور السابقة أيضا, وقيل إن موسى "عليه السلام" عرف الإله يهوده عن طريق "يثيرون" وهو نبي الله شعيب "عليه السلام", وعلى هذا التشويش والدعاوى المجردة من الدليل؛ يتضح أن الديانة اليهودية إنما هي عقيدة محرفة, وذلك ما دعا بعض الباحثين أن يعرّف الديانة اليهودية بأنها: ((مصطلح حادث يطلق على الديانة الباطلة المحرفة عن الدين الحق الذي جاء به موسى "عليه السلام"))، وقد حفل تاريخ اليهود في هذه الفترة بانحرافات ومكائد كبرى في زمن موسى "عليه السلام" وفيما بعده, من كفر, وقتل للأنبياء, وإيذاء للأولياء, قال تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ}, ((وقد قتلت اليهود "لعنوا" شعيا وزكريا ويحيى)) ونسب القتل إليهم جميعاً لرضاهم بهذا الفعل الشنيع, جاء في التفسير بأن ((هؤلاء لم يقتلوا الأنبياء وإنما قتلهم أجدادهم وأجداد أجدادهم فرضوا هؤلاء بذلك فألزمهم الله القتل بفعل أجدادهم، فكذلك من رضي بفعل فقد لزمه وإن لم يفعله، والدليل على ذلك أيضا قوله في سورة البقرة { فلم تقتلون " أنبياء الله من قبل ان كنتم مؤمنين } فهؤلاء لم يقتلوهم ولكنهم رضوا بقتل آبائهم فالزمهم فعلهم)), وهذا سار فيمن رضي بأفعال شنيعة وقعت على أولياء الله من أمة محمد "صلى الله عليه وآله", فقد جرى على أهل بيته "صلوات الله عليه وعليهم" القتل والإيذاء والاضطهاد والسب على المنابر, ووقف بعض العلماء يبررون ذلك ويظهرون الرضا عمن فعل تلك الأفعال الشنيعة. فقد قيل في فظاعة ما صنعه المسلمون بأبناء نبيهم وانه كفظاعة ما صنعته بنو إسرائيل بأنبيائهم؛ إذ يجاب على من قال: أليس يعجب من بني إسرائيل وقتلهم الأنبياء؟بأنه: إنما كان فينا ابنا نبي فقتلنا أحدهما، وترى ابن تيمية ينتقد الحسين "عليه السلام" ويسوغ فعل يزيد, بقوله: ((إِذَا تَوَلَّى خَلِيفَةٌ مِنَ الْخُلَفَاءِ، كَيَزِيدَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ وَالْمَنْصُورِ وَغَيْرِهِمْ، فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: يَجِبُ مَنْعُهُ مِنَ الْوِلَايَةِ وَقِتَالُهُ حَتَّى يُوَلَّى غَيْرُهُ كَمَا يَفْعَلُهُ مَنْ يَرَى السَّيْفَ، فَهَذَا رَأْيٌ فَاسِدٌ، فَإِنَّ مَفْسَدَةَ هَذَا أَعْظَمُ مِنْ مَصْلَحَتِهِ، وقَلَّ مَنْ خَرَجَ عَلَى إِمَامٍ ذِي سُلْطَانٍ إِلَّا كَانَ مَا تَوَلَّدَ عَلَى فِعْلِهِ مِنَ الشَّرِّ أَعْظَمَ مِمَّا تَوَلَّدَ مِنَ الْخَيْرِ. كَالَّذِينَ خَرَجُوا عَلَى يَزِيدَ...)), وفي خروج الحسين "عليه السلام", يقول: ((وَكَانَ فِي خُرُوجِهِ وَقَتْلِهِ مِنَ الْفَسَادِ مَا لَمْ يَكُنْ حَصَلَ لَوْ قَعَدَ فِي بَلَدِهِ، فَإِنَّ مَا قَصَدَهُ مِنْ تَحْصِيلِ الْخَيْرِ وَدَفْعِ الشَّرِّ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ شَيْءٌ، بَلْ زَادَ الشَّرُّ بِخُرُوجِهِ وَقَتْلِهِ، وَنَقَصَ الْخَيْرُ بِذَلِكَ، وَصَارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِشَرٍّ عَظِيمٍ، وكَانَ قَتْلُ الْحُسَيْنِ مِمَّا أَوْجَبَ الْفِتَنَ)), ويعلق على موقف ابن تيمية هذا, بالقول: ((لا ريب أنه كان صادقاً حين يتكلم بلغة الدنيا والمصلحة الزائلة وحين ينظر إلى هذه الأحداث بمنظار بني إسرائيل الذين يمنحون التقديس دائماً للسلطان المنتصر, ويلقون باللائمة على السلطان المغلوب في ميدان السيف والحصان وإن كان غالباً قاهراً في ميدان القيم، ولكن ما أبعده عن الصدق حين يوزن بلغة القرآن ومنظار الأنبياء, فهل مجّد القرآن أحدا بعد الأنبياء كتمجيده الشهداء؟)) .

 وقد وصف اليهود الباري -عز وجل- بأوصاف قبيحة, سبحانه وتعالى عما يصفون,  وجدل في أوضح الأمور, وعصبية واستعلاء وعدوانية, كل ذلك أنتج تشريعات مختلقة؛ فالعهد القديم الذي استغرقت كتابته زهاء ألف عام من القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وحتى القرن الرابع قبل الميلاد حفل بما واكب هذه المدة من تأثيرات متعددة ولاسيما الشعور بالاضطهاد جراء ما وقع من عليهم من حكم المصريين والآشوريين والبابليين والساسانيين والفرس واليونان, وعقدة النقص التي استدعاها مجهولية الهوية أو ضياعها والتي تستلزم بدورها خلق الروح العدوانية والتعالي والغرور بعد بناء مجد زائف لسد ما يعانون منه في نفوسهم. إلى غير ذلك مما أثر في استنباطهم للأحكام, ولاسيما في مجال التكفير, وجواز استباحة المؤمنين بدعاوى باطلة بداعي الهوى والاستعلاء.

فقد جاء فيما كتبته أيديهم في التوراة: ((فَضَرْباً تَضْرِبُ سُكَّانَ تِلكَ المَدِينَةِ بِحَدِّ السَّيْفِ وَتُحَرِّمُهَا بِكُلِّ مَا فِيهَا مَعَ بَهَائِمِهَا بِحَدِّ السَّيْفِ. تَجْمَعُ كُل أَمْتِعَتِهَا إِلى وَسَطِ سَاحَتِهَا وَتُحْرِقُ بِالنَّارِ المَدِينَةَ وَكُل أَمْتِعَتِهَا كَامِلةً لِلرَّبِّ إِلهِكَ فَتَكُونُ تَلاًّ إِلى الأَبَدِ لا تُبْنَى بَعْدُ)).

وقد وطدوا الأحكام الأولية للتكفير عن طريق اعتبار غير اليهود أميين أو أغياراً كفرة،  وإعفاء اليهود من أي ضوابط أخلاقية في التعامل معهم، ومنح الذات اليهودية حق إطلاق حكم التكفير على الأغيار وحق ممارسة التجاوزات بحقهم بسند شرعي يهودي, بصورة وحشية. ((فَأَنَا الرَّبُّ إِلَهُكُمْ، مَيَّزْتُكُمْ عَنْ بَقِيَّةِ الشُّعُوبِ)).

فعدّوا الأرواح غير اليهودية أرواحاً شيطانية شبيهة بأرواح الحيوانات...، ولا فرق بين الأجنبي والخارج عن دين اليهود, وكل من خرج عن مذهب اليهود، فهو ليس بإنسان، ولا يجوز أن تستخدم معه الرأفة؛ لأن غضب الله موجه إليه, وليس من الموافق أن الرجل الصالح تأخذه الشفقة على الشرير, وليس من العدل أن يشفق الإنسان على أعدائه ويرحمهم.

ولا يقف الأمر عند عدم الشفقة, بل يتعداه إلى البطش بوحشية والتقرب ذلك إلى الله تعالى؛ فدماء غير اليهود وأموالهم مباحة, وإن اليهودي يتنجس إذا لمس القبور, ومن ينكر شيئاً من هذه الاعتقادات فهو كافر، ويلزم بغضه واحتقاره وإهلاكه, وإن من يسفك دم الكافر فإنه يقرب قرباناً إلى الله؛ ولذلك فإن من قتل مسيحياً أو أجنبياً أو وثنياً يكافأ بالخلود في الفردوس والجلوس في السراي الرابعة, ويصفح عن الأمي إذا جدف على الله تعالى أو قتل غير إسرائيلي أو زنا بامرأة غير يهودية ثم تهوّد, لكنه لا يصفح عنه إذا قتل يهودياً أو زنا بامرأة يهودية ثم صار يهودياً, والذي يرتد عن الدين يعامل معاملة الأجنبي.

وكل ذلك ينسبونه للدين تسويغاً لأنفسهم؛ باعتقاد أنهم شعب الله المختار, ساعين بشتى السبل للسيطرة على البشر باستخدام أبشع صور انتهاك ما حرم الله تعالى؛ فيشعلون الحروب ويسفكون الدماء ويستحلون الأموال والأعراض.

ويلحظ مدى تطابق الأحكام التي أسسها علماء التكفير على العقائد المحرّفة بهذه الأحكام المنحرفة التي اتخذت مصدرا لسفك دماء المسلمين واستباحة أموالهم وانتهاك أعراضهم. 


المطلب الثاني: إنحراف الديانة النصرانية.

المسيحية: ويقال لها النصرانية، والمسيحية نسبة للمسيح عيسى بن مريم "عليه السلام", إمعاناً منهم في الانتساب إلى المسيح، وتخلّصاً من الذم الذي ارتبط بهذه النسبة في القرآن الكريم, وإمعاناً منهم في الانتساب إلى المسيح "عيه السلام", وهي تسمية متأخرة عن تسمية النصارى؛ إذ إن ((أول ما دُعيَ النصارى "بالمسيحيين" في أنطاكية حوالي سنة 42م، ويرى بعضهم أن ذلك أول الأمر كان من باب الشتم، ولم ترد التسمية بالمسيحية في القرآن الكريم ولا في السنة، وإن المسيح حسب الإنجيل لم يسم أصحابه وأتباعه بالمسيحيين وهي تسمية لا توافق واقع النصارى لتحريفهم دين المسيح عليه السلام))، وكذلك النصرانية, قال الله تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ}, قال الطوسي ((ت460هـ)): ((قوله: "ومن الذين قالوا إنا نصارى"؛ إنما لم يقل: من النصارى؛ لما قاله الحسن: من أنه أراد تعالى بذلك أن يدل على أنهم ابتدعوا النصرانية التي هم عليها اليوم، وتسموا بها)).

 وأصل هذه الديانة ما أنزل من الله "تعالى" على نبيه عيسى "عليه السلام"، ويقال لأتباعها؛ ((النصارى)), وقيل في هذه النسبة: أما نسبة إلى بلدة الناصرة التي ولد فيها المسيح "عليه السلام"، أو لأنهم نصروا عيسى "عليه السلام"، قال تعالى: {قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ}، والنصرانية امتداد لليهودية التي جاءت لتقويم ما حرفه اليهود من الحنيفية الإبراهيمية؛ إذ بعث الله تعالى المسيح عيسى "عليه السلام" مصححاً لما حرّفه اليهود مرة أخرى بعد موسى "عليه السلام" منها، قال تعالى: {ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ورسولاً إلى بني إسرائيل}، فاليهودية والنصرانية ديانات أو ملتان محرفتان عن الشرع السماوي الحنيف،  لذا صارتا صفتي ذم تجريان على فرقتين ضالتين.

وكما تقدم من تحريف اليهود لشرعة موسى "عليه السلام", وكذلك حرف ما جاء به المسيح عيسى "عليه السلام" من التوحيد إلى الشرك، إذ كذبوا عيسى "عليه السلام"، وحرفوا الكتاب, فبعد أن رفع الله عيسى "عليه السلام", طارد اليهود البقية المتمسكة بتعاليمه, واستمر الاضطهاد قرابةَ نصف قرن.  وفي النصف الثاني من ذلك القرن الأول بدأ عهد كتابة الأناجيل المبتدَعة المحرَّفة التي هي اجتهادات لم يكن المسيح "عليه السلام" قد تكلم بها, بل عن طريق التتبع يلحظ بوضوح دسّ اليهود فيها، ثم ازداد الانحراف عن طريق التأثر بالآراء الفلسفية والطقوس الوثنية، زائدا إلى التحريف، والفرقة، والاختلاف العقدي والمذهبي، وفُقد في هذه الفترة النصّ الصحيح للإنجيل، وكثرت الأناجيل إلى حدّ لا يمكن الاهتداء إلى نصّ الإنجيل الثابت، ويلخص ذلك السيد محمد حسين الطباطبائي ((ت 1412هـ)) بما حاصله: إن اليهود مهتمين بتاريخ قوميتهم وضبط الحوادث الظاهرة في الأعصار التي مرت بهم, ومع ذلك فإن تتبع ما دونوه في كتبهم لم يذكر المسيح عيسى بن مريم "عليه السلام" من حيث ولادته وظهوره ودعوته وسيرته والآيات والمعاجز التي أظهرها الله على يديه ولا على خاتمة حياته من موت أو قتل أو صلب أو غير ذلك, وهناك سبب وراء هذا الإخفاء والطمس، وقد تولى القرآن الكريم فضح انحرافهم كقذفهم السيدة الصديقة مريم "عليها السلام", ورميها بالبهتان في ولادة عيسى "عليهم السلام", وادعائهم قتل عيسى "عليه السلام". فهل كانت دعواهم تلك مستندة إلى حديث دائر بينهم كانوا يذكرونه بين قصصهم القومية من غير أن يكون مودعا في كتاب؟ .وعند كل أمة أحاديث دائرة من واقعيات وأساطير لا اعتبار بها ما لم تنته إلى مآخذ صحيحة قويمة. أو أنهم سمعوا من النصارى الذكر المكرر من المسيح وولادته وظهوره ودعوته فأخذوا ذلك من أفواههم وباهتوا مريم وادعوا قتل المسيح؟ لا طريق إلى استبانة شيء من ذلك.

غير أن القرآن كما يظهر بالتدبر في قوله تعالى: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا*وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا} لا ينسب إليهم صريحا إلا دعوى القتل دون الصلب, ويذكر أنهم على ريب من الأمر, وأن هناك اختلافا.

وأما النصارى فقد ذكروا جملة من الأمور فيما يسمى بالكتب المقدسة عندهم, وهي الأناجيل الأربعة التي هي، أناجيل: متى، ومرقس، ولوقا، ويوحنا، وكتاب أعمال الرسل للوقا وعدة رسائل لبولس، وبطرس، ويعقوب، ويوحنا، ويهوذا, عادّين رجوع كل ذلك إلى اعتبار الأناجيل، ويلحظ التحريف في هذه الأناجيل؛ فأما إنجيل متى فهو أقدم الأناجيل في تصنيفه وانتشاره ذكر بعضهم أنه صنف سنة 38 الميلادية وذكر آخرون أنه كتب ما بين سنة 50 إلى سنة 60,  فهو مؤلف بعد المسيح، والمحققون من قدمائهم ومتأخريهم يذهبون الى إن أصله كان مكتوبا بالعبرانية ثم ترجم إلى اليونانية وغيرها, أما النسخة الأصلية العبرانية فمفقودة, وأما الترجمة؛ فلا يدرى حالها ولا يعرف مترجمها، وأما إنجيل مرقص؛ فمرقص هذا كان تلميذا لبطرس, ولم يكن من الحواريين, وربما ذكروا إنه أنما كتب إنجيله بإشارة من بطرس وأمره, وكان لا يرى إلهية المسيح؛ ولذلك ذكر بعضهم أنه إنما كتب إنجيله للعشائر وأهل القرى, فعرّف المسيح تعريف رسول إلهي مبلغ لشرائع الله، وكيف كان، فقد كتب إنجيله سنة 61 ميلادية، وأما إنجيل لوقا فلوقا هذا لم يكن حواريا، ولا رأى المسيح، وإنما تلقن النصرانية من بولس وبولس كان يهوديا متعصبا على النصرانية يؤذي المؤمنين بالمسيح ويقلب الأمور عليهم. ثم اتفق مفاجأة أن ادعى أنه صرع وفي حال الصرع لمسه المسيح ولامه وزجره عن الإساءة إلى متبعيه, وأنه آمن بالمسيح وأرسله المسيح ليبشر بإنجيله، وما أعجب أمر من يصدق زعم هذا المعادي الظالم المنحرف!.

 بولس هذا العالم المنحرف هو الذي شيد أركان النصرانية الحاضرة على ما هي عليها, إذ صار العالم المجتهد الذي بيده سلطة التشريع؛ فبني التعليم على أن الإيمان بالمسيح كاف في النجاة من دون عمل, وأباح لهم أكل الميتة ولحم الخنزير, ونهى عن الختان, وكثيراً مما في التوراة. مع أن الإنجيل لم يأت إلا مصدقا لما بين يديه من التوراة, ولم يحلل إلا أشياء معدودةً, فإنما جاء عيسى ليقوم شريعة التوراة ويرد إليها المنحرفين والفاسقين لا ليبطل العمل، ويقصر السعادة على الإيمان المفرغ من محتواه. 

وقد كتب لوقا إنجيله بعد إنجيل مرقس، وذلك بعد موت بطرس وبولس وقد صرح جمع بأن إنجيله ليس كتابا إلهاميا كسائر الأناجيل كما يدل عليه ما وقع في مبتدأ إنجيله، وأما إنجيل يوحنا فقد ذكر كثير من النصارى أن يوحنا هذا هو يوحنا بن زبدي الصياد أحد التلاميذ الاثني عشر الحواريين، الذي كان يحبه المسيح حبا شديدا، وذكروا أن شيرينطوس وأبيسون وجماعتهما لما كانوا يرون أن المسيح ليس إلا إنسانا مخلوقا لا يسبق وجوده وجود أمه اجتمعت أساقفة آسيا وغيرهم في سنة 96 ميلادية عند يوحنا والتمسوا منه أن يكتب ما لم يكتبه الآخرون في أناجيلهم ويبين بنوع خاص لاهوت المسيح فلم يسعه أن ينكر إجابة طلبهم، وقد اختلفت كلماتهم في السنة التي ألف فيها هذا الإنجيل فمن قائل أنها سنة 65 وقائل أنها سنة 96 وقائل أنها سند 98، وقال جمع منهم أنه ليس تأليف يوحنا التلميذ فبعضهم على أنه تأليف طالب من طلبة المدرسة الإسكندرية وبعضهم, على أن هذا الإنجيل كله وكذا رسائل يوحنا ليست من تصنيفه بل إنما صنفه بعضهم في ابتداء القرن الثاني ونسبه إلى يوحنا ليعتبره الناس, وبعضهم على أن إنجيل يوحنا كان في الأصل عشرين بابا فألحقت كنيسة أفاس الباب الحادي والعشرين بعد موت يوحنا.

 فهذه الأناجيل الأربعة ضجت بالتحريف والافتراء والأهواء, وإذا أخذنا بالقدر المتيقن من هذه الطرق انتهت إلى سبعة رجال هم متى مرقس، لوقا، يوحنا، بطرس، بولس، يهوذا، ينتهي ركونهم كله إلى هذه الأناجيل الأربعة وينتهي الأربعة إلى واحد هو أقدمها وأسبقها وهو إنجيل متى, وترجمته مفقودا الأصل لا يدري من الذي ترجمه، وكيف كان أصله؟ وعلى ما ذا كان يبني تعليمه؛ أبرسالة المسيح أم بألوهيته؟، وهذا الإنجيل الموجود يترجم أنه ظهر في بني إسرائيل رجل يدعى عيسى بن يوسف النجار، وأقام الدعوة إلى الله وكان يدعي أنه ابن الله مولود من غير أب بشري وأن أباه أرسله ليفدي به الناس عن ذنوبهم بالصلب والقتل، وأنه أحيى الميت وأبرأ الأكمه والأبرص وشفى المجانين بإخراج الجن من أبدانهم، وأنه كان له إثنا عشر تلميذا أحدهم متى صاحب الإنجيل, بارك لهم وأرسلهم للدعوة وتبليغ الدين المسيحي.

وهناك ما يشهد للقول بتحريفهم للأنجيل, ما يذكر من أنه كتب في القرنين الأولين من الميلاد أناجيل كثيرة أخرى ربما أنهوها إلى نيف ومأة من الأناجيل, والأناجيل الأربعة منها. ثم حرمت الكنيسة جميع تلك الأناجيل إلا الأناجيل الأربعة التي عرفت قانونية لموافقة متونها تعليم الكنيسة، ومن جملة الأناجيل التي منع تداولها وطباعتها إنجيل برنابا الذي ظهرت نسخة منها منذ سنين فترجمت إلى العربية والفارسية, ويلحظ في هذا الأنجيل أنه يوافق في الجملة ما قصه القرآن في المسيح عيسى بن مريم "عليهما السلام"، وبرنابا هذا رجل صالح متقي ممن رأوا عيسى "عليه السلام", وقد اختلف مع بولس, فبعد أن أعلن بولس توبته واعتناقه النصرانية, قّبِل برنابا منه ورافقه وقدمه للنصارى على أنه أصبح داعية من الدعاة المبشرين, إلا أن برنابا بعد ما ظهر له أن بولس مدسوساً ولم تكن نواياه سليمة نازعه ورفضه, وأوضح ذلك في مقدمة إنجيله, إذ جاء في مقدمته: ((أيها الأعزاء، إن الله العظيم العجيب قد افتقدنا في هذه الأيام الأخيرة بنبيه يسوع المسيح برحمة عظيمة، للتعليم والآيات التي اتخذها الشيطان ذريعة لتضليل كثيرين بدعوى التقوى، مبشرين بتعليم شديد الكفر، داعين المسيح ابن الله، ورافضين الختان الذي أمر الله به دائماً مجوزين كل لحم نجس، الذين ضلَّ في عدادهم أيضاً بولس، الذي لا أتكلم عنه إلا مع الأسى، وهو السبب الذي لأجله أسطر ذلك الحق الذي رأيته وسمعته أثناء معاشرتي ليسوع لكي تخلصوا، ولا يضلكم الشيطان فتهلكوا في دينونة الله))، وواضح إن سبب النزاع مع بولس بما انه دعا إلى انحراف العقيدة التي جاء بها السيد المسيح "عليه السلام", وإبطال أحكام شريعته.

والملاحظ من مطالعة التاريخ البشري وما تشكلت فيه من ديانات سماوية؛ إنه لطالما عمد بعض أتباع الأنبياء أو المنتسبين للعلم ولاسيما المندسين منهم, بعد وفاة الأنبياء "عليهم السلام" أو عند غيابهم إلى الشرك والوثنية، والتحريف تحت تأثير المضلين ممن توافرت نفوسهم على عقدة الاضطهاد وتميزوا بالعدوانية والغرور. ليضلوا الناس وينحرفوا عن جادة التوحيد الذي كان الهدف الأساسي والغاية القصوى لبعثة الأنبياء, ومحاربة الأوصياء والأولياء, كما حارب اليهود الأنبياء وقتلوهم, وشردوا اتباع السيد المسيح "عليه السلام". إن اعتداء بني إسرائيل على هارون "عليه السلام" واتخاذ العجل في غياب موسى "عليه السلام"، أنموذج واضح، وعلى هذا فلا داعي إلى العجب إذا رأينا تسرب خرافة التثليث إلى العقيدة النصرانية بعد ذهاب السيد المسيح "عليه السلام" وغيابه عن أتباعه، وما تبع هذا الانحراف في العقيدة من انحراف في الأحكام واضح لمن يستقري الأحكام, فإنكارهم المجاز في البنوة حدا بهم إلى القول بالتثليث, ((ولقد كان بولس أول المجتهدين لهذه المهمة؛ مهمة مسخ النصرانية وتحريفها عن أصولها لتعود ديانة لا تتفق مع العقل ولا مع الوحي, فأبدل توحيدها تثليثا, وصفاء عقيدتها وثنية)), وما زالت الصلة واضحة بين بولس ورجال الدين المسيحي اليوم, فهو الذي غرس بذرة الانحراف الكبرى, فنمت في المجتمعات الرومانية حتى آتت أكلها على يد اتباع بولس بعد ردح من الزمن, حتى أفضى ذلك إلى فساد المجتمع؛ ومن ذلك تحريم تعدد الزوجات,

 ((وقد أنصف بعض الباحثين من الغربيين حيث قال لم يعمل في إشاعة الزنا والفحشاء بين الملل المسيحية عامل أقوى من تحريم الكنيسة تعدد الزوجات))، وما أشبه علماء السوء في الأمم السالفة بعلماء السوء في الأمة الإسلامية, ولذا فإنه لما طال العهد وضيعت الأمانات لم يجز الاعتماد على أقوال علماء السوء، ولكن كثيرا ممن التفوا حولهم وروجوا لهم وامتدحهم بعضهم حتى أوصلهم لدرجة الأنبياء, فقيل في ابن تيمية ((ت 726هـ)): بأنه ((شيخ الْإِسْلَام بَحر الْعُلُوم ترجمان الْقُرْآن مفتي الْفرق أوحد الْمُجْتَهدين أبي الْعَبَّاس أَحْمد تَقِيّ الدّين ابْن الشَّيْخ الإِمَام شيخ الْإِسْلَام)) و((الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ، الْحَبْرُ الْكَامِلُ، الْأَوْحَدُ الْعَلَّامَةُ الْحَافِظُ، الْخَاشِعُ الْقَانِتُ، إِمَامُ الْأَئِمَّةِ، وَرَبَّانِيُّ الْأُمَّةِ، شَيْخُ الْإِسْلَامِ، بَقِيَّةُ الْأَعْلَامِ، تَقِيُّ الدِّينِ، خَاتِمَةُ الْمُجْتَهِدِينَ)), إلى غير ذلك كوصفه بالإمام الهمام وشيخ مشايخ الإسلام, قامع المبتدعين وآخر المجتهدين, والإمام الفقيه، المجتهد المحدث... إلى غير ذلك، وهنا يقال لمن امتدح بعلم بن باعورا وبولس وابن تيمية, ما روي من قول المسيح "عليه السلام": ((إن المدحة بالكذب والتزكية في الدين لمن رأس الشرور المعلومة)), ومن جميل ما استشرفه السيد المسيح "عليه السلام" من علماء السوء, ما روي عنه أنه قال: (( ويلكم يا عبيد الدنيا لا كحكماء تعقلون ولا كحلماء تفقهون ولا كعلماء تعلمون ولا كعبيد أتقياء ولا كأحرار كرام توشك الدنيا أن تقتلعكم من أصولكم فتقلبكم على وجوهكم ثم تكبكم على مناخركم ثم تأخذ خطاياكم بنواصيكم ... ويلكم يا عبيد الدنيا أليس بالعلم أعطيتم السلطان على جميع الخلائق فنبذتموه فلم تعملوا به,... بحق أقول لكم: إن كل عمل المظلوم الذي لم ينتصر بقول ولا فعل ولا حقد هو في ملكوت السماء عظيم ... بحق أقول لكم: لا تكونوا كالمنخل يخرج الدقيق الطيب ويمسك النخالة, كذلك أنتم تخرجون الحكمة من أفواهكم ويبقى الغل في صدوركم. بحق أقول لكم: ابدؤوا بالشر فاتركوه ثم اطلبوا الخير ينفعكم, ... أوصيكم أن تختموا على أفواهكم بالصمت حتى لا يخرج منها ما لا يحل لكم, ولكن إن أردتم أن تكونوا أحباء الله وأصفياء الله فأحسنوا إلى من أساء إليكم واعفوا عمن ظلمكم وسلموا على من أعرض عنكم, اسمعوا قولي واحفظوا وصيتي وارعوا عهدي كيما تكونوا علماء فقهاء.

ويلكم يا علماء السوء لا تحدثوا أنفسكم أن آجالكم تستأخر من أجل أن الموت لم ينزل بكم فكأنه قد حل بكم فأظعنكم, فمن الآن فاجعلوا الدعوة في آذانكم, ومن الآن فنوحوا على أنفسكم, ومن الآن فابكوا على خطاياكم, ومن الآن فتجهزوا وخذوا أهبتكم وبادروا التوبة إلى ربكم)) .

فعندما نتمعن بإشراقة السيد المسيح نراه قد تكلم عن العلماء المظلين دون الجهال التابعين وكأن قد أطلع على أحوال المنحرفين وما تؤول إليه المآلات من بعده فيصفهم بعلماء السوء ويتوعدهم بالويل والثبور وسوء العاقبة . 


















المطلب الثالث : إنحراف بعض الفرق الإسلامية 

الديانة الإسلامية؛ هي الديانة التي فطر الله تعالى الناس عليها, وبعث بها الأنبياء "عليهم السلام", وهي الإبراهيمية الحنيفية السماوية التي بعث الله بها محمد بن عبد الله "صلى الله عليه وآله" {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ    } ليختم به الأنبياء, وليكمل الدين ويتم به النعمة, ببيان ما أخفي, وإقامة ما حُرّف, والأمر باتباع القدوة الحسنة, قال الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}.

فقد أرسل الله تعالى محمدا "صلى الله عليه" بالدين الحق كلّه, قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ    }, وذلك بعد فترة من الرسل، أرسله إلى جميع الناس {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا}, ليعود الناس إلى أصل الفطرة التي فطر الناس عليها منذ أن كانوا امة واحدة؛ {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}, وأنزل معه الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه نتيجة تحريف الأمم السابقة واتباعهم الهوى وقتلهم الأنبياء, {وَإنك لتهدي إلى صِرَاط مُسْتَقِيم صِرَاطِ اللهِ الذِي لَهُ ما فى السَّمَوَاتِ وَما فى الأَرْض}. فانقسم الناس على فريقين: مؤمن، وكافر. فأما المؤمنون على سبيل الهدى, يأتمرون بأمر الله ويتبعون نبيه, ويحتكمون إلى شرعه، ليؤدي بهم ذلك إلى الصلاح والفوز بالجنة والرضوان, وهؤلاء أمة واحدة، وأما الكافرون فهم على سبل متشعبة متفرقة، يجمعهم الكفر وتفرقهم الأهواء والأغراض والشهوات، فمنهم ملحد تعامى عن طريق الحق وأنكر خالقه,  متخبطا مضطربا يسير على غير هدى من شرع إلهي {إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آَبَاءَهُمْ ضَالِّينَ}، ومنهم الوثني الذي ضل عن ربه واتبع ضلال آباءه فعبد ما لا يغنيه {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ}، ومنهم يهودي أعماه الكبر والحسد، والعصبية, وأصر على تحريف كبراء اليهود قتلة الأنبياء, وأتباع الهوى, فلم يرضوا بدعوة رسول الحق, ويزعمون أن ما هم عليه من الانحراف هو الهدى, {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ}, ومنهم النصارى الذين سوّل لهم الشيطان فاتخذوا الهوى إلها فعدّوا الوثنية والتثليث توحيدا, ودينا حقا, فعادوا كفارا بما افتروا {يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ     }، وأخفوا كل النبوءات التي جاءت في كتبهم, على أن اليهود والنصارى يصرون على الكبر ودعوى الكذب ويفترون على الله {وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ}.

وبعد طول عناء وجهاد النبي محمد "صلى الله عليه وآله" ومن آمن معه "رضوان الله عليهم" اندس جمع من اليهود والنصارى والكفر والمشركين في فرقة المؤمنين, وهؤلاء هم المنافقون, الذين دخلوا مع المؤمنين متخذين ذلك ستارا لما في نفوسهم من السوء, وليحفظوا أنفسهم من القتل, قال الله تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ* اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ     }, وهؤلاء يحسبون على الإسلام في الظاهر وهم أعداء الله ورسوله وأولياءه في الباطن يتربصون بهم, وقد أخبر الله تعالى عنهم بقوله: {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا}, فهم كفار من الباطن, إلا أن ظاهرهم الإسلام, وقد جعل الله تعالى حسابهم عليه, أما في الدنيا فيعاملون معاملة المسلم؛ لأن ظاهر الإسلام يكفي في ذلك, إذ إن التلفظ بالشهادتين والتظاهر بالعبادة كاف لحق الدم وحصانة المال واستحقاق ما للمسلمين. فقد وردت بذلك جملة من الأحاديث, منها, ما روي عن أبي هريرة أنه قال: ((قال رسول "الله صلى الله عليه وآله" أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ثم حرمت على دماؤهم وأموالهم وحسابهم على الله عز وجل)), ومنها: ما عن أوس, قال: ((إنا لقعود عند رسول "الله صلى الله عليه وسلم" في الصفة وهو يقص علينا ويذكرنا إذا جاء رجل فساره فقال اذهبوا فاقتلوه قال فلما ولى الرجل دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أيشهد ان لا إله إلا الله قال الرجل نعم نعم يا رسول الله فقال اذهبوا فخلوا سبيله فإنما أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله فإذا فعلوا ذلك حرمت عَلَيَّ دماؤهم وأموالهم إلا بحقها)), ولذا فالإسلام: يدور مدار الشهادتين, وقد روي عن الإمام الصادق "عليه السلام" أنه قال: ((الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، والتصديق برسول الله ، به حقنت الدماء وعليه جرت المناكح والمواريث)), ولكن ليس بالضرورة أن يكون كل مسلم بظاهره مؤمنا بقلبه, فالإسلام الصادق ذلك الذي ينعقد عليه القلب وتصدقه الجوارح, فمن لم تصف بالصدق فليس مسلما على الحقيقة وإن كان يعامل معاملة المسلم, وذلك ما بينه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب "عليه السلام" واصفا ذلك بقوله: ((الإسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق ، والتصديق هو الإقرار، والإقرار هو العمل، والعمل هو الأداء. إن المؤمن لم يأخذ دينه عن رأيه ولكن أتاه عن ربه فأخذ به، إن المؤمن يرى يقينه في عمله، والكافر يرى إنكاره في عمله، فوالذي نفسي بيده ما عرفوا أمر ربهم, فاعتبروا إنكار الكافرين والمنافقين بأعمالهم الخبيثة)), فمن كان إسلامه بالقلب والجوارح فهو مسلم حقاً, ويسمى مؤمنا, ومن كان متظاهرا بالإسلام, فقد يسمى مسلما من ناحية المعاملة, يقول سماعة بن مهران: ((قلت لأبي عبد الله "عليه السلام": أخبرني عن الإسلام والإيمان أهما مختلفان؟ فقال: إن الإيمان يشارك الإسلام, والإسلام لا يشارك الإيمان. فقلت: فصفهما لي، فقال: الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله والتصديق برسول الله "صلى الله عليه وآله"، به حقنت الدماء وعليه جرت المناكح والمواريث وعلى ظاهره جماعة الناس، والإيمان: الهدى وما يثبت في القلوب من صفة الإسلام وما ظهر من العمل به، والإيمان أرفع من الإسلام بدرجة؛ إن الإيمان يشارك الإسلام في الظاهر, والإسلام لا يشارك الإيمان في الباطن وإن اجتمعا في القول والصفة)).

وقد ابتليت الرسالة المحمدية كما ابتليت الرسالات السماوية من قبل نتيجة لحرب المحرفين السابقين الذين بقوا على ديانتهم المحرفة, وممن دخلوا في الإسلام نفاقاً. إلا أن الديانة الإسلامية تميّزت بشيء ألا وهو تكفل الله تعالى بحفظ القرآن الكريم من التحريف, قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}, وتولية من يقوم مقام النبي "صلى الله عليه وآله" في إمامة الناس وتدبير شؤونهم, ليصان الدين ويحفظ إلى يوم القيامة بهاتين الدعامتين, فقد روى المسلمون عامة عن النبي "صلى الله علبه وآله" قوله: ((أيها الناس اني تارك فيكم أمرين لن تضلوا ان اتبعتموهما وهما كتاب الله وأهل بيتي عترتي ثم قال أتعلمون اني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ثلاث مرات قالوا نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله من كنت مولاه فعلي مولاه)), وهذا الحديث متواتر بمعناه المشتمل على لفظ "عترتي", فحديث التمسك بالثقلين متواتر من جميع طبقاته، والكتب التي حفلت به أكثر من أن تحصى، ورواته من الصحابة كثيرون جدا، وطرقه إليهم كثيرة, لذا عدّ أعلى درجات الصحة، كما شهد بذلك الحاكم النيسابوري وغيره, بل تواترت الروايات على أنه "صلى الله عليه وآله" كشف عن القائمين بالأمر من بعده من أولهم إلى آخرهم وهو المهدي من ولد فاطمة "عليهم السلام جميعا", فهذا ما سنه رسول الله "صلى الله عليه وآله", وهو الذي عبر عنها بالمحجة, وهي الطريق الواضح, إذ روي عنه أنه قال: ((قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيع عنها بعدي إلا هالك ومن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين من بعدي)), فقد أوضح النبي "صلى الله عليه وآله" من نصبه الله تعالى لقيادة الأمة وبيان الأحكام الشرعية, فقد روي عن الإمام الصادق "عليه السلام" إذ سئل عن تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}: إذ قال: ((نزلت في علي بن أبي طالب والحسن والحسين عليهم السلام)), قال الراوي: فقلت له: إن الناس يقولون: فما له لم يسم عليا وأهل بيته "عليهم السلام" في كتاب الله عز و جل؟ فقال: ((قولوا لهم: إن رسول الله "صلى الله عليه وآله" نزلت عليه الصلاة ولم يسم الله لهم ثلاثا ولا أربعا، حتى كان رسول الله صلى الله عليه وآله هو الذي فسر ذلك لهم، ونزلت عليه الزكاة ولم يسم لهم من كل أربعين درهما درهم، حتى كان رسول الله "صلى الله عليه وآله" هو الذي فسر ذلك لهم، ونزل الحج فلم يقل لهم: طوفوا أسبوعا حتى كان رسول الله "صلى الله عليه وآله" هو الذي فسر ذلك لهم، ونزلت "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" - ونزلت في علي والحسن والحسين - فقال رسول الله "صلى الله عليه وآله": في علي: من كنت مولاه، فعلي مولاه، وقال "صلى الله عليه وآله" أوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي، فإني سألت الله "عز وجل" أن لا يفرق بينهما حتى يوردهما علي الحوض، فأعطاني ذلك, وقال: لا تعلموهم فهم أعلم منكم، وقال: إنهم لن يخرجوكم من باب هدى، ولن يدخلوكم في باب ضلالة، فلو سكت رسول الله "صلى الله عليه وآله" فلم يبين من أهل بيته، لادعاها آل فلان وآل فلان، لكن الله عز وجل أنزله في كتابة تصديقا لنبيه "صلى الله عليه وآله", { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} فكان علي والحسن والحسين وفاطمة "عليهم السلام"، فأدخلهم رسول الله "صلى الله عليه وآله" تحت الكساء في بيت أم سلمة، ثم قال: اللهم إن لكل نبي أهلا وثقلا وهؤلاء أهل بيتي وثقلي)), وروى الهيثمي ((ت807هـ)) عنه "صلى الله عليه وآله" انه قال: ((عن علي بن علي الهلالي عن أبيه قال دخلت على رسول الله "صلى الله عليه وسلم" في شكاته التي قبض فيها فإذا فاطمة رضي الله عنها عند رأسه قال فبكت حتى ارتفع صوتها فرفع رسول الله "صلى الله عليه وسلم" طرفه إليها فقال: حبيبتي فاطمة ما الذي تبكيك فقالت أخشى الضيعة بعدك فقال يا حبيبتي إما علمت أن الله عز وجل اطلع إلى الأرض اطلاعه فاختار منها أباك فبعثه برسالته ثم اطلع إلى الأرض اطلاعته فاختار منها بعلك وأوحى إلى أن أنكحك إياه يا فاطمة ونحن أهل بيت قد أعطانا الله سبع خصال لم تعط لأحد قبلنا ولا تعطى أحدا بعدنا؛ أنا خاتم النبيين وأكرم النبيين على الله وأحب المخلوقين إلى الله عز وجل وأنا أبوك ووصيي خير الأوصياء وأحبهم إلى الله وهو بعلك وشهيدنا خير الشهداء وأحبهم إلى الله وهو عمك حمزة بن عبد المطلب وعم بعلك ومنا من له جناحان أخضران يطير مع الملائكة في الجنة حيث شاء وهو ابن عم أبيك وأخو بعلك ومنا سبطا هذه الأمة وهما ابناك الحسن والحسين وهما سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما والذي بعثني بالحق خير منهما يا فاطمة والذي بعثني بالحق ان منهما مهدي هذه الأمة إذا صارت الدنيا هرجا ومرجا وتظاهرت الفتن وتقطعت السبل وأغار بعضهم على بعض فلا كبير يرحم صغيرا ولا صغير يوقر كبيرا فيبعث الله عز وجل عند دلك منهما من يفتح حصون الضلالة وقلوبا غلفا يقوم بالدين آخر الزمان كما قمت به في أول الزمان ويملأ الدنيا عدلا كما ملئت جورا يا فاطمة لا تحزني ولا تبكي فان الله عز وجل ارحم بك وارأف عليك منى وذلك لمكانك من قلبي وزوجك الله زوجا وهو أشرف أهل بيتك حسبا وأكرمهم منصبا وارحمهم بالرعية وأعدلهم بالسوية وأبصرهم بالقضية)), فهذا بيان الرسول ووصيته وسنته, فهذه محجته التي ترك الناس عليها. قال المناوي ((ت1031هـ)) في شرحه للجامع الصغير للسيوطي ((ت911هـ)) (("قد تركتكم على البيضاء"  وفي رواية عن "المحجة البيضاء" وهي جادة الطريق مفعلة من الحج القصد والميم زائدة, "ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ومن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا" فيه من معجزاته؛ الإخبار بما سيكون بعده من كثرة الاختلاف, وغلبة المنكر, وقد كان عالما به جملة وتفصيلا؛ لما صح أنه كشف له عما يكون إلى أن يدخل أهل الجنة والنار منازلهم, ولم يكن يظهره لأحد بل كان ينذر منه إجمالا, ثم يلقي بعض التفصيل إلى بعض الآحاد, "فعليكم" الزموا التمسك "بما عرفتم من سنتي" أي طريقتي وسيرتي)), وقد روي في الصحيح على شرط الشيخين عن السيدة عائشة زوج النبي "صلى الله عليه وآله", أنها قالت: ((قال؛ رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" ستة لعنتهم لعنهم الله وكل نبي مجاب: المكذب بقدر الله, والزائد في كتاب الله, والمتسلط بالجبروت يذل من أعز الله ويعز من أذل الله, والمستحل لحرم الله, والمستحل من عترتي ما حرم الله والتارك لسنتي)), والسنة إحدى الحجج القاطعة, وأوضح المحجة الساطعة, وبها ثبوت أكثر الأحكام, وعليها مدار العلماء الأعلام, وكيف لا؟ وهي القول والفعل من سيد الأنام, في بيان الحلال والحرام الذين عليهما مبني الإسلام.

إلا انه حدث ما حدث بعد رسول الله "صلى الله عليه وآله", وانزوى الحق عن أهله, ولكن علي بن أبي طالب "عليه السلام" التزم الحفاظ على بيضة الإسلام ما دامت دعامته قائمة, وذلك موافق لما روي عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله, قوله: ((تكون أمراء تلين لهم الجلود وتطمئن إليهم القلوب, ويكون عليكم أمراء تشمئز منهم القلوب وتقشعر منهم الجلود, قالوا أفلا نقتلهم؟ قال: لا ما أقاموا الصلاة)), وقد روي عنه "عليه السلام" قوله: ((فسدلت دونها ثوبا, وطويت عنها كشحا، وطفقت أرتأي بين أن أصول بيد جذاء,  أو أصبر على طخية عمياء؛ يهرم فيها الكبير, ويشيب فيها الصغير, ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه, فرأيت أن الصبر على هاتا أحجى)). فأثر ذلك بطبيعة الحال إلى الإخلال باستنباط الأحكام؛ وذلك إن الذين نص عليهم النبي "صلى الله عليه وآله" هم حفظة الشرع,  مطهرون معصومون بنص الكتاب العزيز والسنة المطهرة, وهو ما يوافق العقل, فإن من كان كذلك وجب أن يكون معصوما عالما بالتشريع، ولأن الحافظ للشرع، إما الكتاب أو السنة المتواترة أو الاجماع أو البراءة الأصلية أو القياس أو الاستصحاب, فكل واحد من هذه غير صالح للمحافظة بنفسه. فالكتاب العزيز والسنة الشريفة: فلا تعرف كل الأحكام الجزئية -ولاسيما للموضوعات المستحدثة- منهما مباشرة؛ ولذا قيل: إنهما غير وافيين بكل الأحكام, مع أن لله تعالى في كل واقعة حكما يجب تحصيله، وأما الإجماع, فعلى القول بحجيته, هو معتذر في كثير من الأحكام, وأما البراءة الأصلية: فيلزم منها ارتفاع أكثر الأحكام الشرعية لاستدعائها القول بأصالة براءة الذمة من التكليف من وجوب أو حرمة، وأما القياس والاستصحاب وغيرهما مما قيل باستناد الاستنباط إليه فإنه إنما يفيد الظن, والظن لا يغني من الحق شيئاً من دون اعتبار من الشارع. فلا بد من إمام معصوم حافظ للشرع، يكون قوله حجة يجب الرجوع إليه ، كما يجب الرجوع إلى قول الرسول "عليه السلام".

ولذا قال الإمامية بوجوب عصمة الإمام كعصمة النبي بمناط واحد وهو كونه حافظاً للشرع القوام به، ولأن الحاجة إلى الإمام إنما هي للانتصاف من المظلوم عن الظالم، ورفع الفساد، وحسم مادة الفتن، وأن الإمام لطف يمنع القاهر من التعدي، ويحمل الناس على فعل الطاعات، واجتناب المحرمات، ويقيم الحدود والفرائض، ويؤاخذ الفساق، ويعزر من يستحق التعزير، فلو جازت عليه المعصية، وصدرت عنه، انتفت هذه الفوائد، وافتقر إلى إمام آخر، وتسلسل، وخالف غير الإمامية في ذلك، فجوزوا إمامة الفاسق، أو من كان من العصاة، والسراق.

وهذا الأمر صار نقطة اختلاف حقيقية بعد أن تولى الفساق أمور المسلمين بالقهر والغلبة, ولاسيما في العصر الأموي, فانحاز جمع من العلماء إلى مناصرة السلطان وتسويغ توليهم أمر المسلمين, وإضفاء هالة من التقديس حول من ملك رقاب المسلمين, وتقليل شأن من نصبهم الرسول بأمر الله تعالى قوامين، وامتد هذا الانحراف إلى أزمنة متطاولة في استنباط الأحكام الشرعية, حتى وصلت النوبة إلى ابن تيمية أحمد بن عبد الحليم ((ت726هـ)) فأنكر عصمة الأنبياء فضلا عن الأوصياء, فالأنبياء "عليهم السلام" لا تثبت عصمتهم إلا فيما يبلغونه عن الله تعالى, ويمكن أن يكونوا –حاشاهم- فاسقين فاجرين قبل البعثة، وأما الأوصياء, فيقول: ((مَنْ ادَّعَى عِصْمَةَ هَؤُلَاءِ السَّادَةِ، الْمَشْهُورِ لَهُمْ بِالْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى وَالْجَنَّةِ؛ هُوَ فِي غَايَةِ الضَّلَالِ وَالْجَهَالَةِ)), كل ذلك ليسوي بينهم وبين أمثال يزيد بن معاوية المشهور بفسقه وفجوره الذي لا يمكنه إنكاره, فعنده إن العلماء من أَتْبَاعِ بَنِي أُمَيَّةَ الذين ا يَقُولُونَ بإِنَّ اللَّهَ إِذَا اسْتَخْلَفَ خَلِيفَةً تَقَبَّلَ مِنْهُ الْحَسَنَاتِ وَتَجَاوَزَ لَهُ عَنِ السَّيِّئَاتِ، وَرُبَّمَا قَالُوا: إِنَّهُ لَا يُحَاسِبُهُ, وهم الذين نَبَتَتْ مِنْهُمْ فِرْقَةٌ النَّاصِبَةُ, الذين َدِينُهُمْ وَنِحْلَتُهُمْ بُغْضُ آلِ الرَّسُولِ وَالْقَدْحُ فِيهِمْ, مشيرا إلى جواب بعضهم للْوَلِيد بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ, إذ قالوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْتَ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ أَمْ دَاوُدُ، وَقَدْ قَالَ لَهُ: {يَادَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ}, وقولهم لتسويغ حكم بني أمية: إِنَّ اللَّهَ إِذَا اسْتَخْلَفَ خَلِيفَةً تَقَبَّلَ مِنْهُ الْحَسَنَاتِ وَتَجَاوَزَ لَهُ عَنِ السَّيِّئَاتِ.  ومع إقراره بخَطَأِ هَؤُلَاءِ وَضَلَالِهِمْ, فهو يقول ((وَأَيْنَ خَطَأُ هَؤُلَاءِ مِنْ ضَلَالِ الرَّافِضَةِ الْقَائِلِينَ بِعِصْمَةِ الْأَئِمَّةِ؟, ثُمَّ قَدْ تَبَيَّنَ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ مَا انْفَرَدُوا بِهِ عَنْ جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ كُلُّهُ خَطَأٌ، وَمَا كَانَ مَعَهُمْ, مِنْ صَوَابٍ فَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَوْ بَعْضِهِمْ)).

وأي عاقل يرضى لنفسه الانقياد الديني، والتقرب إلى الله تعالى بامتثال أوامر من كان فاسقاً, يغوص في أنواع الفواحش, ويسويهم بالمؤمنين المطيعين، المبالغين في الزهد والعبادة، وقد أنكر الله تعالى ذلك بقوله: {أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ}.

ونرى أن ابن تيمية يعد فكرة تقديم آل الرسول " عليهم السلام" من أثر الجاهلية في تقديم أهل بيت الرؤساء, ((إذن فاصطفاء الله تعالى لأهل بيت الأنبياء والرسل وجعلهم الأئمة والقادة والأوصياء من بعدهم وإنزاله إياهم تلك المنازل الرفيعة، وكل ما جاء بحقهم في السنة المطهرة هو من أثر الجاهلية في تقديم أهل البيت الرسول! ! إن لم يكن هذا هو التكذيب بالدين والسخرية بكتاب الله وسنة رسوله ، فكيف سيكون التكذيب والسخرية؟!))

ويقول ابن تيمية: "والمعروف أنّ عليّاً أخذ العلم عن أبي بكر", و"إن جميع مدائن الإسلام بلغهم العلم عن الرسول من غير علي", وادعى أن لأمير المؤمنين فتاوى كثيرة تخالف النصوص, وما ذلك إلا لإنكار علم علي "عليه السلام", وإنكار أي دور له في نشر الإسلام وتعاليمه وأحكامه, يقول الدكتور صائب عبد الحميد معلقا على موقف ابن تيمية هذا, بقوله: ((لا ريب أنه كان صادقاً حين يتكلم بلغة الدنيا والمصلحة الزائلة وحين ينظر إلى هذه الأحداث بمنظار بني إسرائيل الذين يمنحون التقديس دائماً للسلطان المنتصر, ويلقون باللائمة على السلطان المغلوب في ميدان السيف والحصان وإن كان غالباً قاهراً في ميدان القيم، ولكن ما أبعده عن الصدق حين يوزن بلغة القرآن ومنظار الأنبياء))، وجاء في قول الأيجي ((756هـ)) مايخالف القول السابق ليثبت لعلي ((ع)) موقع الصدارة الإسلامية بعد الرسول الكريم (( ص )) بقوله : ((وعلي أعلم الصحابة لأنه كان في غاية الذكاء والحرص على التعلم ومحمد صلى الله عليه وسلم أعلم الناس وأحرصهم على إرشاده وكان في صغره في حجره وفي كبره ختنا له يدخل عليه كل وقت))* وذلك يقتضي بلوغه في العلم كل مبلغ...، ولقوله "صلى الله عليه وسلم": "أقضاكم علي", والقضاء يحتاج إلى جميع العلوم فلا يعارضه نحو "أفرضكم زيد وأقرؤكم أبي", ولقوله تعالى:  { وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ }•, وأكثر المفسرين على أنه علي, ولأنه نهى عمر عن رجم من ولدت لستة أشهر وعن رجم الحاملة, فقال عمر لولا علي لهلك عمر, ولقول علي: "لو كسرت لي الوسادة ثم جلست عليها لقضيت بين أهل التوراة بتوراتهم وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم وبين أهل الزبور بزبورهم وبين أهل الفرقان بفرقانهم والله ما من آية نزلت في بر أو بحر أو سهل أو جبل أو سماء أو أرض أو ليل أو نهار إلا وأنا أعلم فيمن نزلت وفي أي شيء نزلت", ولأن عليا ذكر في خطبته من أسرار التوحيد والعدل والنبوة والقضاء والقدر ما لم يقع مثله في كلام الصحابة ولأن جميع الفرق ينتسبون إليه في الأصول والفروع)).

لكن الانحراف واتباع الهوى والتعصب يحمل صاحبه على الغوص في لجج العناد، فهو لا يدري ما يقول, حتى يضع نفسه موضع سخرية العلماء. بل أقل من سلك طريق التعلم بإخلاص. إلا أن التمادي بالانحراف نأى بمقلدي هذا الرجل عن الوقوف على نقاط الخلاف بحياد وموضوعية, ولو تأملوا في بالأسباب والدواعي لما سفكت دماء المسلمين اليوم لصالح اليهود,  ولو تدبروا بأن المهم في الأمر هو ظهور النهج الإسلامي الأصيل الحنيف، وليس غلبة هذا الاتجاه ، أو ذاك, لأمكن الاتفاق على الحق الصريح الذي سيضمن اجتمع الأمة، ولكن اتباعهم الأعمى دعاهم إلى التعصب لأنهم ورثوه ونشأوا عليه، وتشربت بها عروقهم من دون رويّة, فازدادو ابتعادا عن المحجة البيضاء, والشريعة المحمدية السمحاء.

من خلال ماتقدم نرى إن بعض العلماء المحسوبين على الديانة الإسلامية سعوا الى مخالفة تعاليم الرسول الكريم ( ص ) الذي ماينطق عن الهوى إنما هو وحيُ يوحى ليَحرِفوا من تبعهم عن جادة الحق والصواب ليشتروا بذلك ثمناً قليلا ، فبئس ما شروا به أنفسهم وعلى رأس هؤلاء الضالين والمضلين أبن تيمية  .

ولا بد للبحث من أن يقف على شخصية ابن تيمية للتعرف على تكوينه وميوله, قبل الخوض في دواعي انحراف عقيدته وأثر ذلك الانحراف في استنباط الأحكام، وهذا ما سيتكفله الفصل الثاني.

















             الفصل الثاني


شخصية أبن تيمية ومعالم انحرافه .

المبحث الأول: المعالم الشخصية والبيئة.

المبحث الثاني: اختلاف معاصريه فيه.



المبحث الأول


المعالم الشخصية والبيئية.

المطلب الأول: اسمه ونسبه, وأسرته.

المطلب الثاني: تحصيله العلمي, وبيئته














المطلب الأول: اسمه ونسبه وأسرته.

ينبغي للبحث أن يلقي الضوء على الملامح الشخصية لابن تيمية ليتسنى له الدخول في معرفة تكوّن شخصيته التي أسهمت من دون شك في آرائه, فسيعرض البحث بطريقة موضوعية لهذه الملامح, ولا ينبغي الإساءة إلى الرجل, إنما يشير إلى ما ذكر في المصادر ناظرا إلى ذلك بشيء من التحليل لعله يقف على حقيقة الحال, مبتدأ بالتعرف على اسمه:

اسمه: 

هو: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله ابن أبي القاسم الخضر بن محمد بن علي، وهناك تردد في سلسلة آبائه, إذ قيل أن: الخضر, بن محمد بن الخضر بن إبراهيم بن علي بن عبد الله.

شهرته: ابن تيميّة.

وهو لقب جده الأعلى, محمد, وفي ذلك ((قال ابن النجار: ذكر لنا أن جده محمدا كانت أمه تسمى تيمية وكانت واعظة فنسب إليها وعرف بها)), وهو المعوّل عليه في هذه الشهرة.

وهناك قول آخر, لعل القائلين به التجأوا إليه تخلصاً من النسبة إلى الأم؛ لأنها ليست من عادات العرب, بل تنافي أعرافهم ولاسيما في مقام المدح، ولعله لإبعاد القول بأنه من أصل كردي وغير عربي، وقد أشار إلى القول الآخر في شهرته ابنُ ناصر الدين الدمشقي, مضعفاً له بقوله: ((وقيل: جدّه المذكور, فمرّ على درب تيماء المشهور, فخرج عليه من خباء جاريةٌ طفلة سَنيّة, فلما رجع رآى زوجته –وكانت حاملا- قد وضعت بنتاً, فقال لها: يا تيمية! يا تيمية!, فلزمه الاسم لقباً مذكورا, وصار لذريته من بعده علماً مشهورا)), وتلفيق هذه القصة واضح بيّن من سياقها, ولاسيما إن ابن النجار يحكي عنه بقوله: "ذكر لنا أن جدّه", أي إن ابن تيمية يقول: إن هذه الشهرة نسبة إلى إحدى جداته.

ثم قال ابن ناصر الدين الدمشقي: ((ومن زعم أن أمهم من وادي التيم, فقد تقوّل, وليس بصحيح, ما عليه معوّل)). فتبيّن أنّ الصحيح في نسبته هو لجدته, ويعزز ذلك؛ أنها كانت واعظة

كنيته:

ويكنى بأبي العباس من باب التكريم له، إذ يجوز أن يكنى الإنسان ولو لم يكن له ولد, فهي محض كنية صرفة؛ إذ لم يكن له ولد؛ لأنه كان عزَباً ما تزوج, ولا تسرّى أبدا. مع أنه شدد النكير على من ترك الزواج محتجاً بالروايات النبوية الشريفة التي تحث على الزواج وتذم العزوبة. بل إن ابن تيمية حمل على من ادعى الزهد والتشاغل بالعلم وترك هذه السنة التي تتسق وفطرة الإنسان. فهو يحث في فتاويه على النكاح ويقول إنه من المستحب: ((يحبه اللَّهُ وَيَرْضَاهُ وَيُرِيدُهُ إرَادَةً دِينِيَّةً شَرْعِيَّةً)), وأن الله تعالى خلق مقتضي ذلك في الإنسان, وذلك ((أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ بِأَمْرِ إلا وَقَدْ خَلَقَ سَبَبَهُ وَمُقْتَضِيَهُ فِي جِبِلَّةِ الْعَبْدِ وَجَعَلَهُ مُحْتَاجًا إلَيْهِ وَفِيهِ صَلاحُهُ وَكَمَالُهُ)), ويقول ((إَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي خِلْقَتِهِ مَا يَقْتَضِيهِ وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَبِهِ صَلاحُهُ بِمَنْزِلَةِ الْأَكْلِ لِلْجَسَدِ بَلْ هُوَ مِنْ جِهَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَبِمَنْزِلَةِ النِّكَاحِ لِلنَّوْعِ؛ وَهُوَ مِنْ الْمَأْمُورِ بِهِ))، ويحمل على من زهد فيه ويعدّه بدعة, إذ يقول: ((وَأَمَّا الْمُبْتَدِعُونَ فِي الزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ السَّالِكُونَ طَرِيقَ الرُّهْبَانِ فَإِنَّهُمْ قَدْ يَزْهَدُونَ فِي النِّكَاحِ وَفُضُولِ الطَّعَامِ وَالْمَالِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وهَذَا مَحْمُودٌ؛ لَكِنْ عَامَّةَ هَؤُلَاءِ لَا بُدَّ أَنْ يَقَعُوا فِي ذُنُوبٍ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ كَمَا نَجِدُ كَثِيرًا مِنْهُمْ يُبْتَلَى بِصُحْبَةِ الْأَحْدَاثِ وَإِرْفَاقِ النِّسَاءِ؛ فَيُبْتَلَوْنَ بِالْمَيْلِ إلَى الصُّوَرِ الْمُحَرَّمَةِ مِنْ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ مَا لَا يُبْتَلَى بِهِ أَهْلُ السُّنَّةِ الْمُتَّبِعُونَ لِلشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ))، وقال: ((وَأَمَّا الِامْتِنَاعُ مِنْ فِعْلِ الْمُبَاحَاتِ مُطْلَقًا كَاَلَّذِي يَمْتَنِعُ مِنْ أَكْلِ اللَّحْمِ وَأَكْلِ الْخُبْزِ أَوْ شُرْبِ الْمَاءِ أَوْ لُبْسِ الْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ وَلا يَلْبَسُ إلا الصُّوفَ وَيَمْتَنِعُ مِنْ نِكَاحِ النِّسَاءِ وَيَظُنُّ أَنَّ هَذَا مِنْ الزُّهْدِ الْمُسْتَحَبِّ فَهَذَا جَاهِلٌ ضَالٌّ مِنْ جِنْسِ زُهَّادِ النَّصَارَى)), وكذلك يحمل على المتذرعين بالاشتغال بطلب العلم بقوله ((وَمَعْلُومٌ أَنَّ طَائِفَةً مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْعِلْمِ وَالدِّينِ يَرَوْنَ أَنَّ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ وَصِيَامِ النَّهَارِ وَتَرْكِ النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ مِنْ الطَّيِّبَاتِ: أَفْضَلُ مِنْ هَذَا وَهُمْ فِي هَذَا إذَا كَانُوا مُجْتَهِدِينَ مَعْذُورُونَ، ومَنْ عَلِمَ السُّنَّةَ فَرَغِبَ عَنْهَا لأَجْلِ اعْتِقَادِ: أَنَّ تَرْكَ السُّنَّةِ إلَى هَذَا أَفْضَلُ؛ وَأَنَّ هَذَا الْهَدْيَ أَفْضَلُ مِنْ هَدْيِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَمْ يَكُنْ مَعْذُورًا بَلْ هُوَ تَحْتَ الْوَعِيدِ النَّبَوِيِّ بِقَوْلِهِ: "مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي"، وفِي الْجُمْلَةِ بَابٌ الاجْتِهَادُ وَالتَّأْوِيلُ بَابٌ وَاسِعٌ يَئُولُ بِصَاحِبِهِ إلَى أَنْ يَعْتَقِدَ الْحَرَامَ حلالا)).

وبعد هذا كله, كيف يبقى عازبا؟ قالوا: أنه ((ما تزوج ولا تسرّى قط, لا رغبة عن هذه السنة, ولكنه مثقل الظهر بهموم العلم والدعوة والجهاد)). قال الدكتور صائب عبد الحميد: ((ولم يذكر هو, ولا أحد غيره السرَّ في عزوفه عن الزواج)), والله تعالى العالم بحقيقة حاله.

نسبه.

لا يعني كون الشخص مجهول النسب أنه غير صالح بالضرورة, ولاسيما إذا كان مبلغ علمه واتزانه وحسن سيرته منسجما مع المبادئ الإنسانية والإسلامية، ولكن قد تشكّل مجهولية النسب عقدة تظهر في ملامح الشخصية, وتكون حينئذ من دواعي اضطراب الشخصية، وعلى أي حال فقد وقع الخلاف في نسب ابن تيمية؛ ويبدو أن ذلك لأمور, منها:

الأول: اشتهار نسبته ونسبة أبيه وجدّه إلى أمهم تيميّة، وكذلك نسبته الأخرى إلى بلده "حرّان, وهذان الأمران على خلاف طريقة العرب في النسبة إلى القبيلة.

الثاني: لم يذكر أكثر المؤرخين نسبته إلى قبيلة, بل اقتصروا على النسبتين, إلا إن أحد تلامذة تلامذته, وهو ابن ناصر الدين ((ت842هـ)) نسب جده عبد السلام إلى نمير, ثم تابعه غيره, ولم يُشر ابن ناصر الدين إلى كونه نميرياً صليبة, أم بالولاء, مقتصراً في سياق نسبه على ثمانية آباء من دون عزوٍ إلى مصدرٍ مختصٍ بالنسب، والذي يبدو للمتتبع إن عمدة ما يرجع إليه ابن ناصر الدين هو ما ألفه اثنان من أصحاب ابن تيمية ومحبيه, وهما: أبو عبد الله أحمد بن عبد الهادي المتوفى بدمشق سنة 744 هـ, والآخر: أبو حفص عمر بن علي البغدادي البزار المتوفى سنة 749هـ, ولم ينسباه إلى قبيلة.

الثالث: إن المدينة التي ينسب إليها –حرّان- تقع ما بين الشام والعراق, وقيل ضمن الحدود التركية, ويسكنها العرب والأكراد، ولعل نسبته هذه من دواعي قول أحد الباحثين بأن ابن تيمية: ولد لأبوين كرديين. فإن الدلائل تشير إلى أنه لم يكن عربياً, أو لم يعرف أنه عربي منسوب إلى قبيلة من القبائل العربية ((ولذلك نستطيع أن نفهم أو نعلم علماً ظنياً أنه لم يكن عربياً, ولعله كان كردياً)), وعلى ذلك فإن التأمل في نسبته إلى حرّان منضما إلى عدم نسبته إلى إحدى القبائل العربية لدى المؤرخين من دواعي القول بأنه غير عربي وهذا مايرجحه البحث.

الرابع: اضطراب سلسلة آباءه لدى الشخص الوحيد الذي ذكر هذه السلسلة, مما يثير الشك في تلفيق عمود هذه السلسلة, يزاد على ذلك انقطاع هذه السلسلة عن الاتصال لتوقفها عند ثمانية فقط, فقد ذكر تلميذه محمد بن أحمد بن عبد الهادي ((ت744هـ)), أنه أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله, وبعد زمن مؤلف هذه السلسلة جاء تلميذ تلامذته ناصر الدين المتوفى ((842هـ)) الذي ذكرها مضطربة مضعّفا لها, على أن زمنه بعيد عن زمن ابن تيمية المتوفى ((728هـ)), إذ أشار إلى سلسلة آبائه في موضعين؛ عند ترجمة جده عبد السلام, بقوله:عبد السلام, ((وهو ابن عبد الله بن الخضر بن محمد بن علي, ويقال: الخضر بن محمد بن الخضر بن إبراهيم بن علي بن عبد الله)), وعند ترجمته؛ إذ قال: ((هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن إبراهيم بن علي بن عبد الله)), وهذا الاضطراب, وقوله: "ويقال", مما يثير شبهة التلفيق؛ لذا قال الدكتور صائب عبد الحميد: ((وبقي ابن تيمية مجهول الأصل لا يعرف)).

والذي يرجّحه البحث إن نسب ابن تيمية مجهول, على أن ذلك بحد ذاته لا يقدح بالرجل, إذا ثبتت تقواه, قال الله تعالى: {َا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}, وقد روي عن الرسول الأكرمf قوله: ((لا فضل لعربي على أعجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى)), فلا يفضل عربي على عجمي لعروبته أو جنسه أو لونه, إنما الفضل بعد التقوى للعمل الصالح والعمل الصالح وحده, وقد عرفت علوم الإسلام في فروعها المختلفة فقهاء وعلماء من الأمصار كان أكثرهم من غير العرب, إلا إن الذين ينافحون من أجل إثبات كونه عربياً لا تستقيم دعواهم, قال ابن سنان الخفاجي ((ت466هـ)): ((وأما مراعاة الأنساب, وحفظها, وذكر الأصول, والبحث عنها, فباب تفردت به العرب, فلم يشاركها فيه مشارك, ولا ماثلها فيه مماثل))، وهذا يظهر أن من لم يعلم أصله ونسبه ليس عربيا في الغالب, على أن البحث يؤمن بأن "من أبطأ به عمله, لم يسرع به نسبه". لكن ذلك قد يكون بداعِ الشعور بالنقص, مما يشكل عقدة الدونية, التي هي شعور الإنسان بنقص أو عجزٍ ما؛ عضويا كان أم نفسيا أم اجتماعيا, مما يجعل سلوكه سلبيا في الغالب, يشعره بعدم التكافؤ الذي يوّلد عنده عقدة أخرى تتمم عقدة النقص, وهي عقدة العار, فيكون في حالة دفاع دائم ضد افتضاح أمره, ويدفعه ذلك إلى التجاوز التعويضي, عن طريق النبوغ وتحقيق الذات وإثبات الوجود، أو التعصب والانكفاء, وأحيانا إلى الضعة, وأحيانا أخرى يقوده إلى العدوانية والجريمة, ومن تلك العقد عقدة الحاجة للانتماء العشائري, التي تكون في مثل هذه الحالة من وسائل تصريف العدوانية المتراكمة النابعة عن الإحباطات الوجودية, لأجل الاستمداد العاطفي الذي يوازن العدوانية التي تهدد بالارتداد إلى الذات وتدميرها. كما يدفع ذلك للغرور والعجب, وقد أشار أبو الفضل محمد بن عبد الله القونوي في تعليقاته على "بيان زغل العلم" للذهبي ((ت748هـ)) الى أن تصرفات آنيّة غير مدروسة صدرت من تلامذة ابن تيمية وأتباعه منها ما أنتجت فتناً وجلبت لهم الأذى، ولذا قال: ((ولا اعتبار بمدح خواصه والغلاة فيه, فإن الحب يحملهم على تغطية هناته, بل يعدونها محاسن)), وقد أوذي القونوي لما أثبته من أحوال ابن تيمية من قبل أتباعه وأعدائه.



لقبه. 

يلقب بنسبته إلى حرّان, وهي التي ولد فيها، ويلقب بالدمشقي, وذلك إنه هاجر به والده مع أسرته بحدود سنة ((661هـ)) وله من العمر سبع سنين، ولقب بألقاب فخرية كثيرة, بلغت العشرات, وقال ابن عبد الهادي ((744هـ)): ((الشَّيْخ, الإِمَام, البارع, الْهمام, افتخار الْأَنَام, جمال الْإِسْلَام, ركن الشَّرِيعَة, نَاصِر السّنة, قامع الْبِدْعَة, جَامع أشتات الْفَضَائِل, قدوة الْعلمَاء الأماثل.

وقال ابن حجر العسقلاني ((ت 852هـ)) مما حكاه عن صلاح الدين العلائي ((ت 761 هـ)): ((شَيخنَا, وَسَيِّدنَا, وإمامنا فِيمَا بَيْننَا وَبَين الله تَعَالَى, شيخ التَّحْقِيق, السالك بِمن اتبعهُ أحسن طَرِيق, ذِي الْفَضَائِل المتكاثرة, والحجج الْقَاهِرَة, الَّتِي أقرَّت الْأُمَم كَافَّة أَن هممها عَن حصرها قَاصِرَة, وَمَتعْنَا الله بِعُلُومِهِ الفاخرة ونفعنا بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة، وهُوَ الشَّيْخ, الإِمَام, الْعَالم الرباني, والحبر الْبَحْر, القطب النوراني, إِمَام الْأَئِمَّة, بركَة الْأمة, عَلامَة الْعلمَاء, وَارِث الْأَنْبِيَاء, آخر الْمُجْتَهدين, أوحد عُلَمَاء الدّين, شيخ الإِسْلام•, حجَّة الأَعْلَام, قدوة الأَنَام, برهَان المتعلمين, قامع المبتدعين, سيف المناظرين, بَحر الْعُلُوم, كنز المستفيدين, ترجمان الْقُرْآن, أعجوبة الزَّمَان, فريد الْعَصْر والأوان, تَقِيّ الدّين, إِمَام الْمُسلمين, حجَّة الله على الْعَالمين, اللاحِق بالصالحين, والمشبه بالماضين, مفتي الْفرق, نَاصِر الْحق, عَلامَة الْهدى, عُمْدَة الْحفاظ, فَارس الْمعَانِي والألفاظ, ركن الشَّرِيعَة, ذُو الْفُنُون البديعة, أَبُو الْعَبَّاس ابْن تَيْمِية)).

وقيل في ألقابه وتوصيفه: ((الإمام الفاضل البارع التقي النقي الورع الفارس في علمي الحديث والتفسير، والفقه والأصولين بالتقرير والتحرير، والسيف الصارم على المبتدعين، والحبر القائم بأمور الدين، والأمّار بالمعروف والنّهاء عن المنكر. ذو همة وشجاعة وإقدام فيمَا يَرْدَع ويزجر، كثير الذكر والصوم والصلاة والعبادة، خشن العيش والقناعة، من دون طلب الزيادة، وكانت له المواعيد الحسنة السنية، والأوقات الطيبة البهية، مع كفه عن حطام الدنيا الدنية، وله المصنفات المشهورة المقبولة، والفتاوي القاطعة غير المعلولة، وقد كتب على بعض مصنفاته قاضي القضاة كمال الدين ابن الزَّمْلَكاني رحمه الله تعالى:

ماذا يقول الواصفون له....، وصفاتُه جَلَّتْ عن الحَصْرِ

هو حُجَّةٌ للهِ قاهرةٌ.... هو بيننا أعجوبَةُ الدَّهر)). هكذا أفيضت هذه الألقاب والصفات على ابن تيمية بصورة من المبالغة الواضحة, وإنما أشار إليها البحث تمهيدا لما يأتي من بيان المغالاة من قبل أتباعه, سيأتي تحليل ذلك فيما يأتي من هذه الرسالة للوقوف على دواعي ذلك, على أن البحث لا ينكر كونه من العلماء.

ولادته. 

قال ابن عبد الهادي((ت744هـ)), بأنه ولد ((يوم الأثنين, عاشر –وقيل: ثاني عشر- ربيع الأول سنة 661 هـ, إحدى وستين وستمائة)), والصحيح الموافق للحساب, هو القول الأول؛ وهو العاشر من ربيع الأول؛ لأنه يتفق مع القول بأنه ولد يوم الاثنين, الذي يوافق بالتقويم الميلادي؛ الثاني والعشرين من الشهر الأول من سنة 1263 ميلادي, وهو قول المروزي ((ت749هـ)) إذ قال: ((أما مولده؛ فكما أخبرني غير واحد من الحفاظ: أنه ولد بحرّان, في عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين ومائة))، ويبدو أنه أضبط من ابن عبد الهادي. أما القول الثاني؛ فلعله للجمع بين يوم الاثنين والثاني من ربيع الأول لموافقته لمولد النبي الأكرم , فلعل من ذهب إلى ذلك فلأجل مناسبة التناسب بينهما باعتقادهم.

وهذا وغيره مما تقدم من تلفيق النسب, والقول: بإن تيمية وجدها أحدُ أجداد ابن تيمية, وكذلك الألقاب المبالغ فيها التي توصل الرجل إلى درجة الأنبياء, يناسب ما ذكر في النصيحة الذهبية في الإشارة إلى ذلك؛ إذ قال: ((يا خيبة من اتبعك, فإنه معرض للزندقة والانحلال, ولاسيما إذا كان قليل العلم والدين باطولياً شهوانياً, لكنه ينفعك ويجاهد عنك بيده ولسانه, وفي الباطن عدو لك بحاله وقلبه, فهل معظم أتباعك إلا قعيد مربوط خفيف العقل, أو عاميّ كذاب, بليد الذهن أو غريب واجم قوي المكر, أو ناشف صالح عديم الفهم))، نستجير بالله تعالى من تغرير جهلة المحبين.


أسرته.

ينتمي ابن تيمية إلى أسرة معروفة بالعلم والفضل على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ((ت241هـ)), وبرز منهم عدد من أعلام هذا المذهب، ابتداءً من القرن السادس، إلى القرن التاسع الهجري, فممن برز منهم:

جدهم خطيب حران المعروف بفخر الدين, وأول من عرف بابن تيمية ((ت622هـ)), وهو: محمد بن الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله الإمام فخر الدين أبو عبد الله ابن أبي القسم بن تيمية الحراني الفقيه الحنبلي الواعظ المفسر صاحب الخطب شيخ حران وعالمها, كان إماما في الفقه إماما في التفسير، إماما في اللغة، ولي خطابة بلده ودرس ووعظ وأفتى, له مؤلفات عدّة وله شعر نازل, وفي سنة ((605هـ)) عاد من الحج إلى بغداد وجلس بباب بدر للوعظ، مكان محيي الدين يوسف بن الجوزي وعرّض به لصغر سنه، وقال الجمال بن دبوقة، كاتب الملك الأشرف: كنت بحرّان سنة مات ابن تيمية، فجلس يوم عاشوراء ومدح معاوية بن أبي سفيان على المنبر، وبالغ وأطنب، فاختلط على المنبر، ونزل مريضاً، فأقام إلى يوم الخميس خامس صفر يعاني أمراضاً صعبة، ومات فيه، وكان يقول: ما قتلني إلا يوم عاشوراء، وهذا يعد تأصيلا للاتجاه الأموي لدى هذه الأسرة ومسايرة للسلطة.

ثم ولده عبد الحليم ابن تيمية ((ت603هـ)) وهو أبو محمد ابن فخر الدين محمد بن الخضر بن محمد ابن تيمية, سمع الحديث ببغداد من جملة من المحدثين, وقرأ جملة من العلوم, وذكر والده في كتاب "الترغيب" أن لولده عبد الحليم هذا كتاباً مشتملا على جملة من الفروع الفقهية سماه الذخيرة.

وبعده سيف الدين ابن تيمية ((639هـ)), وهو عبد الغني بن محمد بن القاسم بن محمد ابن الشيخ فخر الدين, سمع الحديث بحران من والده وغيره, وسمع ببغداد على غيرهم, ورجع إلى حرّان وقام مقام أبيه بعد وفاته, وله تصنيف "الزائد على تفسير الوالد".

ثم المجد ابن تيمية ((625هـ)), وهو أبو البركات؛ عبد السلام بن عبد الله بن الخضر, وتوجه إلى بغداد وهو مراهق مع ابن عمه سيف الدين ((ت603هـ)), وسمع بها من مشايخ الحدث, ثم سمع بحرّان من غيرهم, ودرس القراءات وصنّف فيها أرجوزة. حج سنة ((551 هـ)) عن طريق العراق, وانبهر علماء بغداد لذكائه حتى التمس منه أستاذ دار الخلافة محيي الدين ابن الجوزي ((ت656هـ)) الإقامة عندهم فتعلل بالأهل والوطن, وفي طبعه حدّة. له مصنفات عدّة في الفقه والحديث والأصول.

ثم شهاب الدين ((ت683هـ)) وهو؛ عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله، لديه فضائل كثيرة، الحنبلي نزيل دمشق, والد ابن تيمية أحمد, سمع على جملة من الحفاظ, وقرأ المذهب وأتقنه على والده, ودرّس, وأفتى, وصّنف, وصار شيخ البلد بعد أبيه, وكان جيد المشاركة في العلوم له يد طولى في الفرائض والحساب والهيئة, وكان له كرسي بجامع دمشق يتكلم عليه عن ظاهر قلبه، ولي مشيخة دار الحديث السكرية بالقصاعين، وبها كان سكنه، وقد درّس ولديه أبا العباس، وأبو محمد, ودفن بمقابر الصوفية. 

وجدير بالذكر أن عبد الحليم ابن تيمية – والد أحمد ابن تيمية- إنما ولي هذه الوظائف, لما حظى به من إكرام علماء الشام, واهتمام السلطان الظاهر به مساعدة له؛ وقد ورث ذلك ابنه أحمد, وهذا الاحتفاء والتقدير نشأ ((من مهاجرة ذويه من وجه المغول يصحبهم أحد بني العباس, وهو الذي تولى الخلافة بمصر فيما بعد)).

ثم شرف الدين ابن تيمية ((ت727هـ)), وهو أبو محمد عبد الله بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن الخضر ابن تيمية الحراني الدمشقي, أخو ابن تيمية أحمد, سمع من خلق كثير, وطلب الحديث, وأحكم الفقه والنحو وبرع في معرفة السيرة والتأريخ وكثير من أسماء الرجال، وكان فصيحا يقظا فهما جزل العبارة غزير العلم بصيرا بالقواعد في الفقه, وقيل أنه كان منصفا في بحثه مع الدين والإخلاص والتعفف والسماح والزهد والانقباض عن الناس, وكان أخوه يتأدب معه ويحترمه، ينتقل في المساجد ويختفي أياما, وسمع منه الطلبة, ولم يعهد أنه صنف شيئا, وتمرض أياما وكانت جنازته مشهودة وحمل على الرؤوس.

فهؤلاء من أبرز أعلام هذه الأسرة, مما يدل على أن الجو الأسرى ذو توجه علمي, ولها مقام في رئاسة المشيخة حران, وبعد ذلك في دمشق عن طريق العلاقة الوطيدة التي نشأت مع أحد بني العباس الذي حظي بإكرام السلطان المملوكي يجعله الخليفة الشكلي ليتخذ منه واجهة تدعم سلطانه, وعندما توجه هذا العباسي إلى حران بعد سقوط بغداد ((فبايعه الشيخ شهاب الدين عبد الحليم ابن تيمية والد شيخنا وأهل حران))، ومع حاجة سلاطين المماليك إلى توثيق علاقاتهم بالفقهاء, ولا شك أن هذين الأمرين لها الأهمية في بروز هذه الأسرة في دمشق بعدئذ.

هذا مع ملامح اتجاه أموي يستشعره من اطلع على ما تقدم من مدح أحدهم معاوية يوم عاشر محرم على المنبر, وبهذين التوجهين المتهافتين؛ يمكن تصور توجه حب الرئاسة بالتماشي مع السلطة المملوكية ورمزها العباسي, ومن ناحية أخرى الهوى الأموي المناوئ لخط أهل البيت "عليهم السلام".

ومهما توخى الباحث الموضوعية والتجرد عند ملاحظة كتب ابن تيمية فإنه لا يمكن أن ينكر ظهور التجني على أهل البيت "عليهم السلام" وتوهين مكانتهم, ابتداءً من أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب "عليه السلام", فَقَالَ فِي حق عَليّ أَخطَأ فِي سَبْعَة عشر شَيْئا خالف فيها كتاب الله، ولم يلتفت ابن تيمية إلى نصح علماء زمانه, مما جعلهم يتكلمون فيه, يقول ابن حجر العسقلاني ((ت852هـ)): ((وَمِنْهُم من ينْسبهُ إِلَى النِّفَاق لقَوْله فِي عَليّ مَا تقدم وَلقَوْله إِنَّه كَانَ مخذولا حَيْثُ مَا توجه وَأَنه حاول الْخلَافَة مرَارًا فَلم ينلها وَإِنَّمَا قَاتل للرئاسة لا للديانة وَلقَوْله إِنَّه كَانَ يحب الرِّئَاسَة وَأَن عُثْمَان كَانَ يحب المَال وَلقَوْله أَبُو بكر أسلم شَيخا يدْرِي مَا يَقُول وَعلي أسلم صَبيا وَالصَّبِيّ لا يَصح إِسْلامه على قَول)), ولتوهين شخصية أمير المؤمنين "عليه السلام", يقول ابن تيمية: ((وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَدْ خَفِيَ عَلَيْهِ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَضْعَافُ ذَلِكَ، وَمِنْهَا مَا مَاتَ وَلَمْ يَعْرِفْهُ)), وقال: ((فَإِنَّ وِلايَةَ عُثْمَانَ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمَصَالِحِ وَالْخَيْرَاتِ مَا لا يَعْلَمُهَا إِلا اللَّهُ، ومَا حَصَلَ فِيهَا مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي كَرِهُوهَا، كَتَأْمِيرِ بَعْضِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَإِعْطَائِهِمْ بَعْضَ الْمَالِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَقَدْ حَصَلَ مِنْ وِلَايَةِ مَنْ بَعْدَهُ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ مِنَ الْفَسَادِ، وَلَمْ يَحْصُلْ فِيهَا مِنَ الصَّلاحِ مَا حَصَلَ فِي إِمَارَةِ عُثْمَانَ، وأَيْنَ إِيثَارُ بَعْضِ النَّاسِ بِوِلَايَةٍ أَوْ مَالٍ، مِنْ كَوْنِ الْأُمَّةِ يَسْفِكُ بَعْضُهَا دِمَاءَ بَعْضٍ وَتَشْتَغِلُ بِذَلِكَ عَنْ مَصْلَحَةِ دِينِهَا وَدُنْيَاهَا حَتَّى يَطْمَعَ الْكُفَّارُ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ؟ وَأَيْنَ اجْتِمَاعُ الْمُسْلِمِينَ وَفَتْحُ بِلادِ الأَعْدَاءِ مِنَ الْفُرْقَةِ وَالْفِتْنَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَعَجْزِهِمْ عَنِ الْأَعْدَاءِ حَتَّى يَأْخُذُوا بَعْضَ بِلَادِهِمْ أَوْ بَعْضَ أَمْوَالِهِمْ قَهْرًا أَوْ صُلْحًا؟)), وهذا ما يظهر منه لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب "عليه السلام", في مواضع كثيرة من كتبه حتى قال: ((لم يزهر في خلافته دين الإسلام, بل وقعت الفتنة بين أهله, وطمع فيهم عدوهم من الكفار والنصارى والمجوس)).

وقد يلحظ الباحث أنه يشير إلى وجوب محبة أهل البيت "عليهم السلام" وموالاتهم, إذ يقول: ((وَلا رَيْبَ أَنَّهُ لآلِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَقًّا عَلَى الأُمَّةِ لا يَشْرَكُهُمْ فِيهِ غَيْرُهُمْ، وَيَسْتَحِقُّونَ مِنْ زِيَادَةِ الْمَحَبَّةِ وَالْمُوَالاةِ مَا لا يَسْتَحِقُّهُ سَائِرُ بُطُونِ قُرَيْشٍ)), إلا أن ذلك يستبطن أمرا آخر يتضح من قوله: ((عَلَى تَقْدِيرِ وُجُوبِ الصَّلاةِ عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ, فَهَذِهِ الصَّلاةُ لِجَمِيعِ آلِ مُحَمَّدٍ لا تَخْتَصُّ بِصَالِحِيهِمْ، فَضْلًا عَنْ أَنْ تَخْتَصَّ بِمَنْ هُوَ مَعْصُومٌ، بَلْ تَتَنَاوَلُ كُلَّ مَنْ دَخَلَ فِي آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا أَنَّ الدُّعَاءَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَنْ دَخَلَ فِي الإِيمَانِ وَالإِسْلَامِ، وَلا يَلْزَمُ مِنَ الدُّعَاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ عُمُومًا وَلا لأَهْلِ الْبَيْتِ عُمُومًا أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمْ بَرًّا تَقِيًّا، بَلِ الدُّعَاءُ لَهُمْ طَلَبًا لإِحْسَانِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَيْهِمْ وَتَفَضُّلِهِ عَلَيْهِمْ، وَفَضْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَإِحْسَانُهُ يُطْلَبُ لِكُلِّ أَحَدٍ)), ولا يبتغي البحث أن يتوسع في ذلك, إنما للإشارة إلى أن أثر الهوى العام للأسرة ظاهر في آراء ابن تيمية.

مذهبه.

ينسب احمد بن عبد الحليم ابن تيمية إلى مذهب أبي عبد الله أحمد بن حنبل ((ـ241هـ)), وهذا يستدعي الإلماع إلى حقيقة هذا الانتساب ومدى المخالفة, بعد إلقاء الضوء على ما يؤثر عن الإمام احمد, وما خالفه فيه ابن تيمية.

اختُلف في كون أحمد بن حنبل إماماً في الأصول أو الفقه أو العقيدة, إلا أن المسلّم به كونه إماما في الحديث. فقد عدّه بعض أتباعه أماما في كل العلوم الشرعية, يقول ابن الجوزي ((ت597هـ)): ((أنا نظرنا في أدلة الشرع وأصول الفقه وسبرنا أحوال الأعلام المجتهدين، فرأينا هذا الرجل أوفرهم حظاً من تلك العلوم، فإنه كان من الحافظين لكتاب الله عز وجل)), وكان إماما في الحديث. أخرج ابن الجوزي عن الحسن بن ثواب، أنه قال: ((قال: قال لي أحمد بن حنبل: ما أعلمُ الناسَ في زمانٍ أحوج منهم إلى طلبِ الحديث من هذا الزمان، قلتُ: ولم؟ قال: ظَهرت بدع، فمن لم يكن عنده حديث وَقع فيها))، وقد طغت نزعته إلى الحديث وتوقفه عند الأثر على سلوكه فلم يرض أن يكتب عنه رأي فيه, حكى أبو يعلى ((ت485هـ)) عن أحمد بن الحسين بن حسان, أنه قال: ((قال رجل لأبي عبد اللَّه أريد أن أكتب هذه المسائل فإني أخاف النسيان, قَالَ له أحمد لا تكتب شيئًا فإني أكره أن اكتب رأيي وأحس مرة بإنسان يكتب ومعه ألواح فِي كمه فقال لا تكتب رأيي لعلي أقول الساعة بمسألة ثم أرجع غدًا عنها)). قال ابن قيم الجوزية ((ت571هـ)): ((وكان رضي الله عنه شديد الكراهة لتصنيف الكتب وكان يحب تجريد الحديث ويكره أن يكتب كلامه ويشتد عليه جدا فعلم الله حسن نيته وقصده فكتب من كلامه وفتواه أكثر من ثلاثين سفرا ومن الله سبحانه علينا بأكثرها فلم يفتنا منها إلا القليل وجمع الخلال نصوصه في الجامع الكبير فبلغ نحو عشرين سفرا أو أكثر ورويت فتاويه ومسائله وحدث بها قرنا بعد قرن))على أن تدوين آراء أئمة المذاهب متأخر عن زمنهم, والأمر على هذا المنوال في آراء ابن حنبل وتدوين مذهبه، ومما ذكر في ذلك القول المنسوب للشافعي ((ت204هـ)): ((خرجت من بغداد وما خلفت بها أفقه ولا أزهد ولا أورع ولا أعلم من أحمد بن حنبل)), وما نسب لعبد الرزاق ((ت211هـ)) أنه قال: ((ما رأيت أحدا أفقه ولا أورع من أحمد بن حنبل))، وهذان شيخاه وقد شهدا له هذه الشهاد.

وقال آخرون بأن أحمد بن حنبل لا حظّ له سوى حفظه الحديث, فهو يفتي بظاهر الروايات لا غير, قال القاضي عيّاض ((ت544هـ)): ((إن أحمد وداود من العارفين بعلم الحديث ولا تنكر إمامة أحد منهما فيه لكن لا يسلم لهما الإمامة في الفقه ولا جودة النظر في مأخذه ولم يتكلما في نوازل كثيرة كلام غيرهما وميلهما مع المفهوم من الحديث))، ويعضد ذلك كونه لم يترك مدونا في الفقه, إنما أثر عنه "المسند", وهو في الحديث, وذلك في عصر ارتقى فيه التدوين إلى طور مهم, ولا سيما في الفقه؛ إذ يلحظ مدونات عدة من ذلك العصر ككتب محمد بن الحسن الشيباني ((ت189هـ)), وكتب أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري ((ت182هـ)), وأملى الشافعي مذهبه أو كتبه, وأحمد بن حنبل لم يكن له شيء من ذلك بإجماع المؤرخين. فكان ذلك دليلا على أنه محدّث, وليس بفقيه, أو أن الغالب عليه الحديث, وهذا لا يتنافى مع أنه له آراء فقهية, فإن جملة من المحدثين لهم آراء فقهية, كالبخاري ومسلم, إلا أن ذلك لا يجدي في حساب على جماعة الفقهاء. مع ان أحمد يعد نفسه فقيها قبل شيء, وما كان ليفتي لولا ابتلاؤه بتلك الحوادث التي اضطرته للقول بما فهمه من الروايات.

إلا أن المعوّل عليه في إثبات آراءه في الفقه وغيره ظاهر ما أثبت في مسنده, إذ أنه فقه أثري, وما اختاره من أقوال الصحابة, مما أفاده أصحابه وأتباعه, وولده عبد الله, وجدير بالذكر: إن الأصول والقواعد التي بنيت عليها الفروع أو استنبط على أساسها من مداركها, إنما كانت من ثمرات جهودهم, وليست من صنع أحمد, فلم تؤثر عنه بالنقل تفصيلا, ولكنها فصلت تفصيلا من بعده, ومن هذا أمكن القول بأن أحمد بن حنبل إمام في الحديث, ومن طريق هذه الإمامة في الحديث والآثار كانت إمامته في الفقه.

فهل كان ابن تيمية موافقا لما أثر عنه من أصحاب ابن حنبل ليقال أنه حنبليّ المذهب؟

والذي تقرر في مسودة آل تيمية أن: ((الروايات المطلقة نصوص للإمام أحمد وكذا قولنا وعنه وأما التنبيهات بلفظه فقولنا أومأ إليه أحمد أو أشار إليه أو دل كلامه عليه أو تقف فيه, وأما الأوجه؛ فأقوال: الأصحاب وتخريجهم إن كانت مأخوذة من قواعد الإمام أحمد أو إيمائه أو دليله أو تعليله أو سياق كلامه وقوته وان كانت مأخوذة من نصوص الإمام أو مخرجة منها فهي روايات مخرجة له أو منقولة من نصوصه إلى ما يشبهها من المسائل أن قلنا ما قيس على كلامه مذهب له وان قلنا لا فهى أوجه لمن خرجها وقاسها فان خرج من نص ونقل الى مسألة فيها نص يخالف ما خرج فيها صار رواية منصوصة ورواية مخرجة منقولة من نصه اذا قلنا المخرج من نصه مذهبه وان قلنا لا ففيها رواية لأحمد ووجه لمن خرجه وان لم يكن فيها نص يخالفا القول المخرج فيها من نصه فى غيرها فهو وجه لمن خرجه فإن خالفه غيره من الأصحاب فى الحكم دون طريق التخريج ففيها لهم وجهان ويمكن جعلهما مذهباً لأحمد بالتخريج دون النقل لعدم أخذهما من نصه, وان جهلنا مستندهما فليس أحدهما قولا مخرجا للإمام ولا مذهبا له بحال)), فمع كل ما بنوه من التوسعة في التخريج, تبقى قضية ما جهلت نسبته إلى الإمام أحمد مرفوضة, فمن باب أولى عدم صحة النسبة إلى مذهب الإمام أحمد إذا خالف فقيه المذهب إمامه بوضوح, وقد أثبتت مخالفات كثيرة في مسائل ابن تيمية لإمام مذهبه, وله في ذلك كثير, إلا إن النسبة تبقى بنظر الباحثين لاتحاد المسلك. إلا إن بعض الباحثين عدّ ابن تيمية ممن له اجتهاده الخاص الذي يخرجه عن المذهب, إذ قال: ((أهم الانتقادات التي وُجهت إلى ابن تيمية الذي يعد المرجع الأكبر لكافة أفكار جماعات الإسلام السياسي، أنه يرجّح في المذهب الحنبلي ليس بناءً على الروايات عن أحمد، ولا بناءً على تقريرات الأصحاب واختيارات الخرقي، بل بناء على اجتهاده الشخصي، وإن كان خلاف المنصوص عن أحمد)), وضرب مثالاً على ذلك مخالفة ابن تيمية لأحمد في صلاة الرجل بادي الفخذين فجوزه أحمد, ومنع منه ابن تيمية، وكذلك في كفارة اليمين؛ إذ أعرض عما أخذ به الإمام أحمد ((وقد أخذ بهذا الأثر أحمد بن حنبل إمام هذا المبتدع في غير بدعته)), وبعد النظر في ما يتبين من مذهب الإمام أحمد, وما تبناه ابن تيمية؛ يظهر أن ((الإمام أحمد كان على خلاف ما أحدثه ابن تيمية وأتباعه)) 

والمتتبع لآراء أبن تيمية يجد أنها للمذهب السياسي أقرب منها للمذهب الفقهي فتجده يخالف كثير من الإجماعات الفقهية والأدلة النقلية والعقلية ويستمد مبانيه وأفكاره من توجهه السياسي والسلطوي لغايات إقصائية وتكفيرية .

 وسيأتي في المباحث القادمة من هذه الرسالة تفصيل ذلك, عند ذكر المخالفات.







            المطلب الثاني: تحصيله العلمي, وبيئته.

أولا: تحصيله العلمي.

ثانياً: البيئة الاجتماعية.



أولا: تحصيله العلمي.

يمكن التعرف على تحصيله العلمي عن طريق ما ذكره تلامذته ومعاصروه, واستعراض أبرز أساتذته, وما ترك من آثار علمية, ومن ذلك ما قاله البزَّارُ ((ت 749هـ)): ((لم يزل مُنْذُ أبان صغره مُسْتَغْرق الأَوْقَات فِي الْجهد وَالاجْتِهَاد وَختم الْقرَان صَغِيرا ثمَّ اشْتغل بِحِفْظ الحَدِيث وَالْفِقْه والعربية حَتَّى برع فِي ذَلِك مَعَ مُلازمَة مجَالِس الذّكر وَسَمَاع الْأَحَادِيث, والْآثَار وَلَقَد سمع غير كتاب على غير شيخ من ذَوي الرِّوَايَات الصَّحِيحَة الْعَالِيَة أما دواوين الإِسْلَام الْكِبَار كمُسْند احْمَد وصحيح البُخَارِيّ وَمُسلم وجامع التِّرْمِذِيّ وَسنَن أبي دَاوُود السجسْتانِي وَالنَّسَائِيّ وَابْن ماجة وَالدَّارَقُطْنِيّ فَإِنَّهُ رَحمَه الله وَرَضي عَنْهُم وَعنهُ فَإِنَّهُ سمع كل وَاحِد مِنْهَا عدَّة مَرَّات وَأول كتاب حفظه فِي الحَدِيث الْجمع بَين الصَّحِيحَيْنِ للإمَام الْحميدِي, وَقلّ كتاب من فنون الْعلم إِلا وقف عَلَيْهِ وَكَانَ الله قد خصّه بِسُرْعَة الْحِفْظ وإبطاء النسْيَان لم يكن يقف على شَيْء أَو يستمع لشَيْء غَالِبا الا وَيبقى على خاطره أما بِلَفْظِهِ أَو مَعْنَاهُ)).

كما عرف عنه أنه قد برع في تفسير القرآن الكريم, والحديث الشريف والسيرة النبوية الشريفة والوقائع والغزوات. 

وقد تعلَّم الخطَّ والحساب في المكتب، ودرس على أبيه, ثم على جملة من المشايخ من الرجال والنساء نافوا على المائتين, وقرأ بنفسه غير ما سمعه من المشايخ بعض العلوم معتمدا على فهم نفسه في درسها والبحث فيها, كالفلسفة, , ومن أبرز من درس عندهم:

• والده الإمام شِهاب الدين أبو المحاسن عبدالحليم بن عبدالسلام ابن تيمية ((ت603هـ)), قرأ عليه المذهب حتى أتقنه.

• أحمد ابن عبد الدايم زين الدين، أبو العباس، المقدسي، الصالحي، الفندقي((ت668هـ))، أحد شيوخ الحنابلة، ومِن علماء الحديث، وهو خطيب، وكاتب، وشاعر, ومؤرخ، وناسخ، ومن تاريخ وفاته يظهر أن ابن تيمية قد تلمذ عليه وسمع منه الحديث مبكراً ولما يجاوز السابعة من عمره.

ابن قدامة, عبد الرحمن بن محمَّد المقدسي الجماعيلي ((ت682هـ)) من أعيان الحنابلة وفقهائهم, أول من ولي القضاء من الحنابلة بدمشق, أخذ عليه ابن تيمية أحمد؛ الفقه والأصول.

• شرف الدين أبو العباس أحمد بن أحمد بن نعمة الشافعي ((ت694هـ)), برع في الفقه والأصول والعربية, وصنّف الكثير, ولي القضاء نيابة بدمشق, إذن لجماعة بالإفتاء ومنهم ابن تيمية أحمد.

• زين الدين أبو البركات, المنجّى بن عثمان بن أسعد بن المنجّى التنوخي الدمشقي الحنبلي ((ت699هـ)), انتهت إليه رئاسة المذهب, أخذ ابن تيمية أحمد؛ الفقه عليه.

• أبو زكريا سيف الدين يحيى بن عبد الرحمن الحنبلي الأنصاري ((ت672هـ)), من جملة سماعه ممن قرأ عليه فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَاشِرَ شَوَّالٍ سَنَةَ ((669هـ)).

• الشيخ محمد بن عبد القوي بن بدران أبو عبد الله المرداوي المقدسي ((ت 699)), فقيه, بارع في اللغة, صنّف, وأفتى, قرأ عليه أيامًا في العربية.

 وسمع على كثير غيرهم من مشايخ الحديث, وكذلك سمع الحديث على بعض الشيخات:

•  عمَّتُهُ؛ الشيخة ستُّ الدار, بنت عبدالسلام بن أبي محمد ابن تيميَّة، ((ت686هـ)) محدثة, حدثت عن ابن روزبه وعبد اللطيف بن يوسف، من جملة من حدث عنا ابن أخيها أحمد.

• الشيخة أمُّ الخير الدمشقية، سِتُّ الْعَرَبِ بِنْتُ يَحْيَى بْنِ قايماز بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّاجِيَّةُ الْكِنْدِيَّةُ ((ت684هـ)), قراءة عَلَيْهَا وهو يسمع ((681هـ)).

• الشيخة أمُّ العرب، فاطمة بنت الحافظ أبي القاسم علي بن الحافظ بهاء الدين أبي محمد القاسم ابن الحافظ الكبير محدث الشام أبي القاسم ابن عساكر, سمعت من مشايخ عدّة ((توفيت: 683هـ)), قِرَاءَةً عَلَيْهَا وهو يسْمَعُ فِي ((681هـ)).

• الشيخة أمُّ أحمد الحرانية, زينب بنت مكي بن علي بن كامل ((ت688هـ)), ازدحم عليها الطلبة, سمع منها ابن تيمية أحمد سنة ((675هـ)), وروى عنها أنها أخبرته, وعبّر عنها بالعالمة المجتهدة.

• الشيخة أم محمَّد المقدسية، زينب بنت أحمد بن عمر بن كامل ((ت722هـ)), تفردت بأجزاء, ارتحل إليها الطلبة, قِرَاءَةً عَلَيْهَا وهو يسْمَعُ فِي ((684هـ)).

فهؤلاء الأعلام وغيرهم تلقى عنهم ابن تيمية كثيرا من العلوم, والظاهر عليهم ان اكثرهم من المحدثين لا الفقهاء, ولعله لذلك فاق كثيرا منها شيوخه الذين أخذ عنهم, وقد شهد بعضهم له بذلك.وقد ترك آثارا علمية كثيرة.

ثانياً: آثاره العلمية.

فقد قيل عنه أنه ((اشتهر في مجالات عدّة أهمها: الفقه والحديث والعقيدة وأصول الفقه والفلسفة والمنطق والفلك وكما أنّه كان بارعًا في شرح الحساب والجبر، وهو القائل بأن العلوم الطبيعية أفضل من العلوم الرياضية وذلك ردًّا على فلسفة المشائين والذين تبنّوا رأي أرسطو القائل بأن أجلّ الفلسفة هي الفلسفة الإلهية ثم الفلسفة الرياضية ثم الفلسفة الطبيعية كما أنّه نقض الفلسفة الإلهية واستحسن الفلسفة الطبيعية "كالفيزياء وغيرها" والفلسفة الرياضية)). 

فَمِنْهَا مَا يبلغ اثني عشر مجلدا كتَلْخِيص التلبيس على أساس التَّقْدِيس وَغَيره .

وَمِنْهَا مَا يبلغ سبع مجلدات كالْجمع بَين الْعقل وَالنَّقْل .

وَمِنْهَا مَا يبلغ خمسة مجلدات مِنْهَا منهاج الاسْتقَامَة والاعتدال وَنَحْوه. 

وَمِنْهَا مَا يبلغ ثَلَاثة مجلدات كالرَّد على النَّصَارَى وَشبهه .

وَمِنْهَا مجلدان كـ: نِكَاح الْمُحَلّل وَإِبْطَال الْحِيَل وَشرح العقيدة الأصبهانية. 

وَمِنْهَا مُجَلد وَدون ذَلِك وَهَذَانِ القسمان من مؤلفاته كَثِيرَة, مثل: كتاب تَفْسِير سُورَة الإخلاص مُجَلد, كتاب الْكَلَام على قَوْله عز وَجل الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى, كتاب الصارم المسلول على شاتم الرَّسُول مُجَلد, كتاب الْفرْقَان الْمُبين بَين الطَّلَاق وَالْيَمِين, كتاب الْفرق بَين أَوْلِيَاء الرَّحْمَن وأولياء الشَّيْطَان, كتاب اقْتِضَاء الصِّرَاط الْمُسْتَقيم مُخَالفَة أَصْحَاب الْجَحِيم, كتاب الْكَلم الطّيب, كتاب إِثْبَات الْكَمَال, كتاب الرَّد على تأسيس التَّقْدِيس, كتاب الْجمع بَين الْعقل وَالنَّقْل, كتاب نقض أَقْوَال المبتدعين, كتاب الرَّد على النَّصَارَى, كتاب منهاج الاسْتقَامَة, وَنِكَاح الْمُحَلّل, كتاب الفتاوى, كتاب الدّرّ الْمُلْتَقط, كتاب أَحْكَام الطَّلَاق, كتاب الرسَالَة, كتاب اعْتِقَاد الْفرْقَة النَّاجِية, كتاب رفع الملام عَن الأَئِمَّة الأَعْلام, كتاب تَقْرِير مسَائِل التَّوْحِيد, كتاب الاستغاثة والتوسل, كتاب الْمسَائِل الحموية, كتاب الْمسَائِل الجزرية, كتاب الْمسَائِل المفردة...وغيرها.

إلا إنّ هذه الآثار اشتملت على كثيرٍ من الأمور المخالفة لأصول الدين وضرورياته, ومخالفة قواعد الاستنباط وأحكامه, ولذا يجدها الباحث قد أفضت إلى وصفه بالزندقة تارة, وبالإلحاد أخرى, ((وهذا وإن كان كفراً شنيعاً مما تقلّ جملته في الفروع)), فقد خرق إجماع مذهبه بل خرق إجماع علماء الإسلام, وقد ذكر ابن طولون المسائل المخالفة للإجماع التي حفلت بها مؤلفات ابن تيمية.

فأي قيمة علمية لما حفلت به هذه الكتب إذا كانت تطفح بما وصفوه, فإن العلماء وإن لم ينكروا ما في كتبه من المادة العلمية, إلا أنهم لما نظروا لما ضمت من الانحراف؛ قالوا ((إن علمه أكبر من عقله)) , بمعنى: إنه حفظ من العلوم ما لم يستوعبه عقله, وإن المنزلة العلمية التي ادعاها أو ادعيت له, إنما كانت وليدة الغرور والعجب الذي ركبه فاتبع هواه؛ بعدما رأى من حفاوة وتكريم عند السلطة والفقهاء تبعاً لهم ورثها عن أبيه, -كما مرّ في ذكر أسرته-, ولذا يقول ابن حجر الهيتمي ((ت973هـ)): ((وَإِيَّاك أنْ تصغى إِلَى مَا فِي كتب ابْن تَيْمِية وتلميذه ابْن قيم الجوزية وَغَيرهمَا مِمَّن اتخذ إلهه هَوَاهُ وأضله الله على علم وَختم على سَمعه وَقَلبه وَجعل على بَصَره غشاوة, فَمن يهديه من بعد الله، وَكَيف تجَاوز هَؤُلاءِ الْمُلْحِدُونَ الْحُدُود، وتعدوا الرسوم وخرقوا سياج الشَّرِيعَة والحقيقة، فظنوا بذلك أَنهم على هدى من رَبهم وَلَيْسوا كَذَلِك، بل هم على أَسْوَأ الضلال وأقبح الْخِصَال وأبلغ المَقَّتْ والخسران وأنهى الْكَذِب والبهتان. فخذل الله متَّبِعهم وطهر الأَرْض من أمثالهم)).

نعم كيف يبقى لهذه الكتب قيمة علمية؛ بعدما استتيب عن كثير مما فيها, وقد تاب عدة مرات على يد جمع من الفقهاء والقضاة الذين حكموا بضلاله و وجوب الحذر والتحذير منه, بعدما كان يرجع فيما تاب عنه وينقض مواثيقه. ((ولولا أن ابن تيمية كان يدعو العامة إلى اعتقاد ضد ما في صيغة الاستتابة هذه بكل ما أوتي من حول وحيلة لما استتابه أهل العلم بتلك الصيغة وما اقترحوا عليه أن يكتب بخطه ما يؤاخذ به إن لم يقف عند شرطه)), فإن ما اشتملت عليه كتبه كان مدعاة للتوبة منه بشاهد توبته, ولما لم تكن توبته نصوحاً عاد لما تاب عنه, وأستمر في سلوكه حتى آخر عمره, قال السبكي ((ت756هـ)): ((وحبس باجماع العلماء وولاة الأمور على ذلك ثم مات, ولم يكن لنا غرض في ذكره بعد موته الآن تلك أمة قد خلت، ولكن له اتباع ينعقون ولا يعون)).

ويشهد لذلك أيضا؛ ما جاء في مرسوم السلطان محمد بن قلاوون الذي قرئ على منبر جامع دمشق, وبعد المقدمة بحمد الله تعالى والصلاة على رسوله "صلى الله عليه وآله", ذكر وجوب الرد على الملحدين تعريضا بابن تيمية, ثم جاء فيه: ((وكان ابن تيمية في هذه المدة قد بسط لسان قلمه, ومد بجهله عنان كلمه, وتحدث بمسائل الذات والصفات, ونص في كلامه الفاسد على أمور منكرات, وتكلم فيما سكت عنه الصحابة والتابعون, وفاه بما اجتنبه الأئمة الأعلام الصالحون, وأتى في ذلك بما أنكره أئمة الإسلام, وانعقد على خلافه إجماع العلماء والحكام, وشهر من فتاويه ما استخف به عقول العوام, وخالف في ذلك فقهاء عصره, وأعلام علماء شامه ومصره, وبث به رسائله إلى كل مكان, وسمى فتاويه بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان))، فكانت هذه المؤلفات المبثوثة تضج بما هو مدعاة للكفر والضلال.

ويشير النص إلى أن هناك جهلة من الناس اتبعوه وأطاعوه, فيقول: ((وما سلك به هو ومريدوه, من هذه المسالك الخبيثة وأظهروه, من هذه الأحوال وأشاعوه, وعلمنا أنه استخف قومه فأطاعوه)), بمعنى أن هناك من يروج لهذه الكتب وما فيها من الانحراف من أتباع ضالون مضلّون بحسب وصف المرسوم.

ولم يكن هذا الحكم من فرد من الفقهاء أو قلة قليلة منهم, ليقال أنه ذلك كان بداعي الحسد أو الجهل كما يدعي بعض الكاتبين المعاصرين من أتباعه, بل يشير النص إلى أن الحكم صدر بإجماع العلماء, فيقول: ((ولما وصل إلينا الجمع أولوا العقد والحل, وذوو التحقيق والنقل, وحضر قضاة الإسلام, وحكام الأنام, وعلماء المسلمين, وأئمة الدنيا والدين, وعقد له مجلس شرعي في ملأ من الأئمة وجمع, ومن له دراية في مجال النظر ودفع . فثبت عندهم جميع ما نسب إليه, بقول من يعتمد ويعول عليه, وبمقتضى خط قلمه الدال على منكر معتقده، وانفصل ذلك الجمع وهم لعقيدته الخبيثة منكرون...، وبلغنا أنه قد استتيب مرارا فيما تقدم, وأخره الشرع الشريف لما تعرض لذلك وأقدم, ثم عاد بعد منعه, ولم يدخل ذلك في سمعه))، وفي هذا تصريح لاعترافه هو بانحراف ما في كتبه وفتاويه.

وقد ألزم من اتبعه بمفاد مرسوم السلطان: ((وليلزم كل واحد من الحنابلة بالرجوع عن كل ما أنكره الأئمة من هذه العقيدة, والرجوع عن الشبهات الذائعة الشديدة, ولزوم ما أمر الله تعالى به, والتمسك بمسالك أهل الإيمان الحميدة, فإنه من خرج عن أمر الله فقد ضل سواء السبيل ، ومثل هذا ليس له إلا التنكيل, والسجن الطويل مستقره ومقيله وبئس المقيل... فإنا أزلنا دعوة هذا المبتدع من البلاد, وأبطلنا عقيدته الخبيثة التي أضل بها كثيرا من العباد أو كاد, بل كم أضل بها من خلق, وعاثوا بها في الأرض الفساد)).

وبعد هذا كله؛ فما قيمة ما تركه من مؤلفات أجمع علماء عصره على انحراف ما فيها, بما فيها كتب العقيدة أو التفسير أو الفقه, بل حتى آراءه في النحو وتماديه في تعدي حدود المحاورة والأدب ومخالفة المسلّم من قواعده, بل في الحديث الذي يعد إماما فيه, من وهم, ورفع للرسول الأكرم "صلى الله عليه وآله" من دون تثبّت, أما إذا تعلق الأمر بالرافضة فالجرأة بالتحريف أو الزيادة أو القول الوضع مما لا غبار عليه, كما يظهر من ملاحظة ما أشار إليه الألباني.


ثانياً: بيئته الاجتماعية.

الوضع الاجتماعي من العوامل البيئية التي تؤثر في الإنسان سلباً أو إيجابا؛ وذلك إن البيئة مجموعة الظروف الخارجية التي تؤثر في حياة الإنسان كسائر الكائنات, وهي تعني الوسط أو المجال الذي يعيش فيه الإنسان بما يضم من ظاهرات طبيعية وبشرية يتأثر بها ويؤثر فيها. فالبيئة الاجتماعية جزء مهم من البيئة، ويتكون من الأفراد والجماعات المتفاعلة وتحفها توقعات وأنماط ونظم وقيم تؤلف مظاهر المجتمع, لذا يسهم تقصي أحوال المجتمع بوصفه البيئة المهمة لمعرفة سلوك الإنسان, إذ يعدّ سلوك الإنسان في مراحل حياته المختلفة مرآة لما تعرض له من ظروف اجتماعية, قد يكون سلوكه  محاكاة لها, لما لذلك من أثر في بناء شخصيته نتيجة تفاعلاته المستمرة مع المحيطين به, أو مع المجتمع بصورة عامة. مما قد يؤدي إلى مشكلات ومواقف صعبة فيما إذا كان محاطا بحالة اجتماعية تمثل ضغوطا عليه ولاسيما إذا انظمت إليها عوامل أخرى كالإرث العدواني المتأصل في تكوين الشخصية، وقد ألمع البحث إلى الإرث الأسري والتحصيل العلمي لابن تيمية, وللتعرف على دواعي سلوكه الذي ذمه العلماء بسببه, يلقي البحث الضوء على الوضع الاجتماعي في ذلك العصر.

الكلام في عصر ابن تيمية يقتضي ملاحظة التدهور والانحطاط الذي سبقه, ولاسيما ما يعد محطات مهمة في ذلك التغير الاجتماعي الحاصل, فقد كانت الأحوال الاجتماعية للمسلمين بصفة عامة منذ بدايات القرن السادس الهجري ومن بعده القرن السابع الهجري تتسم بالانحلال والتشرّد والضياع نتيجة للظروف المضطربة التي عصفت بهم جرّاء ضعف القائمين على الحكم في الدولة العباسية والانقسامات التي حدثت داخلياً والخطر المحدق من الخارج .

ولهذه الأسباب وغيرها أصيب المجتمع الإسلامي بصورة عامة بالوهن والضعف والتمزق والتشرذم, والانحدار نحو أبشع الأفعال التي تبعد الناس عما تبقى من الدين الذي أطاح به العباسيون, ولاسيما مركز الخلافة وما حواليها, ليصير المجتمع أضحوكة بين أيدي التتار, ويمتنع على الناس اجتماعهم الديني الأكبر وهو الحج.

ومع تفشي الجهل واستفحال التفسخ والانحلال وكثرة الحانات والخمور، وما إلى ذلك مما يصرف الناس عن التفكر في حالهم وتمزق بلادهم, ليشمل ذلك طبقات مختلفة من المجتمع من اللصوص والمنحطين أو من ذوي الوجاهات والرئاسات من السلاطين أو من المتعيلمين المتفيقهين الذين أفتوا بجواز الحشيشة وحثوا على الخلاعة والمجون, حتى قال من يصفه ابن كثير ((ت774هـ)) بالشيخ العالم الفاضل علم الدين أحمد بن يوسف بن عبد الله بن شكر، وأنه كان من بيت علم ورياسة، وقد درس في بعض المدارس، وكانت له وجاهة ورياسة:

في خمار الحشيش معنى مرامي * يا أهيل العقول والأفهامٍ

حرموها عن غير عقل ونقل *  وحرام تحريم غير الحرام.

وقد كان خلفاء بني أمية هم أول رواد مجالس الخمر ومعاقريها, ((فعبد الملك يأتيها مرّة في الشهر, وابنه الوليد يشربها يوما بعد يوم, وسليمان كل ثلاث ليال, أما يزيد• بن معاوية, والوليد بن يزيد فلا يقيما لها موعدا خاصاً)), وهذه سنة سنها معاوية في سياسته إذ حلل نبيذ أهل الشام, ومن شواهد ذلك قصة عبد الرحمن بن سيحان ابن أرطأة, نديم الوليد بن عثمان بن عفان والوليد بن عتبة بن أبي سفيان, وقدم ضربه مروان – والي المدينة من قبل معاوية- مرّة, فعاتبه معاوية على ذلك بقوله: ((أما بعد فإنك ضربت عبد الرحمن بن سيحان في نبيذ أهل الشام الذي يستعملونه, وليس بحرام حين كان حلفه إلى أبي سفيان وأيم الله! لو كان حليفا للحكم ما ضربته, فأبطِل عنه الحد  قبل أن أضرب معه من أخذت معه، عبد الرحمن بن الحكم. فأبطله عنه مروان)).

ولم يكن التغير الاجتماعي لهذه الحال مختلفاً في العصر العباسي, فقد كثرت الجواري والغلمان في الحواضر الكبرى, حتى وصل الأمر إلى نوع من التهتك والإنحطاط الأخلاقي فشاع الخمر والغزل الماجن ولاسيما بالغلمان, و ((قد أجمع أكثر المؤرخين على أن بعض الخلفاء كانوا يعاقرون الخمرة)), وعلى ذلك فقهاؤهم وقضاتهم, فصار الشعراء ((يتبارون في الحث على شربها صباحًا أو مساءً, والحث على مسابقة الزمان بشرب المدام و الإقبال على اللذات)).

وقد سار المجتمع الدمشقي الذي نشأ فيه ابن تيمية بهذا المسار المتهتك, ولاسيما في العصر المملوكي؛ الذي اتخذ سلاطينه المنهج ذاته في استخدام الفقهاء لإفشاء ما تريد السلطة, ((ولما كان حكام المماليك أصولهم من الرقيق كانت حاجتهم إلى الشرعية أشد من حاجة غيرهم من الحكام فمن ثم قد احتضنوا الفقهاء وقربوهم وأنعموا عليهم بالمناصب والعطاء فأصبحوا ظلهم الدائم لا يقطعوا أمرا دونهم...وكان حكام المماليك يمارسون سنة الأيوبيين والعباسيين من قبلهم في اختيار السلطان ومبايعته بشهادة الفقهاء ومباركتهم)). فإن حكام المماليك كانوا في حالة وئام وتعايش مع الفقهاء،  ولم تبرز حالة صدام رغم وجود شبهات شرعية حول تولي الرقيق أمر المسلمين ورغم أن الطرف الحاكم كان شديد التعسف والظلم للرعية, ولكنهم حينما يتعدى فقيه حدوده التي رسموها له, كتعرضه لجورهم في أخذ الرسوم, أو لأنه خرق حدود الدين صراحة بحيث يصبح السكوت عليه مسيئا لسلطانهم كما حدث مع ابن تيمية وأصدر المرسوم ضده, كما تقدم في هذا المبحث, فحين ((برز ابن تيمية واصطدم بفقهاء عصره بسب أفكاره الشاذة في مسألة صفات الله وزيارة القبور والطلاق وغيرها من المسائل انحاز إليه بعض أمراء المماليك وعاداه الطرف الآخر، ورغم العلاقة التي كانت تربطه بالسلطان محمد بن قلاوون إلا أنه ضحى به في النهاية تحت ضغط الفقهاء والقضاة وحبسه حتى مات في الحبس)) .

على أن هناك تمهيداً واضحاً للموبقات وإفشائها بين الفقهاء فضلا عن غيرهم من طبقات المجتمع, ومعلوم كما يقال: إذا زل عالِم زل بزلّته عالَم", فقد ابتنى ((الشيخ نجم الدين عبد الله بن محمد البادرائي البغدادي مدرس النظامية، ورسول الخلافة إلى ملوك الآفاق في الأمور المهمة، وإصلاح الأحوال المدلهمة، وقد كان فاضلا بارعا رئيسا وقورا متواضعا، وقد ابتنى بدمشق مدرسة حسنة مكان دار الأمير أسامة، وشرط على المقيم بها العزوبة...، وإنما أراد بذلك توفر خاطر الفقيه وجمعه على طلب العلم!، ولكن حصل بذلك خلل كثير وشر لبعضهم كبير)) , ومن جملة شروط الوقفية أنها للعزاب ولا تدخلها امرأة . فقيل له: ولا صبي؟ فقال الواقف: ((ربنا ما يضرب بعصاتين)), ولذا نجد منهم من حلل المحرمات بوقاحة كفتح الدين أحمد ابن محمد البققي الذي ((تفقه كثيراً واشتغل وتأدب وناظر ....، وقطع الخصوم في المناظرة وفاق الأقران في المحاضرة وبدت منه أمور تنبئ بأنه مستهزئ بأمور الديانة)), إذ أحل للأتراك وغيرهم من الفسقة اللواط والخمر وغير ذلك.

هذا وقد كثرت الهجرات الاضطرارية طلباً للسلامة, فقد سفكت الدماء واستبيحت الأموال وانتهكت الأعراض, وكثر في المجتمع الغرباء, وسلط الحكام عبيدهم على مقدرات الناس, ولاسيما بعد سقوط بغداد سنة 656هجرية. على أن سلطات المماليك همهم تقوية سلطانهم والاتصال بمن يعتقدون فيه ذلك سواء كان من المغول أم من الفرنج, فقد تواصل ركن الدين بيبرس مع المغولي بركة خان ابن عم هولاكو بكل مودّة, ومع مانفرد به الفرنجي بالوئام والحفاوة, مع أنه ابن فردريك الذي توج نفسه سلطانا على القدس, كما إن مانفرد به نصير الماسونية.

وقد اتخذ بعض السلاطين بعد ربط المؤسسات العلمية الدينية وتولي مناصبها بمصالحهم, سبيلا للتفرقة المذهبية، لأجل السيطرة على المجتمعات, ولاسيما إثارة العداء والنزاع والقتال والصراع بين السنة والشيعة, فهؤلاء الأيوبيون يفعلون أبشع الأفعال بالفاطميين في مصر, ثم هؤلاء المماليك يأمرون بأن يكون لكل مذهب قاض من المذاهب الأربعة سعياً للتفرقة والتقسيم وإثارة النزاع, وفي الوقت ذاته يضطهدون الشيعة ويستبعدون مذهب أهل البيت "عليهم السلام" عن الساحة, إذ لم يعد مذهبهم ومذهب فقهائهم مع المذاهب التي حصر التقليد فيها, في بغداد ومصر والشام سيرا على منهج الأيوبيين ومن سبقهم على هذا التعسف؛ إمعانا منهم في إثارة النعرات ليرجع الظلم الذي أحدق بالشيعة أبان الحكم العباسي, إذ إنه ((لما ضعفت دولة بني العباس وظهرت الدولة البويهية في العراق والحمدانية في الشام والجزيرة والفاطمية في إفريقية ومصر والشام ذهب الاضطهاد عن الشيعة, ولما انقرضت هذه الدول وخلفتها الدولة السلجوقية في العراق وفارس وبعض الشام والدولة النورية في باقي الشام والأيوبية في مصر والشام عاد الأمر إلى ما كان عليه، وحبس صلاح الدين بقايا الفاطميين في مصر وفرق بين الرجال والنساء حتى لا يتناسلوا, وذلك هو الظلم الفاحش)).

ومن جانب آخر ترى أولئك التتار يزعمون بأنهم تشيّعوا ويظهرون التنكيل بالسنة, مع أنهم أعداء في الواقع لكل المسلمين سنة وشيعة, إلا أن اندفاع السنة آنذاك جعلهم يتصورون ان الشيعة تعاونوا مع التتار, وفي حقيقة الأمر لم يكن ذلك إلا صونا لما تبقى من الدين وحقنا لدماء المسلمين وصونا لأعراضهم من الغزاة الطامعين, وذلك من المبادئ المعلنة لهم، فإذا ((كانت ظروف التقية تلزم أحداً منا بالدخول في ركب السلاطين، فهنا يجب الامتناع عن ذلك حتى لو أدى الامتناع إلى قتله، إلا أن يكون في دخوله الشكلي نصر حقيقي للإسلام والمسلمين مثل دخول علي بن يقطين ونصير الدين الطوسي)), وعندما غزا هولاكو بغداد, وقبل سقوطها عاث في الأرض من حولها فساداً ودماراً وفتكاً ولاسيما بالشيعة، فهرب أكثر أهل الحلة إلى البطائح, فاجتمع علية القوم على أن يبعثوا وفداً وفيهم السيد مجد الدين بن طاووس ((ت 656هـ)) ويوسف بن عليّ الحلي ((ت 771هـ)) والد العلاّمة, وعليّ بن أبي العز محمد بن علي، النِّيلي، الحلبي الأصل، المكنّى بكمال الدين، والمعروف أيضاً بابن القويقي ((ت684هـ)), إلى هولاكو يلتمسون منه الأمان لبلدهم وما والاه، فاستجاب هولاكو لطلبهم وسلمت الحلة والنيل والمشهدان العلوي والحسيني من القتل والنهب، وإن مثل هذا الموقف حدث مع علماء دمشق وكان فيهم ابن تيمية ((ت728هـ)), إذ خرج لملك التتار قازان يطلب منه الأمان, وذلك لما غلب الجيش التتري وانكسر الجيش المملوكي حصل خوف شديد وهلع هرب على أثره جماعة من أعيان البلد وغيرهم إلى مصر، وكسر المحبوسون حبسهم ونهبوا المحلات والدور, وعاث الغوغاء فسادا في البلاد, ((هذا وسلطان التتار قد قصد دمشق بعد الوقعة، فاجتمع أعيان البلد والشيخ تقي الدين بن تيمية في مشهد علي واتفقوا على المسير إلى قازان لتلقيه، وأخذ الأمان منه لأهل دمشق، فتوجهوا يوم الاثنين ثالث ربيع الآخر فاجتمعوا به عند النبك...، وحضر الفرمان بالأمان وطيف به في البلد، وقرئ يوم السبت ثامن الشهر بمقصورة الخطابة  ونثر شيء من الذهب والفضة)).

وبذلك يظهر إن الحال جداً سيئة في بلاد المسلمين بصورة عامة, ومع هذا تدفع السلطات لإثارة الفتن والنعرات, وسار في ركابها الغوغاء, ليستفحل الجهل وتستولي العصبية يزامنها الانحطاط الإخلاقي، وتردي المستوى الديني، ترافقه المجاعات والهجرات الاضطرارية، وتفشي الإرهاب من الداخل والخارج, وذلك ما فسح مجالا أمام بعض العلماء للتمادي واتخاذ الدين وسيلة لإرضاء أنفسهم التي أظلمت نتيجة عقدة النقص التي اكتنفتها, ولاسيما إن المجتمع من الطبقة الدونية يسعى للاعتزاز بهؤلاء وأمثالهم بواسطة التزلف والتفخيم والتعظيم, والسلطات تدعم ذلك لتقوية سلطانها على الجماعات, فبلغت السلطات ومن يتبعها من القضاة والفقهاء من الترف والبذخ حدا كبيرا, والطبقة الأخرى ترزح تحت العناء من الفقر والمجاعات والأوبة والكوارث, والعدو الخارجي يفيد من ذلك الانقسام الذي يسهل عليه الاقتحام.

ولا شك إن ((هذا الشقاء الذي يخيم على كل الناس والأمم تقريباً إنما ينشأ من قصور قوانينهم والتوزيع البعيد كل البعد عن المساواة لثرواتهم، وفي معظم الممالك توجد طبقتان فقط من المواطنين: واحدة في مسيس الحاجة إلى الضروريات والأخرى تبذر تبذيراً، وإذا كان فساد السلطة في الشعب أبرز ما يكون في عصور الترف والبذخ فما ذاك إلا لأن ثروة الأمة في تلك العصور كانت مركزة في أيدي أقل نفر من الناس)), وهو مما يجعل المجتمع مرتعا خصباً لنمو أفراد يطمحون إلى السلطة بأي شكل كان, حكومياً أم دينياً أم غير ذلك.


ومن خلال ما تقدم يتضح إن المجتمع الذي تربى فيه ابن تيمية مجتمع متفكك متفسخ هزيل عصفت به الكوارث الكونية, والحروب الخارجية, والفتن الداخلية, منحدرا نحو الرذيلة, مبتعدا عن الدين أيما ابتعاد, وإن بقي من الدين شيء فما هو إلا ما اتخذه فقهاء السلطة وسيلة للسيطرة على الناس كنوع من السلطة الدينية التي تصب في مصلحة الحكام, في حين إن هناك من تمسك من الفقهاء من مدرسة أهل البيت "عليهم السلام" بالدين الحق ليتبعهم على هذا المنهج الشيعة الإمامية, على أنهم كانوا يعانون من الاضطهاد, ويبدو أن ابن تيمية اتخذ في هذا الخضم مسلكاً خاصاً لينفرد بالسلطة الدينية, لينصب نفسه ولياً شرعياً على جميع المسلمين, وذلك عن طريق تسفيه أفكار بعضهم وتكفير بعضهم الآخر. فقد ذكر في منهاجه في حق إسلام الإمام علي بن أبي طالب(( عليه السلام )) ما نصه :(( وعلي لا يثبت له حكم الكفر والإيمان وهو دون البلوغ ، والصبي المولود بين أبوين كافرين يجري عليه حكم الكفر في الدنيا باتفاق المسلمين ... إن إسلام الصبي غير مخرج له من الكفر ))(1) إلا أن ابن تيمية لا ينفعه أن يشير إلى صحة إسلام علي (( ع ))  ومذهب الشيعة, فهو إن أشار إلى ذلك لم يبق له مسوغ للانفراد بالسلطة, يضاف إلى ذلك ما ورثه من أسرته – كما مر- لأهل البيت "عليهم السلام" ولشيعتهم تبعا لهم, وكذلك أن السلطات الحاكمة تعادي هذا الفكر وهذا المنهج ولاسيما لم تزل حرب القضاء على الفاطميين وعموم الشيعة قائمة في مصر وبلاد الشام من قبل المماليك.




















ــــــــــــــــــ

(1)  وول ديورن- قصة الحضارة:38/ 123. 




المبحث الثاني


اختلاف معاصريه فيه .

المطلب الأول: المتأثرون بمنهج أبن تيمية .

المطلب الثاني: الذامون














المطلب الأول: المتأثرون بمنهج أبن تيمية .

اتجه البحث لتسليط الضوء على بعض معاصري ابن تيمية، لأنهم كانوا على المحك مع شخصيته وأفكاره والظروف والأحداث المحيطة به، وهم على اتجاهين رئيسين في كونه مستقيماً أم منحرفاً, وإن قسم الذهبي ((ت748هـ)) أصناف القائلين فيه على أنحاء: بقوله: ((وقد رأيت ما آل أمره إليه من الحط عليه، والهجر والتضليل والتكفير والتكذيب بحق وبباطل، فقد كان قبل أن يدخل في هذه الصناعة منورا مضيئا، على محياه سيما السلف، ثم صار مظلما مكسوفا، عليه قتمة عند خلائق من الناس، ودجالا أفاكا كافرا عند أعدائه، ومبتدعا فاضلا محققا بارعا عند طوائف من عقلاء الفضلاء، وحامل راية الإسلام وحامي حوزة الدين ومحيى السنة عند عوام أصحابه)). ألا أن البحث سيلقي الضوء على اتجاهي الآراء الرئيسة في ابن تيمية, ليقف على أدلته أو دواعيه وعلى ما ابتنت أقوالهما عليه. فليأخذ البحث نماذج من كل اتجاه.

الذي يظهر إن من القائلين باستقامة ابن تيمية هم من المتعصبين الذين رفعوا درجته في أعلى مراتب العلم والحرص على الدين ويوصون باتباع منهجه الذي يرون أن فيه إظهار للدين بعد الاندراس, ولكن المتأمل يجد بعض الأمور الملفتة التي قد تجعل هذا المدح والثناء غير ذي قيمة –بغض النظر عن كون منشأه التعصب-, وقد أخذ البحث نماذج عشوائية ليدرسها بتجرد وموضوعية, فمن أؤلئك:

1-  عماد الدين, أَحْمد بن إبراهيم بْن عَبْد الرَّحْمَنِ بْن مَسْعُود بْن عُمَر الوَاسِطِيّ الحزّامي, المعروف بابن شيخ الحَزَّامين أو الحزاميين ((ت 711هـ)).

وأحمد هذا ولد في وسط بيئة تضج بالانحراف, وكان أبوه من رؤساء مشايخ الطريقة الأحمدية ووزرائهم, وتسمى أيضاً البطائحية, أو الرفاعية, ولهذه الطريقة الصوفية طقوس من الرقص وأكل الحيات، وهي حيّة, والدخول في التنور والنار مضرمة فيه, كانوا يعظمون مشايخهم لدرجة التقديس, ويبدو أنه مارس بعض طقوسهم إلى زمن شبابه, إذ كانوا يسجدون إلى قبة الشيخ، وكان يسجد معهم, إلا أنه لم يرتض بعضها, وعاب عليهم زيارتهم لقبر شيخهم؛ لأنهم ((ما يعظمون الكعبة كما يعظمون قبة الشيخ ... فيكون الوقوف على باب القبة كعرفة, وتلك السارية كعرفة, فيكون ذلك لهم كحج الرافضة إلى قبر الحسين))، ومن المعلوم لدى الكثير أن زيارة قبر الأمام الحسين (ع) عند الشيعة أو ما يسموهم (بالرافضة) لا تشكل بديلاً عن فريضة حج بيت الله الحرام ‘ ثم انتقل إلى بغداد فتفقه على الشافعية, ثم انتقل إلى مصاحبة المطاوعة البغاددة ليتماشى معهم في طريقتهم, ثم انتقل إلى بلاد الشام ومصر سنة ((683هـ)) وصاحب جملة من أصحاب الطرائق الصوفية, إلى أن شغفه طريقة المتصوفة في الاسكندرية, ثم في سنيه الأخيرة انتقل إلى دمشق فعدل في الفقه إلى مذهب الإمام أحمد، وقرأ بعض كتب السيرة، وبعض السنن بعد أن صاحب ابن تيمية، وأخذ بآرائه في نبذ بعض الأفكار الصوفية المنحرفة, إلا أنه تعصّب لابن تيمية، وأخذ يمجده ويوصي باتباعه, وهذا مما وصفه هو نفسه عن رحلته. قال ابن رجب ((795هـ)): ((كَانَ أبوه شيخ الطائفة الأحمدية، ونشأ الشيخ عماد الدين بينهم، وألهمه اللَّه من صغره طلب الحق ومحبته، والنفور عَنِ البدع وأهلها، فاجتمع بالفقهاء بواسط كالشيخ عز الدين الفاروتي، وغيره، وقرأ شَيْئًا من الفقه عَلَى مذهب الشَّافِعِي، ثُمَّ دَخَلَ بغداد، وصحب بها طوائف من الْفُقَهَاء، وحج واجتمع بمكة بجماعة مِنْهُم، وأقام بالقاهرة مدة ببعض خوانقها، وخالط طوائف الْفُقَهَاء، وَلَمْ يسكن قلبه إِلَى شَيْء من الطوائف المحدثة، واجتمع بالإسكندرية بالطائفة الشاذلية، فوجد عندهم مَا يطلبه من لوايح المعرفة، والمحبة والسلوك، فأخذ ذَلِكَ عَنْهُم، وانتفع بهم، واقتفى طريقتهم وهديهم. ثُمَّ قدم دمشق، فرأى الشيخ تقي الدين ابْن تيمية وصاحبه....، وألف تآليف كثيرة فِي الطريقة النبوية، والسلوك الآثري والفقر المحمدي؛ وَهِيَ من أنفع كتب الصوفية للمريدين، انتفع بها خلق من متصوفة أهل الْحَدِيث ومتعبديها، وكَانَ الشيخ تقي الدين ابْن تيمية يعظمه ويجله، وَيَقُول عَنْهُ: هُوَ جنيد وقته، وكتب إِلَيْهِ كتابا من مصر أوله "إِلَى شيخنا الإِمام العارف القدوة السالك"...، وكان...منزوياً عن الناس إلا من يحبه)), ويبدو أنه كان منعزلا عن سائر الناس غير طبقات خاصة من الصوفية وممن تميل له نفسه من الفقهاء, قال الصفدي ((ت764هـ)): ((كان منقبضا عن الناس))، وقد أراد الجمع بين التصوف والتفقه ولكن على طريقته ورأيه, فقد وصف الصوفية الذين شغف بهم في مصر ومتصوفة دمشق بأنهم كالملائكة االحافّين بالعرش, ووصف ابن تيمية وأمثاله بأنهم خلفاء الرسل, وأنهم أشبه الناس بأبي بكر وعمر.

ومما أؤثر عنه وصيته لاتباع ابن تيمية ((ت728هـ)) وقد أخذ يمجده فيها أيما تمجيد, وهذه نتف منها:

ذكر فيها جملة من أتباع ابن تيمية بأسمائهم, وبعد ذلك قال: ((اللائذين بِحَضْرَة شيخهم وَشَيخنَا السَّيِّد الإِمَام الْأمة الْهمام محيي السّنة وقامع الْبِدْعَة نَاصِر الحَدِيث مفتي الْفرق الْفَائِق عَن الْحَقَائِق وموصلها بالأصول الشَّرْعِيَّة للطَّالِب الذائق الْجَامِع بَين الظَّاهِر وَالْبَاطِن فَهُوَ يقْضِي بِالْحَقِّ ظَاهرا وَقَلبه فِي العلى قاطن أنموذج الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وَالْأَئِمَّة المهديين الَّذين غَابَتْ عَن الْقُلُوب سيرهم ونسيت الْأمة حذوهم وسبلهم فَذكرهمْ بهَا الشَّيْخ فَكَانَ فِي دارس نهجهم سالكا ولموات حذوهم محييا ولأعنة قواعدهم مَالِكًا الشَّيْخ الإِمَام تَقِيّ الدّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابْن تَيْمِية أعَاد الله علينا بركته وَرفع إِلَى مدارج العلى دَرَجَته)), فابن تيمية عند يتمثل فيه الدين لا بغيره, وإن الطاعن فيه طاعن في دين الله تعالى.

ثم أخذ يفيض بالتعريف بابن تيمية وأنه ((لا يعرف حَقه وَقدره إِلا من عرف دين الرَّسُول "صلى الله عَلَيْهِ وَسلم" وَحقه وَقدره فَمن وَقع دين الرَّسُول صلى الله عَلَيْهِ وَسلم من قلبه بموقع يسْتَحقّهُ عرف حق مَا قَامَ بِهِ هَذَا الرجل)), وقد وسمه بالعارف الذي يعلم الغيب, إذ قال: ((وَمثل هَذَا الْعَارِف قد يبصر ببصيرته تنزل الْأَمر بَين طَبَقَات السَّمَاء وَالْأَرْض)), ثم يُتبع ذلك بأقسام ليؤكد تفرده في الفضل, وانه يتمتع بصفات إلهية سامية, وأنه أسخى الناس! إذ قال: ((فوَاللَّه ثمَّ وَالله ثمَّ وَالله لم ير أَدِيم تَحت السَّمَاء مثل شيخكم علما وَعَملا وَحَالا وخلفا واتباعا وكرما وحلما فِي حق نَفسه وقياما فِي حق الله عِنْد انتهاك حرماته أصدق النَّاس عقدا [عقيدة] وأصحهم علما وعزما وأنفذهم وَأَعْلاهُمْ فِي انتصار الْحق وقيامه همة وأسخاهم كفا وأكملهم اتبَاعا لنَبيه مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم)).

وكأنه اطلع على درجات أهل الأرض عند الله ورأى أن ابن تيمية قد يدعى عظيما بحسب الدرجات التي عرفها عن طريق مكانته, ليكشف لهم عن بعض ما سمح به خاطره من الأسرار, إذ يقول((إِذا علمْتُم ذَلِك أيدكم الله تَعَالَى فاحفظوا قلبه فَإِن مثل هَذَا قد يدعى عَظِيما فِي ملكوت السَّمَاء, وَاعْمَلُوا على رِضَاهُ بِكُل مُمكن واستجلبوا وده لكم وحبه إيَّاكُمْ بمهما قدرتم عَلَيْهِ فَإِن مثل هَذَا يكون شَهِيدا وَالشُّهَدَاء فِي الْعَصْر تبع لمثله فَإِن حصلت لكم محبته رَجَوْت لكم بذلك خُصُوصِيَّة أكتمها وَلَا أذكرها وَرُبمَا يفْطن لَهَا الأذكياء مِنْكُم وَرُبمَا سمحت نَفسِي بذكرها كَيْلا أكتم عَنْكُم نصحي وَتلك الخصوصية هِيَ أَن تُرْزَقُوا قسطا من نصِيبه الْخَاص المحمدي محبَّة الشَّيْخ بتأتيه مَعَه وَحفظ قلبه وخاطره واستجلاب ودّه ومحبته فأرجو بذلك لكم قسطا مِمَّا بَينه وَبَين الله تَعَالَى فضلا عَمَّا تكسبونه من ظَاهر علمه وفوائده وسياسته إِن شَاءَ الله تَعَالَى))، ويلحظ في هذا أنه يحثهم على اتباعه بلسان عرفاني ونكهة صوفية استغلها لحث الأتباع على التمسك بابن تيمية, مشيرا إلى أن في كلامه هذا  أسرارا لا يفهمها إلا الأذكياء!، وكأنه يريد أن يقول إن ابن تيمية أعظم مما ذكرت لكم وأنتم بذكائكم لا بد أن تعرفوا هذا.

وقد صور بأن أتباع ابن تيمية هم المسلمون دون غيرهم, فهم كَالشَّامَةِ الْبَيْضَاء فِي الْحَيَوَان الْأسود, وأنهم تحت راية رسول الله باتباعهم ابن تيمية, وتميزوا بذلك بالدين الصحيح, وأخذ بشد أزرهم على محاربة أعدائهم الذين يبين لهم منهم, فهم أهل البدع الذين شبههم بالمشركين زمن الجاهلية من الصوفية, أما الرافضة؛ فقد جعل ترتيبهم الأخير تصاعديا, فالتتار، ثم أشدّ منهم النصارى ثم اليهود ثم الرافضة, ولم يحتج إلى إثارة حماسهم على مناهضتهم ومعاداتهم وحربهم, إذ قال: ((وَإِنَّمَا أعرض هَذَا الضَّعِيف عَن ذكر قيامكم فِي وُجُوه التتر وَالنَّصَارَى وَالْيَهُود والرافضة والمعتزلة والقدرية وأصناف أهل الْبدع والضلالات لأَن النَّاس متفقون على ذمهم يَزْعمُونَ أَنهم قائمون برد بدعتهم وَلا يقومُونَ بتوفية حق الرَّد عَلَيْهِم كَمَا تقومون بل يعلمُونَ ويجبنون عَن اللِّقَاء فَلا يجاهدون وتأخذهم فِي الله اللائمة لحفظ مناصبهم وإبقاء على أعراضهم)), وفي هذا توبيخ لمن قعد عن مجاهدة هؤلاء وكف عن سفك دمائهم، ولعل حكمه على الرافضة تأتى من بغضه ومقته لهم؛ لأنهم لا يحبون بني أمية الذين جعلهم من في عداد الرسول الأكرم "صلى الله عليه وآله" والخلفاء الأربعة في الدعوة إلى الله وجهاد الذين يسمعون المنكرات ويستبيحون المحرمات؛ إذ قال: ((واعلموا إن إيمانهم ليس بطائل؛ لغلبة النفاق على قلوبهم, أشهدُ الله الذي لا إله إلا هو, لو رآهم رسول الله أو أبو بكر, وعمر, وعثمان, وعلي, أو أمراء الصحابة, أو أمراء بني أمية, وهم على هذه الحال, قوم مكشفة رؤوسهم, يزبدون ويشخرون, وينقرون الصلاة إذا صلّوا, ويهربون من القرآن إذا سمعوا, فإذا دخلوا في السماع طربوا ورقصوا يوماً إلى الليل... يواخون النسوان والمردان, ويأكلون الحرام... أشهد الله لو رأوهم على هذه الحال لدعوهم إلى الله, فلو امتنعوا لجاهدوهم بالسيوف)), وهل كان بنو أمية ينكرون مثل هذا؟ ، بل؛ ألم يفعلوا ما هو أشنع .

ويلحظ في هذا الأنموذج من المعاصرين الذين مدحوا ابن تيمية, اضطراب الشخصية الذي يظهر بجلاء عند ملاحظة نشأته، وتقلبه في طرائق التصوف والمذاهب، وعزلته عمن لا يجد فيه ما يحب من توجه, ولعله وجد ضالته في ابن تيمية وأتباعه في إثارة الفتن لصالح إدامة الحرب القائمة على الإسلام والمسلمين آنذاك, ووجد ابن تيمية فيه داعماً قادرا على استمالة الناس وحث الأتباع على التمسك بشخصه إذ ضجت وصيته بالغلو، والتزام منهجه الذي صوّره أنه الدين الحق وغيره باطل. مع التقائهم في الهوى الأموي. ثم ليس بخافٍ أن السياسة المملوكية كان لها أثر في هذا الجمع والتناغم بين الاثنين, فقد وجد المماليك في الطرائق الصوفية مفتاحا مهمّاً لباب السيطرة على الناس بواسطة القدرات والصفات المضفاة على مشايخ الصوفية في تهدئة الجمهور أو تثويره من دون دليل, وقد حفل تاريخ بلاد الشام ومصر بازدهار الطرق الصوفية في القرن السابع الهجري الذي أطلق عليه "قرن الصوفية".

وبعد ما أشار إليه البحث من أوصاف وأفعال ابن الواسطي ((ت711هـ)) ألا ينطبق عليه حكم ابن تيمية ((ت728هـ)) بأنه ممن وصفهم بقوله: ((...من والى موافقه وعادى مخالفه وفرق بين جماعة المسلمين وكفر وفسق مخالفه دون موافقه في مسائل الآراء والإجتهادات واستحل قتال مخالفه دون موافقه فهؤلاء من أهل التفرق والاختلافات))؟، وللمنصف أن يحكم. فالبحث إنما يسرد الحقائق ويشير لها من دون أي تحامل.

2- البرزالي.

علم الدين أبو محمد القاسم ابن بهاء الدين محمد ابن أبي المحاسن يوسف ابن زكي الدين محمد ابن أبي يدّاس, البِرزالي, الإشبيلي الأصل, الدمشقي المولد والدار ((ت 739هــ)).وأصل البِرزالي من برابرة المغرب  الذين حكموا برزالة, 

وكانوا يتشيعون لبني أمية, على مذهب الخوارج الأباضية أو النكّارية, وقد نصروا باعث الفتنة الأموي الملقب بالمستعين بالله.

لأسرة "علم الدين البرزالي" توجهاتها دينية, إذ اشتغلت بطلب الحديث وتراجم الرجال من لدن جد والده, ومما يظهر أن علاقتهم كانت وطيدة بحكام دمشق بعد أن توطنها جده لأبيه بعد رحلته التي دامت خمس سنوات ما بين مصر والشام والحجاز والعراق وخراسان... إذ يلحظ أنه عندما نزل دمشق وليَ إمامة أحد مساجدها كما ولي مشيخة الحديث بأحد مشاهدها, وقد ذهب في آخر عمره الى حلب لينزل في دار أحد الأمراء, وسار أولاده على تلك السيرة فكان للبرزالي "علم الدين" صحبة مع الأمراء وحضوة عندهم, وكان يقرأ الأوامر التي تصدر من السلطة في تنصيب الأئمة والقضاة، وقد كان من سيرته التودد وتنزيه القلم عن الذم والغيبة وما يثير النزاع, فظاهره التديّن والتواضع وحسن الْبشر لا يظهر منه شر فكَانَ ((حَلِيمًا صبورا متوددا, لا تنكر فضائله, وَلَا ينتقص فَاضلا, بل يُوفيه فَوق حَقه, ويلاطف النَّاس, وَله ود فِي الْقُلُوب, وَحب فِي الصُّدُور, حُلْو المحاضرة, قوي المذاكرة, عَارِفًا بِالرِّجَالِ, وَلا سِيمَا شُيُوخ زَمَانه وَأهل عصره, وَلم يخلف فِي مَعْنَاهُ مثله, وَلا عمل أحد فِي الطّلب عمله, وَكَانَ باذلا لكتبه وأجزائه, سَمحا فِي أُمُوره...، وقَالَ الصَّفَدِي: كَانَ يصحب الْخَصْمَيْنِ فَكل مِنْهُمَا رَاض بِصُحْبَتِهِ, واثق بِهِ, حَتَّى كَانَ كل من ابْن تَيْمِية وَابْن الزملكاني يذيع سره فِي الآخر إِلَيْهِ, وثوقا بِهِ, وسعى فِي صَلَاح ذَات بَينهمَا فَلم يَتَيَسَّر لَهُ)).

وقد حكيت عنه ترجمته لابن تيمية في كتابه, قال ابن كثير ((ت774هـ)), ناقلا عنه: ((وفي ليلة الاثنين العشرين من ذي القعدة توفي الشيخ الإمام العالم العلم العلامة الفقيه الحافظ الزاهد العابد القدوة شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد ابن شيخنا الإمام... ابن تيمية الحراني ثم الدمشقي، بقلعة دمشق بالقاعة التي كان محبوسا بها، وحضر جمع كثير إلى القلعة، وأذن لهم في الدخول عليه, وجلس جماعة عنده قبل الغسل وقرأوا القرآن وتبركوا برؤيته وتقبيله...، وحضرت الجنازة في الساعة الرابعة من النهار أو نحو ذلك ووضعت في الجامع, والجند قد احتاطوا بها يحفظونها من الناس من شدة الزحام....، وخرج النعش به من باب البريد واشتد الزحام وعلت الأصوات بالبكاء والنحيب والترحم عليه والثناء والدعاء له, وألقى الناس على نعشه مناديلهم وعمائمهم وثيابهم, وذهبت النعال من أرجل الناس وقباقيبهم ومناديل وعمائم لا يلتفتون إليها لشغلهم بالنظر إلى الجنازة...، وشرب جماع الماء الذي فضل من غسله، واقتسم جماعة بقية السدر الذي غسل به، ودفع في الخيط الذي كان فيه الزئبق الذي كان في عنقه بسبب القمل مائة وخمسون درهما، وقيل إن الطاقية التي كانت على رأسه دفع فيها خمسمائة درهما...، وتردد الناس إلى قبره أياما كثيرة ليلا ونهارا يبيتون عنده ويصبحون)) .

ويلحظ البحث التناقض الكبير و الواضح بين الأقوال والأفعال لدى أبن تيمية وأتباعه ففي الوقت الذي يكفرون زوار القبور ويعتبرون ذلك عبادة لمن في القبر وبدعة تستوجب التكفير والقتل ، نراهم يعضمون أبن تيمية ويزورون قبره ويصلون فيه ويقيمون به ويؤدون مراسم الزيارة وغيرها ، ولم يلتفتوا الى أن ذلك من الممارسات التي نهى عنها أبن تيميه وكفر الآخرين لأجلها وأمر بقتلهم وأباحة أموالهم وأعراضهم ، أليس ذلك من التناقض بين الأقوال والأفعال !    

وحكى ابن كثير ((ت747هـ)) عنه بأنه أشار إلى مولده وتحصيله وفضيلته إذ قال: ((قدم مع والده وأهله إلى دمشق، وهو صغير, فسمع الحديث من ابن عبد الدائم وابن أبي اليسر وابن عبدان والشيخ شمس الدين الحنبلي, والشيخ شمس الدين بن عطاء الحنفي, والشيخ جمال الدين بن الصيرفي, ومجد الدين بن عساكر والشيخ جمال الدين البغدادي والنجيب بن المقداد, وابن أبي الخير, وابن علان وابن أبي بكر اليهودي...، وقرأ بنفسه الكثير وطلب الحديث وكتب الطباق والاثبات ولازم السماع بنفسه مدة سنين, وقل أن سمع شيئا إلا حفظه, ثم اشتغل بالعلوم, وكان ذكيا كثير المحفوظ، فصار إماما في التفسير وما يتعلق به عارفا بالفقه, فيقال إنه كان أعرف بفقه المذاهب من أهلها الذي كانوا في زمانه وغيره, وكان عالما باختلاف العلماء, عالما في الأصول والفروع والنحو واللغة, وغير ذلك من العلوم النقلية                                                                           

والعقلية, وما قطع في مجلس ولا تكلم معه فاضل في فن من الفنون إلا ظن أن ذلك الفن فنه, ورآه عارفا به متقنا له, وأما الحديث فكان حامل رايته حافظا له مميزا بين صحيحه وسقيمه, عارفا برجاله متضلعا من ذلك, وله تصانيف كثيرة وتعاليق مفيدة في الأصول والفروع... )), ويحكي عنه ابن كثير أنه قال: ((وكتبت هذه الأبيات...، وهذا الثناء عليه, وكان عمره يومئذ نحو ستين سنة, وكان بيني وبينه مودة وصحبة من الصغر, وسماع الحديث والطلب من نحو سنة وله فضائل كثيرة, وأسماء مصنفاته وسيرته وما جرى بينه وبين الفقهاء والدولة وحبسه مرات وأحواله لا يحتمل ذكر جميعها هذا الموضع, وهذا الكتاب))، ويواصل الحكاية قائلا: ((ثم ذكر الشيخ علم الدين بعد إيراد هذه الترجمة جنازة أبي بكر بن أبي داود وعظمها, وجنازة الإمام أحمد ببغداد وشهرتها)).

الملاحظ على هذه الترجمة إنها جاءت بعد وفاة ابن تيمية, ونقلها غير البرزالي عنه, ووصفه فيها بنعوت لم يذكرها البرزالي في حياة ابن تيمية إلا نادرا؛ فإنه عند ذكر الحوادث التي ذكر فيها ابن تيمية لم يشر إلى هذه النعوت, مثل قوله "وخرج تقي الدين ابن تيمية مستهل جمادى الأولى", وقوله: "طُلب أخوا الشيخ تقي الدين ابن تيمية", وقوله: "وظهر من الأمير سيف الدين سلار كراهة للشيخ وأخوته في هذا المجلس", وقوله: "طُلب أخو الشيخ تقي الدين, فوجد زين الدين وعنده جماعة", وقوله: "وحضر الشيخ تقي الدين ابن تيمية", وقوله: "... بوصول كتاب إليه من الشيخ تقي الدين ابن تيمية", وقوله: "ذكر الشيخ تقي الدين ابن تيمية", وقوله: "وأنكروا على الشيخ تقي الدين ابن تيمية كلامه في الصفات... ثم انتصر الأمير سيف الدين جاغان المشد للشيخ تقي الدين... جلس الشيخ تقي الدين في الجامع", وقوله: "أحضر المجاهد إبراهيم القطان صاجب الدلق الكبير إلى الشيخ ابن تقي الدين ابن تيمية فقص شعره المفتل وشاربه المسبل", إلا أنه في موضع من هذا الكتاب, قال: "تدريس ابن تيمية بالحنبلية... درّس الشيخ الإمام العلامة تقي الدين ابن تيمية."هذا في كتاب المقتفي الذي خلا من الترجمة التي نُسبت للبرزالي.

أما في كتابه الوفيّات فقد ذكره في بعض المواضع؛ كقوله: "في ثامن شوّال طلب الشيخ تقي الدين بن تيمية من الاسكندرية...، واجتمع بالسلطان...، وأكرمه وتلقاه في مجلس حفل, فيه قضاة المصريين والشاميين والفقهاء وأصلح بينه وبينهم", وقال: "اجتمع قاضي القضاة... بالشيخ الإمام العلامة تقي الدين ابن تيمية, وأشار بترك الإفتاء في مسألة الحلف بالطلاق", وقال: "كتاب السلطان بالمنع من الفتوى في مسالة الحلف بالطلاق التي رآها الشيخ تقي الدين ابن تيمية...، وانفصل الأمر على ما أمر به مولانا السلطان أعز الله أنصاره", وقال: "...فأقام الوظيفة أخوه الأكبر شيخ الإسلام تقي الدين".

وكذلك ما ورد في ذكر سماعه وشيوخه لم يزد في الغالب على تقي الدين ابن تيمية, أو الشيخ تقي الدين

ومن هذا يتبين أن البرزالي إنما يسير في خط السلطة ولا يعاكس اتجاهها, فهو مع كونه من أصل خارجي تظاهر بالشافعية, وساير الحنبلية, ومع كراهته لمن يسميهم الروافض, بشهادة بعض كلامه فيما وصلنا من كتبه؛ قال: "بلغنا أن خربندا ملك التتار أظهر الرفض في مملكته, وأمر خطباء بلاده بإسقاط الخلفاء الراشدين الثلاثة من الخطب والاقتصار على علي وولديه وأهل البيت, وأن خطيب باب الأزّج لما فعل ذلك بكى، وعجز عن الصلاة فصلى غيره, وحصل وهن عظيم لأهل السنة فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم", وقال: "إنّ الشريف حميضة بن أبي نمي الحسني المكي كان قد لحق بخربندا• وأقام ببلاده أشهرا وطلب منه جيشاً يغزوا بهم مكة, وساعده جماعة من الرافضة على ذلك, وجهزوا له جمعا من خراسان, وكانوا مهتمين بذلك, فقدّر الله موت خربندا وبطل ذلك بحمد الله, وفرح المسلمون أهل السنة والجماعة بما يسره الله عند موت خربندا؛ من إهانة الروافض وإذلالهم في جميع ملكه ومن لإعزاز أهل السنة وإعادة الخطب في جميع ملكه بذكر الشيخين"، ومع هذا التوجه فهو عندما يذكر وفاة ابن زهرة الحلبي –وهو من بيت شيعي•- فقال: "توفي السيد الشريف شمس الدين أبو علي حسين بن الشريف نجم الدين أبي الحسن علي بن الشريف زين الدين أبي علي الحسن بن زهرة الحسيني, نقيب الأشراف بحلب..."، وعندما يذكر الحسن بن نصير الدين الطوسي ((ت715هـ)), ينعته بالصدر الكبير أصيل الدين, وينعت أباه بنصير الدين, إذ قال: "توفي الصدر الكبير أصيل الدين ولد الشيخ نصير الدين الطوسي محمد بن محمد الطوسي ببغداد, ودفن بمشهد موسى والجواد, وكان ناظر الأوقاف ومنجماً عند ملك التتار"، فالأول لأنه نقيب الأشراف, والآخر كان وزيراً لملك التتار عندما دخل دمشق.

ومما تقدم يظهر أن البرزالي اهتم بالحوادث, وإنّ ثناءه على ابن تيمية من ناحية العلم لا يتعدى ما ذكره غيره, وقضية كونه عالما مما لا ينكر, بل لعله ممن لم يبالغ في إضفاء الألقاب الرنانة كما فعل غيره, مع أن ما ذكره ليس ذا قيمة في تزكيته, ولاسيما أنه لم يبرز هذا الجانب, مع ما يلحظه البحث في تراجم الأعلام الذين ذكرهم البرزالي, إذ لم يرد أنه قدح في أحد منهم, وإن سليقته التودد للجميع وإعلاء شأن المقربين للسلطة, وهو على ما يبدو –والله العالم- إنما يتظاهر بالمودّة ولاسيما مع من كان في مركز قوة, لتمشية مصالحه في حفظ مكانته لدى السلطة والناس, ويُظهر أنه شافعي, ولعله كان باقياً على عقيدة الخارجية منذ أن كانت أسرته في الأندلس, أو أن هناك أمرا آخر, الله أعلم به، وهناك أمر يجمعه بابن تيمية ألا وهو بغض الاتجاه الشيعي, الذي أسماه الرفض.

3- ابن سيد الناس

فتح الدّين أبو الفتح محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن يحيى ابن سيّد النّاس الشافعي الإمام الحافظ اليعمري الأندلسيّ الإشبيليّ الأصل, المصري المولد والوطن، المعروف بابن سيّد الناس ((ت734هـ)) من أسرة دينية, حظيت بمناصب دينية وجاه سياسي منذ أن كانت قي الأندلس, وكان لها دور في الاضطرابات السياسية في الأندلس, ونتيجة لاشتعال الفتن انتقل أحد أجدادهم إلى مصر فتوطنوا فيها. اشتغل أبو الفتح بالعلم فبرع في علوم الحديث، والفقه، والنحو، وعلم السير، والتاريخ، وولي دار الحديث الظاهرية وكان حافظا بارعا, وأديبا شاعرا, وتذكر عنه شؤون أخر تعرض من أجلها للانتقاد، وهي مخالطته أهل السفه وتعاطي الخمور, وكانت له صحبة مع الأمير سيف الدين• نائب السلطنة بديار مصر, ودخل على لاجين•• السلطان؛ نائب السلطنة على قلعة دمشق فأراد أن يبوس الأرض فلم يدَعْه لاجين واستنكر منه ذلك وقال له: "أهل العلم منزهون عن هذا, وأجلسه عنده، وأظنه قال: على المقعد، ورتبه موقعاً فباشر ذلك أياماً، واستعفى فأعفاه وجعل المعلوم له راتباً فتناوله إلى أن مات".

قال في ابن تيمية وهو يتحدث عن المزي ((ت 742هـ)): ((وهو الذي حداني على رؤية الشيخ الإمام شيخ الإسلام تقي الدين ألْفَيتُه ممن أدرك عن العلوم حظًّا، وكاد يستوعب السنن والآثار حفظًا؛ إِن تكلم فِي التفسير فَهُوَ حامل رايته، وإن أفتى فِي الفقه فَهُوَ مدرك غايته، أَوْ ذاكر بالحَدِيث فَهُوَ صاحب علمه، ذو روايته، أَوْ حاضر بالنِّحَل والملل لَمْ يُرَ أوسع من نحلته، ولا أرفع من درايته، برز فِي كُل فن عَلَى أبناء جنسه، وَلَمْ تر عينُ من رآه مثله، ولا رأت عينه مثل نَفْسه))، وفي هذا الكلام أنه لم يكن ليأتي إلى ابن تيمية لولا أن حداه البزي, ولم يقل أرشدني أو هداني, ثم أخذ ببيان لما هو معلوم من منزلته العلمية, فالمتأمل بكلامه يراه مستبطنا التعريض, كقوله "ممن أدرك عن العلوم حظا", وما بعده مما فيه تلميح إلى توليه المناصب في المدارس والمساجد، وقوله "ولا رأت عينه مثل نفسه" إشارة إلى العُجب الذي اتصف به ابن تيمية, وهو ما صرّح به ابن حجر العسقلاني ((ت852هـ)), إذ قال: ((وَمن ثمَّ نسب أَصْحَابه إِلَى الغلو فِيهِ, وَاقْتضى لَهُ ذَلِك الْعجب بِنَفسِهِ حَتَّى زها على أَبنَاء جنسه, واستشعر أَنه مُجْتَهد, فَصَارَ يرد على صَغِير الْعلمَاء وَكَبِيرهمْ, قويهم وحديثهم, حَتَّى انْتهى إِلَى عمر فخطأه فِي شَيْء فَبلغ الشَّيْخ إِبْرَاهِيم الرقي فَأنْكر عَلَيْهِ فَذهب إِلَيْهِ وَاعْتذر واستغفر, وَقَالَ فِي حق عَليّ أَخطَأ فِي سَبْعَة عشر شَيْئا ثمَّ خَالف فِيهَا نَص الْكتاب)).

ثم قال: ((إلى أن دبّ إليه من أهل بلده داء الحسد, وألب أهل النظر منهم على ما ينتقد عليه في حنبليته من أمور المعتقد, فحفظوا عنه في ذلك كلاما أوسعوه بسببه ملاما وفوقوا لتبديعه سهاما, وزعموا أنه خالف طريقهم وفرق فريقهم فنازعهم ونازعوه وقاطع بعضهم وقاطعوه, ثم نازع طائفة أخرى ينتسبون من الفقر إلى طريقة ويزعمون أنهم على أدق باطن منها وأجلى حقيقة, فكشف تلك الطرائق وذكر لها على ما زعم بوائق, فآضت إلى الطائفة الأولى من منازعيه واستعانت بذوي الضغن عليه من مقاطعيه, فوصلوا بالأمراء أمره, وأعمَلَ كل منهم في كفره فكره)).

وفي ذلك إشارة إلى الحسد على المناصب الدينية التي منحها له السلطان دون غيره من أهل النظر, وهو ما ذكره ابن كثير ((ت774هـ)), بقوله: ((وكان للشيخ تقي الدين من الفقهاء جماعة يحسدونه لتقدمه عند الدولة)), فانظم العلماء أهل النظر إلى كبراء المتصوفة، ولعل في قوله "وأعمل كل منهم" أشارة إلى من حسده من العلماء, ومشايخ المتصوفة, وإليه, فجمع الأطراف الثلاثة بوصف واحد، وهو المنازعة وإعمال الفكر في الكفر. 

ثم يذكر ما حدث من سجن ابن تيمية, معلقاً على فعل من سعوا به باقتباس قوله تعالى: ((وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُون)), وهذا منه فيه إجمال محتمل أن يريد أنه لا يعلم جلية الأمر,  أو أنه إشارة إلى أنهم عصاة, أو أنهم مطيعون, كما يُفهم ذلك من تفسير الآية بدلالة نصها وسياقها،

 ولعل فيه إشارة إلى ما أنكره ابن تيمية من عصمة الأنبياء الذي خالفه فيه لمناسبة سياق الآية ومثيلتها في سورة النمل.

وبعد أن ذكر انتقاله من فتنة إلى فتنة, بقوله: ((ثم لم يخلُ بعد ذلك من فتنة بعد فتنة, ولم ينتقل طول عمره من محنة إلا إلى محنة)) عقبه بقوله: ((وإلى الله ترجع الأمور, وهو المطلع على خائنة الأعين وما تخفي الصدور))، وهذا واضح في إيكال العلم بالحال إلى الله تعالى, فهو لم يثبت شيئاً, إنما وصف ظاهر الحال.

وبعد ذكر وفاته ينتقل إلى تبرك العامة بجنازته, إذ قال: ((يتبركون بمشهده يوم يقوم الأشهاد))، ولا يُعلم مراده, إذ يحتمل التهكم؛ لغلو أتباعه.

وبعد ما مرّ في ترجمة هذا العَلم من شؤون أسرته, وتضلعهم في السياسة والمناصب الدينية, وسيره على منهجهم، والكلام في مخالطته الفساق, ولولا كونه ذا منصب رفيع وعلاقة مع السلطة لما توقفوا عن رميه بالفسق، ومع هذا فإن ذكره لابن تيمية استطرادا في ترجمة المزي, وكونها مشتملة على محتملات من وجوه المدح والذم, والقدح في العقيدة. فأي قيمة تبقى لها في سجل الثناء على ابن تيمية؟!.

ولعل ظروف العصر المملوكي تفصح عن أمر الثناء على بعض الأعلام ممن كانت لهم رئاسات ومناصب دينية يمنحها السلطان, أو من كان ذا حظوة عنده, ولذا يتحاشى من يطلب السلامة الخوض في منازعة أصحاب المكانة, وقد وصف المؤرخ الأديب كمال الدين جعفر بن ثعلب الأُدفُوي ((ت748هـ)) ذلك بقوله: بالجاه تبلغ ما تريد فإن ترد .... رتبَ المعالي فليكن لك جاهُ

أوَ ما ترى الزينَ الدمشقيْ قد ولي .... درس الحديث وليس يدري ما هوْ

وهذا الذي تقدم في هذه النماذج يسري على كثير ممن أثنى على ابن تيمية حاشى تلامذته وخدمه ممن دفعه الغلو فيه, فإنهم من المفتونين به, وقد عرف غلو الحنابلة بشيوخهم، وإن اشترك بعضهم مع هؤلاء طمعاً بالتقرب لابن تيمية لما يفضي الانتماء إلى الاعتزاز والمنعة بمقامه المعظم لدى السلطان، والله الواقف على السرائر, وهو أعلم بحال كلٍّ منهم، ولقد أسهم ثناء هؤلاء في التغرير به, ((ولم ينتبه إلى الباعث على ثنائهم, فبدا يذيع بدعاً بين حين وآخر, واهل العلم يتسامحون معه في الأوائل باعتبار أن تلك الكلمات ربما تكون فلتات لا ينطوي هو عليها, لكن خاب ظنهم وعلموا أنه فاتن بالمعنى الصحيح فتخلوا عنه واحداً إثر آخر على توالي فتنه)).

 ويفيدنا ما تقدم إن ابن تيمية يتمتع بقدرات علمية, إلا أن عقيدته وسيرته لا يزكيها حتى من يظهر منه الثناء عليه.










المطلب الثاني: الذامون.

إن كثرة العلماء القائلين بانحراف ابن تيمية تظهر من ملاحظة شكوى كثير من معاصريه, على أن هناك دواعٍ أسكتت كثيرا من العلماء على رأسها الخوف من السلطات؛ إذ كان يتمتع بمكانة عندهم, ولذا يلحظ أنّ الشكوى إلى السلطات تأتي جماعية غالباً, وتحاول السلطات تؤذي أتباعه, أما حبسه فكان في غاية الإكرام والاحترام من قبل السلطات في الغالب, على أن العلماء انقسموا في شكاواهم وكتاباتهم ضده بأسباب موضوعية, كما يقول العسقلاني ((ت852هـ)): ((وافترق النَّاس فِيهِ شيعًا)):

1- ((فَمنهمْ من نسبه إِلَى التجسيم؛ لما ذكر فِي العقيدة الحموية والواسطية وَغَيرهمَا من ذَلِك كَقَوْلِه أَن الْيَد والقدم والساق وَالْوَجْه صِفَات حَقِيقِيَّة لله وَأَنه مستوٍ على الْعَرْش بِذَاتِهِ فَقيل لَهُ يلْزم من ذَلِك التحيز والانقسام فَقَالَ أَنا لَا أسلم أَن التحيز والانقسام من خَواص الْأَجْسَام فألزم بِأَنَّهُ يَقُول بتحيز فِي ذَات الله)).

2- ((وَمِنْهُم من ينْسبهُ إِلَى الزندقة؛ لقَوْله أَن النَّبِي "صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم" لا يستغاث بِهِ, وَأَن فِي ذَلِك تنقيصاً ومنعاً من تَعْظِيم النَّبِي "صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم")).

3- ((وَمِنْهُم من ينْسبهُ إِلَى النِّفَاق لقَوْله فِي عَليّ مَا تقدم•, وَلقَوْله: إِنَّه كَانَ مخذولا حَيْثُ مَا توجه وَأَنه حاول الْخلَافَة مرَارًا فَلم ينلها, وَإِنَّمَا قَاتل للرئاسة لا للديانة, وَلقَوْله: إِنَّه كَانَ يحب الرِّئَاسَة, وَأَن عُثْمَان كَانَ يحب المَال، ولقَوْله: أَبُو بكر أسلم شَيخا يدْرِي مَا يَقُول, وَعلي أسلم صَبيا وَالصَّبِيّ لَا يَصح إِسْلَامه على قَول, وبكلامه فِي قصَّة خطْبَة بنت أبي جهل......، وقصة أبي الْعَاصِ ابْن الرّبيع وَمَا يُؤْخَذ من مفهومها؛ فَإِنَّهُ شنع فِي ذَلِك. فألزموه بالنفاق لقَوْله "صلّى الله عَلَيْهِ وسلّم": وَلا يبغضك إِلا مُنَافِق)).

4- ((وَنسبه قوم إِلَى أَنه يسْعَى فِي الْإِمَامَة الْكُبْرَى؛ فَإِنَّهُ كَانَ يلهج بِذكر ابْن تومرت ويطريه, فَكَانَ ذَلِك مؤكداً لطول سجنه، وله وقائع شهيرة وَكَانَ إِذا حوقق وألزم يَقُول لم أرد هَذَا إِنَّمَا أردْت كَذَا فيذكر احْتِمَالا بَعيدا)).

ويمكن أن يزاد على ذلك.

5- نسبته إلى الزهو والطيش والعجب, كما أفاد العسقلاني ((ت852هـ)) قبل تقسيماته بصفحتين؛ إذ قال: ((وَاقْتضى لَهُ ذَلِك الْعجب بِنَفسِهِ حَتَّى زها على أَبنَاء جنسه)).

6- نسبته إلى تعدي حدود قواعد استنباط الأحكام الشرعية؛ وهو ما ذكره الحافظ ولي الدين العراقي ((ت826هـ)): إذ قال: ((كما قيل فيه: علمه أكثر من عقله, فأداه اجتهاده إلى خرق الإجماع في مسائل كثيرة, قيل: إنها تبلغ ستين مسألة فأخذته الألسنة بسبب ذلك, وتطرق إليه اللوم, وامتحن بهذا السبب, وأسرع علماء عصره في الرد عليه وتخطئته وتبديعه, ومات مسجونا بسبب ذلك، والمنتصر له يجعله كغيره من الأئمة بأنه لا تضره المخالفة في مسائل الفروع إذا كان ذلك عن اجتهاد، لكن المخالف له يقول ليست مسائله كلها في الفروع, بل كثير منها في الأصول, وما كان منها من الفروع فما كان سوغ له المخالفة فيها بعد انعقاد الإجماع عليها، ولم يقع للأئمة المتبوعين مخالفته في مسائل انعقد الإجماع عليها قبلهم بل ما يقع لأحد منهم إلا وهو مسبوق به عن بعض السلف كما صرح به غير واحد من الأئمة وما أبشع مسألتي ابن تيمية في الطلاق والزيارة, وقد رد عليه فيهما معا الشيخ الإمام تقي الدين السبكي وأفرد ذلك بالتصنيف فأجاد وأحسن)).

وقال السخاوي ((ت902هـ)): ((قد نسبت إليه مسائل أنكرت عليه مقررة عند أهل العلم)).

وبعد ما تقدم من النسبة والأسباب الموضوعية لأقوال العلماء، فليس البحث في حاجة لإثبات أسمائهم وأقوالهم, وهم كثر. إذ يرى البحث ذلك كافياً؛ فإن استعراض أسمائهم وسيرتهم وأقوالهم لا يسعه البحث, ولاسيما كونهم كثيرين ومن مختلف المذاهب والاتجاهات من المعاصرين له. إلا أن الملاحظ أن من كتب فيه ذماً وبيّن انحرافه من معاصريه يمهّد لذلك ببيان علمه ومكانته، ولعل هذا يفصح لنا عن مدى علمه واطلاعه واقعاً, هذا من ناحية, ومن ناحية أخرى أن هؤلاء الأعلام يخافون سطوة أصحابه المتعصبين ، وحتى بعد شكوى جمع من العلماء عليه, فكان أغلب ما يسجن من دون تضييق, ((وكان موضعه فسيحاً فصار الناس يدخلون إليه ويقرؤن عليه ويبحثون معه)), وما يلبث أن يخرج, وفي بعضها يصر على البقاء في السجن ولكن مع توفير الخدمة إليه ومراجعة الناس له واستفتاءه, ولعل ذلك لخلق بطل يفتتن فيه الناس, وينشغل به العلماء, ويشهد لذلك ما حكاه ابن بطوطة ((ت779هـ)): من وصف ابن تيمية بأنه كبير الشأن يتكلم في الفنون إلا أن في عقله شيئا!, وكان ابن بطوطة شاهدا على قضية تكلمه بقضية التجسيم على منبر الجامع, فكان من جملة كلامه أن قال: "إن الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا، ونزل درجة من درج المنبر",. فعارضه أحد الفقهاء, فضربه الغوغاء من أتباع ابن تيمية بالأيدي والنعال ضربا كثيرا حتى سقطت عمامته, وحملوه إلى القاضي, والقاضي بدوره يعزر هذا الفقيه ويسجنه!

 وتكلم مرة بأمر أنكره الفقهاء ورفعوه إلى الملك الناصر فأمر بإشخاصه إلى القاهرة وجمع القضاة والفقهاء, بمجلس الملك الناصر, واجتمع بالسلطان وأكرمه وتلقاه في مجلس حفل, فيه قضاة المصريين والشاميين والفقهاء, وبعد ازدياد الشكاوى مرة بعد أخرى في مسائل عدة كالتجسيم, وشد الرحال إلى قبور الأنبياء والأولياء "عليهم السلام", ومخالفة إجماع العلماء, ومسائل فقهية أخرى, رأى السلطان من المناسب أن يُجعل في مكان فاره يسمى سجنا, فأمر الملك الناصر بسجنه فسجن أعواما، فكان مما صنفه في السجن في تفسير القرآن سماه بالبحر المحيط في نحو أربعين مجلدا.

فيظهر أن ابن تيمية ممن أتخذ آله هواه وممن حرف الدين ورزح تحت أثر الشيطان الرجيم مع ما حصل من العلم , لكن سلوكه الغير مستقيم جعله يستخدم هذا العلم في بعض الأمور المنحرفة، التي تثير الفتن, نتيجة لتكوين شخصيته وما ورثه من عقيدة أسرته، وتأثير بيئته فيه .

وقد ظهر أن ابن تيمية ((ت 728هـ)) منذ برز بوصفه عالماً ومفتياً ومناظرا في القرن السابع الهجري, منذ ذلك الحين وعلماء الإسلام على اختلاف مذاهبهم وتوجهاتهم مختلفون فيه, فمن مغالٍ فيه يرفعه إلى درجة تفوق كل مستويات كبار أئمة الفقهاء إن لم نقل أكثر من ذلك., ولاسيما أتباعه - أو الذين ادعوا أنهم أتباعه- الذين مثل لهم محوراً ومركزا يدور عليه مدار التعصب, إذ كانوا يرددون في حياته "نحن لا نتبع إلا أقوال الإمام أحمد وشيخنا تقي الدين ابن تيمية", حتى قالوا أنه "يبصر ببصيرته تنزّل الأمر بين طبقات السماء والأرض...، وأنه يدعى عظيماً في ملكوت السماء".

ومنهم من تهاوى به إلى انحطاط علمي فلم يعدّه مجتهدا, وإنّ الذي يمكن أن يقال أنه اجتهد فيه ما هو إلا تجاوز حدود الموضوعية في الحوار, وداخله الغرور وركبه الصلف ورأى نفسه ولي الأمر الذي يجب أن يكون له الأمر وحده, حتى بلغ به بعضهم برميه بالكفر؛ عادّا إياه خالعاً لربقة الإسلام في تماديه وخروجه عن ثوابت الإسلام وضرورياته بعد أن خرج عن مسلك السالفين وعدا عَدْوا على الدين, ومن شواهد ذلك ما يذكر من ملاحظة أبيه في محضره جداله لعالم هو أسن منه بنحو ثلاثين سنة؛ "انه للعناد أو الجهل", فنهره أبو قائلا: "أتقول لعالم أسن منك هذا عناد أو جهل؟، فهذا منك قلّة أدب وإن كنت على الصواب".

وبعد دراسة المتأثرون بمنهج أبن تيمية والذامون له بعد إجراء مقابلة بين الأتجاهين يتضح لنا أن هنالك أسباب سياسية وإقتصادية وعلمية وتأريخية وإجتماعية ونفسية مشتركة بين التيارين أدت الى ظهور نجم أبن تيمية وكذلك الى القضاء على بدعه  . 








الفصل الثالث

دوافع الأنحراف ومخالفات أبن تيمية المبحث الأول: دوافع الانحراف.

المبحث الثاني: المخالفات المنحرفة.



المبحث الأول

دوافع الانحراف.

المطلب الأول: الدوافع الذاتية.

المطلب الثاني: الدوافع المذهبية.

المطلب الثالث: الدوافع الاجتماعية والسياسية.

 

المبحث الأول : دوافع الأنحراف

             الانحراف في اللغة يعني: الميل والعدول, والمجانبة, ((يقال: انحرف عنه وتحرف واحرورف؛ أي مال وعدل)), واستعملت مادة "حرف" في القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ}, وقد ذكر الله المحرفين في كتابه العزيز, قال تعالى: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}, وقال تعالى: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ}, وقال تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ}, وقال تعالى: {وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ، وقد ذمهم الله تعالى على ما بدلوا وغيروا ما فرض الله تعالى من أحكام بحسب ما يشتهون, ويحملون الكلام على غير وجهه, وأوعدهم الله تعالى بالخزي والعذاب, بعد أن بين حالهم لرسوله الأكرم "صلى الله عليه وآله" مسلياً له بأن لا يحزن على حالهم، فإن هؤلاء قوم انغمست قلوبهم بالقذارات ولما كانوا كذلك حلت بهم فتنة إلهية، فلتطب نفسا يا محمد بأن الأمر من الله واليه، وليس يملك دونه تعالى شيء في ذلك، فلا موجب للحزن فيما لا سبيل إلى التخلص منه.

ومن وجهة علم الاجتماع, فالانحراف يعني: مجموعات سلوكيات فردية أو جماعية لا تنسجم مع المعايير والقيم التي يتوافق عليها المجتمع، وهي بالتالي ((تتسبب في خلق جو من التوترات ونشوب الصراعات, وتثير الرفض, وتتسبب أيضا في سلسلة عقوبات وتأنيب العزلة ولوم تنفيذها)), ويشمل هذا المفهوم فئات ومواضيع عدة, منها: السرقة, قتل الأطفال, التعدي على التقاليد. كما وإن المنحرفين على أصناف, فمنهم المبدع الذي يحدد لنفسه أغراضا قيّمة اجتماعيا في ظاهرها, إلا أنه يلجا إلى أساليب مشبوهة, إن لم تكن مدانة، والشعائري؛ وهو الذي يبدو متمسكا بالحرف أكثر منه بالروح، وتتخذ بعضُ السلطاتِ الصراعَ الاجتماعي الذي يفرز مثل هذه الانحرافات وضعاً طبيعياً لتقوية سلطتها؛ ليكون الطرف المنتصر فيه قادرا على فرض إرادته على الطرف الخاسر, ((بمعنى إن النظام السياسي الحاكم يساعد الأقوياء على حساب الضعفاء، والحكام على المحكومين، والأغنياء على الفقراء)). ليكونوا لهم أداة وقوة ضاغطة، وهذا يهيئ أرضاً خصبة لانحراف, فإذا توافرت أسباب الانحراف ودوافعه في مثل هذا الجو، فسينمو نمو فاحشاً لدى الأشخاص المصابين بهذا الداء.

المطلب الأول: الدوافع الذاتية.

           إنّ من عوامل المظاهر السلوكية المنحرفة ما يتبلور عن طريق قناعات شخصية في فهم الأشياء الناتج عن الإيمان العميق بقيمة المفاهيم الفكرية المصطنعة التي يحملها الشخص, وتتجسد عبر مجموعة من السلوكيات والممارسات, وتتحدد هذه الشخصية بما تتسم به من صفات نفسية متباينة؛ لتنسج واقعاً وهمياً فيما يخص قدراتها وإمكانتها, فتصاب بداء الكبر والزهو والخيلاء.

          ثم إن هذه الشخصية بما لها من الاعتداد بنفسها ستبتعد عن فهم الواقع الذي تعيشه, وتعجز عن مواجهته بواقعية كنتيجة لعدم الاتزان بين الذات التي تتوهم تجسد المثالية فيها, وبين الواقع الذي تراه ساقطاً, وحينئذ لا يمكنها التكيف, ويكون ذلك مدعاة لإثارة مشاكل لا تنتهي، وسيسلط البحث الضوء بملاحظة مدى انطباق هذا في شخصية ابن تيمية.

تلمّس الشذوذ النفسي الدافع للانحراف.

           يمكننا تلمس الشذوذ النفسي وتشخيصه عند الأفراد المصابين به من خلال مراقبة تصرفاتهم وأسلوب تعاطيهم بطرح الآراء مع الآخرين ، فعند مناقشة موضوع معين مع شخصيتين الأولى سوية, والأخرى مصابة, تقف أمام أنموذجين متضادين في مستوى الفكر, وبه تحدد الشخصية المريضة في ضوء دوافعها الذاتية, وعبر سلوكيتها:

الأنموذج الأول: ((سيكون رأيه اتجاهك متطرفاً للغاية لا يذكر لك إلا المساوئ والأخطاء، وهذه صورة منسوجة عن الروح السلبية والتي هي أحد أوصاف الحالة المرضية)).

الأنموذج الآخر: ((سيتناول الأشياء على موضوعيتها, وسيفسر كل الأعمال والنشاطات التي قمت بها بنظرة إيجابية, ناتجة عن نفسيته الإيجابية والتي هي من أوصاف الحالة السويّة)).

فأين ابن تيمية من هذين الأنموذجين؟

لا يريد البحث أن يجيب على هذا التساؤل من دون أن يذكر طرفا مما عرف من سلوكه, ونتفاً من مناقشاته, ليكون ذلك بنفسه جواباً، وذلك التزاما من البحث بالحفاظ على الموضوعية.




1- الحدّة في النقاش.

              فمن سمات شخصيته في البحث والمناقشة والمناظرة , أنه كانت ((تعتريه حِدة فِي الْبَحْث وَغَضب وشظف للخصم تزرع لَهُ عَدَاوَة فِي النُّفُوس))، وقد عرفنا آنفا أنّ هذه السمات تنمّ عن حالة من الاضطراب في الشخصية، ويظهر ذلك واضحاً جلياً من خلال مناظرته لمعاصره العلامة الحلي (ت726) حيث (( كان بين الاثنين مراسلات ومناقشات حول مسألة الإمامة حيث كان الحوار عن طريق طرح السؤال والجواب ، فقد أستعمل أبن تيمية في بعض عباراته ألفاظاً قاسية كقوله " نقلٌ باطل " ، في حين كانت ردود العلامة عليه بمنتهى اللطف والموضوعية ...، وهي تعطي صورة واضحة للتسامح الكبير الذي أبداه العلامة اتجاه خصمه كما يظهر ذلك واضحاً من خلال عبارات العلامة ، والتحامل الشديد الذي أبداه ابن تيمية على العلامة الحلي حيث نعت العلامة بألفاظ نابية لا يبديها من لديه أدنى مستوى علمي فكيف إذا كانت صادرة من عالم كابن تيمية فكان هذا الأسلوب بمثابة صدمة كبيرة للعلماء اللاحقين فضلاً عن العلماء المعاصرين له ويظهر ذلك واضح جلي من خلال أطلاقه عبارة " أبن المنجس " على العلامة الحلي من خلال المناظرات العلمية، ولم يثر هذا الأسلوب العلامة، ولم يقف عند عبارات أبن تيمية فحينما أجتمع به في المسجد الحرام أعجب أبن تيمية بالعلامة قبل أن يكشف عن أسمه وهويته فقال بتعالِ من تكن ياهذاّ ؟ أجابه العلامة أنت الذي تسميني بـ " أبن المنجس "* ومن هنا يظهر أسلوب التحامل والغلظة والتعالي الذي كان أبن تيمية يبديه أتجاه من يخالفه بالرأي .

2- وصفه بنقص العقل.

وصفه ابن بطوطة ((ت779هـ)) وصف مشاهدة وتحليل لما رأى منه, فقال: (( كان بدمشق من كبار الفقهاء الحنابلة تقي الدين بن تيمية كبير الشام يتكلم في الفنون. إلا أن في عقله شيئاً، وكان أهل دمشق يعظمونه أشد التعظيم، ويعظهم على المنبر ... وكنت إذ ذاك بدمشق، فحضرته يوم الجمعة وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكرهم، فكان من جملة كلامه أن قال: إن الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا ونزل درجة من درج المنبر فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء، وأنكر ما تكلم به، فقامت العامة إلى هذا الفقيه وضربوه بالأيدي والنعال ضرباً كثيراً حتى سقطت عمامته، وظهر على رأسه شاشية حرير، فأنكروا عليه لباسها واحتملوه إلى دار عز الدين بن مسلم قاضي الحنابلة، فأمر بسجنه وعزره بعد ذلك، فأنكر فقهاء المالكية والشافعية ما كان من تعزيره...)).

يقول أحد الكتّاب: ((يعترف الرحالة المغربي أن الإمام ابن تيمية كان “كبير الشام”, و”أهل دمشق يعظمونه أشدّ التعظيم”، لكنه يضيف مستدركاً “إلا أن في عقله شيئا”، وهي كما لا يخفى صيغة مهذبة للقول بأن في عقل الرجل خللا ما)).

ويحلل ذلك بعرض مقدمة من نقاط عدّة:

أ- لم تكن تلك الملاحظة ملاحظة شيخ من الشيوخ المنافسين لابن تيمية حتى نقول عنها إنها مجرّد غيرة وتحامل.

ب- لم تكن ملاحظة شخص مقيم في دمشق حتى نقول إنها مجرّد تصفية حسابات.

ج- كانت ملاحظة رحّالة منقطع للترحال وتسجيل المشاهدات بدقة بالغة.

د- عاينَ ابن بطوطة الحالة باستغراب.

ثم يتسائل: كيف تأتى لابن بطوطة أن يلاحظ على ابن تيمية بأنّ في عقله شيئا؟

إلا أنه تردد في الجواب, ولكنه يقول: ((لكن لا شكّ أن ابن بطوطة المشهود له بدقة الملاحظة قد لاحظ في بعض التصرفات ما يثير الشكّ في الصحة النفسية لشيخ الإسلام)) .

والحق أن في كلام ابن بطوطة تصريحاً بأن ابن تيمية مصاب بمرض عقلي، ويؤيد ذلك قول الصفدي ((ت 764 هـ)): ((كان الشيخ الإمام العالم العلامة تقي الدين أحمد بن تيمية -رحمه الله تعالى- علمه متسعاً جدا إلى الغاية وعقله ناقصاً يورطه في المهالك ويوقعه في المضايق))

3- أوصاف الأنانية وحب الذات.

ومن ذلك ما ذكره السبكي ((ت756هـ)) من كلام الذهبي((ت748هـ)) في رسالة

كتب بها إلى ابن تيمية: 

((إلى كم ترى القذاة في عين أخيك وتنسى الجذع في عينيك؟ إلى كم تمدح نفسك وشقاشقك وعباراتك وتذم العلماء وتتبع عورات الناس؟ ... بل أعرف أنك تقول لي لتنصر نفسك: إنما الوقيعة في هؤلاء الذين ما شموا رائحة الإسلام، ولا عرفوا ما جاء به محمد "ص" وهو جهاد، بل والله عرفوا خيرا كثيرا مما إذا عمل به فقد فاز، وجهلوا شيئا كثيرا مما لا يعنيهم ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)).

وفي هذا المقطع من الرسالة, يظهر أن الذهبي يرى في ابن تيمية أمورا, منها:

أ- مدح النفس, وذم الآخرين من العلماء, وتتبع عورات الناس.

ب- الطعن في دين العلماء وعلمهم, انتصارا لنفسه ليحتسب ذلك جهادا.

وقوله: ((يا رجل! بالله عليك كف عنا، فإنك محجاج عليم اللسان لا تقر ولا تنام)) .

ج- يتصف بكثرة الحجاج واللجاج.

((يا خيبة من اتبعك فإنه معرض للزندقة والانحلال، لا سيما إذا كان قليل العلم والدين باطوليا شهوانيا، لكنه ينفعك ويجاهد عندك بيده ولسانه وفي الباطن عدو لك بحاله وقلبه، فهل معظم أتباعك إلا قعيد مربوط خفيف العقل، أو عامي كذاب بليد الذهن، أو غريب واجم قوي المكر، أو ناشف صالح عديم الفهم؟)).

د- يرتكبه الغرور بكثرة من حوله من العوام.

((فما أضنك تقبل على قولي ولا تصغي إلى وعظي، بل لك همة كبيرة في نقض هذه الورقة بمجلدات، وتقطع لي أذناب الكلام، ولا تزال تنتصر حتى أقول: البتة سكت. فإذا كان هذا حالك عندي وأنا الشفوق المحب الواد فكيف حالك عند أعدائك؟!)).

هـ- لا يسمع نصيحة محبّ, بل يغضب منها ويرد بأقذع العبارات ويطيل الكلام، وحاله مع خصمه أشد.

على أن الذهبي يذكر هذه السمات التي تتصف بها شخصية ابن تيمية مع كونه محباً مشفقا، ولكن بموجب التكوين الذاتي فإن ((الفرد الذي يعادي الناس, ويريد أن ينتقم منهم, في مقابل احتقار الناس, وعداوتهم له, حسب ظنّه. هذا الشخص لا يمكن أن يقبل كلام الآخرين؛ لأنه سوف يحمله على أسوء المحامل الممكنة, ويعتقد بأن نصيحة الناس له ما هي سوى شَرَك ومصيدة)).

4- الغضب المذموم.

ومن أسلوبه في المحاورة والنقاش مع أحد كبار العلماء, ما وثقه تلميذه ابن عبد الهادي ((ت744هـ)) إذ حكى عن ابن تيمية قوله الذي ردّ فيه: ((فغضبت عليه وقلت أخطأت وهذا كذب مخالف للإجماع, وقلت له لا أدب ولا فضيلة لا تأدبت معي في الخطاب ولا أصبت في الجواب...، وقلت في ضمن كلامي: أنا أعلم كل بدعة حدثت في الإسلام...، ورفعت صوتي وقلت: سمِّهم, قل لي من هم, من هم)). فهذه القطعة تضمنت أمورا:

أ- الغضب. الذي صرح به هو.

ب- رمي الطرف المناقش بالكذب.

ج- رمي المناقش بمخالفة الإجماع.

ح- وصف المناقش بعدم الأدب.

د- الحكم على جوابه بالخطأ ومجانبة الصواب.

هـ- دعوى ابن تيمية الإحاطة بالعلم, بدعوى انه أعلم بكل بدعة حصلت في الإسلام.

و- رفع الصوت بالسؤال بأسلوب حماسي مثير, وتكرار السؤال, ليتظاهر بتعجيز محاوره.

ز- المثبت لهذا الكلام ابن تيمية نفسه, وهذا يزيد الأمر وضوحا من انه مفتخر بما فعل من طريقة عدوانية استفزازية مستدعية للشجار, إذ ترى خطأها مما يفتخر به.

        وعلى ما تقدم فهناك دوافع ذاتية ناشئة عن حالة شخصية تدفع إلى انحراف سلوكي لدى هذه الشخصية. لما تشكله من ضغوط نفسية داخلية تؤثر مباشرة على الفرد فتدفعه للانحراف. فهي دوافع ومهيجات تدفع الشخص لارتكاب حماقات وأخطاء بعد أن تجردت من نور العقل, لتعيش في صراع مع هذه الدوافع إلى آخر لحظة في مسيرتها الحياتية.

 

المطلب الثاني: الدوافع المذهبية.

منذ أن انحرفت الأمة الإسلامية عن المسار الذي رسمه لها رسول الله "صلى الله عليه وآله" بأمر من الله تعالى، فقد عصفت بها أحداث جعلتها تتشرذم لتكون فرصة  للطامعين, فقد عاشت ((عصوراً من التخلف، سادت فيها حالة التعصب المذهبي، والنزاعات بين الطوائف والفرق، ولم تحصد الأمة من كل ذلك إلا التمزق والضياع، والانشغال عن بناء قوتها، ومواجهة التحديات الخارجية، ومؤكد أن أعداء الإسلام يشمتون باحتراب المسلمين، ويصبّون الزيت فوق نار الفرقة والنزاع)). من خلال ذلك تفرقت الأمة الأسلامية الى فرق ومذاهب فكانت كل فرقة ترى أن الحق والصواب معها، وهي من دون شك تتحمل مسؤولية معتقداتها وآرائها أمام اللَّه تعالى، ومع إن القرآن الكريم ينهى المسلمين عن أن يتجادلوا مع اليهود والنصارى بأسلوب غير مؤدب، ويقول: ((وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ))، فما مارسه بعض المسلمين تجاه بعضهم من تهريج وشتم واستهزاء وتبديع وتكفير بأسلوب طافح بأخلاق تنافي مبادئ الإسلام، لا ينسجم والخطاب القرآني,  وهو بالتالي يصب في مصلحة أعداء الأمة.

وحفل التاريخ بذكر الفتن والاقتتال الداخلي ولاسيما في العصر العباسي ((وإذا كان العصر الأموي قد حوى فرق البصرية والحنفية والمالكية والأوزاعية، فإن العصر العباسي قد حوى فرق الشافعية والحنابلة والظاهرية والأشاعرة والماتريدية وكذلك الحنفية والمالكية والأوزاعية التي عاصرت العباسيين أيضاً)), حتى قد صارت المذاهب تتقاسم المساجد حتى في بيت الله الحرام, وتسيل الدماء في المواجهات بين أنصار كل مذهب, ((وهكذا اضطرمت نيران فتنة أكلت الأخضر واليابس في ماضي هذه الأمة وحاضرها؛ بسبب التعصب المذهبي، أو التعصب اللامذهبي، فقد يكون التعصب تعصبًا للأئمة المتبوعين، وقد يكون تعصبًا ضد اتّباع الأئمة يؤدي إلى خلع ربقة تقليدهم، ثم تقليد من هو دونهم بمراحل من الشيوخ والمعلمين ونحوهم...، وعلى العموم فقد سود التعصب صفحات من تاريخنا الإسلامي، امتلأت بالشقاق والنزاع والتطاحن، والتبديع والتفسيق والتكفير، ومزق التعصب هيبة النصوص الشرعية، وفتح الباب على مصراعيه للطعن فيها، وجعل كثيرًا من المناقشات -التي تبدو علمية- غير ذات جدوى، أو قلل من قيمتها حيث تفوح منها رائحة الانتصار للشيخ أو المذهب. كما عطل عقول كثير من المسلمين عن التفكير، وجعلهم يتكئون على جهود غيرهم)).

فلطالما كانت الفتن تقع بين الحنفية والحنابلة، وبين الحنابلة والشافعية، ويتلاعن خطباؤهم ويحرق أحدهم مسجد الآخر, وتحرق البيوت وتعطل الأسواق وتُنهب, في حواضر كثيرة من الحواضر الإسلامية, وقد تعصب كل لمذهبه أو إمامه ووضعوا الأحاديث لتسويغ تلك الفتن وسفك الدماء, ولما قويت شوكت الفاطميين في مصر ألزموا الجميع بمذهبهم, ثم لما جاء صلاح الدين الأيوبي، وكان أشعرياً متعصباً شافعياً، فقد نكل بهم أي تنكيل وقوى المذهب الشافعي والأشعري, ثم لما توارد حكم المماليك على الشام ومصر وهم ممن لا يهمه أمر الدين, ولكنهم بداعي السياسة تنافسوا في بناء المدارس لفقهاء المذاهب حسب ميولهم وأهوائهم، وكان ذلك من أسباب استفحال التعصب المذهبي أكثر فأكثر, ((وزاد من تمكنه ورسوخه: انحيازُ كبار الفقهاء والأئمة إلى ما اختاروه من المذاهب على حساب الحق، فكثُرت المناظرات، إلى أن أفضت إلى منازعات ومواجهات، أريقت فيها دماء، وانتهكت أعراض، وخربت بلدان))، وفي هذا العصر برز ابن تيمية ليكون رأس حربة لفتنة مذهبية كبرى لم تفتأ تزداد لهيبا ويستطير شررها انتشارا ليس في الشام ومصر فقط, بل ليحرق كل حواضر الإسلام آنذاك, بل لتسري عبر الزمن لهذا اليوم، ولم يكن ابن تيمية يلتزم مذهباً من المذاهب وإن كان حنبلي المنشأ والمحتد, فقد اختط لنفسه مذهباً وصار له أتباع يسيرون على ما تبنى, بل على ما ينتقون من كلماته المتهافتة التي يمكن أن يأخذ منها من يريد من أتباعه ولاسيما ما يطفح بالتبديع والتكفير سائرا في أيديولوجية تمجيد وتقديس بني أمية والحكومات التي تسير على نهجها. 

1- التعصب لبني أميّة.

ونلحظ الأنحياز في السلوك الذي اتبعه ابن تيمية في ضوء ما أظهر من التعصب المقيت للاتجاه الأموي في مواقفه فقد كان : (( ظهوراً لا نظير له حتى عند أولئك الأقطاب الذين عاصروا الملوك الأمويين ووطدوا أمرهم, فلم يحظ الأمويون طيلة أيامهم برجل برّر أخطاءهم وناضل في تزكيتهم كما صنع ابن تيمية بعد انقراضهم بستة قرون))، وهناك انجازات كبرى له في هذا الاتجاه, منها:

أ- الانتصار لأبي سفيان.

فأبو سفيان عند ابن تيمية ليس من الطلقاء, وإنما أسلم قبل فتح مكة! إذ قال: ((إِنَّ مُعَاوِيَةَ إِنَّمَا كَانَ بِمَكَّةَ، لَمْ يَكُنْ بِالْيَمَنِ، وَأَبُوهُ «أَسْلَمَ قَبْلَ دُخُولِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ لَيْلَةَ نَزَلَ بِهَا))

ب- تعذير معاوية في مخالفته سنة رسول الله "صلى الله عليه وآله. فذكر قضية استلحاق زياد كمثال مسلّم على فوات شرط أو وجود مانع من مخالفة صريح قول الرسول "صلى الله عليه وآله" (الولد للفراش وللعاهر الحجر), ليكون ذلك أبلغ في التأصيل لمخالفة معاوية بل للقول بإنه مأجور في هذه المخالفة, وليس معذورا فقط, وهذا ما لم يستطعه فقهاء السلاطين في عصر بني أمية.

ج- مرّ ذكر الموروث الأموي بتعاطي الخمر, وتحليلها من قبل معاوية, وهذه المثلبة والمخالفة الصريحة لتعاليم الدين الإسلامي تستدعي من المتعصب أن يؤطرها في إطار التبرير, وهكذا كان من الفقهاء المنضوين تحت لواء التعصب الأموي أبان عصرهم, ولكن الجديد لدى ابن تيمية – مع تشدده في تحريم الخمر- أن يصير إلى أن من تأول فهو معذور, وإن الصحابة شربوا النبيذ بل حتى النبي شرب النبيذ, وعلى هذا فما فعله بنو أمية إنما هو شرب النبيذ الذي هو ليس من الخمر؛ لأن حد الخمر هو الإسكار, متجاهلا قصة عبد الرحمن بن سيحان, وإنه لو لم يسكر لما حدّه مروان, ومع هذا لم يرض معاوية بعقوبته. ثم بعد اشتهار أكثر ملوك بني أمية بتعاطي الخمر المسكر, ولاسيما يزيد بن معاوية التجأ ابن تيمية إلى تسويغ أمر يدفع عنهم, باعتبار إن هؤلاء مؤمنين محبين للرسول "صلى الله عليه وآله" فلا يضر ذلك في إيمانهم ولا يسوغ القدح بهم أو لعنهم, ((وَإِذَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ، مُحِبِّينَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ: فَمَنْ لَعَنَهُمْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مَا مَعْنَاهُ: «أَنَّ رَجُلًا يُلَقَّبُ حِمَارًا، وَكَانَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَكَانَ كُلَّمَا شَرِبَ أُتِيَ بِهِ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَلَدَهُ فَأُتِيَ بِهِ إلَيْهِ مَرَّةً، فَقَالَ رَجُلٌ: لَعَنَهُ اللَّهُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتِي بِهِ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟ فَقَالَ النَّبِيُّ لَا تَلْعَنُوهُ، فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» ، وكُلُّ مُؤْمِنٍ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَمَنْ لَمْ يُحِبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ، وَإِنْ كَانُوا مُتَفَاضِلِينَ فِي الْإِيمَانِ وَمَا يَدْخُلُ فِيهِ مِنْ حُبٍّ وَغَيْرِهِ. هَذَا مَعَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَعَنَ الْخَمْرَ، وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَشَارِبَهَا، وَسَاقِيَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ إلَيْهِ، وَآكِلَ ثَمَنِهَا» وَقَدْ نَهَى عَنْ لَعْنَةِ هَذَا الْمُعَيَّنِ، لِأَنَّ اللَّعْنَةَ مِنْ "بَابِ الْوَعِيدِ" فَيُحْكَمُ بِهِ عُمُومًا، وأَمَّا الْمُعَيَّنُ فَقَدْ يَرْتَفِعُ عَنْهُ الْوَعِيدُ لِتَوْبَةٍ صَحِيحَةٍ، أَوْ حَسَنَاتٍ مَاحِيَةٍ أَوْ مَصَائِبَ مُكَفِّرَةٍ، أَوْ شَفَاعَةٍ مَقْبُولَةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ الَّتِي ضَرَرُهَا يَرْفَعُ الْعُقُوبَةَ عَنْ الْمُذْنِبِ. فَهَذَا فِي حَقِّ مَنْ لَهُ ذَنْبٌ مُحَقَّقٌ)). ((وَهَذَا فِي الذُّنُوبِ الْمُحَقَّقَةِ، وأَمَّا مَا اجْتَهَدُوا فِيهِ: فَتَارَةً يُصِيبُونَ، وَتَارَةً يُخْطِئُونَ. فَإِذَا اجْتَهَدُوا فَأَصَابُوا فَلَهُمْ أَجْرَانِ، وَإِذَا اجْتَهَدُوا وَأَخْطَئُوا فَلَهُمْ أَجْرٌ عَلَى اجْتِهَادِهِمْ، وَخَطَؤُهُمْ مَغْفُورٌ لَهُمْ)) وثوابهم الجنة بدليل: ((أَنَّ الْحَسَنَةَ الْعَظِيمَةَ يَغْفِرُ اللَّهُ بِهَا السَّيِّئَةَ الْعَظِيمَةَ، وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ»)) .

هنا يسوغ أبن تيمية لمن يخالفون القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ويستنبطون أحكام شرعية مخالفة للدين الحنيف والسنة المطهرة بأن لهم أجراً على أجتهادهم الخاطئ والمضل .

د- التبرئة من النفاق.

يسوق ابن تيمية الكلام حول نفاق معاوية بشيء من الفذلكة التي توحي بأن الموضوع مجرد شبهة, بل يأتي بالموضوع لرفع قدرهم, وأن النبي "صلى الله عليه وآله" أعطاهم أولوية في قيادة الأمة, إذ يقول: ((فَلَوْ كَانَ " عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَأَمْثَالُهُمَا مِمَّنْ يُتَخَوَّفُ مِنْهُمَا النِّفَاقُ لَمْ يُوَلَّوْا عَلَى الْمُسْلِمِينَ؛ بَلْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ قَدْ أَمَّرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُوَلِّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مُنَافِقًا، وَقَدْ اسْتَعْمَلَ عَلَى نَجْرَانَ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَبَا مُعَاوِيَةَ، وَمَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو سُفْيَانَ نَائِبُهُ عَلَى نَجْرَانَ، وَقَدْ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ إسْلامَ مُعَاوِيَةَ خَيْرٌ مِنْ إسْلامِ أَبِيهِ أَبِي سُفْيَانَ، فَكَيْفَ يَكُونُ هَؤُلَاءِ مُنَافِقِينَ وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْتَمِنُهُمْ عَلَى أَحْوَالِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ؟ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَغَيْرَهُمَا كَانَ بَيْنَهُمْ مِنْ الْفِتَنِ مَا كَانَ، وَلَمْ يَتَّهِمْهُمْ أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِهِمْ، لَا مُحَارَبُوهُمْ، وَلَا غَيْرُ مُحَارِبِيهِمْ: بِالْكَذِبِ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ بَلْ جَمِيعُ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بَعْدَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ صَادِقُونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، مَأْمُونُونَ عَلَيْهِ فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُ))، وفي الوقت ذاته فإن حب أبي طالب للنبي "صلى الله عليه وآله" لا ينفعه, وذلك لأن ابن تيمية يؤول هذا الحب, إذ يقول: (("وَأَبُو طَالِبٍ" وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَهُوَ مُحِبٌّ لَهُ فَلَمْ تَكُنْ مَحَبَّتُهُ لَهُ لِمَحَبَّتِهِ لِلَّهِ. بَلْ كَانَ يُحِبُّهُ؛ لأَنَّهُ ابْنُ أَخِيهِ فَيُحِبُّهُ لِلْقَرَابَةِ، وَإِذَا أَحَبَّ ظُهُورَهُ فَلِمَا يَحْصُلُ لَهُ بِذَلِكَ مِنْ الشَّرَفِ وَالرِّئَاسَةِ، فَأَصْلُ مَحْبُوبِهِ هُوَ الرِّئَاسَةُ)).

هـ- التعصب لمعاوية.

فإنّ معاوية كما يصوره ابن تيمية كان لم يدع الخلافة, وإنما الناس امتنعوا أن يبايعوا علياً أما لأنه لا يتمكن من أخذ الحق إذ لم يقدر على الإمساك بقتلة عثمان ومعاقبتهم, أو لأنه كما توهم بعض أهل الشام من أنه لم يشأ مآخذة قتلة عثمان بعد أن خذله, فوقعت الفتنة, ولم يدعو معاوية لقتال علي "عليه السلام", فصار الناس فرقتين فرقة مع علي وفرقة مع معاوية, وقد اختلف في الباغي من الفرقتين، وأما قول النبي "صلى الله عليه وآله" لعمار "تقتلك الفئة الباغية", فقد فلسفه ابن تيمية بأنه يعني أن فئة علي أقرب إلى الحق, وهذا يعني أن فئة معاوية على الحق أيضاً, بدلالة ما وجهه من الهدنة التي لم يلتزم معاوية بشروطها مع الإمام الحسن "عليه السلام"، والتي أسماها ابن تيمية صلحا ليستدل بحديث "إن هذا ابني يصلح الله به بين فئتين عظيمتين, ليفيد منه أن فرقة معاوية فرقة عظيمة, ويسوق الاستدلال على تبرئة معاوية من قتل عمار مما استدل به معاوية أو استدل له، ومع هذا فإن كان معاوية قد أخطأ فإنما هو مأجور لما تأول به.

ويقول ابن تيمية: ((و لم يتولَ أحد من الملوك خيرا من معاوية فهو خير ملوك الإسلام وسيرته خير من سيرة سائر الملوك بعده)). 

وكأنه لم يقف على ما روي في معاوية.

أما خلافة علي "عليه السلام" في نظر ابن تيمية؛ فلم تكن خلافة رحمة ولا حصل فيها لطف ولا مصلحة, بل كانت زمن قتال وفتنة وافتراق, فَتَغَلَّظَ النِّزَاعُ، حَتَّى تَقَاتَلُوا بِالسُّيُوفِ, ولم يكن للمسلمين سيف على الكفار, بل الكفار طمعوا فيهم وأخذوا منهم أموالا وبلادا, فلم يكن قبل خلافة علي قتال على إمامة, وهذا قدح بعلي لاختصاص زمانه بالاقتتال بين المسلمين, فالظن بطلب الرئاسة عند علي أولى من غيره, ومِنَ ((الْمَعْلُومِ أَنَّ هَذَا الظَّنَّ لَوْ كَانَ حَقًّا فَهُوَ أَوْلَى بِمَنْ قَاتَلَ عَلَيْهَا حَتَّى غُلِبَ، وَسُفِكَتِ الدِّمَاءُ بِسَبَبِ الْمُنَازَعَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُنَازِعِهِ، وَلَمْ يَحْصُلْ بِالْقِتَالِ لا مَصْلَحَةُ الدِّينِ وَلا مَصْلَحَةُ الدُّنْيَا، وَلا قُوتِلَ فِي خِلَافَتِهِ كَافِرٌ، وَلا فَرِحَ مُسْلِمٌ، فَإِنَّ عَلِيًّا لا يَفْرَحُ بِالْفِتْنَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَشِيعَتُهُ لَمْ تَفْرَحْ بِهَا; لأَنَّهَا لَمْ تَغْلِبْ، وَالَّذِينَ قَاتَلُوهُ لَمْ يَزَالُوا أَيْضًا فِي كَرْبٍ وَشِدَّةٍ))، ويرى أن عليا "عليه السلام" قاتل برأيه من دون مدرك شرعي, وكان هذا الرأي قد أفضى إلى المفسدة, إذ يقول: ((وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرَّأْيَ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَذْمُومًا فَلا لَوْمَ عَلَى مَنْ قَالَ بِهِ, وَإِنْ كَانَ مَذْمُومًا فَلا رَأْيَ أَعْظَمُ ذَمًّا مِنْ رَأْيٍ أُرِيقَ بِهِ دَمُ أُلُوفٍ مُؤَلَّفَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَحْصُلْ بِقَتْلِهِمْ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، لَا فِي دِينِهِمْ وَلَا فِي دُنْيَاهُمْ، بَلْ نَقَصَ الْخَيْرُ عَمَّا كَانَ، وَزَادَ الشَّرُّ عَلَى مَا كَانَ)).

نعم هكذا يرى من أعماه التعصب, يقول الدكتور صائب عبد الحميد: ((وبعد هذا تأتي فضائل معاوية... فضائل عرف الصالحون من علماء السلف أنها كلها موضوعة باطلة, وضعها المتزلفون له ولخلفه, وإلا من أين جاءت تلك الفضائل, وهذا النسائي صاحب السنن يسأله أهل دمشق عن فضيلة لمعاوية, فيقول: لا أعلم له فضيلة إلا "لا أشبع الله بطنه", فداسوا في حضنه –أو خصيته- حتى قتلوه...)).

د- التعصب ليزيد.

((فيزيدُ أحد ملوك المسلمين له حسناتٌ وسيئات - كما لغيره من الملوك - وقد روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمر أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «أولُ جيشٍ يَغزو القُسطَنطينية مغفورٌ له» وأولُ جيشٍ غزاها كان أميرهم يزيد، غزاها في خلافة أبيه معاوية))، ويسوق ابن تيمية اختلافا مزعوما بيزيد وأن من المسلمين ((مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ كَانَ مِنَ الأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ، وَأَنَّ الْخَمْرَ حَلالٌ لَهُ; لِأَنَّهُ  شَرِبَهَا الأَنْبِيَاءُ، وَيَزِيدُ كَانَ مِنْهُمْ طَرِيقًا صَوَابًا، وإِذَا كَانَ يَزِيدُ نَبِيًّا، كَانَ مَنْ خَرَجَ عَلَى نَبِيٍّ كَافِرًا، فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ كُفْرُ الْحُسَيْنِ وَغَيْرِهِ))، على أن الاختلاف في يزيد –بحسب ابن تيمية- وقع بعد زمن يزيد, ((وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ إذْ ذَاكَ يَتَكَلَّمُ فِي "يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ" وَلا كَانَ الْكَلامُ فِيهِ مِنْ الدِّينِ ثُمَّ حَدَثَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَشْيَاءُ فَصَارَ قَوْمٌ يُظْهِرُونَ لَعْنَةَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، ورُبَّمَا كَانَ غَرَضُهُمْ بِذَلِكَ التَّطَرُّقَ إلَى لَعْنَةِ غَيْرِهِ فَكَرِهَ أَكْثَرُ أَهْلِ السُّنَّةِ لَعْنَةَ أَحَدٍ بِعَيْنِهِ)).

ويبرئ ابن تيمية يزيد بن معاوية من قتل الحسين "عليه السلام", إذ قال: ((إِنَّ يَزِيدَ لَمْ يَأْمُرْ بِقَتْلِ الْحُسَيْنِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ النَّقْلِ، وَلَكِنْ كَتَبَ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ أَنْ يَمْنَعَهُ عَنْ وِلايَةِ الْعِرَاقِ))، ولما قتل الحسين "عليه السلام" وكان يزيد متألما لمقتله, فبحسب ابن تيمية أنه ((لَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ يَزِيدَ أَظْهَرَ التَّوَجُّعَ عَلَى ذَلِكَ، وَظَهَرَ الْبُكَاءَ فِي دَارِهِ)), وبعد هذا التحليل الذي يرتئيه ابن تيمية متجاهلا ما جاء في كتب التاريخ, يأخذ بالمبالغة بتبرئة يزيد, بل وحبه وإكرامه لآل بيت الرسول "عليه وعليهم السلام, فيقول: ((وَلَمْ يَسْبِ لَهُ حَرِيمًا أَصْلا، بَلْ أَكْرَمَ أَهْلَ بَيْتِهِ، وَأَجَازَهُمْ حَتَّى رَدَّهُمْ إِلَى بَلَدِهِمْ)), على عدم مبايعة الحسين ليزيد كانت مفسدة.

أما استباحة يزيد للحرمين الشريفين، وهو مما ضجت من بشاعتها كتب التاريخ, فهو وإن لم يستطع إنكار بشاعتها إلا أنه, فيمهّد لتعذيره بأنهم نقضوا بيعته ليثبت له الحق في ابتدائهم بحربه, إذ يقول: ((فَإِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ نَقَضُوا بَيْعَتَهُ وَأَخْرَجُوا نُوَّابَهُ وَأَهْلَهُ فَبَعَثَ إلَيْهِمْ جَيْشًا؛ وَأَمَرَهُ إذَا لَمْ يُطِيعُوهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ أَنْ يَدْخُلَهَا بِالسَّيْفِ وَيُبِيحَهَا ثَلَاثًا فَصَارَ عَسْكَرُهُ فِي الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ ثَلاثًا يَقْتُلُونَ وَيَنْهَبُونَ وَيَفْتَضُّونَ الْفُرُوجَ الْمُحَرَّمَةَ. ثُمَّ أَرْسَلَ جَيْشًا إلَى مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ فَحَاصَرُوا مَكَّةَ وَتُوُفِّيَ يَزِيدُ وَهُمْ مُحَاصِرُونَ مَكَّةَ وَهَذَا مِنْ الْعُدْوَانِ وَالظُّلْمِ الَّذِي فُعِلَ بِأَمْرِهِ، ولِهَذَا كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَئِمَّةِ الْأُمَّةِ أَنَّهُ لَا يُسَبُّ وَلَا يُحَبُّ)). ((فيزيد عند علماء أئمة المسلمين ملك من الملوك لا يحبونه محبة الصالحين وأولياء الله ولا يسبونه فإنهم لا يحبون لعنة المسلم المعين)).

فماذا يكشف كل هذا الجهد في الدفاع ؟، لا يكون إلا عن تعصب.




هـ- التعصب للحكم وابنه مروان.

هما الملعونان على لسان رسول الله "صلى الله عليه وآله", وهما من أخبث خبثاء البيت الأموي, فالحكم بن أبي العاص كان عدو رسول الله "صلى الله عليه وآله", إذ كان يسخر من النبي "صلى الله عليه وآله" ويحكيه في مشيه، ويغمز عليه عينه، ويدلع له لسانه ويتهكم به، ويتهافت عليه، استهزاءا, فهو شديد البغضة، مستحكم العداوة، حتى أفضى أمره إلى أن طرده رسول "الله صلى الله عليه وآله" عن المدينة، وسيره إلى الطائف و((كان الحكم ابن أبي العاص يجلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وينقل حديثه إلى قريش، فلعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يخرج من صلبه إلى يوم القيامة)), وأما مروان ابنه فأخبث عقيدة، وأعظم إلحادا وكفرا ومجاهرة بذاك، ((وله أعمال موبقة)), ولى البحرين لمعاوية، ثم ولى له المدينة مرتين، ثم بويع له بالخلافة, وذلك إن معاوية قربه لما كان يسديه إليه في خلافة عثمان وحرب علي, ولما هلك معاوية كان مروان من مستشاري يزيد, حيث بويع مروان بالخلافة بأحداث ذكرها التاريخ, إذ تمت له في مؤتمر الجابية سنة 64هـ.

إلا أن هذين الأمويين كانا في نظر ابن تيمية غير ذلك, إذ قال: ((أَنَّ الْحَكَمَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ كَانَ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ، وَكَانُوا أَلْفَيْ رَجُلٍ، وَمَرْوَانُ ابْنُهُ كَانَ صَغِيرًا إِذْ ذَاكَ، فَإِنَّهُ مِنْ أَقْرَانِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، عُمْرُهُ حِينَ الْفَتْحِ سِنَّ التَّمْيِيزِ: إِمَّا سَبْعُ سِنِينَ، أَوْ أَكْثَرُ بِقَلِيلٍ، أَوْ أَقَلُّ بِقَلِيلٍ، فَلَمْ يَكُنْ لِمَرْوَانَ ذَنْبٌ يُطْرَدُ عَلَيْهِ)), ليدفع عنهم بقوله: ((فَمَرْوَانُ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي ذَلِكَ ذَنْبٌ، لأَنَّهُ كَانَ صَغِيرًا لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ الْقَلَمُ)), ويطيل الكلام في المنافحة, إذ يقول: ((وَالطَّرْدُ هُوَ النَّفْيُ، وَالنَّفْيُ قَدْ جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ فِي الزَّانِي وَفِي الْمُخَنَّثِينَ، وَكَانُوا يُعَزَّرُونَ بِالنَّفْيِ، وإِذَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ عَزَّرَ رَجُلًا بِالنَّفْيِ، لَمْ يَلْزَمْ أَنْ يَبْقَى مَنْفِيًّا طُولَ الزَّمَانِ، فَإِنَّ هَذَا لَا يُعْرَفُ فِي شَيْءٍ مِنَ الذُّنُوبِ، وَلَمْ تَأْتِ الشَّرِيعَةُ بِذَنْبٍ يَبْقَى صَاحِبُهُ مَنْفِيًّا دَائِمًا، بَلْ غَايَةُ النَّفْيِ الْمُقَدَّرِ سَنَةً، وَهُوَ نَفْيُ الزَّانِي وَالْمُخَنَّثِ حَتَّى يَتُوبَ مِنَ التَّخْنِيثِ، فَإِنْ كَانَ تَعْزِيرُ الْحَاكِمِ لِذَنْبٍ حَتَّى يَتُوبَ مِنْهُ، فَإِذَا تَابَ سَقَطَتِ الْعُقُوبَةُ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى ذَنْبٍ مَاضٍ فَهُوَ أَمْرٌ اجْتِهَادِيٌّ لَمْ يُقَدَّرْ فِيهِ قَدْرٌ، وَلَمْ يُوَقَّتْ فِيهِ وَقْتٌ)).

يقول الدكتور صائب عبد الحميد معلقاً على كلام ابن تيمية: ((فهل يخفى عليه –أي ابن تيمية- إن هذا الأمر كان من أول ما أنكره المسلمون على عثمان؟·... كلا. لم يخفَ عليه ذلك, إنه أدرى, ولكن لا بد من الدفاع وإن كان على هذه الطريقة))، وهذا النهج الذي أصّل له جد ابن تيمية المعروف بخطيب حران ((ت622هـ))، ذاك الذي جلس يوم عاشوراء ومدح معاوية بن أبي سفيان على المنبر، وبالغ وأطنب، فاختلط على المنبر، ونزل مريضاً، فأقام إلى يوم الخميس خامس صفر يعاني أمراضاً صعبة، ومات فيه، وكان يقول: ما قتلني إلا يوم عاشوراء.

وهذه النماذج من التسويغ لبني أمية تكشف عن الأيديولوجية التي اتبعها ابن تيمية, لتمجيد سيرتهم وإحاطتهم بهالة من القداسة, وتسويغ نهجهم, وإظهار موالاتهم, لهوَ من الدواعي التي جعلته يتخذ اتجاهاً خاصاً سار عليه في كثير من مبانيه العقدية وقواعد استنباط الأحكام الشرعية الفرعية.


 

المطلب الثالث: الدوافع الاجتماعية والسياسية.

جمع البحث في هذا المطلب بين أمرين مترابطين في أثرهما الداعي لابن تيمية لاتخاذ موقف أو سلوك معين, فالدولة التي تمثل اتجاها سياسيا ارتبطت بالوضع الاجتماعي بما هي ظاهرة اجتماعية أو تنظيم يتعلق بالمجتمع, فكأي حاكم لأي مجتمع كان سلاطين المماليك يحتاجون إلى مشروعية تدعم رئاستهم, ومبادئ توطئ لهم قيادة المجتمع بقوة, فهنا رئاسة تحتاج إلى شرف الرئيس من نسب أو حسب أو علم أو جاه أو مال, وإلى جنبها احتياج إلى قوة تُسّير بها الأحكام التي تصدر من السلطان, وهذا لا يتأتى إلا بفرط شدة الهيبة، وهو لا يكون إلا بخوف غضب الحاكم أو خشية سطوته العسكرية أو المعنوية التي تستمد قوتها من الإله, وحكام المماليك يفتقرون إلى هذين الأمرين أكثر؛ فالشرف الاجتماعي معدوم, فهم من المماليك, والداعم الديني مفقود أيضاً لإشكالية حكومة المملوك, وعدم إمكان إخضاع المجتمع بالقوة العسكرية باستمرار, وليس لهم من مبادئ دينية يستجلبون الناس بها للاتباع من دون استمالة الفقهاء، وقد تتسم بذلك طوائف, كل طائفة تروم أن تسلب جميع ما للأخرى من ميزات وتجعل ذلك لنفسها, فالقاهرة تكون هي الفائزة والمغبوطة.

وفي سنة (( 667 هـ )) خرج ابن تيمية مع أبيه وجماعة أهل حران منها إلى الشام، ولما أعطت السلطة من المكانة لوالد ابن تيمية, ومن بعده لابنه كان المجتمع الشامي وهو ما زال فيه النفس الأموي مما يساعد على الاحتفاء بالشاب ابن تيمية، فكان يجتمع عنده خلق كثير منهم، واستمر في ذلك مدة سنين متطاولة على هذا المنوال، وقد بادلهم ابن تيمية المؤازرة, لاستمالتهم والانفراد بالسيطرة عليهم؛ ليكون صاحب الحظوة الكبرى لدى السلطات, التي تحتاج أمثاله لإسباغ الشرعية على سلطانها وسيطرتها على المجتمع, إذ يقول: ((ثَبَتَ لِلشَّامِ وَأَهْلِهِ مَنَاقِبُ: بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَآثَارِ الْعُلَمَاءِ، وهِيَ أَحَدُ مَا اعْتَمَدْته فِي تَحْضِيضِي الْمُسْلِمِينَ عَلَى غَزْوِ التَّتَارِ وَأَمْرِي لَهُمْ: بِلُزُومِ دِمَشْقَ وَنَهْيِي لَهُمْ عَنْ الْفِرَارِ إلَى مِصْرَ وَاسْتِدْعَائِي الْعَسْكَرَ الْمِصْرِيَّ إلَى الشَّامِ وَتَثْبِيتِ الشَّامِيِّ فِيهِ))، وأخذ بالتفصيل في ذلك, بخمس آيات من القرآن الكريم وجملة من الأحاديث ليصرف دلالتها لما يريد.

والمعلوم إن مقتضى السياسة والحكومة تحتاج هذا النمط من الفقهاء الذين يمتلكون أسباب التضليل والاستمالة لقدرتهم على ترويض المجتمع وزرع عصبية اجتماعية لديه تعين على حشده لخدمة السلطة والدفاع عنها والتعاضد والتناصر على ذلك, ولاسيما أنهم يفاضلون بين الناس على أساس الأحوال  والجاه وهما مما منحته السلطة المملوكية لابن تيمية.

ومن شواهد ذلك ما قام به ابن تيمية في المجلس الذي عقده السلطان الناصر محمد بن قلاوون المملوكي سنة 705هـ، في محاجة المتصوفة, إذ قال: ((وَأَمْسَكْت سَيْفَ الْأَمِيرِ, وَقُلْت: هَذَا نَائِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغُلامُهُ, وَهَذَا السَّيْفُ سَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَنْ خَرَجَ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ضَرَبْنَاهُ بِسَيْفِ اللَّهِ)).

فالملاحظ؛ انه أسماه الأمير, وأنه: نائب رسول الله "صلى الله عليه وآله"، وأن سيف هذا المملوكي هو سيف رسول الله "صلى الله عليه وآله", بل يترقى في ذلك فيقول أن هذا السيف هو سيف الله.

ماذا يريد الحاكم أي حاكم من فقيهٍ أكثر من هذا الدعم, ليجعل منه خليفةً شرعياً للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله؟!

وماذا يُرجى من المجتمع الدمشقي غير الالتفاف حول هذا الفقيه القوي بنظرهم, فمن انضوى تحت رايته فهو في الجانب القوي, ولذا يقول صاحبه عماد الدين الواسطي ((ت 711هـ)) الصوفي الأصل: ((أصبحتم إخواني تحت سنجق· رسول الله إن شاء الله تعالى مع شيخكم وإمامكم وشيخنا وإمامنا المبدوء بذكره رضي الله عنه قد تميزتم عن جميع أهل الأرض فقهائها وقرائها وصوفيتها وعوامها بالدين الصحيح))، وهكذا اجتمعت عصبات المجتمع بما تستدعيه السياسة وإقامة الدولة تحت ظل من يحقق لهما مصالحهما ليفيد هو من هذه الحالة صناعة المجد والاندفاع نحو ما يقتضي وضعه الذي هو فيه.

فهذا مسوغ شرعي لهذا الحاكم على لسان فقيه دعمته السلطة ليقف هذا الموقف الناصر.

وفي الوقت ذاته فإن هذا الموقف يفضح عن الداعي الذي يجعل ابن تيمية يتشدد ويفتي بما يناسب هذا الوضع الذي أصبح فيه, فستكون استنباطاته على وفق ما ينسجم مع المصلحة التي يراها هو لا ما يراها غيره كائنا من كان.

نعم أنه يوحي للمجتمع الشامي أنهم بمنزلة أصحاب رسول الله "صلى الله عليه وآله".

وهكذا نلحظ الدافع الاجتماعي والسياسي لدى ابن تيمية للاندفاع في ما ظهر منه.

ومن هذه الدواعي الذاتية التي تتعلق بتكوين الشخصية وانضمامها إلى النهج الذي اتبعه ابن تيمية, وما زامنه من الحاجة السياسية والواقع الاجتماعي الذي عاشه حيث ظهرت انحرافات واضحة له عن القرآن الكريم والسنة الشريفة, ومخالفته للإجماع.











المبحث الثاني

 المخالفات المنحرفة.

المطلب الأول: مخالفاته للقرآن الكريم.

المطلب الثاني: مخالفاته للسنة النبوية الشريفة.

المطلب الثالث: مخالفته لإجماع العلماء .

المطلب الأول: مخالفاته للقرآن الكريم.

هناك مسائل تفسيرية ذكرها ابن تيمية تعد من الانحرافات في التنظير والتطبيق, وهو مسلك واضح في آرائه لصرف دلالة الآيات إلى ما ينسجم وتطلعاته الأيدلوجيه , وسيسلط البحث الضوء على مسألتين مهمتين منها تتعلق بالتفكير الحسي:

أولا: اللجوء للتشويش وعدم الوضوح لتسويغ رأي.

يلحظ أن ابن تيمية يتناول بعض الآيات الكريمات بشيء من التفسير المشوش, ويلجأ إلى عدم الوضوح, ومع هذا يصر على مخالفة جمهور المفسرين، ومثال ذلك, تفسيره لآيات الاستواء.

قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}, وقوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}, وقوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}, وقوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى    }, وقوله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا}, وقوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}, وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}.

وقد خاض ابن تيمية في تفسير هذه الآيات في مواضع عدة من كتبه, يتشابه كلامه فيها, بتهافته بين نفي التأويل ونفي التجسيم, ثم يصير إلى التجسيم وينفي التشبيه, فهو بالحقيقة يثبت المعنى الحسي, ولكنه يراه مما لا يدرك, أي أنه مستوٍ حساً على عرشه, بما للكلمة من معنى, ولكن كيف يكون ذلك؟ يقول يكون كما يشاء الله، ويستعرض الأقوال في كل موضع, ويرد من يفسر بالمعاني المجازية, وبالتالي لا يخرج بمحصلة مقنعة, ويظن الباحث أن ابن تيمية نفسه غير مطمئن لما يقول من الفكرة التي تراها مضطربة غير واضحة, ولعل ما ذكره السيد تقي الدين الحسيني الحصني الدمشقي ((ت829هـ)) في وصف انحراف ابن تيمية وخطئِه في التفسير وعدم فهمه لما يقول, يتجسد تماما لمن تأمل فيما دونه ابن تيمية من البحث والتفسير في هذه الآية{هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}.

الذي خلا من أي بيان تفسيري لابن تيمية, ما عدا التهجم على المفسرين من جميع طوائف المسلمين أو ذكر أحاديث يتراءى منه أنه يفيد منها تفسيرا. فإن جملة من الآيات – بحسب ابن تيمية- أشكلت على المفسرين ولم يعرفها إلا هو, إذ يقول: ((هَذَا تَفْسِيرُ آيَاتٍ أُشْكِلَتْ حَتَّى لا يُوجَدُ فِي طَائِفَةٍ مِنْ كُتُبٍ فِي التَّفْسِيرِ إلا مَا هُوَ خَطَأٌ فِيهَا))

يقول الحصني: (("كلام ابن تيمية في الاستواء ووثوب الناس عليه": فمن ذلك ما أخبر به أبو الحسن على الدمشقي في صحن الجامع الأموي عن أبيه قال كنا جلوسا في مجلس ابن تيمية فذكر ووعظ وتعرض لآيات الإستواء ثم قال واستوى الله على عرشه كاستوائي هذا. قال فوثب الناس عليه وثبة واحدة وأنزلوه من الكرسي وبادروا إليه ضربا بالكم والنعال وغير ذلك حتى أوصلوه إلى بعض الحكام واجتمع في ذلك المجلس العلماء فشرع يناظرهم. فقالوا ما الدليل على ما صدر منك؟ فقال قوله تعالى: "الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى")).

وحملوه على محمل حسن, وهو انه جاهل لا يدرك ما يقول, ((فضحكوا منه وعرفوا أنه جاهل لا يجري على قواعد العلم ثم نقلوه ليتحققوا أمره. فقالوا ما تقول في قوله تعالى: "فأينما تولوا فثم وجه الله", فأجاب بأجوبة تحققوا أنه من الجهلة على التحقيق وأنه لا يدري ما يقول)).

وهل كان ذلك عن جهل؟

أو إثارة لشبهة ينشغل بها الناس عما هم فيه من المصائب التي يصبها السلاطين بحروبهم؟ 

أم لإثارة العوام على العلماء من مضى منهم ومن حضر, إلا ما يغرر به العوام, بقدرته التي أشار إليها ابن كثير في بيان حكم المغول, فيما مرّ قبل قليل؟

أو هو حالة من حالات اضطراب الشخصية؟ أم هناك أمر آخر؟ الله العالم !

وقد حفلت كتبه بالشيء الكثير من المس بجلال الله تعالى والإساءة إليه جل وعلا, وقد ذكر بعضها الباحث سعيد عبد اللطيف فوده, وبين بعض أوجه الانحراف فيها.

إلا أن الحصني يرى أن ابن تيمية جاهل مغرور بمن حوله من العوام الذين استمالهم بتفضيلهم على غيرهم, وانجذبوا إليه لمكانته لدى السلطان, فيقول: ((وكان قد غره بنفسه ثناء العوام عليه وكذا الجامدين من الفقهاء العارين عن العلوم التي بها يجتمع شمل الأدلة على الوجه المرضي))

ثم يذكر الحصني ما وجده الباحث حقا من الفتاوى المتعلقة بهذا الانحراف التفسيري, وقد أسهب وأطنب وأعاد واجتر, ولبّس واجترأ, ولذا قال الحصني: ((فتأمل أرشدك الله تعالى هذا التهافت وهذه الجرأة بالكذب على الله تعالى...، وهذا وغيره مما هو كثير في كلامه يتحقق به جهله وفساد تصوره وبلادته وكان بعضهم يسميه حاطب ليل وبعضهم يسميه الهدار المهدار)).

ولعل هناك احتمال آخر دعا إلى هذا الانحراف, وهو ما نقله الحصني عن إبي الحسن علي بن إسماعيل بن يوسف القونوي ((ت729هـ)), وهو أنه كان يأخذ بعض المسائل عن اليهود.

وهذا الأخذ من اليهود لصالح من؟ وهل كان ابن تيمية يدرك المآرب ورائها, أو نظر إلى مصلحة يراها هو بدافع ذاتي أو أيديولوجي أو سياسي اجتماعي؟

بعد ما استعرض البحث ما تقدم, فكل هذه محتملات, في دائرة الإمكان.

ثانياً: اللجوء للتهافت والالتواء من أجل إثبات رأي.

ومن ذلك التهافت في إنكار المجاز في القرآن.

وذلك بناءً على إنكار تقسيم الكلام على حقيقة ومجاز تارة, وإنكار وقوعه ثانية, والمصير إليه ثالثة.

ينفي ابن تيمية وقوع المجاز في القرآن الكريم, حيث يقول الدكتور عبد العظيم المطعني ((ت1429هـ)): ((حين يذكر الإمام ابن تيمية بين منكري المجاز فإنه يمثل في هذا المقام قطب الدائرة، لأن من أنكر المجاز قبله لم يتحمسوا للإنكار حماسته، ولم يثوروا ثورته، ولم ينزحوا نزحه، ولو يقلبوا وجوه القول تقليبه، ولم يكن بين أيديهم من دواعي الإنكار ما كان بين يديه. فقد أدار ابن تيمية - رحمه الله - المعركة من جديد بسلاح جديد، واستأنف البحث من حيث لم يدر سابقوه، ولم يعتمد الإمام في إنكار المجاز على الأسباب التي أعتمد عليها سابقوه بل اجتهد ما وسعه الاجتهاد في التترس بدروع أخرى، وأخذ يرمي من ورائها سهامه)), فقد كان في مواضع من كتبه هجومياً بحسب ما يتطلبه الموقف العدائي, إلا أنه في مقام آخر له كلام آخر, وفي موقف تفسيري يصير إلى وقوع المجاز. على أن المنع من وقوع المجاز بصفة عامة أو بخصوص القرآن الكريم لم يرد في مصنف لمن نسب إليه ذلك, وإنما حكي عنهم بنحو الإشارات المفيدة لمجرد المنع بإيماءات قصيرة إلى بعض الأسباب في مصنفات غيرهم, اما ابن تيمية فقد دون أقواله في مصنفاته.

فيلحظ أنه أنكر تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز في اللغة, وفسّق المفسرين وعلماء الإسلام ووصفهم بالجهل, وبقول ما لا يعلمون, ورماهم بالبدعة في الشرع؛ إذ يقول: ((ثُمَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: تَتَمَيَّزُ الْحَقِيقَةُ مِنْ الْمَجَازِ بِالاكْتِفَاءِ بِاللَّفْظِ؛ فَإِذَا دَلَّ اللَّفْظُ بِمُجَرَّدِهِ فَهُوَ حَقِيقَةٌ، وَإِذَا لَمْ يَدُلَّ إلَّا مَعَ الْقَرِينَةِ؛ فَهُوَ مَجَازٌ وَهَذَا أَمْرٌ مُتَعَلِّقٌ بِاسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي الْمَعْنَى لا بِوَضْعِ مُتَقَدِّمٍ. ثُمَّ يُقَالُ ثَانِيًا: هَذَا التَّقْسِيمُ لا حَقِيقَةَ لَهُ؛ وَلَيْسَ لِمَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا حَدٌّ صَحِيحٌ يُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا فَعُلِمَ أَنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ بَاطِلٌ وَهُوَ تَقْسِيمُ مَنْ لَمْ يَتَصَوَّرْ مَا يَقُولُ بَلْ يَتَكَلَّمُ بِلا عِلْمٍ؛ فَهُمْ مُبْتَدِعَةٌ فِي الشَّرْعِ مُخَالِفُونَ لِلْعَقْلِ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: "الْحَقِيقَةُ": اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيمَا وُضِعَ لَهُ، و "الْمَجَازُ": هُوَ الْمُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ؛ فَاحْتَاجُوا إلَى إثْبَاتِ الْوَضْعِ السَّابِقِ عَلَى الِاسْتِعْمَالِ وَهَذَا يَتَعَذَّرُ)).

وادعى أن هذا التقسيم حادث؛ إذ يقول: ((تَقْسِيمُ الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى مَعَانِيهَا إلَى " حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ " وَتَقْسِيمُ دَلَالَتِهَا أَوْ الْمَعَانِي الْمَدْلُولِ عَلَيْهَا إنْ اُسْتُعْمِلَ لَفْظُ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ فِي الْمَدْلُولِ أَوْ فِي الدَّلَالَةِ؛ فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ قَدْ يَقَعُ فِي كَلَامِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ مِنْ عَوَارِضِ الْأَلْفَاظِ)).

ويحدد وقت حدوث هذا التقسيم بأنه وقع في القرن الرابع, إذ يقول:  وَبِكُلِّ حَالٍ فَهَذَا التَّقْسِيمُ هُوَ اصْطِلَاحٌ حَادِثٌ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَلَا أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ الْمَشْهُورِينَ فِي الْعِلْمِ كَمَالِكِ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِي وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ بَلْ وَلَا تَكَلَّمَ بِهِ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ كَالْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ وَأَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ وَنَحْوِهِمْ. [وَأَوَّلُ مَنْ عُرِفَ أَنَّهُ تَكَلَّمَ بِلَفْظِ " الْمَجَازِ " أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى فِي كِتَابِهِ، ولَكِنْ لَمْ يَعْنِ بِالْمَجَازِ مَا هُوَ قَسِيمُ الْحَقِيقَةِ، وإِنَّمَا عَنَى بِمَجَازِ الآيَةِ؛ مَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الآيَةِ)).

ويتهافت في تحديد في موضع آخر فيقول: ((فإن تقسيم الألفاظ إلى حقيقة ومجاز إنما أشتهر في المئة الرابعة، وظهرت أوائله في المئة الثالثة، وما علمته موجوداً في المئة الثانية اللهم إلا أن يكون في أواخرها)).

ويظهر من نقله كلام السلف والأئمة إنكار وقوع المجاز في القرآن؛ إذ يقول: ((وأما سائر الأئمة؛ فلم يقل أحد منهم ولا من قدماء أصحاب أحمد: إن في القرآن مجازاً، لا مالك ولا الشافعي ولا أبو حنيفة)).

ويرى الدكتور المطعني إن هذه النصوص وغيرها شكلت دعائم حوار ابن تيمية وبحثه في نفي المجاز نفيا قاطعا, ويستظهر أنه لم يقف عند نفي وقوع المجاز القرآن الكريم، بل في اللغة بوجه عام, ويلخص ما أفاده ابن تيمية بأنه يدعي إن سلف الأمة لم يقولوا به، ولم يقسموا الكلام صراحة إلى حقيقة ومجاز إلا عبارة وردت عن أحمد بن حنبل, فيلجأ ابن تيمية إلى توجيهها بما يبعدها عن المراد، وينكر الوضع اللغوي على الحقيقة ويتفرع عنه المجاز, وأن التراكيب اللغوية دائماً مقيدة نوع من القيود، لينفي فكرةالمجاز؛ لأن المجازيين يقولون إن التركيب المطلق الخالي من التقييد بالقرائن المجازية حقيقة لغوية، أما المقيد بتلك القرائن فهو مجاز. ثم يؤسس لأمر هو إن المجاز نشأ وترعرع في بيئات المعتزلة والجهمية ومن وافقهم، ويسهب في مناقشة ما دل على وقوع المجاز.

على أن كل ما ذكره ابن تيمية مدفوع ومعارض بحقائق لا تقبل الجدل, فقد ثبت القول بالمجاز وإمكان وقوعه في اللغة والقرآن الكريم, بنصوص ثابتة منذ المائة الثانية, فضلا عن وقوعه حقيقة مما لا مناص منه بشهادة ما ذكره كبار المفسرين عن الصحابة والتابعين.

ويحتمل بعض الباحثين أن دوافع هذا الهجوم هو الحرص على حمل النص القرآني على حقيقته, ولسد باب التأويل لينتظم مع ما يراه في آيات الصفات وغيرها, وليتوافق مع قوله في منع التفسير بالرأي.

وهذا الكلام التعذيري يراه البحث يخلو من الدقة, فكيف يكون الحرص على حقيقة النص بإثبات عينين حقيقيتين للباري عز وجل, أو باليد, أو غيرها من الجوارح مما صار إليه ابن تيمية من تفسير؟. أما لينتظم مع ما يراه في آيات الصفات, فنعم، ولكن كيف يكون ذلك موافقا للقول بالمنع من التفسير بالرأي؟ أليس هو تفسير بالرأي أيضا؟

على أن هذا الباحث نفسه يكشف عن إخلال ابن تيمية بما يرسمه من قاعدة, بحسب ما تدعو حالة الهجوم على العلماء والمفسرين, فيقول: ((والمستعرض للآيات التي تصدى لها ابن تيمية بالتفسير يلحظ أن هذه القاعد في المجاز والحقيقة لا يلزم نفسه بها))، وساق على ذلك أمثلة.

ثم يكشف عن أن هذا التهافت ليس في جزئيات التطبيق فحسب, بل في مواضع التنظير أيضا, فيقول: ((بل مما يزيد الأمر وضوحاً والموقف بياناً ما صرّح به في بعض كتبه بقوله: "نحن نقول بالمجاز الذي قام دليله, وبالتأويل الجاري على نهج السبيل، ولم يوجد في شيء من كلامنا وكلام أحد منا: أنا لا نقول بالمجاز والتأويل، والله عند لسان كل قائل، ولكن ننكر من ذلك ما خالف الحق والصواب، وما فتح به الباب، إلى هدم السنة والكتاب واللحاق بمحرّفة أهل الكتاب، والمنصوص عن الإمام أحمد وجمهور أصحابه، أن القرآن مشتمل على المجاز، ولم يعرف عن غيره من الأئمة نص في هذه المسألة))، وبعد أن يسوق الأمثلة على صرف ابن تيمية الآيات عن ظاهرها, يخلص إلى القول بعدم التزام ابن تيمية بما بناه من نفي وقوع المجاز في القرآن؛ إذ يقول: ((وملخص القول انه لم يلتزم بما قاله بأنه لا مجاز في القرآن الكريم, بل اضطر إلى القول به عملياً, وصرّح به نظرياً)).

وهذا الانحراف في الفكر التفسيري الذي لم يتمكن متبعوه من رده والدفاع عنه, من الأمور الواضحة في تثبيت دعائم التفكير الحسي, ولكن بسلوك ملتوٍ, فهو يظهر نفيه للتشبيه والتجسيم, إذ يقول: ((فَإِنْ تَعَسَّفَ مِنْ الْمُقَلَّدِينَ مُتَعَسِّفٌ وَأَثْبَتَ الرَّبَّ سُبْحَانَهُ جِسْمًا مُرَكَّبًا مِنْ أَبْعَاضٍ مُتَأَلِّفًا مِنْ جَوَارِحَ نَقْلنَا الْكَلَامَ مَعَهُ إلَى إبْطَالِ التَّجْسِيمِ وَإِيضَاحِ تَقَدُّسِ الرَّبِّ عَنْ التَّبْعِيضِ وَالتَّأْلِيفِ وَالتَّرْكِيبِ)), ولكنه يقول بالتشبيه والتجسيم وذلك بالإضافة, أي: إنه -تعالى علوا كبيرا- له جوارح حسية ولكن بما يليق بشأنه, فله يد –سبحانه- ،ولكن لا كيد الإنسان؛ لأن ابن تيمية يرى أن نفي الجوارح عنه تعطيل, ويعد وصف الجوارح بالحسية من صفات الكمال, ولأنها ظاهر النص القرآني –كما يراه-, ((وَكُلَّمَا تَنَزَّهَ الْمَخْلُوقُ عَنْهُ مِنْ صِفَةِ نَقْصٍ فَاَللَّهُ تَعَالَى أَحَقُّ بِتَنْزِيهِهِ عَنْهُ وَكُلَّمَا ثَبَتَ لِشَيْءٍ مِنْ صِفَةِ كَمَالٍ فَاَللَّهُ تَعَالَى أَحَقُّ بِاتِّصَافِهِ بِذَلِكَ))، وهذا تفكير حسّي ماديّ إذ يرى أن مقياس الكمال ((هو الكمال في حق الآدميين والملائكة)), ويستعرض ابن تيمية الأقوال في قصة عجل السامري وأنه وصف بصفات النقص, وإن صفات النقص ينزه عنها الخالق, فالجسد والجسم على تقدير أنه منفي –أي أنه لا يسلم ذلك- فهو لا ينافي جلوسه فوق العرش, إذ يقول: ((وَحِينَئِذٍ فَإِذَا دَلَّتْ قِصَّةُ الْعِجْلِ أَوْ غَيْرِهَا عَلَى امْتِنَاعِ كَوْنِ الرَّبِّ تَعَالَى جَسَدًا أَوْ جِسْمًا؛ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ النُّصُوصِ مُنَافَاةٌ؛ بَلْ يُوصَفُ بِأَنَّهُ نَفْسُهُ فَوْقَ الْعَرْشِ وَيَنْفِي عَنْهُ مَا يَجِبُ نَفْيُهُ عَنْهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، والْمَقْصُودُ: أَنَّ الشَّرْعَ لَيْسَ فِيهِ مَا يُوَافِقُ الْنُّفَاةِ لِلْعُلُوِّ وَغَيْرِهِ مِنْ الصِّفَاتِ؛ بِوَجْهِ مِنْ الْوُجُوهِ)), ((فَلَيْسَ الْمُرَاد مِنْ الْعِجْلِ أَنَّ لَهُ بَدَنًا مِثْلُ بَدَنِ الْآدَمِيِّينَ وَلَا بَدَنًا كَأَبْدَانِ الْبَقَرِ فَإِنَّ الْعِجْلَ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ)), ويرى أن الجسد والجسم إنما يكون من صفات النقص إذا كان لا يشتمل على الحياة, إذ يقول: ((وَهُوَ فِي الْقُرْآنِ يُرَادُ بِهِ الْجَسَدُ الْمُصْمَتُ الْمُتَلَاصِقُ الْمُتَكَاثِفُ أَوْ الَّذِي لا حَيَاةَ فِيهِ)), ويوضح ذلك بقوله: (( وَقَالَ تَعَالَى: {فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ} كَأَنَّهُ عِجْلٌ مُصْمَتٌ لَا جَوْفَ لَهُ، وقَدْ يُقَالُ: إنَّهُ لَا حَيَاةَ فِيهِ خَارَ خورة، ولَمْ يَقُلْ عِجْلًا لَهُ جَسَدٌ لَهُ بَدَنٌ لَهُ جِسْمٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ كُلَّ عِجْلٍ لَهُ جَسَدٌ هُوَ بَدَنُهُ وَهُوَ جِسْمُهُ وَالْعِجْلُ الْمَعْرُوفُ جَسَدٌ فِيهِ رُوحٌ، والْمَقْصُودُ: أَنَّ مَا أَخْرَجَهُ كَانَ جَسَدًا مُصْمَتًا لَا رُوحَ فِيهِ حَتَّى تَبَيَّنَ نَقْصُهُ وَأَنَّهُ كَانَ مَسْلُوبَ الْحَيَاةِ وَالْحَرَكَةِ، وقَدْ رُوِيَ: أَنَّهُ إنَّمَا خَارَ خورة وَاحِدَةً وَقَدْ يُقَالُ: إنْ أُرِيدَ بِالْجَسَدِ الْمُصْمَتُ أَوْ الْغَلِيظُ وَنَحْوُهُ فَلِمَ قِيلَ إنَّ ذَلِكَ ذَكَرَ لِبَيَانِ نَقْصِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ؛ بَلْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ضَلُّوا بِهِ وَإِنَّمَا كَانَ النَّقْصُ مِنْ جِهَةِ {أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا} وَقَدْ يُقَالُ: إذَا كَانَ لَا حَيَاةَ فِيهِ فَالنَّقْصُ كَانَ فِيهِ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ الْحَيَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ؛ لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ لَهُ بَدَنٌ أَوْ لَيْسَ لَهُ بَدَنٌ؛ فَالْآدَمِيُّ لَهُ بَدَنٌ، ولَوْ أَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا كَسَائِرِ الْعُجُولِ أَوْ آدَمِيًّا كَامِلًا أَوْ فَرَسًا حَيًّا أَوْ جَمَلًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْحَيَوَانِ: لَكَانَ أَيْضًا لَهُ بَدَنٌ وَلَكِنَّ ذَلِكَ أُعْجُوبَةٌ عَظِيمَةٌ وَكَانَتْ الْفِتْنَةُ بِهِ أَشَدَّ؛ وَلَكِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَيَّنَ أَنَّ الْمُخْرَجَ كَانَ مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ النَّقْصِ يُحَقِّقُ ذَلِكَ)), ويؤكد ذلك بقوله: ((فَلَمْ يَذْكُرْ فِيمَا عَابَهُ بِهِ كَوْنَهُ ذَا جَسَدٍ؛ وَلَكِنْ ذَكَرَ فِيمَا عَابَهُ بِهِ {أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا} وَلَوْ كَانَ مُجَرَّدَ كَوْنِهِ ذَا بَدَنٍ عَيْبًا وَنَقْصًا لَذَكَرَ ذَلِكَ. فَعُلِمَ أَنَّ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى نَقْصِ حُجَّةِ مَنْ يَحْتَجُّ بِهَا عَلَى أَنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ ذَا بَدَنٍ عَيْبًا وَنَقْصًا)), فعدم القدرة على الكلام والمحاورة هو النقص, أما الجسدية والجسمية فليست من صفات النقص, ويخلص إلى القول: ((وَبِالْجُمْلَةِ: مَنْ ذَكَرَ أَنَّ الْقُرْآنَ دَلَّ عَلَى هَذَا وَهَذَا هُوَ الْعَيْبُ الَّذِي عَابَهُ بِهِ وَجَعَلَهُ دَلِيلًا عَلَى نَفْيِ إلَهِيَّتِهِ؛ فَقَدْ قَالَ عَلَى الْقُرْآنِ مَا لا يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ بَلْ هُوَ عَلَى نَقِيضِهِ أَدَلُّ)).

فماذا يريد أن يقول؟

الجواب, هو قوله: ((ويقولون: بل قامت القواطع العقلية على نقيض هذا المطلوب، وأن الموجود القائم بنفسه لا يكون إلا جسمًا، وما لا يكون جسمًا لا يكون إلا معدومًا، ومن المعلوم أن هذا أقرب إلى الفطرة والعقول من الأول)), هذا هو رأيه.

بل يرى أن نفي الجسمية عيب, ففي ردّه على من أسماهم بالمعطلة, يقول: ((وَلا رَيْبَ أَنَّ هَذَا حَقِيقَةُ قَوْلِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُنَزِّهُونَ الرَّبَّ بِنَفْيِ الْجِسْمِ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُمْ مَعَ هَذَا النَّفْيِ إذَا نَفَوْا الْجِسْمَ وَمَلازِيمَهُ، وَقَالُوا لا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلا خَارِجَهُ. فَيَعْلَمُ أَهْلُ الْعُقُولِ أَنَّهُمْ لَمْ يُثْبِتُوا شَيْئًا قَائِمًا بِنَفْسِهِ مَوْجُودًا، بَلْ يُقَالُ هَذَا الَّذِي أَثْبَتُّمُوهُ شَبَحٌ؛ أَيْ: خَيَالٌ, كَالْخَيَالِ الَّذِي هُوَ ظِلُّ الأَشْخَاصِ، وَكَالْخِيَالِ الَّذِي فِي الْمِرْآةِ وَالْمَاءِ)).

على أنه يقول أن إثبات الجوارح لله ليست تجسيماً!, إذ يقول: ((وَجَبَ أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِمَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنْ الْأَيْدِي وَغَيْرِهَا, وَلا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ أَجْسَامًا وَلا يَكُونُ تَجْسِيمًا)).

ومعنى هذا أنه –سبحانه- جسم له يد وعينان وجنب وأرجل...، وغير ذلك من الجوارح, ولكنها ليست أجساماً, وهو –تعالى- يفرح ويغضب، وينزل ويصعد, وليس ذلك تشبيهاً !  فما هو؟

إن مقياس ابن تيمية مقياس ضال، لأنه يقيس على ما يعرفه معرفة حسّية, ويحاول أن يثبت مماثلته تعالى بمخلوقاته, فهو يصرح بإمكان قياسه بمخلوقاته, ويقول ما من شيئين إلا وبينهما مماثلة بوجه من الوجوه, بمعنى أنه منغمس في التفكير الحسي في تفسير آيات الصفات والأفعال, بمماثلة صفات الخالق تعالى بصفات البشر.




المطلب الثاني: مخالفاته للسنة النبوية الشريفة.

الأول: مقام النبوة.

مما يؤاخذ على ابن تيمية تطاوله على مقام النبوة بصورة عامة, ومقام نبينا محمد "صلى الله عليه وآله, ومن ذلك إنه يقول: ((التَّائِبُ مِنْ الْكُفْرِ وَالذُّنُوبِ قَدْ يَكُونُ أَفْضَلَ مِمَّنْ لَمْ يَقَعْ فِي الْكُفْرِ وَالذُّنُوبِ؛ وَإِذَا كَانَ قَدْ يَكُونُ أَفْضَلَ. فَالْأَفْضَلُ أَحَقُّ بِالنُّبُوَّةِ مِمَّنْ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الْفَضِيلَةِ))، ليؤسس إلى أن الأنبياء منهم من كان كافراً, ومنهم من أذنب, ويمثل لذلك بأخوة يوسف "عليه السلام", وتنظيره هذا يبتني على أن أخوة يوسف أنبياء, وهو مما ردّه كبار المفسرين ومن تبعهم, بل ردّه ابن تيمية نفسه, إذ جاء في جوابه عن كونهم أنبياءً أم لا, ما نصه: ((الذي يدلُّ عليه القراَنُ واللغةُ والاعتبار أن إخوةَ يوسف ليسوا بأنبياء، وليس في القرآن ولا عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بل ولا عن أصحابه خبرٌ بأن الله تعالى نبَّأهم....فالأسباط من بني إسرائيل كالقبائل من بني إسماعيل...، والأسباط حفدة يعقوب ذَرارِي أبنائه الاثنَي عشر، وقال تعالى: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ* وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً}· ، فهذا صريحٌ في أن الأسباط هم الأمم من بني إسرائيل، كلُ سِبْطٍ أمةٌ، لا أنهم بَنُوه)).

بل حمل على من ادعى أنهم أنبياء؛ إذ قال: ((فتخصيصُ الآية ببنيه

لصلبه غلط، لا يدلُّ عليه اللفظُ ولا المعنى، ومن ادّعاه فقط أخطأ خطأً بيِّنًا)).

بهذا يكون قد نقض غزله, فسقط ما بناه وتهاوى على أسه.

أما المثال الذي استشهد به على سبق الكفر, فهو نبي الله شعيب "عليه السلام", وذلك لما ورد في قوله تعالى: {قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ}, بتوجيه كونه كان على ملتهم ونجاه اله تعالى من الكفر الذي كان عليه, مفيداً ذلك من كلمة "عدنا" ((فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا فِيهَا)) و "نجانا", ((فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ أَنْجَاهُمْ مِنْهَا بَعْدَ التَّلَوُّثِ بِهَا؛ وَلِقَوْلِهِ: {وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا}, وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عَائِدًا عَلَى قَوْمِهِ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ فِيهِ بِقَوْلِهِ: {لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ} وَلِأَنَّهُ هُوَ الْمُحَاوِرُ لَهُ بِقَوْلِهِ: {أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} إلَى آخِرِهَا وَهَذَا يَجِبُ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ الْمُتَكَلِّمُ وَمِثْلُ هَذَا فِي سُورَةِ إبْرَاهِيمَ)), ويتضح مبناه من قوله: ((التحقيق أن الله سبحانه إنما يصطفى لرسالته من كان خيار قومه حتى في النسب كما في حديث هرقل, ومن نشأ بين قوم مشركين جهال لم يكن عليه نقص إذا كان على مثل دينهم إذا كان معروفا بالصدق والأمانة وفعل ما يعرفون وجوبه وترك ما يعرفون قبحه, قال تعالى "وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا"·, فلم يكن هؤلاء مستوجبين العذاب وليس في هذا ما ينفر عن القبول منهم ولهذا لم يذكره أحد من المشركين قادحا وقد اتفقوا على جواز بعثة رسول لا يعرف ما جاءت به الرسل قبله من النبوة والشرائع وإن من لم يقر بذلك بعد الرسالة فهو كافر)).

فقوله من خيار قومه ويفعل ما يجب عندهم, يعني على ملة الكفر بأعلى درجاتها, وأنه لا يضره الشرك, بمعنى أنه مشرك, وانه لا يعلم من الدين شيء, فهو جاهل.وما ذلك منه إلا بعد أن تجرأ على الله تعالى, فمقام النبوة أسهل.

ويقال في ((جوابه: العود إلى الشيء قد يستعمل فيما لم يكن فيه قط، فإن الله تعالى سمى القيامة معادا وإن لم تكن فيها، وكذلك النجاة قد تستعمل فيما لم تكن فيه، فإن السالم مما ابتلى به غيره قد يقول: الحمد لله الذي نجانا مما ابتلى به فلانا)).

وينفع في مقام الرد النكتة التي ذكرها ابن كثير ((ت774هـ)), بقوله: ((هؤلاء - يعني أصحاب الأيكة- هم أهل مدين على الصحيح وكان نبي الله شعيب من أنفسهم وإنما لم يقل ههنا, أخوهم شعيب لانهم نسبوا إلى عبادة الأيكة وهي شجرة وقيل شجر ملتف كالغيضة كانوا يعبدونها, فلهذا لما قال: "كذب أصحاب الأيكة المرسلين" لم يقل: إذ قال لهم أخوهم شعيب, وإنما قال: "إذ قال لهم شعيب", فقطع نسب الأخوة بينهم للمعنى الذي نسبوا إليه وإن كان أخاهم نسبا)). بمعنى أن لا صلة له بهم بالكفر, بل أخوهم بالنسب أو الوطن.

وقد ورد عن النبي "صلى الله عليه وآله", قوله: ((ما كفر بالله نبي قط)), فهو يفيد نفي الكفر عن الأنبياء في جميع الأزمنة, لأن ((قَط؛ ظرفٌ للماضي على سبيل الاستغراق، يَستغرقُ ما مضى من الزَّمان، واشتقاقُهُ من "قَطَطتُهُ" -أي قطعته- فمعنى "ما فعلتُهُ قطُّ"؛ ما فعلتُهُ فيما انقطعَ من عُمري، ويُؤتى به بعدَ النفي أو الاستفهام للدلالة على نفي جميع أجزاءِ الماضي، أو الاستفهامِ عنها)).

وهذا بعض ما قدح به ابن تيمية مقام النبوة, وكأن الرسالات لم تكن متوالية متواترة من الله تعالى, وكأنه تعالى لم يذكر ميثاق الأنبياء, أو لم يكن الأنبياء ذرية بعضها من بعض، ثم ما ضرورة هذا القدح في عصمة الأنبياء, ومقام النبوة؟ وماذا يترتب عليه من أثر؟ 

وما مقتضي تخطئة المفسرين والانحراف عنهم في فهم القرآن الكريم؟

ولعله تمهيد للقدح بالنبي محمد "صلى الله عليه وآله" وأهل بيته "عليهم السلام".

 الثاني: القدح بالنبي محمد "صلى الله عليه وآله"

بعد أن المع البحث إلى تطاول ابن تيمية على مقام الجلالة فنسب إلى الله تعالى ما لا يليق, وكذا على مقام النبو ة والأنبياء, ثم يلحظ البحث ما أطلق به قلمه من الجرأة بما يسيء إلى مقام رسول الله محمد "صلى الله عليه وآله" ويطعن بشخصه الكريم، وهو شيء كبير وكثير, يكتفي البحث بنموذج منها:


رمي النبي "صلى الله عليه وآله" بالعصيان والتطاول على شخصهُ.

وذلك في ضوء تصويره لحزن الرسول الأكرم "صلى الله عليه وآله", بناءً على أن الحزن مذموم في نفسه؛ وإن كان هناك ثواب فإنما هو على ما يقترن بالحزن, فلا يكون الحزن ممدوحا بنفسه؛ لأن الله تعالى لم يأمر به, بل نهى عنه؛ لأن الحزن بحسب ابن تيمية لا فائدة منه ((وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَجْلِبُ مَنْفَعَةً وَلَا يَدْفَعُ مَضَرَّةً فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ, وَمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ لا يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ)), مع أنه يمكن إثبات فوائد للحزن.

1- الحزن أمر مذموم عند أبن تيمية.

فالحزن عند ابن تيمية, من أمراض القلوب, منهي عنه حتى لو تعلق بأمر من أمور الدين, إذ يقول: ((وَأما الْحزن فَلم يَأْمر الله بِهِ وَلا رَسُوله, بل قد نهى عَنهُ فِي مَوَاضِع وَإِن تعلق أَمر الدّين بِهِ)). فالحزن غير مأمور به, بل منهي عنه، ولم يبين نوع هذا النهي.

 2- قد لا يأثم صاحب الحزن.

بعد أن قال أن الحزن منهي عنه, استدرك, بأنه قد لا يأثم؛ إذ قال: ((نعم لا يَأْثَم صَاحبه إِذا لم يقْتَرن بحزنه محرم)).

3- قد يثاب صاحب الحزن على حزنه.

فتنزّل ابن تيمية عن قوله "وإن تعلق أمر الدين به", ليقول: ((وَقد يقْتَرن بالحزن مَا يُثَاب صَاحبه عَلَيْهِ ويحمد عَلَيْهِ وَيكون مَحْمُودًا من تِلْكَ الْجِهَة لَا من جِهَة الْحزن كالحزين على مُصِيبَة فِي دينه وعَلى مصائب الْمُسلمين عُمُوما فَهَذَا يُثَاب على مَا فِي قلبه من حب الْخَيْر وبغض الشَّرّ وتوابع ذَلِك)). فالثواب ليس على الحزن, إنما على حب الخير وبغض الشر.

فإذا كان الأمر كذلك, لماذا نهى الله أنبياءه "عليهم السلام" عن الحزن في الآيات التي استشهد بها ابن تيمية؟ ألم يكن حزنهم مقترنا بحب الخير وبغض الشر؟ لعل الجواب في الفقرة اللاحقة من كلامه.

4- الحزن المقترن بحب الخير وبغض الشر, قد يكون منهيا عنه أيضا.

إذ يستدرك على الحزن المقترن بحب الخير وبغض الشر, بقوله: ((وَلَكِن الْحزن على ذَلِك إِذا أفْضى إِلَى ترك مَأْمُور من الصَّبْر وَالْجهَاد وجلب مَنْفَعَة وَدفع مضرَّة منهي عَنْهَا, وَإِلا كَانَ حسب صَاحبه رفع الإِثْم عَنهُ من جِهَة الْحزن))، وقد يرفع ابن تيمية الإثم عنه بحسب مقامه, كما في النقطة الآتية.

5- الحزن المذموم من جهة وممدوح من جهة.

((وَأما إِن أفْضى إِلَى ضعف الْقلب واشتغاله بِهِ عَن فعل مَا أَمر الله وَرَسُوله بِهِ كَانَ مذموما عَلَيْهِ من تِلْكَ الْجِهَة وَإِن كَانَ مَحْمُودًا من جِهَة أُخْرَى)).

وبعد هذا التفصيل المشتمل على التهافت الواضح, نلحظ أن ابن تيمية ولأجل أن يردّ على الرافضة –كما يحلو له أن يسميهم- ليتظاهر بأنه يدافع عن أبي بكر ((رض)) الذي لم يسلم من لسانه, فيلجا إلى التطاول على النبي "صلى الله عليه وآله" وبضعته الزهراء "عليها السلام", فيقول: ((إِنَّ حُزْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا كَانُوا يَقُولُونَ مِنَ الْكُفْرِ كَانَ طَاعَةً لِلَّهِ قَبْلَ أَنْ يَنْهَاهُ اللَّهُ كَمَا كَانَ حُزْنُ أَبِي بَكْرٍ طَاعَةً لِلَّهِ قَبْلَ أَنْ يَنْهَاهُ عَنْهُ، وَمَا حَزِنَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ مَا نَهَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْحُزْنِ·، فَكَيْفَ وَقَدْ يُمْكِنُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَكُنْ حَزِنَ يَوْمَئِذٍ؟، لَكِنْ نَهَاهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ حُزْنٌ)).

فالنبي "صلى الله عليه وآله", قد حزن قبل أن ينهاه الله, وبعد أن نهاه, كما سيأتي.

وأما أبو بكر يمكن أن لا يكون حزن, وإنما نهاه الرسول أن يكون منه حزن. ((لَيْسَ فِي نَهْيِهِ عَنِ الْحُزْنِ مَا يَدُلُّ عَلَى وُجُودِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، بَلْ قَدْ يَنْهَى عَنْهُ لِئَلَّا يُوجَدَ إِذَا وُجِدَ مُقْتَضِيهِ وَحِينَئِذٍ فَلَا يَضُرُّنَا كَوْنُهُ مَعْصِيَةً لَوْ وُجِدَ فَالنَّهْيُ قَدْ يَكُونُ نَهْيَ تَسْلِيَةٍ وَتَعْزِيَةٍ وَتَثْبِيتٍ))

ثم إن أبا بكر لم يحزن بعد هذا النهي. ((لَوْ قُدِّرَ أَنَّ الْحُزْنَ كَانَ مَعْصِيَةً فَهُوَ فَعَلَهُ قَبْلَ أَنْ يُنْهَى عَنْهُ فَلَمَّا نُهِيَ عَنْهُ لَمْ يَفْعَلْهُ، وَمَا فُعِلَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ فَلَا إِثْمَ فِيهِ كَمَا كَانُوا قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ يَشْرَبُونَهَا وَيُقَامِرُونَ فَلَمَّا نُهُوا عَنْهَا انْتَهَوْا)).

أما النبي "صلى الله عليه وآله", فإنه بحسب ابن تيمية قد حزن, ونهاه الله تعالى أكثر من مرّة, ثم يعود, وينهاه مرّة بعد مرّة، وذلك يتضح من استشهاده بآيات نهي الله تعالى فيها النبي"صلى الله عليه وآله",  عن الحزن.

ومن عجائب التنظير بعد أن تقدم منه أن الحزن عيب ومن أمراض القلوب, يلحظ من قوله إذا كان الحزن عيبا فالأولى أن ينسب للأنبياء "عليهم السلام", لا إلى أبي بكر, ((إِذْ لَوْ كَانَ حُزْنُ أَبِي بَكْرٍ عَيْبًا عَلَيْهِ لَكَانَ ذَلِكَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَمُوسَى عَلَيْهِمَا الصَّلاةُ وَالسَّلَامُ عَيْبًا)).

ومعنى ذلك أن النبي "صلى الله عليه وآله" تكرر منه, ولا يدرى ماذا يريد أن يقول ابن تيمية, إن التكرار بعد النهي كان عصيانا أم ضعفاً؟

وهذا التساؤل يجيب على نصفه الدكتور محمود السيد صبيح بقوله: (( أفعصى رسول الله ربه عدة مرات فنهاه عدة مرات؟ أم أن المقصود بـ "لا تحزن عليهم"؛ هو عزاء وتطييب لخاطر النبي وليس طاعة ومعصية كما يفهم ابن تيمية وإلا أصبحت مصيبة...، ولكن ذلك ليس بمصيبة عند ابن تيمية؛ لأن الأنبياء عنده غير معصومين ويجوز عليهم الوقوع في المعاصي))

بل يلحظ انه يعد حزنه عبثا, وفقد أمره الله تعالى ((أَلَّا يَحْزَنَ عَلَيْهِمْ وَلَا يَجْزَعَ عَلَيْهِمْ فَإِنَّ مَعَاصِيَهُمْ لَا تَضُرُّهُ إذَا اهْتَدَى, وَالْحُزْنُ عَلَى مَا لَا يَضُرُّ عَبَثٌ, وَهَذَانِ الْمَعْنَيَانِ مَذْكُورَانِ فِي قَوْلِهِ: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ})).

ولذا يقول الدكتور محمود السيد صبيح: ((دائما يوقع ابن تيمية نفسه في متاهات, فبمفهوم كلامه السابق فإن النبي "صلى الله عليه وآله" قد عصى كثيرا... لقوله: "حزن رسول الله...))، ويعني ذلك توهين شخصية النبي "صلى الله عليه وآله", في ضوء رميه بالعصيان –حاشاه- بل هو سيد البشر كامل الأخلاق وتام الاتساق مع شرعه الحنيف, فهو الذي قال فيه خالقه جل وعلا" ((وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)).

وأما النصف الآخر من الجواب فعلى ما فعله ابن تيمية, فيمكن تصوره من وحدة الطريقة بينه مثلاً وبين أعداء الإسلام الذين طعنوا في شخص الرسول الأكرم "صلى الله عليه وآله" عن طريق تمجيد الصحابة, ولكن ليس غايتهم تمجيدهم بل قصدهم النيل من رتبة النبي "صلى الله عليه وآله".

فلو لحظنا ماذا كتبوا في شخص أبي بكر مثلا, لوجدنا الفكرة التي كتب بها ابن تيمية نفسها؛ فهذا المستشرق هربرت جورج ويلز: ((إن روح الإسلام الحقة لم تتجسد في محمد فقط, وإنما في صديقه الحميم ونصيره أبي بكر, ولا يقوم أدنى شك في إنه إن كان محمد هو العقل المفكر والخيال الخصب للإسلام البدائي, فقد كان أبو بكر ضميره وإرادته)), وهذا القول يصور الإسلام دينا وضعيا لا سماويا يعتمد على الوحي في ضوء إشراك أبي بكر مع الرسول في أمر الإسلام وتشكيله من خيال وأوهام.

وترقى رونالد فيكتور بودلي فيقول: ((كان أقرب أصدقاء محمد إليه عبد الله بن عثمان, ولا يعرفه أحد بهذا الاسم, كان يطلق عليه الصديق, وغالبا ما يسمى أبا بكر....، وكان سريع الخاطر ذكياً, ومع أنه كانت تنقصه حماسة محمد العاطفية, كان أعظم منه شخصية في بعض النواحي)). بأي شيء يعلق المنصف على انطباق هذا الكلام مع كلام ابن تيمية؟

ويقول كليمان هوار عن أبي بكر: ((استطاع في كثير من الأوقات بفضل سداد رأيه أن يحول بين النبي وبين الاندفاع في الأمور)), وهو بعد عدة اسطر يشنع على أبي بكر عن طريق فضيحة ابنته التي يصفها بالمرأة الصغيرة الطائشة، ويقصد السيدة عائشة ، وهو قبل النص المذكور عرّض به إذا قال: ((كني بأبي بكر, وهي الكنية التي حرفها أعداؤه سخرية به إلى أبي فصيل)), مشيرا إلى تعريض أبي سفيان وغيره به إذ كانوا يكنونه أبا فصيل يعرضون بكنيته بالبِكر، وهذا ينافي تبجيله الذي حكاه هذا المستشرقون وأنه كان مرموقا في المجتمع يتمتع بخصال حميدة, فيظهر منه أنه عندما يريدون يحط من قدر النبي يرفع أبا بكر, ويساويه بالنبي "صلى الله عليه وآله", ويفضلونه بعضهم عليه, ثم يتاهوون بمنزلة أبي بكر. 

يتضح من هذا المنهج ماذا يريد المستشرقون من هذا, وما الذي يرمون إليه, إنها الحرب على الإسلام بشخص نبيه محمد "صلى الله عليه وآله". يقول الدكتور سعد بن عبد الله الماجد –وهو ينتمي إلى مدرسة ابن تيمية-, معلقا على المفاضلات التي ذكرها المستشرقون من يهود ونصارى, بين النبي "صلى الله عليه وآله", وبين أبي بكر ، إذ يصف المفاضلة والمقارنة هذه بأنها محض كيد للغض من منزلة الرسول "صلى الله عليه وآله", ويقول قلبنا الأمر فلا يرضى اليهود والنصارى أن يفاضل بين موسى "عليه السلام" وأصحابه, أو بين عيسى "عليه السلام" وأصحابه, فلا يمكن أن يرضى المسلمون بهذا الأمر بحق نبيهم.

ولكن كيف يرتضيه من ابن تيمية؟

ومهما يكن من أمر فإن النتيجة واحدة, والله العالم باتحاد الغاية.

((وخطة الشيطان تشبه خطة بلعم بن باعوراء في نصيحته لقومه...، ولبيان ذلك والتدليل على أن ابن تيمية يتكلم اما بغير علم –وهذا الاحتمال يرفضه التيميون؛ حيث يرون أنه الأعلم الأوحد على الإطلاق-، وأما أنه يقع بعلم أو بجهل بحق رسول الله "صلى الله عليه وآله", وإن عنده ضغينة لرسول الله وأهل بيته الأطهار)).

ثم بعد هذا الذي تقدم من ابن تيمية, من الحط من منزلة النبي "صلى الله عليه وآله", فكيف تبقى قيمة لسنته؟.

ويرى البحث إن مخالفات ابن تيمية لصريح السنة وتحريفه للحديث الشريف, ورد ما لا يتسق مع توجهاته من الاستعانة بالنبي "صلى الله عليه وآله حيا, والاستغاثة به ميتا, دون ما ذكرنا من توهين النبي "صلى الله عليه وآله", فيكتفي بما تقدم. 

المطلب الثالث: مخالفتة لإجماع العلماء .

قبل الخوض في مخالفات ابن تيمية لجماهير العلماء وخرقه الإجماع ينبغي للبحث التعرف على هذا المصطلح ليتبين مدى مخالفة ابن تيمية له, ثم نستجلي بعض ما خالف به ابن تيمية. 

تعريف الإجماع .

الإجماع في اللغة: 

 أصله من الجمع وهو ((ضم الشيء بتقريب بعضه من بعض. يقال: جمعته فاجتمع))، ولذا فالإجماع هو ((جعل الأمر جميعا بعد تفرقه)) ومن هذا الباب إجماع الأمة يكون بمعنى اتفاقها على رأي أو قول, فالإجماع، ((أي إجماع الأمة: الاتفاق، يقال: هذا أمر مجمع عليه: أي متفق عليه، وقال الراغب: أي اجتمعت آراؤهم عليه))، ويأتي الإجماع بمعنى الإعداد؛ يقال: ((أجمعت كذا، أي أعددته)), ويأتي بمعنى العزم, أي ((العزم على الأمر والإحكام عليه))، وقد أخد المعنى الاصطلاحي من ضم الأقوال إلى بعضها, فهو بمعنى الاتفاق, إلا أنه اتفاق خاص.

أما في الاصطلاح: فللإجماع تعريفات عدة بحسب الاختلاف في المباني, وليس ذلك محط نظر البحث؛ لأن الكلام في مخالفة ابن تيمية للإجماع, فينبغي النظر إلى ما بنى عليه هو نفسه.

والإجماع عند ابن تيمية, ((أَنْ تَجْتَمِعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى حُكْمٍ مِنْ الأَحْكَامِ)).

وعن دليل حجية الإجماع يقول: ((إِنَّ الْأُمَّةَ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلَالَةٍ)). أي بدلالة قوله تعالى: ((وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)), إذ قال: ((والآية المشهورة التي يحتج بها على الإجماع قوله: "ومن يشاقق الرسول...)), وبدلالة الحديث وهو ماروي عنه "صلى الله عليه وآله": ((سألت الله عز وجل أن لا يجتمع أمتي على ضلالة فأعطانيها)), إذ قال: ((إن الرسول بين جميع الدين بالكتاب والسنة وأن الإجماع - إجماع الأمة - حق؛ فإنها لا تجتمع على ضلالة)).

وبمنزلة الإجماع في الحجية, قول الصحابة, ((وَأَمَّا أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ فَإِنْ انْتَشَرَتْ وَلَمْ تُنْكَرْ فِي زَمَانِهِمْ فَهِيَ حُجَّةٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ)), فكأنما قول الصحابي الذي لم ينكر في عصرهم, فهو ما معناه : (كالاستصحاب السكوتي).

حكم الإجماع عنده: وجوب الاتباع, وعدم جواز المخالفة: إذ يقول: ((وَإِذَا ثَبَتَ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى حُكْمٍ مِنْ الأَحْكَامِ لَمْ يَكُنْ لأَحَدٍ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ إجْمَاعِهِمْ)).

حكم مخالف الإجماع؛ عند ابن تيمية أنه كافر, من أهل النار؛ ((لأن كل ما أجمع عليه المسلمون فإنه يكون منصوصا عن الرسول فالمخالف لهم مخالف للرسول كما أن المخالف للرسول مخالف لله ولكن هذا يقتضي أن كل ما أجمع عليه قد بينه الرسول؛ وهذا هو الصواب))، وعلى ذلك فإن الإجماع أصل من الأصول, وردّه على حد ردّ القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة, للتلازم بين هذه الأصول ((فإن ما دل عليه الإجماع فقد دل عليه الكتاب والسنة وما دل عليه القرآن فعن الرسول أخذ فالكتاب والسنة كلاهما مأخوذ عنه)), و((من خالف القرآن والإسلام أو من خرج عن القرآن والإسلام فهو من أهل النار ومثله قوله: "ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا", فإن الكفر بكل من هذه الأصول يستلزم الكفر بغيره فمن كفر بالله كفر بالجميع ومن كفر بالملائكة كفر بالكتب والرسل فكان كافرا بالله إذ كذب رسله وكتبه وكذلك إذا كفر باليوم الآخر كذب الكتب والرسل فكان كافرا)).

وعنده إن مخالف الإجماع أقل شيء يعزر؛ إذ قال: ((وَمَنْ أَصَرَّ عَلَى اعْتِقَادِ كَوْنِهِ قُرْبَةً فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ عَلَى ذَلِكَ لِمُخَالَفَتِهِ الْإِجْمَاعَ، هَذَا أَقَلُّ أَحْوَالِهِ))





بعض ملاحظات ابن تيمية على الإجماع.

تقدم ما حدده الشنقيطي من تحديدات الإجماع، وهو ينتمي إلى مدرسة ابن تيمية, إلا أن ابن تيمية –كما يلحظ من طريقته- لا يلتزم ضابطة, حتى وإن كان هو واضعها, فيبدو أنه قد مهّد، أو أراد تسويغ بعض مخالفاته, فذكر أمورا, منها:

1- قوله: ((وَأَمَّا أَقْوَالُ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ كَالْفُقَهَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ ؛ فَلَيْسَ حُجَّةً لَازِمَةً وَلَا إجْمَاعًا بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ بَلْ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَنَّهُمْ نَهَوْا النَّاسَ عَنْ تَقْلِيدِهِمْ)) يلحظ أن هذه النقطة وضعها، للتخلص مما وقع فيه أو لما قد يحتاجه من مخالفة, وأي علاقة للتقليد فيما إذا حصل حكم متفق عليه بينهم؟

2- ((وَلَكِنْ كَثِيرٌ مِنْ الْمَسَائِلِ يَظُنُّ بَعْضُ النَّاسِ فِيهَا إجْمَاعًا وَلَا يَكُونُ الأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ يَكُونُ الْقَوْلُ الْآخَرُ أَرْجَحَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ))، ذلك لأجل أن ينفي حصول الإجماع على الحكم المجمع عليه إن ضاق به الأمر, ومعنى ذلك أنهم إذا أجمعوا على أمر ورأى هو أن فهمه لما في القرآن والسنة غير ما فهموه, وفهمه –بطبيعة الحال- هو الراجح، وإذا لم يكن الأمر كذلك؛ فمعنى كلامه أن ما أجمعوا عليه مخالف للقرآن الكريم والسنة المطهرة, ولازم ذلك أن الأئمة الأربعة خالفوا صريح القرآن المجيد والسنة الشريفة ! ولا شك أن كلا الأمرين غير تام، ولاسيما قد جاء في المسودة؛ ((إذا تأول أهل الإجماع الآية بتأويل ونصوا على فساد ما عداه, لم يجز إحداث تأويل سواه, وإن لم ينصوا على ذلك؛ فقال بعضهم: يجوز إحداث تأويل ثان إذا لم يكن فيه إبطال الأول, وقال بعضهم: لا يجوز ذلك كما لا يجوز إحداث مذهب ثالث, وهذا هو الذي عليه الجمهور ولا يحتمل مذهبنا غيره)).

وبعد أن تبين معنى الإجماع ودليله وحكمه، وحكم من خالفه, فسيسلط البحث الضوء على ما خالف به الجمهور, وما خرق به الإجماع صريحا.







ثالثا: المخالفات.

ذكر لابن تيمية كثيرا من المخالفات لأهل البيت "عليهم السلام" والصحابة الكرام, ولعلماء الأمة ولاسيما أئمة المذاهب الأربعة، ويكتفي البحث بما نقل عنه من ذلك, وإلا فهي كثيرة متناثرة في كتبه.

وقد ذكر بعض مخالفاته جملة من العلماء, منهم:

1- السبكي ((ت756هـ)): إذ قال: ((أما بعد، فإنه لما أحدث ابن تيمية ما أحدث في أصول العقائد، ونقض من دعائم الإسلام الأركان والمعاقد، بعد أن كان مستترا بتبعية الكتاب والسنة، مظهرا أنه داع إلى الحق هاد إلى الجنة، فخرج عن الاتباع إلى الابتداع، وشذ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع))، وقال: ((وأما ما أحدثه في الفروع فأمرٌ قد عمَّت به البلوى، وهو الإفتاء في تعليق الطلاق على وجه اليمين بالكفارة عند الحنث...، وتعدى إلى القول بأن الثلاثَ لا تقع مجموعة إذا أرسلها الزوج على الزوجة))، ثم ذكر في فصول كتابه الثلاثة بيان حكم المسائل, وما يدفع الاستدلال, والجواب عنه تفصيلا.

2- ولي الدين العراقي ((ت826هـ)): إذ قال: ((أداه اجتهاده إلى خرق الإجماع في مسائل كثيرة, قيل: إنها تبلغ ستين مسألة)).

3- صلاح الدين العلائي ((ت761 هـ)), إذ نقل عنه ابن طولون ((ت953هـ)) المسائل الذي خالف فيها ابن تيمية الناس في الاصول والفروع, ((فمنها ما خالف فيها الإجماع، ومنها ما خالف فيها الراجح من المذاهب)).

وعد من هذه المسائل :

أ- يمين الطلاق, قال بأنه لا يقع عند وقوع المحلوف عليه بل عليه فيها كفارة يمين ولم يقل قبله بالكفارة أحد من المسلمين البتة.

ب-إن طلاق الحائض  عند الإمامية طلاق الحائض لا يقع وكذلك لايقع الطلاق في طهر جامع فيه زوجته.

ج- إن الطلاق الثلاث يرد إلى واحدة, وكان قبل ذلك قد نقل إجماع المسلمين في هذه المسألة على خلاف ذلك وإن من خالفه فقد كفر ثم إنه أفتى بخلافه وأوقع خلقا كثيرا من الناس فيه.

د- إن الحائض تطوف في البيت من غير كفارة وهو مباح لها.

هـ- إن المكوس حلال لمن أقطعها وإذا أخذت من التجار أجزتهم عن الزكاة وإن لم تكن باسم الزكاة ولا على رسمها. 

و- إن المائعات لا تنجس بموت الفأرة ونحوها فيها.

ز- إن الجنب يصلي تطوعه بالليل بالتيمم ولا يؤخره إلى أن يغتسل عند الفجر وإن كان بالبلد. 

ح- القول بجواز التيمم مع القدرة على الغسل, إذ سئل عن رجل قدم فراشا لأمير فتجنب بالليل في السفر ويخاف إن اغتسل عند الفجر أن يتهمه أستاذه بغلمانه فأفتاه بصلاة الصبح بالتيمم وهو قادر على الغسل.

ط- عدم اعتبار شرط الواقف, إذ سئل عن شرط الواقف فقال غير معتبر بالكلية بل الوقف على الشافعية يصرف إلى الحنفية وعلى الفقهاء يصرف إلى الصوفية وبالعكس، وكان يفعل هكذا في مدرسته فيعطي منها الجند والعوام، ولا يحضر درسا على اصطلاح الفقهاء وشرط الواقف بل يحضر فيها ميعادا يوم الثلاثاء ويحضره العوام ويستغني بذلك عن الدرس. 

ك- القول بجواز بيع أمهات الأولاد, إذ سئل عن جواز بيع أمهات الأولاد فرجحه وأفتى به.

وقد ذكر جملة من المسائل التي انفرد بها وشذ عن الجمهور مما يتعلق بالأصول. 

وقد تواتر عنه شذوذه ومخالفته في تبديع زيارة قبر النبي "صلى الله عليه وآله", بل عدّ ذلك شركا وكفرا، وقد رد عليه السبكي في كتابه "شفاء السقام في زيارة خير الأنام", قال فيه: ((ولم ينكر أحد ذلك من أهل الأديان، ولا سمع به في زمن من الأزمان، حتى جاء ابن تيمية فتكلم في ذلك بكلام يلبس فيه على الضعفاء الأغمار، وابتدع ما لم يسبق إليه في سائر الأعصار))، مع قول ابن تيمية بجواز قبر الكافر.

هذا وغيره من المخالفات ولاسيما لإجماع أئمة المذاهب الأربعة, فإنه يقول: ((فَالأَخْذُ بِقَوْلٍ سَائِغٍ فِي ذَلِكَ خَيْرٌ مِنْ الدُّخُولِ فِيمَا يُخَالِفُ الإِجْمَاعَ)).

وهذه المخالفات تشير إلى انحراف واضح, كان نتيجة عوامل عدة، وتلك الانحرافات العظيمة فيما يتعلق بالباري عز وجل, والأنبياء, والسنة الشريفة, والانتهاكات الجلية لحرمة العلماء والطعن فيهم, ما هو هدفها وما الغاية منها؟ فقد ترتبت عليها مفاسد جمة؛ من نزاع وصراع, وفتن كبرى, فأزهقت بسببها نفوس بريئة, ودماء زكية, وهتكت حرمات.

فهل كان هذا هو الهدف؟ أو الهدف هو الإصلاح كما يدعي أتباع ابن تيمية؟

وإن كان يقف وراء ابن تيمية سلاطين عصره, فمن يقف وراء أتباعه اليوم؟

وراء الأكمة ما ورائها.
















الفصل الرابع

فتاوى ابن تيمية وأثرها في ظهور الفكر التكفيري  

المبحث الأول: الجذور الفكرية للتكفير لحركات التطرف الإسلامي.

المبحث الثاني: مباني الحركات التكفيرية وتأصيل ابن تيمية لها.






المطلب الأول: ( بيان الشريعة للفكر التكفيري في غضون حركة التاريخ ).

تضمن الفصل الأول – من هذه الأطروحة- بيان عمق الانحراف ولاسيما في الأمم السابقة, وما جاء بصدد ذلك من الآيات القرآنية, وهو مرتبط بهذا الفصل بعد المرور على ما سجّله العلماء من انحراف ابن تيمية, ليلقي البحث الضوء على جذور انحراف الحركات التي تنتمي – أو تدعي انتماءها- لمدرسة ابن تيمية, وإن كانت زادت عليها في تكفيرها المسلمين واشتدت حربها عليهم لتجسّد صورة بشعة لهذا الفكر.

فقبل الولوج في تاريخ الحركات التكفيرية في الأمة الإسلامية وجذورها, ينبغي للبحث أن يسلط الضوء في هذا المطلب على بعض ما بيّنه النبي الأكرم "صلى الله عليه وآله" من الحوادث والظواهر التي ستعصف بالأمة من بعده، ومن بينها التكفير، وأساليب بث العدوان والفرقة بين صفوف المسلمين, وحذر منها في ضوء ما أنزل إليه من القرآن الكريم؛ وليؤسس "صلى الله عليه وآله" لفكر الإصلاح والسلام الذي أراده الله تعالى للإنسانية لتستقيم حياتها الدنيا بالنظم القويمة, وليفسح المجال أمام الإنسان ليتفكر فيما أنزلت الرسالات السماوية، وما جاءت به من شرائع {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}, فيسعد المؤمن العامل بالصلاح في الدنيا والآخرة ويسعد به مجتمعه, وضده من خرج عن هذا الخط؛ قال الله تعالى: {أَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ*وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ}.

فقد أعطى رسول الإنسانية محمد "صلى الله عليه وآله" أهمية واضحة لحركة التاريخ ولاسيما إن الوحي الإلهي قد جاءه بالجم الكثير والكم الكبير من الآيات الكريمات التي تقص الحوادث والظواهر والسنن التاريخية للأمم السالفة من البشر, ليس مع بعضهم فحسب, بل ما كان من شأنهم مع الأنس والجن، ابتداءً من خلق آدم "عليه السلام" وتكوينه ونشأته, ثم قصته مع الملائكة، ومع إبليس الذي كان من الجن, وعلاقة الجن بالناس, فضلا عن القصص التي تتبعت الانحراف عن النهج القويم الذي فطر الله الناس عليه وتوالت الرسالات للتذكير به وتجديد العهد عليه, فالقصص القرآني مع ما فيه من صور فنية ونكت بيانية وملامح غيبية مما شكل ملحظاً إعجازياً, إلا أنها اشتملت على أهداف سامية أخرى, منها الموعظة والتحذير, إذ ((لم يأت بالقصة من أجل التحدث عن أخبار الماضين وتسجيل حياتهم وشؤونها - كما يفعل المؤرخون - وإنما كان عرض القصة في القرآن الكريم مساهمة في الأساليب العديدة التي سلكها لتحقيق أهدافه وأغراضه الدينية التي جاء الكتاب الكريم من أجلها)), قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ*وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} أي؛ ((اقصص على أمتك ما أوحينا إليك لعلهم يتدبرون فيها ويتعظون)).

ولعل من هذا الأمر الإلهي ((ظهرت الحركة التاريخية عند رسول الله "صلى الله عليه وآله" واسعة وعميقة))، فقد روي أنه : ((كان نبي الله "صلى الله عليه وآله"، يحدثنا عامة ليله عن بني إسرائيل لا يقوم إلا لعظيم صلاة)), وهذا يكشف عن أهمية هذه الحوادث والظواهر والسنن لما في ذلك من التحذير, وهو بلا شك خير ناجز. 

كما أسس رسول الله "صلى الله عليه وآله", إلى إفشاء المحبة والسلام, والردع عن تكفير المسلم, ومضى على هذا النهج أئمة الهدى من أهل بيته "صلوات الله عليهم", إلا أن الملاحظ إن الخط الآخر سار على خلاف هذا المنهج تماما, وقد أخبر الله رسوله "صلى الله عليه وآله" وبيّن الرسول ذلك, وان منهم من يضل بعده كما فعلت الأمم السابقة، وكشف عن صفاتهم، وحذر مرارا من ذلك سعيا وراء شهوة الحكم, وري عن ابن مسعود أنه قال: خط رسول الله "صلى الله عليه وآله وسلم" خطا بيده، ثم قال: "هذا سبيل الله مستقيما", ثم خط خطوطا عن يمين ذلك وعن شماله ثم قال: "وهذه السبل، ليس من سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه", ثم قرأ: { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}•)).

ويرى الباحث نبيل الحسني أن السبب في تركيز النبي الأكرم "صلى الله عليه وآله" على بني إسرائيل أكثر من غيرهم, - تبعا للقرآن الكريم- لعدة أمور، يلخصها البحث ويضيف عليها بعض الأمور, مثلاً: توالي الأنبياء الذين أرسلوا إليهم وكثرتهم. مع تنوع في الجوانب الحياتية التي عاشوها بمختلف الأزمنة التي بعثت بها أنبياؤهم؛ بمعنى أن كل فترة زمانٍ أو مكانٍ هو مما يمكن أن يمثل صورةً من السجل التاريخي للحركة البشرية، وإن اختلاط اليهود بالمسلمين وتشكيلهم نسبة معتدّ بها من المحيط الذي يعيش فيه العرب الذي تعددت فيها المعتقدات، مما جعلهم على المحك معهم، ويضاف إلى ذلك قرب زمانهم من زمان البعثة الشريفة, ونفوذ الثقافة اليهودية والنصرانية في أندية المدينة المنورة بشكل ملحوظ. مع إن هناك عوامل فاعلة في حركة السنن التاريخية في أمة المصطفى صلى الله عليه وآله تستجد بحسب الظروف، ويضاف إلى ذلك استشراف المستقبل بعين النبوة والنور الإلهي الذي خصّ الله به نبيّه.

((وهو الأمر الذي كان ينبه عليه رسول الله "صلى الله عليه وآله" وكان يحذر المسلمين منه، بعد أن لاحظ النبي الأكرم "صلى الله عليه وآله" أن العديد من أسس السنن التاريخية بدأت تتحرك في أمته، ولذا أراد حفظهم من عدم تحقق هذه السنن التاريخية، كي لا تحصد الأمة ما سيترتب على هذه السنن من نتائج)).

((وهكذا أكمل الله تبليغ الإسلام إلينا في القرآن والسنة النبوية، وتوفي الرسول "ص" بعد إن أخبر أمته وحذرها بأنه يجري في هذه الأمة ما جرى في الأمم السابقة حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة وأنه لو دخل من الأمم السابقة أحدهم في جحر ضب لدخل من هذه الأمة أحدهم كذلك في جحر ضب•)).

وأشار صلى الله عليه وآله" إلى ترابط السنن الكونية مع الظواهر والأحداث, فقد روي عن أبي عبد الله الصادق عن آبائه "عليهم السلام"؛ قال: ((قال رسول الله "صلى الله عليه وآله": أيها الناس إنكم في دار هدنة, وأنتم على ظهر سفر, والسير بكم سريع, وقد رأيتم الليل والنهار والشمس والقمر يبليان كل جديد ويقربان كل بعيد, ويأتيان بكل موعود, فأعدوا الجهاز لبعد المجاز. قال: فقام المقداد بن الأسود, فقال: يا رسول الله وما دار الهدنة؟ قال: دار بلاغ وانقطاع, فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم, فعليكم بالقرآن, فإنه شافع مشفع وماحل مصدق, ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة ومن جعله خلفه ساقه إلى النار وهو الدليل يدل على خير سبيل ... فليجل جال بصره وليبلغ الصفة نظره، ينج من عطب ويتخلص من نشب...))، وذلك كما قال أبو عبد الله الصادق "عليه السلام": ((إن العزيز الجبار أنزل عليكم كتابه وهو الصادق البار، فيه خبركم وخبر من قبلكم وخبر من بعدكم وخبر السماء والأرض ولو أتاكم من يخبركم عن ذلك لتعجبتم))، وقد حفظ الله كتابه العزيز {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ*لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ}, {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}, وجعل له عدلا يقوم يبين ما التبس منه, ويكشف ما غمض من معناه, ويقوم بأعباء أمره ونهيه, ومن هذا جاء الأمر الإلهي على لسان النبي "صلى الله عليه وآله" بالتمسك بالقرآن ومن نصبه الله تعالى من العترة للقيام بأمر الأمة وإقامة النظم, وذلك في حديث الثقلين الذي ثبت صدوره عن النبي "صلى الله عليه وآله" عند المسلمين جميعا, 

وكذلك حديث الغدير, وإن صرفت دلالة هذا الأخير عن المراد المعزز بالشواهد العقلية والنقلية الكثيرة.

كل هذا البيان والتحذير إلا أن المحذور وقع، وتكالبت الأمم على المسلمين بعد أنْ تفرقت بهم السبل, وذلك كان قد أخبر به "صلى الله عليه وآله", ليكونوا على بينة من الأمر ولا يغتروا بكثرة من وقف مع الباطل واندفع في حب السلطة, وسفكت في هذا السبيل الدماء, ولكل من سن الانحراف عن الخط القويم الذي رسمه الرسول الأكرم "صلى الله عليه وآله", فهو مشترك في ما يسفك من دم, إذ روي عنه "صلى الله عليه وآله": ((من سن سنة ضلال فاتبع عليها كان عليه مثل أوزارهم من غير أن ينقص من أوزارهم شيء ومن سن سنة هدى فاتبع عليها كان له مثل أجورهم من غير أن ينقص من أجورهم شيء)), وهذا جار من أول الخلق؛ ((ليس من نفس تقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها. - وربما قال سفيان من دمها- لأنه أول من سن القتل أولا)).

ثم تمادى بعض المنحرفين ليكفروا أهل لا إله إلا الله محمد رسول الله, ممن لم يرتضوا مسيرتهم ونهجهم, وقد سجل التاريخ بعد رحيل الرسول الأكرم "صلى الله عليه وآله" حادثة مثلت التكفير والتطرف والإرهاب المذموم بأبشع صورة, إلا وهي قتل مالك بن نويرة وجماعة من قومه وانتهاك حرماتهم والزنا بنسائهم, بعد تكفيرهم, مع أنهم شهدوا أنهم أذنوا وأقاموا الصلاة, فقالوا لهم نحن مسلمون وأنتم مسلمون فألقوا سلاحكم فألقى جماعة مالك سلاحهم فغدر بهم أصحاب خالد وقتلوهم, وإن ذلك كان بفعل اللهاث وراء حب الدنيا والشهوة, فإنه لما كان يناظر خالد بن الوليد ((اتبعته امرأته، فلما رآها خالد أعجبته)), وكانت فائقة الجمال, فعرف مالك أن خالدا سيقتله لاغتصابها, فأمر خالد بقتل مالك وجماعته صبرا, ((فَقَالَ مَالِكٌ: "أَتَقْتُلُنِي وَأَنَا مُسْلِمٌ أُصَلِّي الْقِبْلَةَ؟!")), لكن ذلك لم يمنعه من قتله, ولم يكتف بذلك بل ((أمر برأسه فجعل مع حجرين وطبخ على الثلاثة قدرا، فأكل منها خالد تلك الليلة ليرهب بذلك الاعراب)) وزنا بامرأته, ((فلما بلغ قتلهم عمر بن الخطاب تكلم فيه عند أبي بكر فأكثر, وقال: عدو الله عدا على امرئ مسلم فقتله ثم نزا على امرأته))، وبعد استقدام خالد وبخه عمر وقال له: ((أراك قتلت امرءا مسلما ثم نزوت على امرأته؟! والله لأرجمنك بأحجارك)) . إلا أن أبا بكر لم يرض من عمر، والتمس لخالد العذر, ((فقال عمر لأبي بكر: إن سيف خالد فيه رهق, وأكثر عليه في ذلك فقال:  هيه يا عمر! تأول فأخطأ فارفع لسانك عن خالد)).

فلم يكن لخالد رادع بعد أن أعطي الشرعية لقتل أي مسلم وتكفيره, فقد حفل التاريخ بأنهار من الدماء وهتك الأعراض تحت غطاء شرعي زائف, ولم تقتصر هذه الأفعال على ما يسمى بحروب الردة, بل في الفتوحات أيضا, فكان خالد يقتل من أسلم في حرب الأنبار وعين التمر وغيرهما كما دون ذلك في تاريخ الطبري.

وقد ثبت عن الرسول الأكرم "صلى الله عليه وآله" خلاف ذلك, فمن ذلك ما حدّث به أسامة بن زيد إذ قتل رجلا من جهينة بعدما قال: لا إله إلا الله؛ ((قال فلما قدمنا بلغ ذلك النبي "صلى الله عليه وسلم", فقال لي يا أسامة: أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟ قال: قلت يا رسول الله إنما كان متعوذا، قال؛ فقال: أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله؟! قال: فما زال يكررها علي حتى تمنيت أنى لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم)).

وفي رواية أن أسامة طلب منه "صلى الله عليه وآله", فلم يستغفر له, بل كرر عليه قوله: ((كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟!))، وهذا يدل على استعظام تكفير من قال "لا إله إلا الله" واستبشاع الاستخفاف بها حتى في موقف الحرب.

وبعد رحيل النبي الأكرم "صلى الله عليه وآله" سجّل التاريخ حدثاً يمثل انعطافة في حركة تاريخ الأمة الإسلامية ألا هو الهجوم على دار علي بن أبي طالب "عليه السلام", بعد حادثة السقيفة, وذلك ما رواه ابن قتيبة ((ت276هـ)), إذ قال: ((إن أبا بكر تفقد قوماً تخلفوا عن بيعته عند علي، فبعث إليهم عمر، فجاء فناداهم وهم في دار علي فأبوا أن يخرجوا، فدعا بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها! فقيل له: يا أبا حفص إن فيها فاطمة! فقال: وإنْ!!...)). فقد مثّل هذا الحدث انتهاك للدين وحرمات المؤمنين باسم الدين, وأي مؤمن أنه علي بن أبي طالب, وفاطمة بنت رسول الله "عليهم السلام أجمعين".

ومما حفظ التاريخ من التكفير وما ترتب عليه من فتنة, تكفير أم المؤمنين عائشة عثمانَ بن عفان, إذ قالت: ((اقتلوا نعثلا فقد كفر)), 



حتى اقتحم عليه بيته وأهين وضُرب, وقتل وانتهكت حرمة بيته, وقطعت أصبع زوجته.

وتلا ذلك حوادث جسدت أبشع وأفظع صور التكفير والإرهاب, بدأت بحرب الجمل؛ ثم صفّين؛ وما ترتب عليها من تكفير صريح من قبل الخوارج لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب "عليه السلام". ثم اشتد استعار فتنة بني أمية بعد النهروان, ولعل فتنة بني أمية أشد فتكاً بالدين وأعمق جذورا في استباحة حرمات المسلمين, فقد قال عنها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام", ((ألا إن أخوف الفتن عندي عليكم فتنة بني أمية فإنها فتنة عمياء مظلمة عمت خطتها وخصت بليتها)), إذ إنها أعظم الفتن خطورة وأشدها تخريبا لأن رياحها السوداء الشريرة عصفت ولا زالت تعصف بالمجتمع الإسلامي منذ النصف الثاني من عهد عثمان، وتعاظمت خطورتها بعد مقتله. لتشمل مواجهتها الفكرية المنحرفة الجوانب السياسية والعسكرية, ولذا كان الإمام "عليه السلام, يبين أخطارها الآنية والمستقبلية كلما سنحت الفرصة؛ من أجل التوعية بما تحمل من مخاطر، وشحذ العزم على مواجهتها ورفضها.

وقد أدت هذه الفتنة بما أفرزته من خوارج إلى استشهاد أمير المؤمنين "عليه السلام", ثم الأحداث التي اضطرت الإمام الحسن "عليه السلام" للهدنة مع معاوية ليبسط سلطته ويؤسس للحكومات الملكية المنحرفة, التي اتخذت سبّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ولعنه شعارا وهو تكفير للمسلمين باسم الدين, وطمس لمعالم الإسلام بجعل هذا الفعل عبادة, حتى فرض على الولاة وعلى منابر الجمعات, ويعاقب من تركه, ثم تسليط ولده يزيد بما عرف من انحرافه التام عن الدين ليكمل الخطة الأموية لاستئصال الدين بقتل سبط الرسول "عليهما السلام", في واقعة يشمئز منها تاريخ الإنسانية بما حملت من انتهاكات صارخة, ثم انتهاك الحرم المدني وحرق الكعبة بما لهما من قدسية ومكانة دينية, وما ولى ذلك من الاضطهاد المرواني حتى كفر عبد الملك جميع المسلمين ومنعهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وما فعله الحجاج من تكفير وإرهاب وانحراف, وهو الذي قد سبق ابن تيمية للحط من مكانة الرسول الأعظم "صلى الله عليه وآله", ثم توالت الأحداث المفعمة بالتكفير والعنف لتتصل بزمن الدولة العباسية, ودولة السلاجقة التي نصرت مجسمة الحنابلة الذين كفروا المسلمين, ثم ما فعله الأيوبيون في مصر وبلاد الشام، ثم المماليك الشراكسة، الذين دعموا مذهبا على حساب مذهب, ليفرز شخصية أسهمت إسهامة كبرى في تعميق التكفير متمثلة بشخص ابن تيمية ليضحى مدرسة يستقي منها أتباع هذا التيار المنحرف.

والجدير بالذكر إن هذا الاتجاه التكفيري أخذ يتنامى في ظل تبني السلطة له منذ الأمويين حتى وصل إلى ابن تيمية, ثم ظهر بوضوح في نشاط محمد بن عبد الوهاب ((ت1206هـ)) بوصفه شخصية تشبه إلى حد كبير شخصية ابن تيمية في تشدده الحنبلي وانتمائه إلى أسرة علمية, وما يوصف به من حفظ, وحدة مزاج وغيرها, مع شدة عكوفه على كتب ابن تيمية وابن القيم, فكان تلميذا وفياً بل الابن الأشد لهذه المدرسة؛ لذا أشبهه في مناصرة الأمراء والملوك بدواعي مشابهة لما مرّ في الدواعي التي حدت بابن تيمية للانحراف, وكأن حركة التاريخ تدور دورتها لتنتج الظواهر والأحداث ذاتها.

وقد كانت الظروف السياسية كما هي بين المماليك والمغول, ولكن في هذه المرّة وقعت بين الدولة العثمانية وبريطانية, والموقف هنا يستدعي وجود مثل محمد عبد الوهاب الذي يدعي الانتماء إلى المذهب الحنبلي مع تشدد لم تسمح به أساسيات مذهب الإمام أحمد, وإنما إيديولوجية مذهب ابن تيمية مع زيادة في التكفير الصريح, وعداء المقدسات بقوة؛  ليكون ابن عبد الوهاب فقيه دولة محمد بن سعود التي أمدتها انجلترا بالسلاح والمال؛ ليكون الاندفاع على أساس مذهبي للاستيلاء على البلاد الإسلامية الخاضعة للعثمانيين وإزالة المذاهب الإسلامية الأخرى غير مذهبهم بالعنف, بعد تكفير سائر المسلمين عدا من اتبع ابن عبد الوهاب ولاسيما في المسائل التي اجتهد فيها مخالفا ما عليه مذاهب المسلمين بصفة عامة. فقد سار ابن عبد الوهاب على نهج أسلافه فأحيى أفكار ابن تيمية بعد أن تلاشت, وجعلها على أرض الواقع التطبيقي بالقوة بعد أن كادت تنسى, إذ كفّر المسلمين حاشا من ابتعد عن ضلالاته، ولم يوافق أهواءه وتكفيره, ويلحظ أن مصبّ تكفيره كان على المسلمين دون أعداء الإسلام، واستعر أوار الحرب وسفكت الدماء وانتهكت الأعراض والمقدسات في بلاد المسلمين تحت تأثير الإيديولوجية الوهابية القائمة على رؤية كونية للتكفير, وتكتيك إستراتيجية الهجرة والجهاد ليضفى عليها صبغة دينية, بعد أن تم التحالف التاريخي بين ابن سعود وابن عبد الوهاب سنة ((1744م)). ثم أخذت الوهابية تفرخ وتبيض مشكلة هيكليات جديدة وصور مختلفة مع الاحتفاظ بجوهر الإيديولوجية الوهابية, فمنها ما ظهر بشكل حزب أو حركة ليتصور بصورة سياسية, كحركة الإخوان التي أسست على يدي ابن سعود بحسب الباحث فؤاد إبراهيم معتمدا على وثائق تصرح بذلك. فبعد ان صنع ابن سعود دولة بركوب الوهابية صارت تشكل عليه عبئا؛ فالتجأ لتكييفها بمساعدة مشايخ هذه الحركة وتوظيفها للحراك السياسي في الخارج, أما في الداخل فالقيام بالتثقيف والعمل الإداري بغطاء شرعي زائف تحت عنوان الجامعات ومعاهد هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما شاكلها.

وقد كان للجامعات والمعاهد دور كبير في نشر الفكر التكفيري ليس في الداخل فحسب, بل استشرى الأمر في كل العالم لينشر هذه السموم بقوة لما يتمتع به من دعم مادي ضخم, وقد أسهم في انتشاره الثورة الإلكترونية المتمثلة بالشبكة العالمية "الأنترنت"؛ إذ تجد المؤلفات والبحوث التكفيرية والمحفزة للعنف على نطاق واسع جدا لعلها تتجاوز المئات.

ثم تصورت هذه الإيديولوجية بصورة السلفية ثم لتتجه اتجاها مسلحا تحت عنوان الجماعة السلفية المحتسبة إلى غير ذلك من الحركات.

ثم تمخض عن هذا كله ولادة جديدة تحت مسمى الدولة الإسلامية في العراق, ثم الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش", بما حفل تاريخ هذه الحركات من أحداث بنيت على تكفير المسلمين أولا, وكان ابن تيمية رمزا مقدسا فيها, باعتباره ((المصدر الأم, والمرجع المميز لنشر التكفير في العالم الإسلامي قديما وحديث؛ فهو يعتقد [أو يُظهر] أن الناس قد وقعت في شرك الإلوهية...)), وما زالت الأيام حبلى.

وقد ألمح البحث إلى أن النبي "صلى الله عليه وآله" قد حذر وبين ما يجري من حركة التاريخ بموجب ما أوحى الله تعالى إليه, وقد أورث هذا العلم لأهل بيته "عليهم السلام", قال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا}, فقد روي إلى أن ذلك ما رأى بني أمية وبني مروان ينزون على منبره نزو القردة, وهذا ما حذر منه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب "عليه السلام", إذ أظهر أن هذه الفتنة أخوف ما يخاف على الأمة منها – كما تقدمت الإشارة إلى ذلك-.

والملاحظ أن النبي "صلى الله عليه وآله" قد وصّف منهج التكفير؛ لكي يحذر المسلمون من أتباعه, وهو ما ثبت انطباقه على كثير من الحركات التكفيرية المستمدة من فكر ابن تيمية ذي الإيديولوجية الأموية.

المطلب الثاني: توصيف المكفرين وعلاقتهم بابن تيمية وأتباعه.

من الواضح إن الرسالات السماوية جاءت لهداية الناس وإنقاذهم من الضلالة ومغبته وسوء عاقبته, وقد عامل الأنبياء والرسل "سلام الله عليهم" من أرسلوا إليهم بالحنو والشفقة لأجل إخراجهم من الظلمات والارتقاء بهم إلى نور الهداية والرشاد بالسبل الأخلاقية التي تنسجم مع الرحمة الإلهية. إلا أن هناك من ادعى اتباع الرسل يتظاهرون بالتعبد والفقه, ليوظفوا الدين لمصلحتهم، ويصبون سخطهم على من لم يرتض نهجهم ومخالفة السير على أهوائهم؛ ليرموهم بالكفر. 

وقد وصف النبي "صلى الله عليه وآله" هؤلاء المنحرفين المكفرين بعدما قال له قدوتهم ((يا رسول الله اعْدِلْ فإنَّك لم تَعْدِل)), فقال رسول الله "صلى الله عليه وآله", في توصيف أتباعه, بقوله: ((... يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرؤن القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شئ ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شئ ثم ينظر إلى نضيه وهو قدحه فلا يوجد فيه شئ ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شئ قد سبق الفرث والدم آيتهم رجل اسود احدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر ويخرجون على حين فرقة من الناس)). فهذا الوصف وإن كان أول من صدق هذا الوصف عليه الخوارج, الذين كفروا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب "عليه السلام", إلا أن الوصف يحكي منهجاً اتبعه غيرهم عليه, يقول الدكتور صائب عبد الحميد: ((ومما يثير الدهشة كثرة أوجه التشابه بين الوهابية والخوارج في ما شذوا به عن جماعة المسلمين, حتى أنه يخيل للدارس ان هؤلاء من أولئك وإن تباعد الزمن)), وهم متحدو المنهج مع ابن تيمية, فكفروا أهل القبلة وأحلوا دمهم, ويشتمل الوصف على أمور, منها:

1- الجرأة على الله تعالى وعلى رسول الله "صلى الله عليه وآله", كما قال سلفهم: ((يا محمدُ اعْدِلْ, فإنك لم تعدل)).

ونجد ذلك الفكر قد جدده ابن تيمية بالتمادي والجرأة على الله تعالى, وقد مرّ في الفصول السابقة من هذه الأطروحة قول ابن تيمية بالتجسيم والتشبيه، وغير ذلك في حق الله تعالى، وقد تبتعه الوهابية الذين ((ينسبون إلى اللّه تعالى الأعضاء على الحقيقه: كاليد، والرجل، والعين، والوجه... ثم يصفونه تعالى شانه بالجلوس والحركه والانتقال والنزول والصعود، على الحقيقه كما يفهم من ظاهر اللفظ... تعالى اللّه عما يصفون, وهذه العقيدة قلدوا فيها ابن تيميه))، وعلى ذلك من يتبعهم من الحركات التكفيرية كداعش والقاعدة وغيرها.

 وكذلك جرأة ابن تيمية على رسوله "صلى الله عليه وآله", فقد عد الاستشفاع به والتوسل به إلى الله تعالى والتقرب إلى الله بزيارة قبره بأنه: ((شِرْكٌ أَوْ ذَرِيعَةٌ إلَى الشِّرْكِ))، وقد تابعه في ذلك محمد بن عبد الوهاب في تكفير المسلمين ورميهم بالشرك متاولأ قوله تعالى: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}, بَيْدَ إن المسلمين لا يزورون قبر النبي "صلى الله عليه وآله" عبادة, ولا يعتقدون فيه الألوهية, بل ((يعتقدون أنهم عباد الله وأحباؤه الذين اصطفاهم واجتباهم, وببركتهم يرحم عباده, فيقصدون بالتبرك بهم رحمة الله تعالى)), إلا أن الوهابيه – بسيرهم على نهج ابن تيمية- اعتقدوا إنهم هم وحدهم أهل التوحيد الخالص والمسلمون ممن سواهم مشركون, ((لا حرمه لدمائهم وذراريهم واموالهم، ودارهم دار حرب وشرك!!, ويعتقدون ان المسلم لا تنفعه شهاده ان ((لا اله الا اللّه محمد رسول اللّه)) ما دام يعتقد بالتبرك بمسجد الرسول - مثلا - ويقصد زيارته ويطلب الشفاعه منه!

ويقولون: (( إن المسلم الذي يعتقد بهذه الأمور، فهو مشرك وشركه اشد من شرك أهل الجاهلية من عبده الأوثان والكواكب!)), وسار أتباعهم على هذا المنهج, فقالوا بأن ذلك شرك أو وسيلة إليه وقد قسموا من يقولون بذلك الى أنواع : ((النوع الأول: من يسأل الميت حاجته، وهؤلاء من جنس عباد الأصنام...النوع الثاني: أن يسأل الله تعالى بالميت، وهو من البدع المحدثة... النوع الثالث: أن يظن أن الدعاء عند القبور مستجاب)), فمثل التوسل بالنبي "صلى الله عليه وآله" إلى الله تعالى, عدّوه من الشرك الأصغر, والاعتقاد بأن قبر النبي "صلى الله عليه وآله" من مظان إجابة الدعاء مخالفة للدين، وأوجبوا قتلهم بقولهم إنهم شر من المشركين الأولين الذين حاربوا الرسول "صلى الله عليه وردّوا دعوته, فهم – عند المكفرين- في إخلاصهم الدين لله وتوجههم إليه وحده بالدعاء عندما يحدق بهم خطر أفضل ممن يتوسل إلى الله بنبيه أو الأولياء الصالحين، وقالوا بوجوب قتل من يفعل ذلك؛ لأنه يعارض القرآن والسنة - بحسب دعواهم-, لكونه مفسداً في الأرض، فيجب على ولي الأمر قتله، وما زالت هذه الفتاوى تتخذ ذريعة لتخريب بلاد المسلمين وسفك دمائهم وهتك أعراضهم.

2- التظاهر بالصلاح والتقوى والزهد ويدّعون نصرة الدين بالجهاد, وهم يبطنون خلاف ذلك كله. لقوله "صلى الله عليه وآله": ((تُحقرون صلاتكم مع صلاتهم...)) إلا أنهم ((يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم, يمرقون من الدِّين كما يَمْرُقُ السهم من الرَّمِيَّة)). فلذا قال فيهم رسول الله "صلى الله عليه وآله" أنهم ((شر الخلق والخليقة)), لما يمثلون من خطر كبير وشر عظيم على الإسلام, بل على الإنسانية, إذ يوظفون الدين لمقتضى أهوائهم, ويضلون الناس عن الطريق القويم, ويخلطون الحق بالباطل ومثال ذلك التظاهر بالمطالبة بتحكيم الشريعة للتوصل إلى حمل السلاح ضد المسلمين كما رفعوا شعار: ((لا حكمَ إلا لله, لا حكمَ إلا لله)), فقال عليٌّ (عليه السلام) : (( كلمةُ حقٍّ, أُرِيدَ بها باطل. إن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" وصف ناسا أنى لأعرف صفتهم في هؤلاء يقولون الحق بألسنتهم لا يجوز هذا منهم - وأشار إلى حلقه-)), وما ذلك منهم إلا لاستباحة دماء المسلمين وانتهاك أعراضهم وفصم عرى الإسلام بعد أن كفروا أمير المؤمنين "عليه السلام".

وقد ماثلهم ابن تيمية وأتباعه حتى اليوم في التظاهر بالدعوة إلى الصلاح بثوب الزهد المزيف الذي يخدعون به بعض العوام, والمناداة للجهاد, ولكن في الحقيقة هي الحرب على الإسلام والمسلمين.

3- الفساد في الأرض, فهم لم يقتصروا على إباحة دم المسلمين, بل استباحة الأموال والأولاد والذراري, وانتهاك الأعراض من المسلمين وأهل الذمة, بل الحرث والنسل والشجر, روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب "عليه السلام", - بعد أنْ ذكر حديث الخوارج- أنه قال: ((أيُّها الناس, تتركون هؤلاء يخلفونكم في ذرَارِيكم وأموالكم, واللهِ إنِّي لأرجو أنْ يكونوا هؤلاء القوم, فإنَّهم قد سفكوا الدَّم الحرام, وأغاروا في سرح المسلمين, فسيروا على اسم الله)), وروي عنه "عليه السلام" أنه ما قاتلهم ((حتى قطعوا السبيل, وسفكوا الدَّم, واستحلوا أهل الذمة)), فمن الواضح أن من أوصافهم ترويع الناس عموما وتدمير كل شيء إنساني وأخلاقي. فهاهم اليوم أتباع تلك الفتاوى الشاذة التي لم تدنوا من القدس ولم تتجه ضد أعداء الإسلام, بل يقصدون بفتاوى ابن تيمية ومن تبعه بلاد المسلمين ومن لاذ بهم, وشاهد ذلك ما يجري اليوم في سوريا والعراق تحت مسمى الدولة الإسلامية, وليست بإسلامية, بعد أن أثبت انتهاكاً صارخاً لقيم الإسلام واعتداءً سافراً لثوابت الدين

4- سفهاء شباب, ((حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام)), أو ((سفهاء الأحلام, أحداث)), فهم متفيقهون مندفعون بزهو الشباب, يحلمون بالسلطة والسيطرة على العالم بزعمهم, ليس لهم حريجة في دين ولا يحجزهم عقل عن ارتكاب الموبقات والجرائم ضد الإنسانية التي عمت البسيطة، ومثال حداثة السن ابن تيمية الذي تولى الإفتاء والتدريس على هذا النهج, ليجدد دعوته ابن عبد الوهاب, وكذلك ما يلحظ في الوقت الراهن المعاصر ممن قاد المجاميع الأرهابية ذات الفكر التكفيري المنحرف التي تتخذ من منهجهم وفتاويهم دستوراً شرعياً ليبرروا ما يرتكبونه من جرائم بحق الإنسانية وبأسم الأسلام والأسلام منهم براء( كابن لادن والزرقاوي والبغدادي وغيرهم).

كل ذلك تحت ذريعة تكفير المسلمين, في حين إن من المعلوم أنه لم يكن من حق أحد تكفير أحد إلا من كفّره الله تعالى, فالتكفير ما لم يكن دليله سمعيا أو قطعيا أو ضروريا, فهو خطأ, ((....، وأجمعوا على أن التكفير حق  للشارع ، فلا نكفر إلا من كفره الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأنه لا مدخل للهوى ولا للتشفي ودرك الغيظ في هذه المسائل الكبار)), فالتكفير أمر عظيم  ((والذي ينبغي أن يميل المحصل إليه الاحتراز من التكفير ما وجد إليه سبيلاً. فإن استباحة الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة المصرحين بقول لا إله إلا الله محمد رسول الله خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها"•)).

ولذا تجد إن المُكفِّرين قد لا يعترفون بأنهم مكفرون، لكنه واقعهم ولسان حالهم يثبت ذلك, يقول ابن تيمية: ((إنَّ الكفر حكم شرعيٌّ يتعلَّق بالشَّرع)), وأنه لا يصح التهاون في التكفير, لكن واقع سلوكه وفتاويه في تكفير من أسماهم الرافضة يثبت خلاف ذلك.

والذي يلحظه البحث أن تكفير ابن تيمية وأتباعه للمسلمين يأتي بحسب هواهم ومصلحتهم, فقد مرّ في الفصول السابقة من هذه الرسالة أنه كفر المغول بعد إسلامهم وعدهم من الخوارج, ولم يكفر المماليك, مع أن العلة واحدة في عدم التزامهما بتمام الشريعة.

وكذلك الحال مع الوهابية، فقد كفر ابن عبد الوهاب من أسماهم الطواغيت من الحكام، وعدّ العاملين مع حكوماتهم عبدة الطواغيت, أما إذا تعلق بالحكومات المتعاطفة معهم والمتضامنة معهم لأجل المنفعة المتبادلة للتسلط على رقاب المسلمين وانتهاب ثرواتهم, فالأمر مختلف فالتكفير يكون حينئذ ((من المسائل الكبار المهمة في الشريعة : مسألة الحكم بغير ما أنزل الله ، فهذه المسألة خطيرة جدًا ؛ وذلك لتعلقها بالحاكم ، ولأنه قد زل في فهم النصوص الواردة فيها بعض الطوائف والأفراد فنتج عن ذلك تكفير بعض الملوك بأعيانهم وعدم السمع والطاعة لهم ، بل ومحاولة الخروج عليهم بالاغتيال تارة وبتحريض العوام عليهم تارة ، وقد تعدى الأمر إلى من يعمل موظفًا عند هذه الحكومات فوقعوا فيهم تكفيرًا وتجريحًا، بل وأباحوا سفك دمائهم وأخذ أموالهم، كل ذلك سببه الفهم المنكوس والهوى المتبع وعدم تقدير المصالح والمفاسد ، وهذا لا يجوز)).

والملاحظ أن بعض المنتمين لهذه المدرسة التكفيرية بفقهها وفكرها يقر بسوء صنيعهم من تكفير أدى إلى توهين الإسلام وتشويه صورته وانتهاك حرمات  المسلمين والعدوان السافر على الإنسانية, فيرى أن نتيجة ذلك ((حلَّ بالمسلمين الضعف والهوان، وأحاطت بهم أنواع الفتن، ومِن ذلك ما وقع في البلاد الإسلامية وغيرها من تكفير وتفجير أُطلق عليه اسم الإرهاب، جرَّ على المسلمين الويلات والخطوب من أبنائهم وأعدائه، وكانت بداية ذلك في أول الأمر اختطاف الطائرات، ثم تحوَّل إلى التفجير الذي فيه التقتيل وتدمير المباني وغيرها على مَن فيها، وقد عظُمت المصائب على المسلمين بعد تدمير عمارتين شاهقتين في الغرب أُطلق عليه أحداث الحادي عشر من سبتمبر))، ثم يستطرد بذكر آثار ذلك, من تدخل الغرب بصورة مباشرة في البلدان الإسلامية, والإساءة إلى سُمعة الإسلام؛ ((وذلك بإضافة أعداء الإسلام الأعمال الإجرامية ... إلى الإسلام، والإسلام دين الحقِّ والعدل وحفظ حقوق كلِّ ذي حق ، من المسلمين وغيرهم، وهو بريء من كلِّ ما يُضاف إليه زوراً بسبب التصرُّفات الشاذَّة الطائشة من بعض أبناء المسلمين)).

ويلحظ أن ذلك جر المعركة إلى أرض المسلمين, بفضل ((هؤلاء الأغمار الذين هم كما وصفهم النبي "ص" سفهاء أحلام حدثاء أسنان قد أساءوا إلى الإسلام، وأهله بأفعالهم الغير منضبطة بضوابط الشرع)) ويؤصل لعدم الانضباط من جهتين:

الأولى: ((أنهم أساءوا إلى الإسلام من خلال دخولهم إلى بلاد الكفار بأمان منهم ، ومن ثم القيام بالاعتداء عليهم من خلال القيام بأعمال التفجير والتدمير بحق المدنيين العزل، وبذلك أعطوا الفرصة للكفار أن يصفوا الإسلام بالإرهاب والدموية والبربرية ، وكان الأولى بهم أن يحسنوا إليه بدل الإساءة إليه ، ولكن كما قيل فاقد الشيء لا يعطيه)).

الثانية: ((أنهم هيجوا الكفار على الإسلام وأهله ، وجلبوهم إلى أرضه بدباباتهم وطائراتهم بحجة مكافحة الإرهاب والتطرف)).

ويقول: ((فبعد أحداث "11 سبتمبر", انتقلت المعركة بويلاتها ومصائبها إلى أرض المسلمين، حيث سقطت دولتان من الدول الإسلامية في قبضة الكفار، وتغيرت مسارات كثير من الدول....، ويعزو ذلك إلى: ((اختلاف مناهج الدعاة وطرائقهم، ومن ثم انعكست على سلوك الكثير من الشباب المسلم)).

وبهذا قد بانت صفتهم بإقرارهم فضلا عن شهادة غيرهم وشواهد فعلهم, فقد اتبعوا المنهج الذي خط للانحراف الفكري والعقدي والفقهي منذ زمن الرسول "صلى الله عليه وآله", ونبه عليه الرسول, ثم أصل له ابن تيمية, وجدده محمد عبد الوهاب ثم يسير على هذا الخطى بقوة مكفرو العصر لينتهكوا كل محرم ويقتلوا ويشوهوا كل سامٍ وجميل ويهدموا كل حضارة...

ولا ريب أن على رأس هؤلاء التكفيريين ممن يحسبون على العلماء الذين تصدوا للفتوى لرسم طريق الفساد والإفساد وتصويره بأنه طريق الصلاح ليقع في حبائلهم شباب الأمة, وقد ورد في الحديث إن شرار الناس ((العلماء إذا فسدوا)), فإذا تصدى هؤلاء الفاسدون للقيادة فهم شر من الدجال الذي طالما حذر منه الرسول "صلى الله عليه وآله", إذ روي أنه "صلى الله عليه وآله؟ قال: ((إن أخوف ما أخاف عليكم الأئمة المضلون)), وقال: ((لغير الدجال أخوف عليكم من الدجال الأئمة المضلون)), وهذا ((معناه غير الدجال أشد موجبات خوفي عليكم)), ويتمثل هذا بأئمة الضلال, أي ((أن الأشياء التي أخافها على أمتي أحقها بأن تخاف الأئمة المضلون)), ومعنى ذلك إن ((الأشياء المخوفة لم يوجد أخوف من قول "كل منافق عليم اللسان"؛ أي كثير علم اللسان جاهل القلب والعمل اتخذ العلم حرفة يتأكل بها ذا هيبة وأبهة يتعزز ويتعاظم بها يدعو الناس إلى الله ويفر هو منه ويستقبح عيب غيره ويفعل ما هو أقبح منه ويظهر للناس التنسك والتعبد ويسارر ربه بالعظائم إذا خلا به ذئب من الذئاب لكن عليه ثياب فهذا هو الذي حذر منه الشارع صلى الله عليه وسلم هنا حذرا من أن يخطفك بحلاوة لسانه ويحرقك بنار عصيانه ويقتلك بنتن باطنه وجنانه)).

ويلحظ ذلك في دعاة التكفير الذين يتباكون على الدين في ظاهرهم, ويدعون إرادة إزالة الشركيات من الدين, ولم يسلم من رميهم بالشرك حتى أمنا حواء "عليها السلام", فقالوا: ((إن حواء هي التي أطاعت الشيطان وهي التي سَمَّت ابنها عبد الحارث فوقعت في الشرك بالله سبحانه)) بَيْدَ أنهم هم المشركون إذ يقولون بأن ((النوع قديم)), والقديم ما لم يسبق بالعدم, وهو الله تعالى. فهم يرمون الناس بما هو فيهم لما يحملون من عقد وأمراض عدوانية فتحولوا إلى مصدرا للفتنة, وقد روي عنه "صلى الله عليه وآله" أنه قال: ((شرار الناس شرار العلماء في الناس)), وقد روي عنه "صلى الله عليه وآله" أنه قال: ((شر الناس فاسق قرأ كتاب الله وتفقه في دين الله ثم بذل نفسه لفاجر إذا نشط تفكه بقراءته ومحادثته فيطبع الله على قلب القائل والمستمع)), وذلك ينطبق على سيرة ابن تيمية – كما مرّ في فصول هذه الأطروحة, وعلى سيرة محمد بن عبد الوهاب ((ت1206هـ)) وأتباعهما, ولقد أصبح من الواضحات خدمة الوهابية للسلطات المتعاونة مع الاستعمار, إذ ((لم يعد شيء من ذلك يخفى على أحد, فما إن يفتح المسلم عينيه إلا ويدرك أن الوهابية هم أول خدام الاستعمار الغربي في بلاد المسلمين)), فقد حفل تاريخهم بمساندة الأنظمة العميلة لأعداء الإسلام الموالية لهم. فالذي أنتجه فقههم لم يأبه لانتهاك اليهود لحرمات المسلمين وسفك دمائهم, ولا انتهاب الغرب ثرواتهم, بل الذي يثيرهم زيارة قبر الرسول "صلى الله عليه وآله" أو قول مسلم يا نبي الرحمة اشفع لي, أو هدايا علقت على قبره, أو زيارة قبر ريحانته أبي عبد الله الحسين الشهيد "عليه السلام" الذي ثبت عن الصحابة والتابعين شد الرحال إليه لزيارته والبكاء على مصيبته.

وقد كان ابن عبد الوهاب مع ما فصل بينه وبين ابن تيمية من القرون إلا أنه يعد التلميذ المباشر المقتفي أثره الوفي لأفكاره التي تشربها وطابقها حذو النعل بالنعل وأحياها, فكان ابن تيمية مرشده وملهمه وباعث تفكيره والموحي إليه, ولذا قيل إن ابن تيمية زرع ألغاما في الأرض وكان ابن عبد الوهاب مفجر بعضها, وبقي بعض لم يفجر, ليأتي دور الحركات التي تسمي نفسها سلفية لتتبنى بعضا آخر من هذه الألغام متخذة قنطرة ابن تيمية وسيلة لفعالها, على شكل جماعات وحركات وأحزاب, حتى وصل الدور إلى ما يسمى بالدولة الإسلامية في العراق والشام, التي يطلق عليها "داعش", فبات الناس لا يأمن شرهم بعد أن أخذوا يفخرون بذبح المسلمين وغير ذلك من الجرائم البشعة, لينطبق عليهم ما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب "عليه السلام": ((شرّ الناس من لا يُرجى خيره ولا يؤمن شرّه))، وقوله: ((شرّ الناس من يبتغي الغوائل للناس)), ومع كل هذا يرون في أنفسهم أنهم خير الناس, و((شرّ الناس من يرى أنه خيرهم)).

المطلب الثالث:  اختلال موازين فتاوى التكفير بمقتضى الأهواء.

كل من اطلع على الإسلام وأحكامه يعلم أن الفتاوى التكفيرية لا تمت لفقهه بشيء, ولا يمكن أن تنطبق أحكامه على الجرائم التي يرتكبها المكفرون.

والملفت أن بعض الذين ينتمون إلى هذه المدرسة تنبه إلى هذا الأمر, لينقض ما يمكن التذرع به لشرعية الأفعال الآثمة, عن طريق ملاحظة مآلاتها, ولاسيما مع الكفار, وهذا المقدار يمكن أن يلتزم به أتباع هذه المدرسة عند تعلق الأمر بالكفار الذين تربطهم المصالح معهم, إلا أن الأمر مختلف إذا كان مع المسلمين!

فقد ذكر الباحث خليل الأثري في كتابه "الغلو وأثره", ما سيلخصه البحث، فقد عرض أسئلة فقهية أربعة, وأجاب عليها بالتفصيل:

1)) ما حكم ضرب المسلمين للكفار في عقر دارهم بعد الدخول إلى أراضيهم بعقد أمان منهم؟

2)) ما حكم تهييج الكفار على المسلمين على الرغم من حال الضعف الذي يعيشونه في هذا الزمان من الناحيتين العقائدية والعسكرية؟

3)) ما حكم ضرب الكفار الذين يدخلون إلى بلاد المسلمين بعهد وأمان من قبل المسلمين أو أمرائهم؟

4 )) ما حكم ضرب الكفار إذا كانوا مختلطين بالمسلمين؟"

وأخذ يجيب عنها بالترتيب, يوجزها البحث ويعيد ترتيبها ويخرج آياتها وأحاديثها, والتعليق عليها, مع الحفاظ على صلب موضوعها, بالنحو الآتي:

فجواب السؤال الأول: 

هو أنه: ((لا يجوز للمسلمين الذين يدخلون إلى بلاد الكفر بموافقة منهم أن يعتدوا عليهم خاصة إن كانوا من أهل العهد والأمان وليسوا من أهل القتال والحرب)).

أما الدليل: 

الأول: من الكتاب المجيد

أ- قوله تعالى: {فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً، سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً مُّبِيناً}. فما داموا مسالمين ليس عليهم من سبيل.

ب- قوله تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}، فما لم يقتلوكم في الدين كالنساء والضعفاء, فلا نهي عن الإحسان إليهم.

الثاني: من السنة الشريفة:

أ- ما روي عن حُذَيْفَةُ بْنِ الْيَمَانِ قَالَ: مَا مَنَعَنِي أَنْ أَشْهَدَ بَدْراً إلاّ أَنّي خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي، حُسَيْلٌ. قَالَ: فَأَخَذَنَا كُفّارُ قُرَيْشٍ، قَالُوا: إِنّكُمْ تُرِيدُونَ مُحَمّداً؟

فَقُلْنَا: مَا نُرِيدُهُ، مَا نُرِيدُ إلاّ الْمَدِينَةَ، فَأَخَذُوا مِنّا عَهْدَ اللّهِ وَمِيثَاقَهُ لَنَنْصَرِفَنّ إلَىَ الْمَدِينَةِ وَلاَ نُقَاتِلُ مَعَهُ. فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللّهِ "صلى الله عليه وسلم" فَأَخْبَرْنَاهُ الْخَبَر، فَقَالَ: ((انْصَرِفَا. نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ، وَنَسْتَعِينُ اللّهَ عَلَيْهِمْ)).

ب- ما روي عن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" أنه قال: ((ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة، فيقال: هذه غدرة فلان)). ففيه تحذير من الغدر, وإن عاقبته وخيمة.

ج- ما روي عن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" أنه قال: ((من أمَّن رجلاً على دمه فقتله، فأنا بريء من القاتل، وإن كان المقتول كافراً)).

قال الإمام الشافعي ((ت204هـ)): ((إذا دخل قوم من المسلمين بلاد الحرب بأمان فالعدو منهم آمنون إلى أن يفارقوهم أو يبلغوا مدة أمانهم وليس لهم ظلمهم ولا خيانتهم))، وقال أبن قدامة المقدسي ((ت620هـ)): ((وأما خيانتهم فمحرمة لأنهم إنما أعطوه الأمان مشروطا بتركه خيانتهم وامنه إياهم من نفسه وان لم يكن ذلك مذكورا في اللفظ فهو معلوم في المعنى ولذلك من جاءنا منهم بأمان فخاننا كان ناقضا لعهده فإذا ثبت هذا لم تحل له خيانتهم لأنه غدر ولا يصلح في ديننا الغدر)).

((وهذا ليس من باب المودة والمولاة لهم وإنما هو من باب العمل بما أمر الإسلام به. فاحترام المواثيق والمعاهدات مع الكفار وتحريم الغدر بهم، أمران أمر بهما الإسلام وحث على الالتزام بهما، لأنَّ الغدر والجهاد لا يلتقيان أبداً، فالغدر كما هو معلوم خيانة في موضع الائتمان)).

وقال الشيخ عبد العزيز آل الشيخ•: ((إن ما جرى فِي الولايات المتحدة الأمريكية من أحداث خطيرة راح بسببها آلاف الأنفس، لِمَن الأعمال الَّتِي لا تُقرها شريعة الإسلام، وليست من هذا الدين، ولا تتوافق مع أصوله الشرعية... أن هذه الأحداث الَّتِي وقعت فِي الولايات المتحدة وما كَانَ من جنسها من خطف لطائرات، أو ترويع لآمنين، أو قتل أنفس بغير حق، ما هِيَ إلا ضرب من الظلم والجور والبغي الَّذِي لا تقره شريعة الإسلام، بل هُوَ مُحرم فيها ومن كبائر الذنوب)).

ولكن تعاملهم مع المسلمين ولاسيما من أسموهم بالرافضة تختل فيه هذه الموازين, وإن جعلوهم في عداد الكفار , كما قال الداعية الوهابي الدكتور عبد الله ابن جبرين ((ت1430هـ)): ((الرافضة بلا شك كفار)), كما أفتوا بشركهم ووجوب بغضهم وحرمة إظهار المودة لهم أو السلام عليهم, ((فمواكلة الرافضي، والانبساط معه، وتقديمه في المجالس، والسلام عليه، لا يجوز، لأنه موالاة وموادّة...، والسلام تحية أهل الإسلام بينهم، فإذا سلم على الرافضة، وأهل البدع، والمجاهرين بالمعاصي، وتلقاهم بالإكرام والبشاشة، وألان لهم الكلام، كان ذلك موالاة منه لهم. فإذا وادهم، وانبسط لهم، مع ما تقدم، جمع الشر كله، ويزول ما في قلبه من العداوة والبغضاء، لأن إفشاء السلام سبب لجلب المحبة))، وقد أسس ابن تيمية للقول بشرك الرافضة بقوله: ((كالرافضة الذين هم أكذب طوائف أهل الأهواء، وأعظمهم شركاً)), ولذا جوزوا الصلاة خلف الفاسق ومنعوا منها خلف الرافضي, فعندهم: ((تجوز الصلاة خلف صاحب هوى وبدعة، ولا تجوز خلف الرافضي)), بل أنهم أفتوا بكفرهم ووجوب قتلهم, وكفر من توقف في ذلك, فقالوا: ((أَنَّ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَةَ وَالْبُغَاةَ الْفَجَرَةَ جَمَعُوا بَيْنَ أَصْنَافِ الْكُفْرِ وَالْبَغْيِ وَالْعِنَادِ وَأَنْوَاعِ الْفِسْقِ وَالزَّنْدَقَةِ وَالإِلْحَادِ وَمَنْ تَوَقَّفَ فِي كُفْرِهِمْ وَإِلْحَادِهِمْ وَوُجُوبِ قِتَالِهِمْ وَجَوَازِ قَتْلِهِمْ فَهُوَ كَافِرٌ مِثْلُهُمْ))، وذلك مما أسسه ابن تيمية كما نقل عنه تلميذه ابن مفلح ((ت763ه)) فقد جعل قتالهم قتال أهل الردة وجوز انتهاب أموالهم وسبي حريمهم.

وهذا الذي يشهده العالم من فظائع الجرائم بحق المسلمين الذين يشهدون "لا إله إلا محمد رسول الله" ويصلون الخمس, نتيجة هذه الفتاوى, فلم يراعوا طفلا ولا شيخا ضعيفاً, ولا نساء, فإن تفجيراتهم لا تفرق بينهم وبين غيرهم.

وجواب السؤال الثاني.

فقد أجاب به الأثري تهييج الكفار لدخول بلاد المسلمين, مستفتحا بما نقله من استنكار الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ, بقوله: ((إنّ جَرَّ المعركةِ إلى داخلِ البلادِ الإسلاميةِ أمرٌ جَلَلٌ عظيمٌ، سوف تحصلُ في كلِّ بلدٍ مصيبةٌ، وسيتطاحنُ الناسُ...)). ليحكم بعدم جواز هذا الفعل.

واستدل على ذلك بأحاديث من السنة الشريفة:

1- ما رواه حذيفة بن اليمان إذ بعث رسول الله "صلى الله الله عليه وآله" لاستطلاع خبر المشركين, إذ قال صلى الله عليه وآله": ((اذْهَبْ فَأْتِنِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ ، وَلاَ تَذْعَرْهُمْ عَلَيّ)) . قال حذيفة: ((فَلَمّا وَلّيْتُ مِنْ عِنْدِهِ جَعَلْتُ كَأَنّمَا أَمْشِي فِي حَمّامٍ، حَتّىَ أَتَيْتُهُمْ ، فَرَأَيْتُ أَبَا سُفْيَانَ يَصْلِي ظَهْرَهُ بِالنّارِ، فَوَضَعْتُ سَهْماً فِي كَبِدِ الْقَوْسِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْمِيَهُ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم": "وَلاَ تَذْعَرْهُمْ عَلَيّ" وَلَوْ رَمَيْتُهُ لأَصَبْتُهُ)).

والواقع يحكي أن هذا فيما يتعلق ببلاد المسلمين التي يسكنها المكفرون, لا غير, ولكنهم تسببوا في دخول جيوش الكفار الى سوريا والعراق كما هو الحال اليوم.

وجواب السؤال الثالث:

((ويقصد من هذا السؤال ما يجري في الساحة الإسلامية من حالات الاعتداء على الكفار القاطنين الأراضي الإسلامية أو من يدخلها بعقد أمان أو عهد ، يعقد له من قبل حكام المسلمين أو من آحادهم...، ولقد بين أهل العلم من علماء الدعوة السلفية المباركة هذا الأمر أتم بيان))، وحكمه عدم الجواز.

وأشار الأثري إلى عدم جوازه, مستنكرا هذه الأفعال المسيئة للإسلام, واستدل عليه بما روي عن الرسول الأكرم "صلى الله عليه وآله", ومنها:

1- ما روي عن النبي الأكرم "صلى الله عليه وآله", أنه قال: ((من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وأن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً))، والمراد بالمعاهد: ((من له عهد مع المسلمين سواء كان بعقد جزية أو هدنة من سلطان أو أمان من مسلم)).

2- ما روي عن الرسول الأعظم "صلى الله عليه وآله", أنه قال: ((المسلمون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم، يرد مشدهم على مضعفهم، ومتسرعهم على قاعدهم، لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده)), فإذا أجار المسلم كافرا فإجارته محترمة, وعلى ذلك: ((إن بعض المسلمين وإن كان قاصي الدار إذا عقد للكافر عقداً لم يكن لأحد منهم أن ينقضه، وإن كان أقرب دار من المعقود له)).

نعم؛ يفتون بهذا إذا كان في البلدان التي تعاطف حكامها معهم وأعطاهم المناصب التي ظاهرها أو عنوانها ديني, فقد أجاب مفتي عام السعودية, ورئيس هيئة كبار العلماء فيها, الشيخ ابن باز ((ت1420هـ)) في استفتاء عن حكم الاعتداء على الأجانب – أي غير المسلمين- من السياح والزوار في البلاد الإسلامية, بقوله: ((هذا لا يجوز. الاعتداء لا يجوز على أي أحد، سواء كانوا سياحًا أو عمالاً لأنهم مستأمنون، دخلوا بالأمان، فلا يجوز الاعتداء عليهم، ... لأن التعدي عليهم تعد على أناس قد دخلوا بالأمان؛ فلا يجوز التعدي عليهم)).

ويبدو أن هذه الفتوى محدودة السريان في السعودية!, لما هو ظاهر للعيان من أعمالهم, التي بنيت على تهافت فتاوى أئمتهم, فقد أفتى ابن عثيمين بحرمة تفجير الفلسطيني نفسه في حافلة تقل اليهود, واستدرك بأن ذلك جائز إذا كان فيه مصلحة أكبر من تفجير نفسه؛ واستشهد بما ذكره إمامه ابن تيمية من قصة الغلام الذي أرشد الملك لطريقة أدت إلى قتله, يقول شيخ الإسلام: "وهذا حصل فيه نفع كبير للإسلام"•))، ولعل المصلحة في نظره تنطبق على ما يجري في بلاد المسلمين, فقد قال الشيخ محمد الصالح العثيمين: ((إن الإنسان يجوز أن يغرر بنفسه في مصلحة عامَّة للمسلمين، فإن هذا الغلام دلَّ الملك على أمر يقتله به ويهلك به نفسه ، وهو أن يأخذ سهماً من كنانته.... الخ ))، وأفتى الشيخ سلمان بن فهد العودة بأن التفجيرات الانتحارية –التي أسماها استشهادية- إذا كان فيها نكاية بالعدو [والعدو عنده ليس إلا المسلمين الذي يخالفونهم الرأي], وكان يوقع بهم قتلا كثيرا ويزرع الرعب والرهبة في نفوسهم, فهو جائز, بشرط أن يكون تحت نظر أمثاله، إذ إنه –بحسب العودة•- ((لا يمكن أن يوكل لآحاد الناس وأفرادهم، خصوصاً في مثل أحوال الناس اليوم، بل لابد أن يكون صادراً عن أهل الخبرة والدراية والمعرفة بالأحوال العسكرية والسياسية من أهل الإسلام [أي السائرون على نهج ابن تيمية وابن عبد الوهاب, لا غير وحماته وأوليائه...، ومن يقوم بهذه العمليات وفق الشروط المعتبرة شرعاً فهو بإذن الله شهيد إذا صحت نيته ، إنما الأعمال بالنيات ، يدعى له ويترحم عليه...، ويجوز الصرف على هذه العمليات من بيت المال، أومن الزكاة لأنها من سبيل الله))، وسئل الشيخ عبد العزيز آل الشيخ:  ((تتعرض بعض الدول الإسلامية لحرب أو احتلال من دول أخرى، فيعمد بعض أفرادها إلى مهاجمة أفراد البلد المعتدي بالطرق الانتحارية، فيقتل نفسه، ويقتل غيره من الأعداء، وربما امتد ذلك لأهل بلده أو غيرهم من الآمنين، ويرون أن هذا لون من ألوان الجهاد في سبيل الله، وأن المنتحر شهيد. ما رأي سماحتكم في هذا العمل؟ فأجاب: الجهاد في سبيل الله من أفضل الأعمال، وأجَلّ القربات، وقد جاءت في الأمر به والحث عليه نصوص كثيرة من الكتاب والسنة، حتى قال بعض العلماء أن جمعها يستوعب مجلدًا كاملاً)). 

وقد أنتج هذا ما يشهده العالم اليوم, ولاسيما ضد المسلمين, وفي سؤال وجهه الى المكتب العلمي لهيئة الشام الإسلامية عن استفتاء مفاده: ما حكم القيام بعمليات تفجيرية ضد قوات النظام السوري السفاك المجرم وشبيحته، تستهدف حواجزهم وآلياتهم وأوكارهم، علماً أن بعض تلك ‏الأهداف موجود داخل أحياء سكنية، وشوارع يرتادها المارة من المدنيين وقد يُقتل بعضهم فيها؟ وما حكم من يُقتل في تلك التفجيرات من المجندين الذين لا ندري إن كانوا راضين عن أعمال النظام أو مكرهين على القتال؟

فقد أجاب بالآتي: ((مقاومة النظام السوري الفاجر بكل وسيلة مشروعةٍ جهادٌ في سبيل الله، ومن ذلك: تفجير ثكناتهم وأماكن تجمعاتهم وقواعدهم التي ‏يتحصنون فيها، ومعداتهم ومركباتهم التي يتنقلون بها، والحواجز التي يقطعون بها الطرقات، وفي هذه العمليات من النكاية بهم وإضعاف شوكتهم ما يعجل ‏بسقوطهم إن شاء الله تعالى... فإن لم يتركوا الخدمة في صفوف الجيش فاستهدافهم بالقتل هو من جنس استهداف بقية جنود النظام المجرم، إذ لا سبيل لتمييز نيتهم عن بقية الجنود، ولسنا مكلَّفين بالبحث في قلوبهم هل هم راضون بهذا الإجرام أم لا، وأمرهم في الآخرة إلى الله)).‏

جواب السؤال الرابع:

أما مسألة ضرب الكفار في حال اختلاطهم بالمسلمين، فهذا الأمر لا يجوز الأقدام عليه لما فيه من المفاسد الراجحة و المؤكدة التي من الممكن أن تقع نتيجة هذا الفعل. فهو لا يخرج عن حدود التهافت في جواب الأسئلة الثلاثة السابقة وحسابات المصلحة والمفسدة التي يقدرها المفتون بحسب أهوائهم التي تستدعي قتل المسلمين والآمنين في كنفهم ما لم يكونوا سائرين على نهج ابن تيمية وأتباعه. فقد أفتى أتباع مدرسة ابن تيمية بجواز التفجيرات الانتحارية إذ كانت تحت نظر أمير منهم وعالم منهم, وذهب إليه بعض العلماء المعاصرين كالدكتور يوسف القرضاوي، والدكتور علي الصوا، والدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، والدكتور عجيل النشمي، ومفتي سوريا الشيخ أحمد كفتارو، وهو المفهوم من فتوى الشيخ الألباني، وكذلك عدد من علماء السعودية، فقد نُقِل عن الشيخ عبد الله بن حميد في فتوى له عام 1400هـ، وأفتى به الشيخ عبد الله البسام، والشيخ عبد الله بن منيع، والشيخ حمود العقلا، والشيخ سليمان العلوان.



المبحث الثاني

 مباني الحركات التكفيرية وتأصيل ابن تيمية لها.

المطلب الأول: الحركات المتطرفة التي كفرت المسلمين.

المطلب الثاني:  المباني الفقهية للحركات المتطرقة.

المطلب الثالث: أثر الفكر التكفيري المعاصر في المجتمع الإسلامي.

المطلب الأول: الحركات المتطرفة التي كفرت المسلمين.

لعل أبرز وأقدم ظاهرة تكفيرية في الإسلام هي ظاهرة تكفير من وسموا بالمرتدين في عهد أبي بكر, وكان من أجلى دواعي هذا التكفير الخلاف السياسي, المتمثل بعدم ارتضاء جملة من المسلمين تولي أبي بكر الخلافة مطالبين بتنفيذ نص النبي "صلى الله عليه وآله" الذي أدلى به في غدير خم, فامتنعوا عن إعطاء الزكاة لأبي بكر, فما كان من أتباع أبي بكر إلا قالوا بكفر هؤلاء, وحدث ما حدث ولاسيما في قضية مالك بن نويرة. فكانت دواعي هذا التكفير دواع سياسية, والظاهرة الأخرى؛ ظاهرة تكفير الخوارج التي كانت تكفر الناس، بعد رفضها لمبدأ التحكيم حين الانتهاء من موقعة صفين، فخرج هؤلاء عن علي بن أبي طالب "عليه السلام"، ونشأت بذلك فرقة الحرورية، وأميرهم عبد الله بن وهب الراسي. ثم انقسموا إلى فرق أخرى، وقد كفروا عثمان بن عفان، وطلحة، والزبير، وعمرو بن العاص، وأبا موسى الأشعري، ومعاوية بن سفيان، وكل من رضي بالتحكيم وصوب الحكمين أو أحدهما، وهذا التكفير ذو دواعٍ سياسية واضحة - أيضا- لتعلقه بقضية الإمامة أو الخلافة.

وفي هذا العصر وما قاربه هناك حركات إسلامية متطرفة كفرت المسلمين إلا من انتحل فكرهم وسار على نهجهم, وتذرعت هذه الحركات بفتاوى كان ابن تيمية رمزا فيها, ومفتاحا ومنبعا لفقه التكفير الذي تتوسل به إلى القتل والإرهاب المذموم, وهذا التكفير وإن كان كثير منه يصطبغ بصبغة دينية تتكئ على مباني فقهية أو عقدية, إلا أنها تسير في ركاب أيديولوجيات وسياسات تطمح للسلطة أو تناصر سلطات أو حكام معينين.

ولكثرة هذه الحركات على مدى التاريخ, فسيركز البحث على أبرز هذه الحركات وأهمها؛ إلا وهي الوهابية, لما توالدت منها العديد من الحركات التكفيرية ولاسيما "القاعدة", و"داعش" والحركات المؤيدة لها أو التي انضوت تحتها بعنوان البيعة، ولذا فسيشير البحث لغيرها إشارةً, ويبتدئ بالوهابية لأثرها البالغ.

1- الوهابية:

الوهابية؛ عرفت بهذا الاسم نسبة إلى مؤسسها محمد بن عبد الوهاب بن سليمان المُشَرَّفي التميمي النجدي، ((ت 1206 هـ)), الذي ولع وعكف على كتب ابن تيمية وابن القيم, تأثر بها تأثرا واضحا, فسار على نهج التشدد والتكفير تحت غطاء "الدعوة السلفية", مستعينا بأمراء آل سعود الذين أفادوا من دعوته باللسان ليناصروها بالمال والسلاح, وقد كان لهذه الدعوة تمهيد سبق ابن عبد الوهاب على يد بعض المتفقهين على المذهب الحنبلي, ((ولعل اهمهم الشيخ عثمان بن أحمد النجدي المتوفى "1097هـ- 1675م" الذي صنف كثيرا من المؤلفات في الفقه الحنبلي)).

ويبدو أن محمد بن عبد الوهاب لم يكتف بأفكار ابن تيمية وابن القيم, بل انطلق منها ليعكف على أخبار كبار الدجالين الذين ادعوا النبوة كمسيلمة الكذاب, وسجاح, والأسود العنسي, وطليحة الأسدي، ولذا فقد ظهر عليه الزيغ والانحراف بصورة واضحة، مما حدا بوالده ومشايخه إلى تحذير الناس منه ومن ضلاله، وفي سنة ((1143 هـ))‍ أظهر محمد بن عبد الوهاب الدعوة إلى مذهبه الجديد، إلا أن والده ومشايخه وقف بوجهه وأبطلوا أقواله. إلا أنه لما مات والده عام ((1153 هـ))‍ جدد دعوته بين العوام بما لبّس عليهم بعبارات مزورة مزخرفة فاتبعه السذج منهم, نصره في دعوته ((من أمراء المشرق محمد بن سعود, أمير الدرعية وكان من بني حنيفة قوم مسيلمة الكذاب, ولما مات محمد بن سعود قام بها ولده عبد العزيز بن محمد بن سعود)), وما كانت تلك المفازة لهؤلاء إلا ((وسيلة إلى تقوية ملكهم واتساعه, وتسلطوا على الأعراب وأهل البوادي حتى تبعوهم وصاروا جندا لهم بلا عوض, وصاروا يعتقدون إن من لم يعتقد ما قاله ابن عبد الوهاب فهو كافر مشرك مهدور الدم والمال)), وذلك في ظل الظروف الحرجة التي تعيشها المنطقة والذي دعا ابن سعود للتواصل مع بريطانيا لدعم المشروع الوهابي, الذي كانت دعوته مبنية على تكفير المسلمين والإسهام في طمس الهوية الإسلامية وتفتيت أي وحدة ممكنة بين المسلمين في الخليج, مما يعني أن الوهابية كانت حركة سياسية أكثر مما تدعيه من التوجه الديني, فليس بعيدا عن الصواب ما قيل؛ أن محمد بن عبد الوهاب إنما نفذ خطة رسمتها بريطانيا لتقويض بناء الأمة الإسلامية وهدم أركانها, لما وجدوا فيه من أرض خصبة لهذه المهمة بما يتصف به من الغرور وحدة المزاج والأفكار التي تحكي شخصية ابن تيمية المَرَضِيّة, ولاسيما أنه تأثر بشخصية ابن تيمية ((حتى انه يمكن القول بأن دعوته هي استمرار لدعوة ابن تيمية...، وإذا كانت دعوة ابن تيمية قد انتهت بالفشل, وإن جهوده لم تؤت أكلها... فإن دعوة محمد بن عبد الوهاب قد كتب له النجاح والانتشار عندما تحالف مع أمير الدرعية, فكان من لوازم التظاهر الديني ذي البعد السياسي  لهذه الحركة أو الدعوة؛ الحكم بكفر عموم المسلمين ، ((عامة الناس اليوم غير موحدين؛ لأنهم يعبدون غير الله تعالى؛ فاستوجبوا لذلك, كما استوجب كفار العرب عند بعثة النبي على السواء)), بل حكمَ بشرك المسلمين منذ ستمائة سنة قبل ابتداعه وادعائه تجديد الدين عن طريق تأويل الآيات القرآنية بما يحلو لصاحبها الذي لم يستمع إلى نصائح كبار مشياخه الذين نصحوه أن لا يستمر بتكفير السواد الأعظم من المسلمين إلا شرذمة ممن شذ واتبعه, فلم ينفع النصح به ولم يرعو, ولعل ذلك لتأثير البعد أو الاتجاه السياسي في نفس هذا الرجل.

ومن شواهد ما حفل به تاريخ الوهابية من سفك دماء المسلمين وانتهاب أموالهم وانتهاك اعراضهم وسبي نسائهم وقتل الأطفال ما وقع في هجومهم على الطائف سنة ((1217هـ)).

وبعد أن اشتدت فتنتهم واستطارت نار شرهم سرت إلى البلد الحرام, حتى طلب منهم أهل مكة الأمان سنة ((1218هـ)) حتى اخرجوا منها بالقوة بعد أشهر, ثم عاودوا الكرة عليها وحاصروها فعظم البلاء واشتد الغلاء حتى أكل أهلها لحوم الكلاب, مما اضطرهم إلى الصلح مرة أخرى, فاملى عليهم الوهابية شروطا فعلوا بموجبها ما فعلوا من الخراب والدمار والاستهتار بكل القيم الأخلاقية, حتى سنة ((1226هـ)) فصارت الحرب سجال لسنين عدة لم يأمن منهم ذو روح أو جماد.

وكذلك كان حال حرم الرسول "صلى الله عليه وآله" كحال حرم الله تعالى, فقد غزوا المدينة المنورة وفعلوا بها ما فعلو من حصار وقتل وسفك دم وهتك أعراض, وحفر البيوت حتى المراحيض بحثاﹰ عن المال, بعد أن حملوا عليها كرارا حتى دخلوها بعد خمسة وعشرين يوماً من القتال, وبعد دخولها وقتلوا من أهلها جملة أسموهم الناكثين, ونهبوا كل ما في خزانة الحضرة النبوية المشرفة من قناديل وتحف وأموال, ثم صاروا إلى البقيع فهدموا كل القباب, ((وتلك القباب: قبة الزهرا؛ فاطمة بنت رسول الله "صلى الله عليه وسلم", وقبة الحسن بن علي "رضي الله عنه", وقبة علي بن الحسين "رضي الله عنه", وقبة محمد الباقر "رضي الله عنه", وقبة جعفر الصادق, وقبة عثمان, "رضي الله عنهم أجمعبن)), ثم عمدوا إلى هدم قبة سيد الشهداء حمزة "رضي الله عنه"؛ عم النبي "صلى الله عليه وآله" وكانت له قبة كبيرة في أحد.

 ومن شواهد جرائمهم ما وقع في الرياض, حتى سميت المعركة "وقعة الشيّاب", لما قتل فيها من كبار السن, و"وقعة العبيد" لما قتل فيها من العبيد, و "وقعة الغيبة" ؛ لبقاء أجساد القتلى بلا دفن لأيام عدّة, وما حصل فيها من نهب الأموال, وتدمير المزارع في "ثرمدا" وقتل إمام جمعتها في مصلاه في شهر رجب الحرام, وتخريب مزارع "البنية", وانتهاب الأموال والأغنام والإبل والأمتعة من قرية العتك بعد أن قتلوا الرجال والأطفال وروعوا النساء, واستمرت غزواتهم الهمجية على الرياض على هذه الشاكلة من البشاعة وانتهاك الحرمات والقيم سنين بذريعة الردة والشرك, ولم تكن قرى الجزيرة بأجمعها والخليج بمنأى من هذا الدمار والفتك الهمجي, وكذلك الحال في البصرة والكويت, وكانوا يتباهون بما يفعلون بالمسلمين من فظائع وخراب، كما يظهر لمن قرأ ما دونوه بأيديهم.

وهكذا الأحداث في نجران, وكذا في الأحساء التي أعمل فيها السيف بضرب الأعناق وأجهضوا الحوامل, وفي البحرين إذ قتلوا ((1400)) نفس بين شيب وشباب ونساء وأطفال, وفي قطر لم يكن الحال بأفضل من غيره، وأما في أبو ظبي فكان غزوهم متميزا بما دونوه بأخذ النساء سبيّات مع الخيول!, وكانت هذه صفتهم في كل غزوة همجية. أما عمان فقد تعرضت لحملات وهابية همجية عنيفة لمرات, اشتملت السلب والنهب, مما اضطرهم للخضوع لسلطانهم ودفع الجزية.

وكذلك لم تكن اليمن ببعيد عن وطأة التخريب والتدمير الوهابي, إذ عاثوا فيها أشد الفساد كما دونوا ذلك متباهين بسوء أعمالهم.

وفي مصر والعراق والشام التي منعوا من السفر إليها؛ لأنها – بزعمهم بلاد شرك وكفر؛ إذ حذروا أهل حائل من السفر إلى هذه البلدان, ومن سافر إليها فدمه وماله مباح, ففي الشام وحلب أعمل الوهابيون القتل، حتى قتلوا خلقاً في غزواتهم, فقتلوا وسبوا النساء حتى أنهم جردوهن من الثياب, وفي الأردن كان هجوم الوهابية بتخطيط مباشر من الانكليز لخصوصية تتعلق بالشريف حسين, والأهم من ذلك خدمة الصهاينة اليهود ليحكموا فلسطين, فأغار على شرقي الأردن وقتلوا ((250)) نفساً وأعملوا النهب والهتك.

أما العراق, فلقد أفسدوا فيه فسادا كبيرا وفرضوا الجزية سنينا ونهبوا من الأموال الكثير, في بغداد وغيرها صعودا إلى شمال العراق, ونزولا حتى السماوة وسوق الشيوخ والبصرة, وفي كربلاء حدثت المجزرة الوحشية على يد الوهابية الذين اعدوا لها العدة والعدد فحاصروها حتى دخلوها بعد قتل ذريع لم ينجُ منه حتى الأطفال, وبعد ذلك أوقعوا السلب والنهب ولاسيما من خزائن الحضرة الحسينية الشريفة, وهدموا قبر سيد شباب أهل الجنة سبط النبي المصطفى وسرقوا الشباك المحيط به وربطوا خيلهم في الصحن الحسيني، ودقوا القهوة فيه إيغالا منهم في هتك حرمة الرسول "صلى الله عليه وآله" في أهل بيته "عليهم السلام" وكان ذلك في شهر ذي القعدة الحرام. يقول مؤرخهم مفتخرا: ((وقصدوا أرض كربلاء ونازل أهل بلد الحسين, وذلك في ذي القعدة, فحشد عليها المسلمون, وتسوروا جدرانها ودخلوها عنوة, وقتلوا غالب أهلها في الأسواق والبيوت, وهدموا القبة الموضوعة بزعم من اعتقد فيها قبر الحسين, وأخذوا ما في القبة وما حولها, وأخذوا النصيبة التي وضعوها على القبر, وكانت مرصوفة بالزمرد والياقوت والجواهر, وأخذوا جميع ما وجدوا في البلد من الأموال والسلاح واللباس والفرش والذهب والفضة والمصاحف الثمينة, وغير ذلك مما يعجز عنه الحصر)). أما في النجف الأشرف؛ فقد خاب هجومهم الأول في شهر صفر من سنة 1221هـ /1806م, بعد التصدي لهم وإثخانهم قتلا, فاضطروا للرجوع مخذولين, ثم عادوا الكرة بعد السنة التالية فلم يفلحوا فانعطفوا إلى الحلة، ومنها إلى كربلاء, ثم عاودوا للنجف بعد أربع سنين فأخافوا السبيل وسلبوا الزوار الوافدين إلى قبر أخي رسول الله "صلوات الله عليهما وآلهما" متهتكين كل حرمة ولم يرقبوا كل ذمة.

كل هذا يسير من كثير... فهكذا كانت الوهابية التي سارت على نهج ابن تيمية مطبقة لما أسس له نظريا, فاتبعت سبيل التكفير متعطشة للدماء منتهكة للحرمات, لم يسلم من شرها ما صادفته من بشر أو شجر أو مدر، والملاحظ أنهم يدونون أعمالهم السيئة هذه بفخر كما هو الملاحظ في ايامنا هذه إذ ينشرون جرائمهم على المواقع الإليكترونية بمشاهد حية للقتل والسبي وفظائع الذبح وتفجير المدن الآمنة... إلى غير ذلك مما هو واقع معاش تجسده الحركات التي تنتمي إلى هذا المنهج التكفيري الهدام.

2- جماعة أهل الحديث.

وتعد أقدم الحركات الإسلامية في شبه القارة الهندية، ((كان مسلمو الهند يقدِّرون العرب والعربية، لأن القرآن عربي، والنبي عربي، فأصبحوا يعدون العرب عنوانا لهم، ويحاولون تقليدهم... ظانين فيهم الحق والخير التام، فكان للدعوات التي قامت في بلدان العرب أثرها في الهند، بغض النظر عن سلامتها أو غير ذلك، وذلك أفشوا الجهل بصورة عامة، فدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب في الجزيرة، لقيت رواجا، وساندها رجال جماعة أهل الحديث، فعمت البلاد وانتشرت)), بعد إن كان هناك تمهيد في القرن الثامن الهجري إذ قدم بعض تلامذة ابن تيمية من مصر والشام فسكنوا الهند وتأثيرهم على سلاطين ذلك العصر ولاسيما "محمد تغلق" الذي كان له أثر بالغ في التغيير السياسي, ولذا فقد سارت في ركاب التنظير التكفيري لابن تيمية وابن قيم الجوزية ومحمد بن عبد الوهاب, وعنيت بنشر كتب أعلام الدعوة المسماة بالسلفية, ولاسيما كتب مصدر الدعم المالي وأفكار الفتنة لهذه الحركة عبد العزيز بن باز مفتي عام المملكة العربية السعودية, فكفرت هذه الحركة أغلب فرق المسلمين ولاسيما الشيعة.

وتتركز هذه الحركة في كل من بلاد الهند وباكستان وبنغلاديش ونيبال وكشمير وسيرلانكا وجزر فيجي ولهم مركز في حاضنة الحركات الدينية المنحرفة بريطانيا، وتعمل الجمعية في ولاية كيرالا بالهند من خلال خمس جمعيات إصلاحية سلفية: هي: ندوة المجاهدين, وجمعية العلماء بكيرالا, واتحاد الشبان المجاهدين.


3- جماعة أنصار السنة المحمدية.

تأسست جماعة أنصار السنة المحمدية عام ((1345هـ ـ 1926م)) في القاهرة. مؤسسها الشيخ محمد حامد الفقي بمشاركة الشيخ محمد عبد الوهاب البنا، محمد صالح الشريف، عثمان صباح الخير، وآخرين، وقد أسست بدعم مشايخ السلفية في السعودية على نهج ابن تيمية ومحمد عبد الوهاب بزعم تجديد الدين بعد الانحراف ومحاربة الشركيات والبدع والخرافات, والمقصودون بتلك الحرب هم الصوفية والرافضة, ((مع تطور أعمال الجماعة الدعوية أنشأ الشيخ الفقي مطبعة السنة المحمدية لنشر كتب السلف وبوجه خاص كتب ابن تيمية وابن القيم))، ومن رموزها المتواصلين بشكل معلن ومباشر مع سلفية السعودية الشيخ عبد الرزاق عفيفي؛ إذ جاءه ((طلب خاص من مفتي المملكة العربية السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم، سافر الشيخ ومعه الشيخ محمد خليل هراس إلى السعودية للتدريس بدار التوحيد بالطائف، وفي عام 1370هـ نقل للتدريس بالمعاهد العلمية وكلية الشريعة بالرياض)). لينتخب بالإجماع رئيسا للجماعة بعد وفاة حامد الفقي, ثم انتدب مرة أخرى للتدريس في المملكة العربية السعودية وذلك في عام 1380هـ، ((وتدرج في سلك التدريس إلى أن أصبح مديرًا للمعهد العالي للقضاء عام 1385هـ، كما شارك في اللجان المتخصصة لوضع مناهج التعليم بالمملكة، وفي عام 1391هـ نقل إلى الإدارة العامة للبحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد وعين نائبًا لرئيس اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، مع جعله عضوًا في مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية والذي ظل يشغله حتى يوم وفاته 25 ربيع الأول 1415 الموافق 1 أغسطس 1994م))، وقد كان له دور ريادي في تربية جيل من مشايخ السلفية على نهج ابن تيمية؛ فقد تخرج علي يديه جيل من علماء المملكة والعالم الإسلامي الذين يعرف أكثرهم بالمنهج التكفيري, أمثال: ((الشيخ عبد الله بن جبرين، الشيخ صالح اللحيدان، الشيخ عبد الله بن حسن بن قعود، الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، الشيخ عبد الله بن غديان، الشيخ صالح السدلان، الدكتور صالح الفوزان، الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، والشيخ مناع القطان وغيرهم ....، وطيلة هذه الفترة لم تنقطع صلته بالجماعة)) ، وبقيت هذه الجماعة في تواصل دائم مع سلفية السعودية, وإن تخللها بعض الفتور من ناحية النشاط, إلا أنها تنشط بين حين وآخر, ففي مدة رئاسة الشيخ محمد علي عبد الرحيم ((عادت مؤتمرات الجماعة لسابق عهدها، فعقد المؤتمر الأول للدعاة، وتصدت مجلة التوحيد تحت رئاسة رئيس تحريرها الشيخ أحمد فهمي لتيار التغريب والعلمنة وكشفت رموز التيار الرافضي...)), ثم أخذت هذه الحركة بالانتشار في أفريقيا على المنهج ذاته، فأسست على غرارها في السودان وأرتيريا وليبريا.

وهذه الحركة وإن كانت تستمد من جذور فكرية وعقدية تتمثل بمؤلفات ((شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب, وعلماء الدعوة في الجزيرة العربية, والشوكاني, والصنعاني, والألباني...، وغيرهم من علماء الدعوة السلفية)), إلا أن لبعض مفكريها نظرة أقرب إلى الاعتدال – ولاسيما في مسألة الخروج على الحاكم- إذ يقول: ((وباستعراض حالات الخروج التي شهدتها الساحة الإسلامية منذ نشأة الدولة الإسلامية وإلى يومنا هذا، لم نرَ حالة واحدة تبشر بالخير، بل إنها جميعاً لم تؤت ثمارها المرجوة، فهي غالباً ما تفشل ولا ينتج عنها إلا اتساع دائرة الفتن...، وعلى العكس من ذلك فإن كل حركات الإصلاح التي شهدتها الدولة الإسلامية لم تتخذ الخروج والقتال سبيلاً لها...)), وقوله: ((المسلمون لا يجبرون أحدا على الإسلام, وقد كان أهل الذمة يعيشون في بلادهم في حرية تامة)), وهذا وإن كان يتفق في الغالب مع رأي المكفرين، إذ إنهم إذا تعلق الأمر بحاكم تتفق معه مصلحتهم يظهرون هذا الرأي, إلا أن هذا الكاتب يظهر منه عدم الميل إلى التكفير والعنف. يضاف إلى ذلك بعض الجهود العلمية المحمودة لبعض علماء هذه الجماعة.

3- الجماعة الإسلامية في شبه القارة الهندية.

تأسست هذه الجماعة في شبه القارة الهندية الباكستانية على يد أميرها "أبو الأعلى المودودي" ((ت 1399هـ)), منادية بتطبيق الشريعة والوقوف بحزم ضد الاتجاهات العلمانية, وتدعوا كل من أظهر الإسلام أن يخلصوا دينهم لله ويزكوا أنفسهم لتتخلص من التناقض والنفاق, والخلاص من حكم الطواغيت وانتزاع الإمامة الفكرية والعلمية من أيديهم وينقلوها إلى أيدي المؤمنين المسلمين. إلا أن المسلمين المؤمنين – كما يظهر من أفكاره - يريد بهم السائرين في ركاب ابن تيمية والوهابية, أما غيرهم فليسوا بمسلمين ما لم يندرجوا تحت هذا المنهج ((فنسب عقيدة الوثنيين إلى المسلمين وجعل الدعوتين من باب واحد وصادرتين من منشأ فارد وليس هذا إلا قضاء بالباطل)), وقد يتراءى من بعض كتاباته الإنصاف والاعتدال, ولكن((مع أنه نطق بالحق, والحق ينطق به المنصف والعنود، أراد إضفاء الشرك على التوسلات الدارجة بين المسلمين فذكر أن السبب لها ليس إلا اعتقاد المتوسل أن للنبي مثلا نوعا من أنواع السلطة على نظام هذا العالم وكذلك من يخاف أحدا يرى أن سخطه يجر عليه الضرر ومرضاته تجلب له المنفعة فلا يكون مصدر اعتقاده ذلك وعمله إلا ما يكون في ذهنه من تصور أن له نوعا من السلطة على هذا الكون فلا يبعثه عليه إلا اعتقاده فيه أن له شركا في ناحية من نواحي السلطة الألوهية)), يقول الشيخ جعفر السبحاني: ((أن موقف الكاتب أبي الأعلى المودودي من الوهابية موقف الدعم والتأييد وقد صب نزعاته في كتابه " المصطلحات الأربعة " فقد ألف ذلك الكتاب لغاية دعم المبادئ الوهابية تحت غطاء تفسير المصطلحات الأربعة ومع ذلك كله فقد صدرت منه عن "لا وعي" كلمة حق لو كان سائرا على

ضوئها لأصاب الحقيقة))، وقد تحمل كتب المودوي بعض الملاحظ التي وصفت بالإنصاف, مثل ذمه ليزيد, والتي سببت انزعاج أقرانه السعوديين.

وعلى أي حال فإن انتماء المودودي للفكر التكفيري الوهابي مما يقر به أتباع الوهابية, يقول عنه الدكتور مانع بن حماد الجهني: ((تأثرت دعوته - في الغالب - بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب إذ كان شديد الإلحاح على تنقية العقيدة من شوائب الشرك وضرورة العود دائماً إلى النبعين الصافيين والرجوع إلى الدليل في كل أمر وترك البدع)), وشاهد ذلك منحه جائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام في 27 فبراير 1979م.

 ويلحظ أن هناك عملية تأثير متبادل هذه الجماعة وجماعة الإخوان المسلمين, فإن ((كُتُبُ كلٍّ منهما تُدرس في مناهج الأخرى، وقد وجد حسن البنا في كتاب الجهاد في الإسلام الذي ألفه المودودي تطابقاً بينه وبين أفكاره التي يحملها عن الجهاد وأبدى إعجابه به))، وهذا ظاهر في كثير من سلوك الإخوان المسلمين.

4- المهدية.

من الحركات الثورية التي ظهرت في العالم العربي والإسلامي مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين الميلادي، على يد مؤسسها محمد أحمد المهدي بن عبد الله ((ت 1302هـ))  وهي ذات مضمون ديني سياسي شابته بعض الانحرافات العقائدية والفكرية, ويزعم مؤسسها أن رسول الله "صلى الله عليه وآله؟ جاءه في اليقظة! ومعه الخلفاء والأقطاب والخضر, وأنه "صلى الله عليه وآله" أمسك بيده وقال له: أنت المهدي, ومن شك في مهديتك فقد كفر"., وقد كفر – فعلا - كل من خالفه.

وقد انتهل هذا اللامهدي دعوته وتكفيره المسلمين من دعوة محمد بن عبد الوهاب, وذلك أنه قال بضرورة الأخذ عن الكتاب والسُّنَّة مباشرة، وفتح باب الاجتهاد، ورأى لنفسه العصمة ومقام الأنبياء, وحارب زيارة القبور... مع أنه بنى قبة لشيخه!!, وذلك ليس بمستغرب فقد فعل أتباع ابن تيمية بجنازته أكثر من ذلك.



5- القاعدة وما توالد منها.

القاعدة أو "تنظيم القاعدة" أو "قاعدة الجهاد", ((وتعرف أيضًا باسم: الجيش الإسلامي، الجبهة الإسلامية العالمية للجهاد ضد اليهود والصليبيين، الجيش الإسلامي لتحرير الأراضي المقدسة، شبكة أسامة بن لادن، منظمة أسامة بن لادن، مؤسسة الخلاص الإسلامي، جماعة الحفاظ على الأماكن المقدسة))؛ تنظيم سلفي المنشأ والميلاد والتفكير والقيادة والمنهج, إلا أنها تميّزت بشدة التكفير, والدعوة للجهاد بصورة عنيفة لم تحفل بمقدارها وكيفيتها الحركات المماثلة الأخرى, جاعلة مما تسمية بالجهاد وسيلتها الأولى والآخرة التي تحقق به ما تسمية بالدولة الإسلامية, مؤسس هذه المنظمة أسامة بن محمد بن عوض بن لادن ((ت2011م)), التي كانت نواتها الأولى في سنة 1984م, إذ  ((أسّس ابن لادن منظّمة دعويّة وأسماها "مركز الخدمات" وقاعدة للتدريب على فنون الحرب والعمليات المسلحة باسم "معسكر الفاروق" لدعم وتمويل المجهود الحربي للمجاهدين الأفغان، وللمجاهدين العرب والأجانب فيما بعد، وبعد انسحاب القوات السوفياتية من أفغانستان ومع بداية الغزو العراقي للكويت عام 1990م خرج ابن لادن من السعودية مهاجرا إلى السودان، وهناك أسس تجارة فاشلة أيضا ومركزاً جديداً للعمليات العسكرية في السودان)), ثم كان تأسيس القاعدة في أفغانستان بحدود الفترة ((1988-990م)) في أفغانستان؛ (( لجمع العرب الذين شاركوا في الحرب الأفغانية ضد الغزو السوفياتي، ساعدت في عمليات تمويل وتجنيد الإسلاميين السنيين المتطرفين ونقلهم وتدريبهم للمشاركة في المقاومة الأفغانية، هدفها الحالي هو "إعادة تأسيس الدولة الإسلامية" في العالم)), ويمكن القول: إن القاعدة صنيعة كل قوى الشر في العالم, مما جعل منها أبا روحياً ومظلة لكل التنظيمات والحركات التكفيرية التي تنفذ أعمالا إجرامية ضد الإنسانية والمسلمين بشكل خاص, إذ جعلت هذه الحركات من القاعدة مرجعية وغطاء وملاذا لها ((فليس مستغرباً أن يعلن زعيم تنظيمٍ جهادي في العراق أو الشام أو مصر أو السعودية أو غيرها ولاءه ومبايعته وطاعته لقائد تنظيم القاعدة, بل حتى الذين لم يعلنوا بيعتهم للقاعدة متمثلة بقائدها ابن لادن؛ فإنّ أعمالهم ونشاطاتهم تدخل في الإطار العام للقاعدة, وتسجل تلك الأنشطة في حسابات القاعدة ضمن أعمالها وإنجازاتها))، وقد كان نضوج هذه القاعدة وتحولها إلى كيان له هذه الأهمية، وهذه القوة ما حصل في أفغانستان من أحداث أبرزت أهمية الجهاد ضد انتهاكات الروس والحكومة الشيوعية في افغانستان للمسلمين, وهذا مما جعل الولايات المتحدة الأمريكية تدعم هذه الحركة وبقوة لتضفي علها الطابع الاستراتيجي وتحيطها بهالة إعلامية وصل إشعاعها إلى جميع العالم. فقد جعلت الولايات المتحدة الأمريكية من أسامة بن لادن بطلا بعدما ما جرى من المجازر في أفغانستان والشيشان حينما اشرأبت الأعناق تنتظر منهم موقفاً كي يصوغوا مواقفهم على أساسه؛ ((ومن المفارقة أن يجتمع مجلس الأمن بأعضائه جميعاً ويطالب الطالْبان بتسليم رجل واحد هو "أسامة بن لادن" ولا يجتمع ليطالب روسيا برفع يدها عن قتل شعب بأكمله)).

وقد كفّر ابن لادن جميع الناس من غير المسلمين كما حكم بردّة المسلمين إلا القليل منهم ممن ساروا على منهج ابن تيمية فقد عرض مساعدته للسعودية ودعمه لها ولاسيما في حرب الخليج الثانية إذ أبدى ابن لادن ((استعداده لاستقدام المجاهدين من أفغانستان الذين خاض معهم الجهاد في بلاد الأفغان للدفاع عن أرض الحرمين وإخراج المعتدي الكافر من بلاد المسلمين)). لما قدمته من دعم له في أفغانستان عن طريق الفتاوى من لدن علماء السلطة الموغلين في السير على خطى ابن تيمية وابن عبد الوهاب, إذ أوجبوا الجهاد بالنفس والمال مع ابن لادن في أفغانستان, وقد أكدت الحكومة صحة ذلك المسار الحكومي والديني.

ومن مميزات تنظيم القاعدة, أنها تجاوزت بعض الأخلاقيات التي تتبناها الحركات الجهادية السلفية حتى التكفيرية منها, إذ تجاوزت اشتراط عدالة الأمير المفترض الطاعة في جماعاتها, ((وقبول عدم الالتزام, والفسق في الأفراد والقيادات, لا شك أنه يعني بالضرورة الموافقة على فكرة "الجماعة الجهادية" التي يغلب عليها صفة الفسوق والمعصية, وهذا ما صرح به منهج القاعدة)), إذ يوصف كثير من أوائل المجندين وهم من السعوديين للقتال في أفغانستان في ثمانينات القرن العشرين ومطلع تسعينات منه؛ بأنهم من الذين عاشوا مظاهر الانحراف, ولم يكن إلا القليل منهم له تطلعات دينية أو عمل في القطاع الديني, وقد أفاد ابن لادن في استقطاب الشباب مما كتبه عبد الله عزام الإخواني الفكر, وذلك في كتابه "آيات الرحمن في جهاد الأفغان", الذي اتخذ طابعا تعبوياً عاطفياً يتذرع بمباني فقهية وهابية الهوى تيمية الهوية, فتوائم اتجاه الاثنين في الفكر التكفيري والعنف تحت مظلة الجهاد, ليستخدم ابن لادن هذه الفتاوى وأمثالها وعلاقاته الأسرية والإمكانات المالية في هذا السبيل، وبعد توالي الأحداث وعودة بعض الشباب السعودي المتشدد أخذت الحكومة السعودية تعاني منهم, إلى أن وجد المتنفس لدفع هؤلاء إلى ما يسمى بالجهاد في بلدان شتى حتى أفتى علماء المؤسسة الدينية الحكومية في السعودية –كابن عثيمين, وابن جبرين- بمشروعية الجهاد عام 1999م, وذلك نقطة من نقاط الحث على خروج هؤلاء الشباب المنضوين تحت غطاء تنظيم القاعدة بما فيهم من شر إلى خارج السعودية التي لم تتوانَ عن الدعم المالي.

ولكن هذا لم يمنع من التمرد الهادئ في السعودية إلى حين صعود تيار من علماء الوهابية لتوجيه خطاب ذي نزعة عدائية للغرب بصورة واضحة مما ساعد بإدامة الزخم لتنظيم القاعدة لتبرز على الساحة أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م.

بعد هذه الأحداث أخذ الوهابيون يتبرؤون من أفعال القاعدة في تصريحاتهم وفتاوى علمائهم, أخذ تنظيم القاعدة يفرخ وتنشط أذنابه وفروعه, في محاولة لتعويمه واستبداله بمسميات أخرى, فقد انبثق عن تنظيم القاعدة عدة فروع في عدة بلدان. كتنظيم القاعدة في جزيرة العرب الذي تعاقب عليه عدة أمراء لينشط في الفترة بين 2003 – 2006م, كما أسس أنصاره تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي الذي قام بعدة هجمات على الجيش الجزائري، وكذلك كتائب أبو حفص المصري التي تسمي نفسها لواء القاعدة في أوروبا وتبنت تفجيرات لندن، وتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين بقيادة الأردني أبو مصعب الزرقاوي مؤسس حركة التنظيم والجهاد" الذي بايع ابن لادن؛ لينمو ويشتد ليقوم بعمليات كبيرة في العراق بدأت باغتيال السيد محمد باقر الحكيم, وتفجير مبنى الأمم المتحدة في بغداد, ثم توالت التفجيرات.

استبدال القاعدة بداعش

وفي أوائل ما سمي بالربيع العربي, جددت واشنطن دعمها للمتشددين الإسلاميين الذين يلتمس منهم الفكر التكفيري والعنف, بطريقة جديدة لأجل إيصالهم إلى السلطة, كما حدث في تونس ومصر، كما دعمت جبهة النصرة, لإحداث تغيير في سورية بغرض استيعابهم, ولكن من دون جدوى مع أنها تحظى بمساندة تركيا وقطر علنا, وغيرها بصورة غير معلنة. أما في ليبيا فقد عملت طائرات حلف شمال الأطلسي "الناتو" كسلاح جو لفرع تنظيم القاعدة المحلي, تحت قيادة عبد الحكيم بلحاج لإسقاط القذافي، ولعل مقتل السفير الأميركي في ليبيا "كريستوفر ستيفنز" عام 2012م، في هجوم على مقر القنصلية الأميركية في مدينة بنغازي، أظهر للولايات المتحدة مخاطر سياستها تلك، وجعلها تصنّف بعد هذا الهجوم جبهة النصرة على لائحتها للتنظيمات الإرهابية، وهكذا طويت المحاولة الأولى لتعويم القاعدة, إلا أن بروز "داعش" بقوة أعاد أمكان استبدال القاعدة بمنظمة مثلها بل أقوى منهاً.

وداعش "الدولة الإسلامية في العراق والشام"؛ تنظيم مسلح يتبنى الفكر التكفيري على منهج ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب, بدأ تشكيله في 15/9/2006م,  بمفاهيم تتظاهر بالإسلام وهو منها براء, ويتزعم هذا التنظيم أبو عمر البغدادي, ثم أبو بكر البغدادي اللذان ينتميان إلى القاعدة بقيادة أيمن الظواهري خلف أسامة بن لادن, ويضم التنظيم أفرادا من جنسيات مختلفة, واعتمد "داعش" في بداية أمره على التفجيرات الانتحارية, وهدفه المدعى إعادة الخلافة الإسلامية في العراق والشام بعد أن اندمج مع جبهة النصرة بقيادة أبي محمد الجولاني, وبعد ذلك بعد سرت العدوى الى سوريا عقب اندلاع ما يسمى بالثورة السورية, فقويت شوكة الحركة بفضل دعم العديد من الدول بالمال والسلاح لها من أجل إسقاط حكومة بشار الأسد، الذي تمكن بمساندة بعض الدول على رأسها روسيا من قهقرتها مما دفعها باتجاه العراق بمساعدة حواضن له فيها, فسرت نارها محرقة الأخضر واليابس مرتكبة أبشع صور الإجرام, وقد حدث شقاق بين البغدادي والجولاني على زعامة التنظيم فتقاتلا وكفرا بعضهما.

وقد تم تعيين أبا بكر البغداي خليفة لهذا التنظيم في 29/6/2014م, بعد تاريخ حافل بالجرائم التي تستنكرها الإنسانية فضلا عن المبادئ السامية للدين الإسلامي الحنيف من سفك دماء بغير حقها وانتهاك حرمات.

وما زال مسلسل الذبح والحرق وانتهاك الأعراض وقتل الأطفال والتهجير, واستخدام الأسلحة المحرمة كالأسلحة الكيماوية وغيرها مستمرا حتى يومنا هذا. كل ما تقدم من فظائع هذه الحركات ناتج عن فتاوى التكفير التي استمدت من نهج ابن تيمية وفقهه المشوه.

المطلب الثاني:  المباني الفقهية للحركات المتطرقة.

إن منهج التكفير بوصفه نزعة إقصائية تصدر عن توجه يختزل الحق ويحصره في إطار ذاتي ليحارب الآخر أو الآخرين واصما إياهم بالشر, لهو ظاهرة ممكنة الحصول في أي نظام اجتماعي أو ديني, ولا يمكن أن يكون النص الديني منشأً لهذا المنهج لو خلي وطبعه, إنما هو ينتزع النص الديني من إطاره ويخرجه من حيثياته؛ فيؤوله متخذا منه ذريعة لهذا المنهج، وعلى ذلك فإن المباني الفقهية التي يتذرع بها التكفيريون الذي يدّعون إسلامية منهجهم ناتجة عن استنباط مشوه اعتمد مقدمات خاطئة أو مغلوطة فخرجت النتيجة تبعا لمقدماتها بهذه الصورة المشوّهة.

ويظهر تطبيق ذلك على منهج ابن تيمية؛ إذ حكم على غير دائرته بالشرك؛ وبما أن الشرك ذنب لا يغفر, فانحصر الحق في دائرته, وخرج كل الناس بما فيهم المسلمون من دائرة الحق والإيمان, لتكون هناك دائرتان:

1- دائرة حق وإيمان، وهي دائرة ابن تيمية ومن سار على منهجه.

2- دائرة باطل وكفر, ويدخل فيها كل العالم ما عدا من دخل في دائرة ابن تيمية.

ولما كان أهل الدائرة الثانية كفارا, وجب قتلهم وجواز الأستيلاء على أموالهم وإن كانوا ينطقون بالشهادتين ويصلون الصلاة الواجبة ويحجون......

وقد مرّ في أثناء البحث المواقف التكفيرية وجذورها, وامتداداتها, بيد أن ابن تيمية يعد منظرا فقهيا لمنهج المتبنين لتلك المواقف, وقد أثبت ذلك في كتبه التي كانت منبعا يستقي منه التكفيريون, فهو وإن سبقه بذلك الخوارج, وأحمد بن حنبل وابنه عبد الله بن أحمد, والبربهاري...، وغيرهم من الأفراد, فإنهم لم يصلوا مستوى ابن تيمية في اتساع رقعة التكفير لتشمل الأمة بأسرها, والتنظير فقهيا لمنهج والتصفية الجسدية, وفشو أفكاره التي عززها باستنباطات مشوهة اتخذها متبعوها الذين هم على إيديولوجيته الأموية, إذ صار تراث ابن تيمية مرجعا فكريا ومدركا فقهيا للتيارات السلفية التكفيرية المعاصرة ولاسيما المسلحة وارتباطها بفكر مجدد تراث ابن تيمية محمد بن عبد الوهاب, ليكون ذلك التراث ذريعة للتكفير الممنهج للقضاء على المسلمين، وهدم كيان الأمة الإسلامية بمعونة فقهاء الحكومات الداعمة لهذا الفكر، التي تبتغي من وراء ذلك توسعة سلطانها والهيمنة على مقدرات الأمة.

وسيركز البحث إلى بعض تلك الفتاوى ومبانيها المدعاة, على أن أقوال ابن تيمية أصبحت من المدارك التي يرجع إليها في الاستنباط من قبل بعض فقهاء التكفير. فمن تنظيرات ابن تيمية في التكفير ووجوب القتال لمن لا ينتمي إليه:

أولا: تكفير عموم الناس ولاسيما المسلمين منهم. 

والمبنى الفقهي في تكفير الناس إلا من دخل في حصن ابن تيمية. يتضح في ضوء ما صرّح ابن تيمية بكفر المسلمين إلا من أسماهم "الطائفة المنصورة", وهم بالشام ومصر, وذلك ما ذكره بالتفصيل:

1- كفر من أسلم من المغول وإن نطق بالشهادتين وصام وصلى؛ إذ قال في جواب من سأله عن قتالهم: ((نَعَمْ يَجِبُ قِتَالُ هَؤُلاءِ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ)).

فهو يدعي أن قتالهم واجب بدليل ما يؤوله من القرآن الكريم, وما يصرف دلالته من السنة الشريفة, والإجماع.

أ- القرآن الكريم.

• قول اللَّهُ تَعَالَى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ}, قال ابن تيمية: ((فَإِذَا كَانَ بَعْضُ الدِّينِ لِلَّهِ وَبَعْضُهُ لِغَيْرِ اللَّهِ وَجَبَ الْقِتَالُ حَتَّى يَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ)).

• وَقوله تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}.

 • وَقوله تَعَالَى: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}, قال ابن تيمية: ((وَهَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الطَّائِفِ، وَكَانُوا قَدْ أَسْلَمُوا وَصَلَّوْا وَصَامُوا، لَكِنْ كَانُوا يَتَعَامَلُونَ بِالرِّبَا)).

ويلحظ أن ابن تيمية عدّ عدم اتباعه جرما يوجب ترك بعض الدين, بل المهم من الدين, إذ يقول: ((وَالرِّبَا آخِرُ الْمُحَرَّمَاتِ فِي الْقُرْآنِ، وَهُوَ مَا يُوجَدُ بِتَرَاضِي الْمُتَعَامِلِينَ، فَإِذَا كَانَ مَنْ لَمْ يَنْتَهِ عَنْهُ مُحَارِبًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فَكَيْفَ بِمَنْ لَمْ يَنْتَهِ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي هِيَ أَسْبَقُ تَحْرِيمًا وَأَعْظَمُ تَحْرِيمًا)).

ب- من السنة الشريفة.

استدل بأحاديث قتال الخوارج, وسيرة الخلفاء بقتال مانعي الزكاة؛ إذ أنه يرى أن من لا يتبعه فحكمه حكم الردة كمانعي الزكاة, وحكم من خرج على علي بن أبي طالب "عليه السلام" على أنه يصحح قتال علي للخوارج ليس بعمله فقط, وإنما لانطباق أحديث الرسول "صلى الله عليه وآله عليهم, ولعدم اعتراض الصحابة على علي "عليه السلام" لقتالهم.

ج- الإجماع.

قال ابن تيمية: ((اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ وَالْأَئِمَّةُ بَعْدَهُمْ عَلَى قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَإِنْ كَانُوا يُصَلُّونَ الْخَمْسَ وَيَصُومُونَ شَهْرَ رَمَضَانَ...))، وعلى هذا فحكمهم ((أَنَّهُمْ كُفَّارٌ كَالْمُرْتَدِّينَ يَجُوزُ قَتْلُهُمْ ابْتِدَاءً وَقَتْلُ أَمِيرِهِمْ، وَاتِّبَاعُ مُدْبِرِهِمْ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ اُسْتُتِيبَ كَالْمُرْتَدِّ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ)), وذلك أنهم لم يتابعوا ابن تيمية بل أنهم تحت أمرة جنكيز خان الذي وصفه ابن تيمية بأنه ((وَلَدُ زِنًا، وَأَنَّ أُمَّهُ زَنَتْ فَكَتَمَتْ زِنَاهَا، وَأَخْفَتْ هَذَا حَتَّى تَدْفَعَ عَنْهَا مَعَرَّةَ الزِّنَا)), فمن يكون في البلد التي يسيطر عليها المغول يشير إليهم بأنهم ((أُولَئِكَ الْكُفَّارُ يَبْذُلُونَ لَهُ الطَّاعَةَ وَالِانْقِيَادَ، وَيَحْمِلُونَ إلَيْهِ الْأَمْوَالَ، وَيُقِرُّونَ لَهُ بِالنِّيَابَةِ، وَلَا يُخَالِفُونَ مَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ إلَّا كَمَا يُخَالِفُ الْخَارِجُ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ لِلْإِمَامِ، وَهُمْ يُحَارِبُونَ الْمُسْلِمِينَ وَيُعَادُونَهُمْ أَعْظَمَ مُعَادَاةٍ)).

من هم المسلمون عند ابن تيمية؟

قوله "المسلمين" يعني بهم أتباعه حصرا, الذين كانوا – آنذاك- تحت ظل حكم المماليك ((بِالشَّامِ وَمِصْرَ وَنَحْوِهِمَا, فَهُمْ فِي هَذَا الْوَقْتِ الْمُقَاتِلُونَ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَهُمْ مِنْ أَحَقِّ النَّاسِ دُخُولًا فِي الطَّائِفَةِ الْمَنْصُورَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِقَوْلِهِ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُسْتَفِيضَةِ عَنْهُ: "لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ وَلا مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ")), أما اليوم فقد تغير المكان إلى معقل الوهابية, وإن كان ابن تيمية استدل على أنهم في الشام امتدادا للأمويين, إذ ذكر حديثاً مفاده أنهم يكونون في المغرب, وأوله بأن المقصود به الشام؛ لأن النبي "صلى الله عليه وآله" حين قال الحديث كان في المدينة المنورة, والشام يكون حينئذ غربها, وعليه فهو المقصود بالحديث – بحسب ابن تيمية- ليصرف دلالته إلى جهته ويحصرها بأتباعه, ليقول إن الطائفة المنصورة من تبعه لا غير، وأيد فهمه بما أسسه الأمويون, وهو ما ((فِي الصَّحِيحَيْنِ: أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَالَ فِي الطَّائِفَةِ الْمَنْصُورَةِ، وَهُمْ بِالشَّامِ فَإِنَّهَا أَصْلُ الْمَغْرِبِ•))

2- كفر المسلمين الذين هم في البلاد التي احتلها المغول.

بناءً على ما حكم به من أن المغول كفار أو خوارج أو مرتدين مع نطقهم بالشهادتين وأدائهم الصلوات..., ووجوب قتالهم لذلك, فإن المسلمين الذين هم في تلك البلاد , ويخضعون للحكم المغولي بطبيعة الحال, فقد صورهم ابن تيمية بأنهم يعظمون جنكيز خان الكافر، الذي هو أعظم شراً وأسوء حالا من  مسيلمة الكذاب –كما وصفه- فمن ثم يحكم بشركهم وردتهم وإلحادهم, فيجب قتالهم, ((وَبِالْجُمْلَةِ: فَمَا مِنْ نِفَاقٍ وَزَنْدَقَةٍ وَإِلْحَادٍ إلَّا وَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي اتِّبَاعِ التَّتَارِ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَجْهَلِ الْخَلْقِ وَأَقَلِّهِمْ مَعْرِفَةً بِالدِّينِ وَأَبْعَدِهِمْ عَنْ اتِّبَاعِهِ وَأَعْظَمِ الْخَلْقِ اتِّبَاعًا لِلظَّنِّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ))، وإن الذي  لم يرض بحكم جنكيز خان من هؤلاء؛ يقتل أيضاً, واستدل على ذلك:

أ- إجماع الفقهاء على جواز قتل المسلم إذا تترس به الكفار؛ إذ قال: ((بَلْ لَوْ كَانَ فِيهِمْ قَوْمٌ صَالِحُونَ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ وَلَمْ يُمْكِنْ قِتَالُهُمْ إلَّا بِقَتْلِ هَؤُلَاءِ لَقُتِلُوا أَيْضًا؛ فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ لَوْ تَتَرَّسُوا بِمُسْلِمِينَ وَخِيفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إذَا لَمْ يُقَاتِلُوا فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ نَرْمِيَهُمْ وَنَقْصِدَ الْكُفَّارَ)).

ب- دفع الأفسد بالفاسد, ومع التنزل بأن قتل هذا المسلم فساد, إلا أن قتله يترتب عليه دفع مفسدة كبرى؛ وهي قتل أعداء ابن تيمية, ((وَلَمْ يَكُنْ قَتْلُهُ أَعْظَمَ فَسَادًا مِنْ قَتْلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ الْمُجَاهِدِينَ، وَإِذَا كَانَ الْجِهَادُ وَاجِبًا وَإِنْ قُتِلَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَا شَاءَ اللَّهُ فَقِيلَ مَنْ يُقْتَلُ فِي صَفِّهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ لِحَاجَةِ الْجِهَادِ لَيْسَ أَعْظَمَ مِنْ هَذَا، بَلْ قَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُكْرَهَ فِي قِتَالِ الْفِتْنَةِ بِكَسْرِ سَيْفِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُقَاتِلَ، وَإِنْ قُتِلَ، كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ)). 

ومن الواضح أنه يصرف الدلالة بحسب مراده, ويدعي الإجماع على ما يحلو له.

وقد سار على هذا المنهج من الاستنباط المشوه أتباع ابن تيمية, كما هو الملاحظ من فتواهم بالتكفير, والقتل لكل من خالفهم, بل حتى من لم يخالفهم ما دام يصب قتله في مصلحتهم, ولذا تراهم يفجرون في أي مكان أرادوا مهما اشتمل على أبرياء أو حتى ممن هم من نحلتهم وعلى ملتهم, فالقتل والتعطش للدم صفتهم.

3- كفر الرافضة وغيرهم من المسلمين, وقتالهم.

أ- الرافضة.

إذا كان ابن تيمية قد أوجب قتال المغول ومن قاتل معهم أو كان في دولتهم, لأن حكمهم حكم الخوارج, فإن الرافضة عنده أشد كفرا من الخوارج؛ لأن مذهبهم مذهب اهل البيت "عليهم السلام", وهذا المذهب, يقول عنه: ((وَمَذْهَبُ الرَّافِضَةِ شَرٌّ مِنْ مَذْهَبِ الْخَوَارِجِ الْمَارِقِينَ)), بدعوى أنهم كفروا الخلفاء الثلاثة وجمهور السابقين, وجحدوا سنة النبي "صلى الله عليه وآله", ((أَعْظَمَ مِمَّا جَحَدَ بِهِ الْخَوَارِجُ، وَفِيهِمْ مِنْ الْكَذِبِ وَالِافْتِرَاءِ وَالْغُلُوِّ وَالْإِلْحَادِ مَا لَيْسَ فِي الْخَوَارِجِ))، بل جعل ابن تيمية من أسباب تكفير التتار إظهارهم مذهب الرفض, فلو كان التتار قد تصالحوا مع ابن تيمية لكانوا من أولياء الأمور الذين تجب طاعتهم, كما هو حاله مع المماليك, الذين أعطوه سلطة دينية, وبعد أن تعدى حدوده سجنوه –كما مرّ في الفصول السابقة-.

ب- المسلمون غير الرافضة.

((وَدَخَلَ فِي الرَّافِضَةِ أَهْلُ الزَّنْدَقَةِ وَالْإِلْحَادِ مِنْ النُّصَيْرِيَّةِ، وَالْإِسْمَاعِيلِيَّة، وَأَمْثَالِهِمْ مِنْ الْمَلَاحِدَةِ الْقَرَامِطَةِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ كَانَ بِخُرَاسَانَ، وَالْعِرَاقِ، وَالشَّامِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَالرَّافِضَةُ جَهْمِيَّةٌ قَدَرِيَّةٌ، وَفِيهِمْ مِنْ الْكَذِبِ وَالْبِدَعِ وَالِافْتِرَاءِ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ أَعْظَمُ مِمَّا فِي الْخَوَارِجِ الْمَارِقِينَ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلْ فِيهِمْ مِنْ الرِّدَّةِ عَنْ شَرَائِعِ الدِّينِ أَعْظَمُ مِمَّا فِي مَانِعِي الزَّكَاةِ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَالصَّحَابَةُ)).

والدليل على الحكم بتكفيرهم وقتالهم ما يستدل به للحكم بتكفير الخوارج وقتالهم, والحكم بتكفير وقتال أهل الردة. بل أكثر من ذلك؛ فالرافضة فوق ذلك كله مشركون, ودليله على ذلك أنهم:

كما يقول ابن تيمية بأنهم يعبدون القبور, ويستغيثون ويستشفعون بالموتى, ويغالون في عصمة الأنبياء والأولياء, وعلى ذلك فإن ((الرَّافِضَةِ الَّذِينَ يَبْخَسُونَ الصِّدِّيقَ حَقَّهُ، وَهُمْ أَعْظَمُ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى الْقِبْلَةِ إشْرَاكًا بِالْبَشَرِ)), ويدخل في هذا الحكم الصوفية, والزيدية من الشيعة بزيادة الزندقة.

وزاد في أن المتصوفة والفلاسفة أهل غي وضلال, ((وَالْغَيُّ هُوَ اتِّبَاعُ الْهَوَى، وَهَذَا الْبَابُ مِنْ أَعْظَمِ أَبْوَابِ اتِّبَاعِ الْهَوَى، ومَنْ أَمَرَ بِعِشْقِ الصُّوَرِ مِنْ الْمُتَفَلْسِفَةِ: كَابْنِ سِينَا، وَذَوِيهِ، أَوْ مِنْ الْفُرْسِ كَمَا يُذْكَرُ عَنْ بَعْضِهِمْ، أَوْ مِنْ جُهَّالِ الْمُتَصَوِّفَةِ، فَإِنَّهُمْ أَهْلُ ضَلَالٍ وَغَيٍّ، فَهُمْ مَعَ مُشَارَكَةِ الْيَهُودِ فِي الْغَيِّ، وَالنَّصَارَى فِي الضَّلَالِ, زَادُوا عَلَى الْأُمَّتَيْنِ فِي ذَلِكَ)).

وبهذا وغيره الكثير استدل ابن تيمية على كفر أكثر المسلمين ووجوب قتالهم، وقد صارت مبانيه بل فتاويه سبباً لما يشهده العالم اليوم من أعمال إجرامية يندى لها جبين الإنسانية, فضلا عن انحراف هذه الفتاوى وتعسف طريق استنباطها, إذ حفلت كتب الوهابية بهذه الآراء والأفكار التي تنسب للإسلام زورا وبهتانا.

4- حكم الانتحاري                                                                            

لم يدع ابن تيمية فعلا شنيعا إلا وأسس له, ومن ذلك الأعمال الانتحارية التي يقوم بها المغرر بهم بواسطة تنظيرات ابن تيمية, فقد حكم بأن مثل هذا يكون شهيدا في سبيل الله, واستدل على ذلك, بأمور:

أ- من السنة , روايات عدة, صرف دلالتها وأولها ابن تيمية لتأسيس شرعية العمليات الانتحارية.

ب- ما حكاه عن الأئمة الأربعة من جواز انغماس الْمُسْلِمُ فِي صَفِّ الْكُفَّارِ وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُمْ يَقْتُلُونَهُ إذَا كَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ.

وعلى ذلك, قال: ((فَإِنَّ قِتَالَ الْمُعْتَدِينَ الصَّائِلِينَ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَهَؤُلَاءِ مُعْتَدُونَ صَائِلُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي أَنْفُسِهِمْ، وَأَمْوَالِهِمْ، وَحُرَمِهِمْ، وَدِينِهِمْ، وَكُلٌّ مِنْ هَذِهِ يُبِيحُ قِتَالَ الصَّائِلِ عَلَيْهَا، وَمَنْ قُتِلَ دُونَهَا فَهُوَ شَهِيدٌ، فَكَيْفَ بِمَنْ قَاتَلَ عَلَيْهَا كُلَّهَا وَهُمْ مِنْ شَرِّ الْبُغَاةِ الْمُتَأَوِّلِينَ الظَّالِمِينَ))

وبعد افتضاح أمر الوهابية واشتداد النقمة عليهم, وابتلائهم ببعض ما أسسوا له وأفتوا به, حاولوا يتملصون ليتظاهروا بقول الحق, يقول ابن عثيمين بعد التفجيرات التي وقعت في السعودية: ((هذا صحيح في موضعه، إذا وجد أن قتل هذا الإنسان نفسه يحصل به إيمان أمة من الناس فلا بأس، لأن هذا الغلام لما قال للملك: خذ السهم من كنانتي ثم قل: باسم الله رب هذا الغلام، فإنك سوف تصيبني، وفعل الملك، ماذا صنع مقام الناس؟ آمنوا كلهم، هذا لا بأس، لكن الانتحاريين اليوم لا يحصل من هذا شيء بل ضد هذا، أول من يقتل نفسه، ثم قد يقتل واحداً أو اثنين وقد لا يقتل أحداً، لكن ماذا يكون انتقام العدو؟ كم يقتل؟ يقتل الضعف أو أكثر، ولا يحصل إيمان ولا كف عن القتل، هذا الرد عليهم، نقول: إذا وجد حاله مثل هذه الحال فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقصها علينا لنسمعها كأنها أساطير الأولين بل قصها علينا لنعتبر، إذا وجد مثل هذه الحال لا بأس، وبعضهم يستدل بقصة البراء بن مالك في غزوة اليمامة، حيث حاصروا حديقة مسيلمة والباب مغلق وعجزوا، فقال البراء: ألقوني من وراء السور وأفتح لكم، فألقوه وفتح، وهذا ليس فيه دليل، لماذا؟ لأن موته غير مؤكد، ولهذا حيي وفتح لهم الباب، لكن المنتحر الذي يربط نفسه بالرصاص والقنابل، ينجو أم لا ينجو؟ قطعاً لا ينجو، ولهذا لولا حسن نيتهم لقلنا: إنهم في النار يعذبون بما قتلوا به أنفسهم)), وأي نية حسنة يتكلم عنها؟!!

نعم, إذا كانت على غيرهم, ولم يلحقهم منها أذى.

فقد اتضح من هذا الرد فساد ما هم عليه من المباني التي غرروا بها بعض الجهلة.

5- الغنائم والسبى والاسترقاق.

أسس ابن تيمية حكما على ما بنى عليه من ردة المسلمين, بقوله: ((وَهُمْ مُرْتَدُّونَ مِنْ أَسْوَإِ النَّاسِ رِدَّةً، تُقْتَلُ مُقَاتِلُهُمْ وَتَغْنَمُ أَمْوَالُهُمْ، وسَبْيُ الذُّرِّيَّةِ فِيهِ نِزَاعٌ، لَكِنَّ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ تُسْبَى الصِّغَارُ مِنْ أَوْلَادِ الْمُرْتَدِّينَ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ سِيرَةُ الصِّدِّيقِ فِي قِتَالِ الْمُرْتَدِّينَ، وكَذَلِكَ قَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي اسْتِرْقَاقِ الْمُرْتَدِّ، وَطَائِفَةٌ تَقُولُ: إنَّهَا تُسْتَرَقُّ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَطَائِفَةٌ تَقُولُ لَا تُسْتَرَقُّ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْ الصَّحَابَةِ هُوَ الْأَوَّلُ)).

وكل ما أسس له ابن تيمية بدأ بتطبيقه بشدة وزاد عليه محمد بن عبد الوهاب ومن سار على هذا النهج إلى اليوم, وذلك بذريعة المباني المستنبطة من الشريعة الإسلامية, وهي من ذلك كله براء, فما ذلك إلا التفاف على النصوص الثابتة, فضلا عما وضع منها على المنهج المنحرف بعد منع تدوين الحديث واشتداد حملة الوضع فيه أبان العصر الأموي, ليكون وبالا على الإسلام والمسلمين.

وهنا يتبادر سؤال:

كيف جال برأس ابن تيمية تأسيس مثل هذه الأحكام لتستثمر فيما بعده بسنين متطاولة؟

هل خطط هو لذلك؟ أو هناك من هو أوسع دائرة منه, وأكبر دهاءً, وأشد مكرا بالإسلام     والمسلمين؟

أو إن ذلك حصل اتفاقا, ومحض صدفة كما يقال؟

المستقرئ للأحداث، يرى: أن الذي يفيد من ذلك دائرة أكبر, ويطرح الباحث احتمالا: أنها الماسونية.

وليس هذا مصبّ البحث, ولكن هو طرح موضوعي قابل للنقاش.

 

المطلب الثالث: أثر الفكر التكفيري المعاصر في المجتمع الإسلامي.

تعاني الأمة الإسلامية في عصرها الحاضر من فتنة كبرى أحدقت بها نتيجة ذلك الغرس الخبيث الذي يسقيها المستفيدون منه ليحركوا بين فينة وأخرى علماء السوء لبعث روح الحقد والكراهة والتقنيط من رحمة الله تعالى, فيصدرون أحكام التكفير على الفضائيات والصحف, ويتوسعون به ليطلق على كل من خالفهم في الرأي الحكم بالردة أو الشرك أو الكفر, ناسبين ذلك للدين بما أسس لهم من مبانٍ شائهة, من دون مراعاة لمبادئ الشريعة الحنيفية السمحاء وفقهها السامي, فأصبح التكفير بضاعة رخيصة يتناولها أتباع هذه المدرسة المشؤومة.

بداعي اتباع الهوى، وحب السلطة الدنيوية أو الدينية من دون استحقاق للنزو على رؤوس الناس.

ونتج عن ذلك الاستهانة بمحارم الله وأحكام شرعه, وهدر الدم المعصوم، وانتهاك الأعراض, وتخريب البلدان.

والاستهار بالقيم –كل القيم السامية والنبيلة- حتى أصبح المجرمون والقتلة يتباهون بأفعالهم البشعة وينشرونها على الشبكات العالمية "النت" ومواقع التواصل الاجتماعي...

إبعاد أي منطق للعقل أو مشروع للحوار المعتدل, ورفض أي تقارب تفرضه أسس الدين الصحيح أو القيم الإنسانية الفاضلة.

وتسخير التكنولوجيا الحديثة لنشر التكفير ومشاهد الذبح عن طريق الإعلام الذي يراه العالم, ليشوهوا بذلك صورة الإسلام الناصعة البراقة.

وأدى ذلك إلى فشو الجهل, واضطراب الأمن الفكري والسياسي والعسكري والاقتصادي, والغذائي, فأصبحت الشعوب الإسلامية تنحدر نحو الجهل والتقاتل, وليس لها من منتج إنما هي عالة على غيرها ممن وجدوا الفرصة لانتهاب الثروات في هذه البلدان, وباعوها السلاح الذي يستخدم لقتل أبناء الأمة بعضهم بعضا.

وما تفعله "داعش" في العراق وسوريا وليبيا ومصر واليمن من قتل للعلماء والمفكرين والقادة ولم تقتصر جرائمها على ذلك بل طالت الرجال والنساء والأطفال والتهجير والتنكيل ونهب الأموال والثروات وتدمير البنى التحتية وكل ذلك وغيره ماهو إلا نتاج هذا الفكر التكفيري البغيض، إذ إن داعش يعد الأنموذج الواضح لآثار التكفير ولاسيما ((من حيث الإفراط وممارسة العنف والقتل وإباحة الأعراض, وسفك الدماء, والتعدي على الحقوق المحرمة شرعاً...، وغير ذلك مما لا تحصى من جرائم داعش في العراق)), فقد كفرت داعش المسلمين بصورة عامة – سنة وشيعة- ممن لا يقرّون لهم بالسلطة ولا يقبلون منهجهم الشائه, فكانت جرائمهم في تلعفر الشيعية, والأنبار السنية شاهدا محزنا بل مفجعا على فظائعهم, ولم يكتفوا بقتل السنة والشيعة بل تعدوا إلى الآمنين من ديانات أخرى تعيش في ظل المسلمين, فقد فعلوا بالمسيحيين والأيزيديين في الموصل وسنجار, واستخدام الكيماوي في سوريا والعراق لقتل كل كائن حي, وغيرها من الجرائم النكراء, ((مما يدل بوضوح أن داعش عدوة الإنسانية جمعاء, في القرن الواحد والعشرين)).

ومما لا شك فيه ان داعش تعدت كل حدود الجرائم التي مرت بها الانسانية جمعاء بلا منازع، ولعل هذه واحده من ابرز الامور التي تنفي مشروعية داعش في دعوتها الى الإسلام، فافعالها تدل على عدم انتمائها للاسلام بل السلام، اذ تبين ان داعش عدوَّ ة الانسانية، وعدوة  العقل وعدوَّة الهداية، بل هي تاج الغواية والظلم، ومن اشهر جرائم داعش التي ارتكبتها في العراق  قتل وتصفية أكثر من 

((1700)) جندي منتسب لكلية القوة الجوية بقاعدة ((سبايكر)) بتكريت / العراق . بناءً على اوامر امير داعش ابو بكر البغدادي *

أستهداف داعش لم يقتصر على المسلمين فحسب بل أستهدف الأقليات الأخرى حيث أقدمت عصابات داعش على قتل (( ٥٠٠ (( شخص على الاقل من الاقلية الايزيدية في العراق خلال هجوم شنوه على بلدة سنجار ، حيث قاموا بدفن بعض الضحايا احياء بما في ذلك عدد من النساء والاطفال واسروا عدد من النساء كسبايا . ** 

وقد نشرت صحيفة ((RT)) الروسية بعضا من جرائم داعش, يذكرها الباحث بـتصرف واختصار:

قتل الطفولة:

إذ يختطف "داعش" الأطفال ليدربهم على القتال معه, أو استخدامهم دروعا بشرية, أو جواسيس أو لاستفادة من دمائهم لجرحاه.


الاتجار بالنساء.

إذ اختطف التنظيم مجموعة كبيرة من النساء والفتيات الكرديات لبيعهن فيما بعد إلى التجار العاملين في سوق "الخدمات" الجنسية في الشرق الأوسط، ومنهن من جرى تزويجهن عنوة إلى أعضاء التنظيم، فيما حولت الأخريات إلى أداة المتعة لهم. هذا وذاع صيت الدواعش كمعذبي النساء ومغتصبيهن، الأمر الذي دفع الكثيرات منهن إلى الانتحار. 

إعدام أفراده بلا رحمة.

إذ أعدم مسلحو داعش 200 من أعضاء التنظيم، كعقاب لهم لمحاولاتهم ترك صفوفه والعودة إلى منازلهم، أو لأخطاء إرتكبوها في أثناء القتال. بل في بعض الأحيان لم يتورع داعش عن إعدام أفراد وحدات كاملة من قواته، بما في ذلك بتهمة خوضهم مفاوضات مع الأكراد.

إحراق الناس أحياء .

في يناير/كانون الثاني/ 2015 أحرق مسلحو داعش طيارا أردنيا وهو حي في قفص حديدي، وقاموا بنشر تسجيل فيديو يظهر إعدامه على شبكة الإنترنت، وبعد ذلك بقليل قام داعش بإحراق 45 شخصا في محافظة الأنبار العراقية، وفي مايو/أيار أفادت وسائل إعلام إلكترونية بأن امرأة مسيحية من الموصل تبلغ 80 عاما من عمرها أحرقت بزعم أنها خالفت أحكام الشريعة الإسلامية. 

الاتجار بالأعضاء البشرية.

يتجر بالأعضاء البشرية في السوق السوداء العالمية، التي تؤخذ من المسلحين القتلى أو من أجساد الأسرى والمخطوفين الأحياء، بمن فيهم الأطفال من الأقليات القومية في سوريا والعراق.

مجازر وحشية.

عادة ما يرتكب داعش مجازر عن طريق الانتحاريين, فقد نفذ انتحاريون منه تفجيرات في عدد من مساجد الشيعة في اليمن، ما أسفر عن مقتل 137 شخصا وإصابة 347 بجروح، بالإضافة إلى تفجيرين انتحاريين أوديا بحياة حوالي 30 شخصا في مسجد البليلي في العاصمة اليمنية صنعاء.

 تدمير المدن العريقة وآثار الحضارة العالمية.

في غضون عام واحد دمرّ داعش ثلاثين موقعا أثريا تعود جميعها للتراث الحضاري العالمي، ويتاجر التنظيم بكل ما يمكن بيعه من الآثار في السوق السوداء ويدمر ما لا يمكن بيعه، ومما جرى تدميره حتى الآن بقايا المباني والتماثيل العريقة في مدينة نمرود الآشورية ((القرن الثالث عشر قبل الميلاد))، وآثار مدينة الحضر التاريخية في محافظة نينوى العراقية ((القرن الثالث قبل الميلاد))، وأثار مدينة دور شرزكين شمالي الموصل، عاصمة المملكة الآشورية في عصر سرجون الثاني ((القرن الثامن قبل الميلاد)).

وما هذا إلا "غيض من فيض", وما خفي كان أعظم.

وكل ذلك كان من نتائج الاستنباطات الشائهة والمباني التي أصل لها وأسسها ابن تيمية بما وصف به من أنه شيخ الإسلام, ولذا يلحظ أنه؛ ((على الرغم من أن الإسلام كان أول ضحايا هذا الإرهاب وميدانا لكل ممارساته، إلا انه كان أول المتهمين به، بزعم انه راع وداع ومنفذ للفكر الإرهابي)), وذلك بدعوى نسبة مباني الفكر التكفيري إليه. 

على أن الإسلام بريء من ذلك بدليل؛ ما يلحظه الباحث المنصف من المصدرين الرئيسين لاستنباط الأحكام الإسلامية المتمثلين بالقرآن الكريم والسنة الشريفة من عصمة الدم المحترم وأهمية أحكامه، وهو ما يؤكده العقل، وهو من مدارك الأحكام وأداة استنباطها في الشريعة الإسلامية.
















الخاتمة والنتائج


              بعد أن مّن الله عليّ بإتمام هذه الدراسة لابد لي من الأشارة الى أهم النتائج التي توصلت إليها في رحلتي مع ((أثر البُعد العقدي في استنباط الأحكام الشرعية عند ابن تيمية )) فأوجز ما توصلت إليه في هذه الدراسة بما يأتي :-  


1- في حدود التقصي والبحث لم يعثر الباحث على دراسات أكاديمية متخصصة بالموضوع المبحوث ، على الرغم من وفرة الكتابات الأخرى التي حلقت في مجالات أخر كان لها نصيباً كبيراً في إغناء المكتبة الإصلاحية نقداً وتمحيصاً ومراجعة .

2- وتأسيساً لما سبق فقد وجد الباحث ضالته في الكشف والنقد للزيف التشريعي، الذي ظلل الأمة وأزاحها عن مضمونها السماوي وبعدها الوضعي .

3- أن طبيعة الأفكار الهدامة وأبعادها الأخرى في التطرف والغلو سحق الملايين من البشر من الشعوب الإسلامية وغيرها، إذ لم يقتصر تأثير هذه الأفكار على مرحلة محدودة فشاع خطرها وتفشى أثرها لوجود الحاضنات التي سعت لتبني التوجهات المنحرفة لمنظّر هذه المدرسة وواضع أصولها . 

4- لم تسلم ديانة سماوية أو معتقد ديني أو سلوك تعبدي من الانحراف العقائدي كما جاء بيان ذلك أثناء البحث .

5- أتضح إن المجتمع الذي تربى فيه ابن تيمية مجتمع متفكك متفسخ هزيل عصفت به الكوارث الكونية, والحروب الخارجية, والفتن الداخلية, منحدرا نحو الرذيلة, مبتعدا عن الدين أيما ابتعاد.

6- ظهر من خلال البحث أن ممارسات السلطة الدينية السائدة وقتذاك كانت وسيلة يتخذها فقهاء السلطة للسيطرة على الناس لتصب في مصلحة الحكام.

7- أستنتج البحث قيام السلطة الحاكمة آنذاك بالترويج الى المتصوفة بتحريف ماهو مقدس من الدين وتشويش معالمه المرتبطة بأوليائه الحقيقيين . 

8- أتضح من خلال البحث إن هناك من تمسك من الفقهاء من مدرسة أهل البيت "عليهم السلام" بالدين الحق ليتبعهم على هذا المنهج الشيعة الإمامية, حيث كانوا يعانون من الاضطهاد في تلك الحقبة من الزمن . 

9- تبين من خلال البحث أن ابن تيمية أنفرد بالسلطة الدينية، ونصب نفسه ولياً شرعياً على جميع المسلمين من خلال اتخاذه مسلكاً خاصاً عن طريق تسفيه أفكار بعضهم وتكفير بعضهم الآخر. 

10- أتضح من خلال البحث إن ابن تيمية ضمر حقداً دفيناً وضغينة سوداء أتجاه الإمام علي (( عليه السلام )) من خلال ما جاء في منهاجه حيث قال: (( ....، والصبي المولود بين أبوين كافرين يجري عليه حكم الكفر في الدنيا باتفاق المسلمين .... أن إسلام الصبي غير مخرج له من الكفر )).



والحمد لله رب العالمين

المصادر والمراجع

القرآن الكريم

1- إبراهيم بن محمد الثقفي: ((ت283هـ)) – الغارات-تحقيق: السيد جلال الدين الحسيني الأرموي المحدث - طبع على طريقة أوفستفي مطابع بهمن- طهران.

2- إبراهيم خليل بركة- ابن تيمية وجهوده في التفسير - المكتب الإسلامي- ط1- 1405هـ - بيروت.

3- ابن ابي اصيبعة: أحمد بن القاسم بن خليفة بن يونس الخزرجي((ت 668هـ))، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، تحقيق: نزار رضا / دار مكتبة الحياة – بيروت

4- ابن ابي الحديد: عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن محمد ((ت656هـ)) شرح نهج البلاغة، تحقيق:محمد أبو الفضل-ط2-دار إحياء الكتب العربية-البابي الحلبي-1962م

5- ابن ابي شيبة: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم ((ت235هـ))، المصنف: مصنف ابن أبي شيبة في الأحاديث والآثار،تحقيق سعيد اللحام / دار الفكر- 1409 هـ- بيروت

6- ابن ابي عاصم: أبو بكر عمر الضحاك بن مخلد الشيباني ((ت287هـ))، كتاب السنة، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي –ط3- 1413هـ - بيروت

7- ابن اعثم الكوفي:أحمد بن أحمد أعثم الكوفي (( ت 314هـ)) - كتاب الفتوح -تحقيق: علي شيري - دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع –ط1- 1411هـ - بيروت

8- ابن الابار: محمد بن عبد الله بن أبي بكر القضاعي البلنسي ((المتوفى: 658هـ)) الحلة السيراء. - تحقيق: حسين مؤنس - الناشر: دار المعارف- ط2- 1985م – القاهرة.

9- ابن الاثير: المبارك بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني ((ت 606هـ)) - النهاية، في غريب الحديث والأثر -تحقيق: طاهر أحمد الزاوي، محمود محمد الطناحي- مؤسسة إسماعيليان للطباعة والنشر والتوزيع- ط4- قم.

10- ابن الاثير: علي بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني ((ت630هـ)) الكامل في التاريخ - دار صادر للطباعة والنشر - 1386 - 1966م- بيروت

11- ابن الاثير: علي بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني ((ت630هـ)) - أسد الغابة. دار الكتاب العربي –ب.ت- بيروت

12- ابن الجوزي: عبد الرحمن بن علي القريشي البغدادي((597 هـ))، دفع شبه التشبيه، بأكف التنزيه، تحقيق: حسن السقاف، دار الإمام النووي-ط3-1413هـ- الأردن.


13- ابن الجوزي: عبد الرحمن بن علي القريشي البغدادي((597 هـ))، مناقب الإمام أحمد، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي - دار هجر- ط2- 1409 هـ.

14- ابن العماد: عبد الحي بن أحمد العكري الحنبلي الدمشقي ((ت1089هـ))، شذرات الذهب: شذرات الذهب في أخبار من ذهب / دار الكتب العلمية- ب.ت- بيروت.

15- ابن القيم: إبن قَيِّم الجَوْزِيَّة؛ محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي ((ت751هـ))، مدارج السالكين من منازل إياك نعبد وإياك نستعين، تحقيق: محمد حامد الفقي / دار الكتاب العربي- ط2- 1393هـ - بيروت.

16- ابن القيم: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية ((ت 751هـ))، إعلام الموقعين، عن رب العالمين، تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم / دار الكتب العلمية – ط1- 1411هـ- ييروت.

17- ابن الملقن: عمر بن علي بن أحمد الشافعي المصري ((ت 804هـ)) البدر المنير، في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير للرافعي، تحقيق: مصطفى أبو الغيط و عبدالله بن سليمان وياسر بن كمال / دار الهجرة للنشر والتوزيع – ط1- 1425هـ- الرياض.

18- ابن الملقن: عمر بن علي بن أحمد الشافعي المصري ((ت 804هـ))، خلاصة البدر المنير، تحقيق: حمدي عبد المجيد إسماعيل السلفي / مكتبة الرشد – ط1- 1410هـ - الرياض.

19- ابن النديم: محمد بن إسحق الوراق ((ت 438هـ))، فهرست ابن النديم، تحقيق: رضا – تجدد / ب. ت + طبعة المكتبة العصرية + منشورات دار المعرفة - 1398هـ- بيروت

20- ابن الوردي: عمر بن مظفر بن عمر بن محمد ابن أبي الفوارس، المعري الكندي ((ت 749هـ)). تاريخ ابن الوردي / دار الكتب العلمية – ط1- 1417هـ- بيروت.

21- ابن الوزير: القاسمي: محمد بن إبراهيم الوزير اليماني ((ت840 هـ))، العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم، تحقيق: شعيب الأرنؤوط / مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع- ط3- 1415هـ - بيروت.

22- ابن باز: عبد العزيز بن عبد الله بن باز ((ت 1420هـ))- مجموع فتاوى ابن باز، مجموع فتاوى ومقالات - الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء في السعودية- منقول من موقع ((أهل الحديث)) على المكتبة الشاملة، موافق للمطبوع.

23- ابن بطوطة: محمد بن عبدالله بن محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي ((ت 779هـ))- رحلة ابن بطوطة- أكاديمية المملكة المغربية- 1417هـ- الرباط.

24- ابن تغري بردي: يوسف بن تغري بردي بن عبد الله الظاهري الحنفي((ت 874هـ))- المنهل الصافي، والمستوفى بعد الوافي- تحقيق: محمد محمد أمين، تقديم: سعيد عبد الفتاح عاشور، الهيئة المصرية العامة للكتاب.

25- ابن تغري بردي: يوسف بن تغري بردي بن عبد الله الظاهري الحنفي((ت 874هـ))- النجوم الزاهرة، في ملوك مصر والقاهرة- وزارة الثقافة والإرشاد القومي- دار الكتب- مصر.

26- ابن تيمية: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الحرّاني ((ت728هـ)) - نقد مراتب الإجماع.

دار ابن حزم- ط1- 1419هـ - بيروت- بعناية حسن أحمد إسبر، المكتبة الشاملة، وأصل الطبعة تحتوي على الكتابين: "مراتب الإجماع" و "نقد مراتب الإجماع"، إلا أن المنقول في المكتبة الشاملة؛ هو كتاب ابن تيمية فقط، و((الكتاب مقابل ومدقق، ولكن غير مفهرس، وترقيم الصفحات الموافقة للمطبوع داخل الملف، الرقم فيها تابع لما يليه من الكلام، وقد تم عزو كلام ابن حزم لمكانه في كتاب "مراتب الإجماع" من طبعة دار زاهد القدسي الموجودة في الشاملة، وفي الحاشية خدمة يسيرة للنص أعدها أحد الباحثين)).

27- ابن تيمية: اقتضاء الصراط، المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم- تقديم: عبد الله بن عبد المحسن التركي- دار عالم الكتب – ط7- 1419هـ.

28- ابن تيمية: الإخنائية أو ((الرد على الإخنائي))- تحقيق: حمد بن مونس العنزي دار الخراز –ط1- 1420هـ -- جدة.

29- ابن تيمية: الإيمان الأوسط، وهو عبارة عن شرح لحديث جبريل ((عليه السلام - وهو ضمن كتاب ((مجموع الفتاوى))،تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف- 1416هـ-، المدينة المنورة.

30- ابن تيمية: الإيمان، أو ((تحقيق الإيمان)) - تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني المكتب الإسلامي- ط4- 1413هـ - بيروت.

31- ابن تيمية: الجواب الباهر في زوار المقابر- وهو ضمن كتاب ((مجموع الفتاوى))- تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف- 1416هـ-، المدينة المنورة.

32- ابن تيمية: القواعد النورانية، الفقهية.تحقيق: محمد حامد الفقي- دار المعرفة - 1399 هـ- بيروت.

33- ابن تيمية: المسائل والأجوبة، ((وفيها «جواب سؤال أهل الرحبة» لابن تيمية، ومعه «اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية» لابن عبد الهادي، مع «ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية» للذهبي))- تحقيق: أبو عبد الله حسين بن عكاشة، الفاروق الحديثة للطباعة والنشر –ط1- 1425هـ - القاهرة.

34- ابن تيمية: أمراض القلوب وشفاؤها، المطبعة السلفية – ط2- 1399هـ - القاهرة.

35- ابن تيمية: بيان تلبيس الجهمية، في تأسيس بدعهم الكلامية- تحقيق: محمد بن عبد الرحمن بن قاسم، مطبعة الحكومة-ط1- 1392هـ - مكة المكرمة.

36- ابن تيمية: درء تعارض العقل والنقل، تحقيق: محمد رشاد سالم- جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية- ط2- 1411هـ - السعودية.

37- ابن تيمية: رفع الملام عن الأئمة الأعلام- الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد الرياض -1403هـ- السعودية.

38- ابن تيمية: سجود التلاوة معانيه وأحكامه- تحقيق: فواز أحمد زمرلي الناشر: دار ابن حزم- ط1-1416هـ- بيروت.

39- ابن تيمية: شرح العمدة، تحقيق: سعود صالح العطيشان، مكتبة العبيكان –ط1- 1413هـ- الرياض، ونسخة أخرى بتحقيق: صالح بن محمد الحسن، مكتبة الحرمين - ط1- 1409هـ- الرياض.

40- ابن تيمية: مجموع الفتاوى، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم - مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة المنورة- 1416هـ- السعودية 

41- ابن تيمية: منهاج السنة النبوية- تحقيق: محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية – طبع مؤسسة قرطبة- ط1- 1406هـ.

42- ابن حاتم العاملي: يوسف بن حاتم بن فوز بن مهند الشامي المشغري ((ت 664هـ)).

 الدر النظيم - مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين- قم.

43- ابن حجر الهيتمي: الإصابة، في تمييز الصحابة، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود وعلي محمد معوض، دار الكتب العلمية بيروت- ط1- 1415 هـ- بيروت.

44- ابن حجر الهيتمي: التلخيص الحبير،في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، أو ((التمييز في تلخيص تخريج أحاديث شرح الوجيز المشهور بـ التلخيص الحبير))- تحقيق: محمد الثاني بن عمر بن موسى دار أضواء السلف- ط1- 1428هـ،وطبعة مؤسسة قرطبة- ط1- 1416هـ – مصر. بتحقيق: أبو عاصم حسن بن عباس بن قطب، وطبعة المدينة المنورة - 1384 هـ، بتحقيق: عبدالله هاشم اليماني المدني، وطبعة دار الكتب العلمية- ط1- 1419هـ.

45- ابن حجر الهيتمي: الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة- تحقيق: محمد عبد المعيد ضان، مجلس دائرة المعارف العثمانية- ط2-1392هـ - حيدر اباد/ الهند.

46- ابن حجر الهيتمي: فتح الباري، في شرح صحيح البخاري، دار المعرفة للطباعة والنشر- ط2- بيروت.

47- ابن حجر الهيتمي:أحمد شهاب الدين بن حجر الهيتمي السعدي،المكي ((ت973هـ))،الفتاوى الحديثية - دارالمعرفة - طبعة مصطفى الحلبي الثانية.

48- ابن خلدون:عبد الرحمن بن محمد بن خلدون الحضرمي الأشبيلي ((ت808هـ))

المقدمة، تاريخ ابن خلدون، دار إحياء التراث العربي-ط4- - بيروت.

49- ابن خلكان: أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان ((ت681هـ))،وفيات الأعيان: وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق: إحسان عباس، دار الثقافة-بيروت

50- ابن رجب: عبد الرحمن بن أحمد بن رجب، السَلامي، البغدادي، الدمشقي،الحنبلي ((ت 795هـ)) ذيل طبقات الحنابلة، تحقيق: عبد الرحمن بن سليمان العثيمين، مكتبة العبيكان- ط1-1425هـ - الرياض.

51- ابن سنان الخفاجي: عبد الله بن محمد بن سعيد الحلبي((ت466 هـ))، سر الفصاحة.

دار الكتب العلمية- ط1-1402- بيروت

52- ابن سيد الناس: محمد بن محمد بن محمد بن أحمد، اليعمري الربعي ((ت734 هـ))، النفح الشذي، شرح جامع الترمذي، تحقيق: أبو جابر الأنصاري، عبد العزيز أبو رحلة، صالح اللحام، دار الصميعي للنشر والتوزيع- ط1- 1428هـ- الرياض، وطبعة دار العاصمة- ط1- 1409- الرياض. بتحقيق: أحمد معبد عبد الكريم.

53- ابن شاذان: الفضل بن شاذان الأزدي ((ت260هـ))، الإيضاح، تحقيق: جلال الدين الحسيني الأرموي المحدث، مؤسسة منشورات ومطبوعات جامعة طهران- ط1-1351هـ- شمسي.

54- ابن شعبة: الحسن بن علي بن الحسين الحراني ((من أعلام ق4هـ))، تحف العقول، عن آل الرسول "ع"، تحقيق: علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي–ط2- 1404 هـ - قم.

55- ابن شهرآشوب: محمد بن علي أبو عبد الله ((ت588هـ))، مناقب آل أبي طالب، تحقيق لجنة من أساتذة النجف الأشرف، المطبعة الحيدرية-النجف 1376ه‍.

56- ابن طاوس: علي بن موسى بن جعفر بن طاووس ((ت664هـ))، اللهوف في قتلى الطفوف، أنوار الهدى – ط1- 1417هـ / قم.

57- ابن طاوس: علي بن موسى بن جعفر بن طاووس ((ت664هـ))، الملاحم والفتن: ((التشريف بالمنن في التعريف بالفتن)) / مؤسسة صاحب الأمر عجل الله فرجه – 1416هـ- أصفهان.

58- ابن طولون: محمد بن علي بن خمارويه بن طولون الدمشقي الصالحي الحنفي ((ت 953هـ))

ذخائر القصر في تراجم أهل العصر. أو ((الذيل على التمتع بالإقران بين تراجم الشيوخ والأقران)).

عن نسخته المخطوطة في الخزانة التيمورية تحت رقم 1420- تاريخ، وهو نسحة مصورة مأخوذة من ذيل على كتاب التمتع بالأقران للمصنف ابن طولون، والنسخة المطبوعة منه بعنوان: ))ذخائر القصر في تراجم نبلاء العصر)) دراسة و تحقيق: ندى عبد الرزاق محمود الجيلاوي / دار زهران للنشر والتوزيع- ط1- 2014م- الأردن.

59- ابن عابدين الدمشقي: محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الحنفي ((ت 1252هـ)).

 العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية / دارالمعرفة- ب.ت.

60- ابن عبد البر: يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر ((ت463هـ))، الاستيعاب، في معرفة الأصحاب، تحقيق: علي محمد البجاوي / دار الجيل- ط1- 1412هـ- بيروت.

61- ابن عبد الهادي: محمد بن أحمد بن عبد الهادي بن قدامة المقدسي ((ت747هـ))، العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية،تحقيق: محمد حامد الفقي /دار الكاتب العربي– بيروت.

62- ابن عبد ربه: أحمد بن محمد بن عبد ربه ابن حبيب ابن حدير بن سالم الأندلسي ((ت 328هـ))

العقد الفريد / دار الكتب العلمية –ط1-1404هـ- بيروت.

63- ابن عثيمين: محمد بن صالح بن محمد بن سليمان بن عبد الرحمن العثيمين الوهيبي التميمي ((ت1421هـ))، شرح رياض الصالحين / دار الوطن للنشر-1426- الرياض.

64- ابن عثيمين: محمد بن صالح بن محمد بن سليمان بن عبد الرحمن العثيمين الوهيبي التميمي ((ت1421هـ))، عقيدة أهل السنة والجماعة، الجامعة الإسلامية - ط4- 1422هـ- المدينة المنورة.

65- ابن عثيمين: محمد بن صالح بن محمد بن سليمان بن عبد الرحمن العثيمين الوهيبي التميمي ((ت1421هـ))، شرح العقيدة الواسطية، تخريج: سعد بن فواز الصميل /دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع - ط6- 1431- السعودية.

66- ابن عثيمين: محمد بن صالح بن محمد بن سليمان بن عبد الرحمن العثيمين الوهيبي التميمي ((ت1421هـ))، فتح رب البرية بتلخيص الحموية، دار الوطن للنشر- الرياض.

67- ابن عدي: عبد الله الجرجاني ((ت 365 هـ))،الكامل، تحقيق سهيل زكار / دار الفكر - ط3- 1409 هـ -بيروت.

68- ابن عساكر: علي بن الحسن ابن هبة الله بن عبد الله الشافعي ((ت571هـ))، تاريخ دمشق، ((تاريخ مدينة دمشقوذكر فضلها وتسمية من حلها من الأماثل أو اجتاز بنواحيها من وارديها وأهلها))،تحقيق: علي شيري / دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع -1415 هـ - بيروت

69- ابن عطية الاندلسي: عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن ((ت546هـ))،المحرر الوجيز، في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي محم/ دار الكتب العلمية- 1413 هـ.

70- ابن غنام: حسين بن أبي بكر بن غنام ((ت1225هـ))، ((تاريخ ابن غنام)) المسمى روضة الأفكار لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام))، تحقيق: سليمان بن صالح الخراشي / دار الثلوثية للنشر والتوزيع – ط1- 1421هـ- الرياض.

71- ابن قتيبة الدينوري: عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري ((المتوفى: 276هـ))، تحقيق: حسام البهنساوي. تقديم: رمضان عبد التواب / مكتبة زهراء الشرق – القاهرة.

72- ابن قتيبة الدينوري: عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري ((المتوفى: 276هـ))، الإمامة والسياسة، المعروف بتاريخ الخلفاء، تحقيق: طه محمد الزيني / مؤسسة الحلبي وشركاه للنشر والتوزيع وطبعة انتشارات الشريف الرضي- إيران، بتحقيق: علي شيري.

73- ابن قتيبة الدينوري: عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري ((المتوفى: 276هـ))، المعارف، تحقيق: ثروت عكاشة / دار المعارف – ط2- مصر

74- ابن قتيبة الدينوري: عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري ((المتوفى: 276هـ))، تأويل مختلف الحديث / دار الكتب العلمية – بيروت.

75- ابن كثير: إسماعيل بن عمر الدمشقي ((ت 774 هـ))، البداية والنهاية، تحقيق علي شيري / منشورات دار إحياء التراث العربي - ط1- 1408هـ.

76- ابن كثير: إسماعيل بن عمر الدمشقي ((ت 774 هـ))، تفسير ابن كثير، مكتب التحقيق بدار المعرفة / منشورات دار المعرفة. بيروت - لبنان 1412 ه‍.

77- ابن ماجه: محمد بن يزيد القزويني ((ت 275 هـ))، سنن ابن ماجة، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي / دار الفكر - بيروت.

78- ابن مفلح: براهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد ابن مفلح ((ت884هـ))، المقصد الأرشد، في ذكر أصحاب الإمام أحمد، تحقيق: عبد الرحمن بن سليمان العثيمين / مكتبة الرشد – ط1- 1410هـ- الرياض.

79- ابن مفلح: محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج، المقدسي الرامينى، الصالحي الحنبلي ((ت763هـ)) الفروع ومعه تصحيح الفروع لعلاء الدين علي بن سليمان المرداوي / مؤسسة الرسالة- ط1-1424 هـ.

80- ابن منظور: محمد بن مكرم الأفريقي المصري((ت711هـ))، لسان العرب / طبع دار أحياء التراث العربي. منشورات: مؤسسة أدب الحوزة - 1405هـ.

81- ابن ناصر الدين الدمشقي: محمد بن عبد الله ((أبي بكر)) بن محمد ((ت842هـ))، الرد الوافر، على من زعم أن من سمى ابن تيمية شيخ الإسلام كافر، تحقيق: زهير الشاوي / الناشر: المكتب الإسلامي- ط1- 1393هـ-- بيروت.

82- ابن ناصر الدين الدمشقي: محمد بن عبد الله ((أبي بكر)) بن محمد القيسي ((ت 842هـ)) التبيان لبديعة البيان، تحقيق: عبد السلام الشيخلي، وعبد الخالق المزوري، وسعيد البوتاني، وإسماعيل الكوراني / دار النوادر- ط1- 1429هـ- دمشق، بيروت.

83- ابن هشام: عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري ((ت218هـ))، السيرة النبوية، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد / مكتبة محمد علي صبيح وأولاده- 1383هـ- مصر.

84- ابو الفتح الكراجكي: محمد بن علي ((ت449هـ))، كنز الفوائد، مكتبة المصطفوي - قم – ط2-1369 شمسي- قم.

85- ابو الفرج الاصفهاني:علي بن الحسين الأصبهاني ((ت356هـ))، الأغاني، تحقيق: سمير جابر / دار الفكر - ط2- بيروت.

86- ابو الفضل القونوي: محمد بن عبد الله، أضواء على الرسالة المنسوبة إلى الحافظ الذهبي، المسماة بالنصيحة الذهبية / دار المأمون للتراث- ط1- 1423هـ- بيروت.

87- ابو القاسم الخوئي: بن علي اكبر الموسوي الخوئى((ت1413هـ))، البيان في تفسير القرآن / منشورات دار الزهراء للطباعة والنشر والتوزيع- ط4- 1395 هـ - بيروت.

88- ابو المحاسن الدمشقي: محمد بن علي بن الحسن بن حمزة الحسيني ((ت 765هـ))، ذيل تذكرة الحفاظ / دار الكتب العلمية – ط1- 1419هـ.

89- ابو جعفر الإسكافي: محمد بن عبد الله المعتزلي ((ت220هـ))- المعيار والموازنة- تحقيق: محمد باقر المحمودي، مؤسسة المحمودي- ط1—1402هـ- بيروت.

90- أبو داود: سليمان بن الأشعث السجستاني ((ت 275 هـ))‍،السنن الكبرى،تحقيق:سعيد محمد اللحام، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع- ط1- 1410هـ- بيروت.

91- ابو زهرة: محمد أحمد مصطفى أحمد ((ت1393هـ))، ابن تيمية، حياته وعصره، آراؤه وفقهه، 

الغدير للطباعة والنشر والتوزيع- ط2- 1423هـ.

92- ابو زهرة:محمد أحمد مصطفى أحمد ((ت1393هـ))، أحمد بن حنبل، حياته، وعصره، وآراؤه الفقهية، دار الفكر العربي- مصر.

93- ابو علي التقوي: السيد أبو العلى، الفرقة الوهابية في خدمة من؟ / الإرشاد للطباعة والنشر بيروت – لندن.

94- أبو يعلى الموصلي: أحمد بن علي بن المثنى بن يحيي التميمي ((ت 307هـ)) مسند أبي يعلى

تحقيق: حسين سليم أسد / دار المأمون للتراث- ب.ت- بيروت.

95- أحمد بن حجر آل بو طامي: أحمد بن حجر بن محمد بن حجر بن أحمد بن حجر بن طامي بن حجر بن سند بن سعدون آل بوطامي البنعلي ((ت 1423هـ)) - محمد بن عبد الوهاب، عقيدته السلفية ودعوته الإصلاحية وثناء العلماء عليه - مطبعة الحكومة- 1395هـ- بمكة المكرمة.

96- أحمد بن حنبل: احمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني((ت241هـ)) - المسند: مسند احمد. منشورات دار صادر. بيروت

97- أحمد زيني دحلان: أحمد زين أحمد دحلان المكي ((ت 1304هـ)) - فتنة الوهابية - حسين حلمي بن سعيد ستانبولي - تركيا- 1978م- اسطنبول.

98- أحمد شلبي: أحمد جاب الله شلبي ((1421هـ)) - مقارنة الأديان، أديان الهند الكبرى - مكتبة النهضة المصرية- 1984م- القاهرة.

99- أحمد فخري: مصر الفرعونية - الهيئة المصرية للكتاب- مكتبة الأسرة- ب.ت- القاهرة.


100- آقا بزرگ الطهراني: محمد محسن الطهراني: أغا بزرك ((ت1389هـ))، حصر الاجتهاد

تحقيق: محمد علي الأنصاري - مطبعة الخيام – 1401- قم.

101- آل تيمية: أبو البركات (( ت: 652هـ ))، أبو المحاسن (( ت: 582هـ ))، أبو العباس (( ت: 728هـ )). [بدأ بتصنيفها الجدّ: مجد الدين عبد السلام بن تيمية ((ت: 652هـ))، وأضاف إليها الأب: عبد الحليم بن تيمية ((ت: 782هـ))، ثم أكملها الابن الحفيد: أحمد بن تيمية ((728هـ))].

المسودة في أصول الفقه الإسلامي - تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد -دار الكتاب العربي- مطبعة المدني - 1384هـ -القاهرة.

102- آلبان.ج، ويدجيري: ألبان جريجوريويدجري: Widgery، Alban G. Alban Gregory ((ت1968م)) - التاريخ وكيف يفسرونه" من كونفيشيوس الى توينبي" - ترجمة: عبد العزيز توفيق جاويد - مطابع الهيئة المصرية، ط2- 1996م- القاهرة.

103- الألباني: ناصر الدين، محمد بن نوح بن نجاتي بن آدم الأشقودري الأرنؤوطي((ت1420هـ)).

السلسلة الصحيحة - مكتبة المعارف – الرياض.

104- الألباني: ناصر الدين، محمد بن نوح بن نجاتي بن آدم الأشقودري الأرنؤوطي((ت1420هـ)).

صحيح سنن أبي داود - مركز نور الإسلام لأبحاث القرآن والسنة- برنامج منظومة التحقيقات الحديثية -المجاني- الإسكندرية.

105- الآلوسي: أبو الفضل شهاب الدين السيد محمود ((ت1270هـ)) - تفسير الآلوسي، "روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني"- ط2- دار الكتب العلمية- بيروت.

106- إنصاف بنت فيصل الحسني - منهج الشعر العباسي - جامعة أم القرى 1434هـ- مكة المكرمة.

107- أنور حمودة البنا - الأمراض النفسية والعقلية - دار الفكر العربي- ط1- 1427هـ.

108- الإيجي: عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار((ت756هـ))- المواقف - تحقيق: عبد الرحمن عميرة - دار الجيل- ط1- 1417 هـ- بيروت.

109- البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي ((ت256هـ)) - صحيح البخاري: الجامع الصحيح - منشورات دار الفكر 1401 هـ - بيروت


110- بدر الدين البعلي: محمد بن علي بن أحمد بن عمر بن يعلى ((ت 778هـ)) -مختصر الفتاوى المصرية، لابن تيمية -تحقيق: عبد المجيد سليم - محمد حامد الفقي - المطبعة السنة المحمدية - تصوير دار الكتب العلمية.

111- برتراندرسل: برتراند أرثر ويليام راسل ((ت1970م)) – حكمة الغرب - ترجمة: فؤاد زكريا، سلسة عالم المعرفة - 1983 م.

112- البرزالي: القاسم بن محمد بن يوسف الأشبيلي، الدمشقي ((ت739هـ)) - المقتفي، على الروضتين، المعروف بتاريخ البرزالي - المكتبة العصرية- ط1- 1427هـ - صيدا- بيروت.

113- البرزالي: الوفيات- تحقيق: أبو يحيى عبد الله الكندري- غراس للنشر والتوزيع والدعاية والإعلان- ط1- 1426هـ- الكويت.

114- البرقي: أبو جعفر، أحمد بن محمد بن خالد (( ت:274هـ )) – المحاسن المطبعة الحيدرية – 1384هـ- النجف الأشرف.

115- برنابا: ((ت:توفي حوالي 61 بعد الميلاد)) - إنجيل برنابا- ترجمة:خليل سعادة- تقديم: محمد رشيد رضا- مطبعة المنار- 1326هـ- القاهرة.

116- البزار: عمرُ بنُ عليِّ بنِ موسى بنِ خليلٍ البغداديُّ الأزجيُّ ((ت 749هـ)) - الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية- تحقيق: زهير الشاويش- المكتب الإسلامي – ط3- 1400هـ - بيروت.

117- البغدادي: ابن حبيب:محمد بن حبيب بن أمية الهاشمي، بالولاء((ت 245هـ))- المحبّر- تحقيق: إيلزة ليختن شتيتر- دار الآفاق الجديدة- بيروت.

118- البغدادي: محمد بن حبيب ((ت 245هـ))- المنمق، في أخبار قريش- تحقيق: خورشيد أحمد فاروق- عالم الكتب- عن طبعة: 1964م- حيدر آباد.

119- بكر عبد الله أبو زيد: بكر بن عبد الله بو زيد- المداخل إلى آثار شيخ الإسلام ابن تيمية، وما لحقها من أعمال- دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع- ط1- 1422هـ- مكة المكرمة.

120- بن بشر: عثمان بن عبد اللله بن عثمان بن بشر الحرقوصي النجدي ((ت1290هـ))-عنوان المجد، في تارخ نجد، ويعرف بتاريخ بابن بشر- تحقيق: عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن عبد الله آل الشيخ - دار الملك عبد العزيز- ط4- 1403هـ- الرياض.

121- بنبشر: عثمان بن عبد الله بن بشر النجدي الحنبلي ((ت1290هـ))- عنوان المجد، في تاريخ نجد- تحقيق: عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن عبد الله آل الشيخ- دار الملك عبد العزيز- ط4- 1403هـ- الرياض.

122- بودلي: ر.ف. بودلي: رونالد فيكتور كورتينايبودلي ((ت 1970م))- الرسول، حياة محمد- ترجمة: محمد محمد فرج، عبد الحميد جودة السحار- مكتبة مصر- القاهرة.

123- البيروني: أبو الريحان محمد بن أحمد البَيْرُوني الخوارزمي ((ت 440هـ))- تحقيق ما للهند من مقولة، مقبولة في العقل أو مرذولة- عالم الكتب- ط2- 1403هـ- بيروت.

124- توماس هيغهامر: ((Thomas Hegghammer)) باحث نرويجي معاصر- الجهاد في السعودية، قصة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب- الشبكة العربية للأبحاث والنشر- ط1- 2013م- بيروت.

125- الثعالبي: عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف أبي زيد ((ت875هـ)) تفسير الثعالبي: الجواهر الحسان في تفسير القرآن، تحقيق:علي محمد معوض وعادل أحمد عبد الموجود- دار إحياء التراث- بيروت.

126- الثعلبي: أحمد بن محمد بن إبراهيم((ت427هـ))، تفسير الثعلبي: الكشف والبيان في تفسير القرآن- تحقيق: محمد بن عاشور- دار إحياء التراث العربي-ط:1-1422 هـ-بيروت.

127- جان ديون بورت: المستشرق الانجليزي ((ت1877م))- رسالة في الاعتذار إلى حضرة محمّد ((صلى الله عليه وآله)) والقرآن- ترجمة الفاضل السعيدي، بالفارسية. نقلا عن محمد حسين الطباطبائي- الميزان - وطبعة: مطبعة الإقبال- طهران بترجمة عباس الخليلي.

128- جريشة، الزيبق:علي محمد جريشه - محمد شريف الزيبق، أساليب الغزو الفكري، للعالم الإسلامي، دار الوفاء- ط3- 1399هـ. 

129- الجصاص: أحمد بن علي الرازي ((ت 370 هـ)) - أحكام القرآن تحقيق: عبد السلام محمد علي شاهين- دار الكتب العلمية-ط1-1415هـ-بيروت

130- جعفر السبحاني: الأسماء الثلاثة، الإله، الرب، والعبادة، تفسير الأسماءالثلاثة الواردة في القرآن، ب.ت. مكتبة أهل البيت ((ع)) الإصدار الأول- قرص ليزري.

131- جعفر السبحاني: جعفر بن محمد حسين السبحاني الخياباني التبريزي – الإلهيات، الدار الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع- ط1- 1409هـ - بيروت.

132- جفري بارندر، المعتقدات الدينية لدى الشعوب- ترجمة: إمام عبد الفتاح إمام- سلسلة منشورات عالم المعرفة العدد 173.

133- جمال أحمد المراكبي: جمال أحمد السيد جاد المراكبي - الخلافة الإسلامية، بين نظم الحكم المعاصرة، جماعة أنصار السنة المحمدية- إدارة الدعوة – لجنة البحث العلمي- 1414هـ- القاهرة.

134- جون كلر - الفكر الشرقي القديم - ترجمة: كامل يوسف حسين، مراجعة: امام عبد الفتاح امام، سلسلة منشورات عالم المعرفة.

135- جون. س، ولينكسون، حدود الجزيرة العربية "قصة الدور البريطاني في رسم الحدود". 

ترجمة: مجدي عبد الكريم - مكتبة مدبولي- القاهرة.

136- الجوهري: إسماعيل بن حماد ((ت393هـ)) - الصحاح: تاج اللغة وصحاح العربية. تحقيق: أحمد عبد الغفور، دار العلم للملايين -ط4- 1407 هـ -بيروت.

137- جيل فيريول - معجم مصطلحات علم الاجتماع، ترجمة: أنسام محمد الأسعد، مراجعة: بسام بركة، دار ومكتبة الهلال – ط1- 2011م- بيروت.

138- الحاكم النيسابوري: محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نُعيم بن الحكم الضبي الطهماني، المعروف بابن البيع ((ت405هـ)) - المستدرك على الصحيحين، تحقيق: يوسف عبد الرحمن المرعشلى - دار المعرفة - 1406هـ-بيروت.

139- الحاكم النيسابوري: معرفة علوم الحديث، تحقيق: لجنة إحياء التراث العربي في دار الآفاق الجديدة - دار الآفاق الحديث- ط4- 1400هـ- بيروت.

140- الحسكاني: الحاكم عبيد الله بن عبد الله بن أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن حسكان القرشى العامري ((من أعلام ق5هـ )) - شواهد التنزيل لقواعد التفضيل، تحقيق: محمد باقر المحمودي، منشورات الأعلمي- ط1- 1393هـ- بيروت.

141- حسن بن جمال الريكي - لمع الشهاب في سيرة ابن عبد الوهاب، تحقيق: عبد الله الصالح ابن العثيمين، دار الملك عبد العزيز- 1426هـ.

142- حسن بن علي السقاف - فتح المعين، بنقد كتاب الأربعين- مكتبة الإمام النووي-ط1- 1410هـ -عمان – الأردن.

143- حسن موسى الصفار: أحاديث في الدين والثقافة والاجتماع، مؤسسة العارف للموطبوعات- 2010م- بيروت، النجف الأشرف.

144- حسين أبو علي – الوهابية جذورها التاريخية ومواقفها من المسلمين- مركز الأبحاث العقائدية- ط1- 1428هـ- قم.

145- حسين الشيخ: حسين أحمد حسين الشيخ- اليونان، دار المعرفة الجامعية- سلسلة دراسات في تاريخ الحضارة القديمة ((1))، 1992م- الاسكندرية.

146- حسين غباش: حسين عبيد غانم غباش- عمان الديمقراطية الإسلامية؛ تقاليد الإمامة والتاريخ السياسي الحديث ((1500-1970م))، نقله إلى العربية: أنطوان حمصي. دار الفارابي- 2006م.

147- الحصني الدمشقي: أبو بكر بن محمد بن عبد المؤمن ((ت829هـ))، دفع الشبه عن الرسول "صلى الله عليه وآله" والرسالة، تحقيق: جماعة من العلماء، بإشراف: محمد رضا الجلالي، دار إحياء الكتاب العربي- ط2- 1418هـ - القاهرة، وطبعة بتعلق الكوثري، وطبعت بعنوان: ((دفع شبه من شبه وتمرد ونسب ذلك إلى الإمام أحمد))، دار إحياء الكتاب العربي – ط1- 1350هـ- القاهرة.

148- الحلواني: الحسين بن محمد بن الحسن بن نصر الحلواني ((ت: ق5))- نزهة الناظر، وتنبيه الخاطر- تحقيق: مدرسة الامام المهدي عليه السلام، مؤسسة الإمام المهدي عليه السلام- ط1-1408هـ- قم.

149- حمود أحمد فرج الرحيلي - منهج القرآن الكريم في دعوة المشركين إلى الإسلام- عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية- ط1- 1424هـ- المدينة المنورة.

150- خالد الدخيل- الوهابية بين الشرك وتصدع القبيلة، الشبكة العربية للأبحاث والنشر-ط1- 2013م- بيروت.

151- خالد الرباط - سيد عزت عيد - الجامع لعلوم الإمام أحمد، دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث- ط1- 1430هـ.

152- خليل أحمد الحامدي:الإمام أبو الأعلى المودودي، حياته، دعوته، جهاده، المكتبة العلمية ـ1980م- لاهور ـ الباكستان

153- الخليل: عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي ((ت 175 هـ))، العين، تحقيق:مهدى المخزومي وإبراهيم السامرائي، دار الهجرة ط2-1409ه‍ـ-إيران

154- الذهبي: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الذهبي الدمشقي ((ت 748 هـ))، تاريخ الإسلام تحقيق: عمر عبد السلام تدمرى، دار الكتاب العربي -ط:1- 1407هـ.

155- الذهبي: النصيحة الذهبية لابن تيمية، عن أصل منقول من نسخة البرهان بن جماعة التي كتبها من نسخة الحافظ الصلاح العلائي المأخوذة من خط الذهبي، وهذه النسخة مصورة عن نسخة خطية محفوظة في دار الكتب المصرية ـ القاهرة ـ تحت رقم /18823 ب، وهي مكتوبة بخط الفقيه ابن قاضي شهبة، نقلًا عن خط قاضي القضاة برهان الدين المعروف بابن جماعة، عن خط الحافظ أبي سعيد العلائي المنسوخ عن خط الذهبي نفسه. مقابلة مصور عن نسخة أخرى من هذه الرسالة محفوظة في دار الكتب الظاهرية بدمشق تحت رقم/1347

156- الذهبي: بيان زغل العلم، تحقيق: ابو الفضل القونوي محمد بن عبد الله، دار الميمنة للنشر والتوزيع- ط1- 1434هـ- دمشق.

157- الذهبي: تذكرة الحفاظ، دائرة المعارف النظامية-ط2- 1333هـ - حيدر آباد-الهند.

158- الذهبي: سير أعلام النبلاء، تحقيق شعيب الارنؤوط + حسين الأسد، منشورات مؤسسة الرسالة –ط9-1413هـ -بيروت.

159- الذهبي: ميزان الاعتدال،تحقيق: علي محمد البجاوي، دار المعرفة للطباعة والنشر- ط1- 1382هـ- بيروت.

160- الراغب الأصفهاني: أبو القاسم الحسين بن محمد الأصفهاني ((ت502 هـ))، محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء، شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم – ط1- 1420هـ- بيروت.

161- الراوندي: الراوندي: قطب الدين هبة الله بن سعيد ((ت573هـ))، قصص الأنبياء، تحقيق: الميرزا غلام رضا عرفانيان اليزدي الخراساني، مؤسسة الهادي- ط1- 1418هـ-قم.

162- رشيد باني الظالمي: الميثولوجيا، العارف للمطبوعات- 2011- بغداد.

163- رضا كحالة: عمر رضا كحالة ((ت1408هـ))، أعلام النساء، في عالمي العرب والإسلام مؤسسة الرسالة- بيروت.

164- روثفين، ك. ك. ((كينيث كنولز)):الأسطورة، ترجمة: جعفر صادق الخليلي، منشورات عويدات - ط1- 1981م- بيروت.

165- روهلنج، شارل لوران، الكنز المرصود في قواعد التلمود، ترجمة: يوسف حنا نصر الله مطبعة المعارف- ط1- 1899م- مصر.

166- الزبيدي: محمد مرتضى الحسيني الواسطي ((ت 1205 هـ))، تاج العروس، شرح القاموس، منشورات مكتبة الحياة. بيروت.

167- الزركلي: خير الدين الزركلي (( ت1976م))، الأعلام، دار العلم للملايين -1980- بيروت.

168- زكريا الأنصاري: زكريا بن محمد بن أحمد بن زكريا ((ت936هـ))، فتح الوهاب، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية - ط1- 1418هـ- بيروت.

169- الزيلعي: عبد الله بن يوسف بن محمد ((ت762هـ))، تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف، تحقيق:عبد الله بن عبد الرحمن السعد، دار ابن خزيمة-ط1-1414هـ-الرياض.

170- سالم عبد الله الخلف: سالم بن عبد الله الخلف، نظم حكم الأمويين ورسومهم في الأندلس. 

عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية- ط1- 1424هـ-المدينة المنورة.

171- سبط ابن الجوزي: يوسف بن قزأوغلي بن عبد الله ((ت654هـ))، مرآة الزمان، في تواريخ الأعيان، تحقيق: محمد بركات، كامل الخراط، عمار ريحاوي، دار الرسالة العالمية – ط1- 1434هـ- دمشق.

172- السبكي: الدرة المضية في الرد على ابن تيمية، عن نسخ: محمد زاهد الكوثراني، مطبعة الترقي- 1347هـ- دمشق.

173- السبكي: السيف الصقيل، في الرد على ابن زفيل، ومعه تكملة الرد على نونية ابن القيم بقلم: محمد زاهد بن الحسن الكوثري، تقديم: لجنة من علماء الأزهر- مكتبة زهران.

174- السبكي: تقي الدين أبو الحسن علي بن عبد الكافي بن علي السبكي ((ت756هـ))، فتاوى السبكي، دار المعرفة - مصورة عن نشرة حسام الدين القدسي 1356هـ- بيروت

175- السبكي: شفاء السقام، في زيارة خير الأنام((صلى الله عليه وآله))، الطبعة الحجرية- المطبعة الكبرى الأميرية- 1318هـ- بولاق، مصر، ونسخة أخرى بتحقيق: حسين محمد علي شكري، دار الكتب العلمية- ط1- 1429هـ- بيروت.

176- السبكي: عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي ((ت771هـ))، معجم الشيوخ، تحقيق: الحسن بن محمد آيت بلعيد، دار الكتب العلمية- ط7- 1425هـ- بيروت.

177- السخاوي: الأجوبة المرضية فيما سئل السخاوي عنه من الأحاديث النبوية، تحقيق: محمد إسحاق محمد إبراهيم، دار الراية للنشر والتوزيع - ط1- 1418هـ.

178- السخاوي: محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد السخاوي ((المتوفى: 902هـ))، الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، منشورات دار مكتبة الحياة – بيروت.

179- سعد عبد الله الماجد: سعد بن عبد الله بن سعد الماجد، موقف المستشرقين من الصحابة. 

دار الهدي النبوي للنشر والتوزيع، دار الفضيلة للنشر والتوزيع- ط1- 1434هـ- مصر.

180- سعود عبد العزيز: سعود بن عبد العزيز الخلف، دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية، مكتبة أضواء السلف- ط4- 1425هـ- الرياض.

181- سعيد أيوب: ابتلاءات الأمم، تأملات في الطريق إلى المسيح الدجال والمهدي المنتظر في اليهودية والمسيحية والإسلام، دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع- ط1- 1416هـ- بيروت.

182- سعيد أيوب: الانحرافات الكبرى، القرى الظالمة في القرآن الكريم، دار الهادي للطباعة والنشر والتوزيع - ط1-1412هـ - بيروت.

183- سعيد عبد اللطيف فودة: الكاشف الصغير عن عقائد ابن تيمية، دار الرازي للطباعة والنشر والتوزيع- ط1- 1420- عمان الأردن.

184- سعيد علي القحطاني: سعيد بن علي بن وهف القحطاني، نور السنة وظلمات البدعة، في ضوء الكتاب والسنة، مؤسسة الجريسي للتوزيع والإعلان، الرياض.

185- سعيد علي عبيد الجمحي: تنظيم القاعدة، النشأة، الخلفية الفكرية، الامتداد، اليمن نموذجا، مكتبة مدبولي- ط1- 2008م - القاهرة.

186- السفاريني: محمد بن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي ((ت 1188هـ))، الدرة المضية، العقيدة السفارينية ((الدرة المضية في عقد أهل الفرقة المرضية))، تحقيق: أبو محمد أشرف بن عبد المقصود، مكتبة أضواءالسلف - ط1-1998م- / الرياض.

187- سلمان بن فهد العودة: ضوابط للدراسات الفقهية، مؤسسة الإسلام اليوم- 1404هـ- الرياض.

188- السلمي: محمد بن الحسين بن محمد بن موسى الأزدي ((ت 412هـ))، تفسير السلمي، الحقائق في التفسير، أو حقائق التفسير، تحقيق: سيد عمران، دار الكتب العلمية- ط1 -1421هـ- بيروت.

189- السمعاني: منصور بن محمد بن عبد الجبار ((ت 489هـ))، تفسير السمعاني، تفسير القرآن، تحقيق: ياسر إبراهيم، و غنيم عباس، ط1- دار الوطن-1418هـ- الرياض.

190- سميح دغيم: موسوعة مصطلحات العلوم الاجتماعية والسياسية في الفكر الإسلامي، مكتبة لبنان ناشرون- ط1—2000م / لبنان.

191- السيوطي: طبقات الحفاظ، دار الكتب العلمية – ط1- 1403هـ- بيروت.

192- السيوطي: عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي الشافعي((ت911هـ))، الدر المنثور، طبع ونشر: دار المعرفة للطباعة والنشر - بيروت.

193- الشافعي: أبو عبد الله محمد بن إدريس ((ت 204هـ))، الأم / دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع- ط2-1403هـ بيروت.

194- الشربيني: محمد بن أحمد الشربيني ((ت977هـ))، الإقناع، في حل ألفاظ أبي شجاع، دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع.

195- الشربيني: مغني المحتاج، على متن المنهاج للنووي، دار إحياء التراث العربي- 1377هـ- بيروت.

196- الشهرستاني: أبو الفتح محمد بن عبد الكريم أحمد الشهرستاني ((ت 548هـ))، الملل والنحل، تحقيق: محمد سيد كيلاني / دار المعرفة – بيروت.

197- الشهيد الثاني زين الدين بن علي العاملي (( ت 965 ه‍ـ)): منية المريد، في أدب المفيد والمستفيد، تحقيق: رضاالمختاري / مكتب الإعلام الإسلامي-ط1- 1409 هـ- إيران.

198- الشوكاني: فتح القدير، الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير / منشورات عالم الكتب- بيروت.

199- الشوكاني: محمد بن علي الشوكاني((1250هـ))، البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، دارالمعرفة – بيروت.

200- صالح الغامدي: صالح بن غرم الله الغامدي، موقف ابن تيمية من آراء الفلاسفة ومنهجه في عرضها، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع- ط1- 1424هـ- الرياض.

201- صالح الفوزان: صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان، إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد. 

مؤسسة الرسالة- ط3- 1422هـ.

202- صالح الورداني: عقائد السنة وعقائد الشيعة، التقارب والتباعد، الغدير- ط1- 1419هـ- بيروت.

203- صالح الورداني: فرق أهل السنة، مركز الأبحاث العقائدية-ط1- 1424هـ- قم.

204- صالح الورداني: مدافع الفقهاء، التطرف بين فقهاء السلف وفقهاء الخلف، دار الرأي للطباعة والنشر والتوزيع – ط1- 1419هـ.

205- صالح بن محمد بن حسن الأسمري: إفادة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، اعتنى به: محمد بن أحمد العصلاني، سلسلة الدروس العلمية ((2)) ب.ب.

206- الصالحي الشامي: محمد بن يوسف ((ت942هـ))، سبل الهدى والرشاد، في سيرة خير العباد، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود،علي محمد معوض، دارالكتب العلمية- ط1-1414هـ - بيروت.

207- صائب عبد الحميد: ابن تيمية حياته، عقائده، الغدير للطباعة والنشر والتوزيع- ط2- 1423هـ- بيروت.

208- صائب عبد الحميد: ابن تيمية في صورته الحقيقية، الغدير للدراسات والنشر-1415هـ- بيروت.

209- صائب عبد الحميد: الوهابية في صورتها الحقيقية، الغدير للدراسات والنشر-1415هـ- بيروت.

210- صائب عبد الحميد: منهج في الانتماء المذهبي، مركز الغدير للدراسات الإسلامية - ط5 -1414 هـ - قم.

211- صباح عباس: الانحرافات السلوكية، الأسباب والعلاج، دار البيان العربي للطباعة والنشر والتوزيع- ط1- 1414هـ- بيروت.

212- الصدوق: علل الشرائع / المطبعة الحيدرية - 1385هـ - النجف الأشرف.

213- الصدوق: كمال الدين وتمام النعمة، تحقيق: علي أكبر الغفاري /مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين-1405هـ-قم.

214- الصدوق: محمد بن على بن الحسين بن بابويه القمي ((ت 381هـ))، التوحيد، تحقيق: هاشم الحسيني الطهراني، منشورات جماعة المدرسين/ قم.

215- الصفدي: أبو الصفاء خليل بن أيبك بن عبد الله، الشافعي ((ت764هـ))، الوافي بالوفيات. تحقيق: أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى، دار إحياء التراث-1420هـ- بيروت.

216- الصفدي: أعيان العصر وأعوان النصر، تحقيق: علي أبو زيد، نبيل أبو عشمة، محمد موعد، محمود سالم محمد / دار الفكر المعاصر- ط1-1418هـ- بيروت / دار الفكر، دمشق.

217- صفوت الشوادفي: محمد صفوت أحمد محمد يوسف الشوادفي ((ت2000هـ))، اليهود نشأة وتاريخاً / دار التقوى للنشر والتوزيع- القاهرة.

218- صلاح الدين مقبول: أبو عبد الله صلاح الدين مقبول أحمد الهندي، أثر دعوة شيخ الإسلام ابن تيمية في الحركات الإسلامية المعاصرة، مجمع البحوث العلمية الإسلامية ـنيودلهي.

219- صموئيل كريمر: صموئيل نوح كريمر Samuel Noah Kramer ((ت199م)).

من ألواح سومر، ترجمة: طه باقر، مراجعة وتقديم: احمد فخري / مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر- 1957م- بغداد.

220- الطبرسي: أبو علي الفضل بن الحسن ((ت548هـ))، مجمع البيان، في تفسير القران، 

تحقيق: لجنة من العلماء والمحققين / مؤسسة الأعلمي-ط1-1415هـ بيروت.

221- الطبري: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق: صدقي جميل العطار / دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع 1415 ه‍.

222- الطبري: محمد بن جرير ((ت310 ه‍ـ))، تاريخ الطبري، تحقيق: نخبة من العلماء الأجلاء / مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - ط4-1403هـ - بيروت.

223- الطوسي: التبيان، في تفسير القرآن، تحقيق أحمد حبيب قصير / دار إحياء التراث العربي-ط1-بيروت-1409هـ.

224- الطوسي: عدة الأصول، تحقيق: محمد رضا الأنصاري. المطبعة: ستاره – ط1- 1417 هـ- قم.

225- الطوسي: محمد بن الحسن ((ت460 هـ))، الأمالي، تحقيق: قسم الدراسات الإسلامية – مؤسسة البعثة / دار الثقافة للطباعة والنشر والتوزيع- ط1- 1414هـ- قم. 

226- عباس القمي: ابن محمد رضا بن أبي القاسم ((ت1359هـ))، الكنى والألقاب، تقديم: محمد هادى الأميني، منشورات مكتبة الصدر- طهران.

227- عبد الحكيم أجهر: الشيخان ابن عربي وابن تيمية، ((سؤال العالم، الشيخان ابن عربي وابن تيمية من فكر الوحدة إلى فكر الاختلاف)) / المركز الثقافي العربي- ط1- 2011م- الدار البيضاء- المغرب.

228- عبد الحليم عويس: فلسفة التاريخ، دار الصحوة للنشر والتوزيع - ط1- 2011م / القاهرة.

229- عبد الحليم نور الدين: الفكر الديني في مصر القديمة، إعداد: مهاب درويش / مكتبة الإسكندرية، ب.ت.

230- عبد الرحمن الشرقاوي: الفقيه المعذب "ابن تيمية" / دار الشروق- ط1- 1410هـ- 1410هـ- القاهرة.

231- عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: فتح المجيد شرح كتاب التوحيد، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد – ط5- 1421هـ- السعودية.

232- عبد الرحمن بن محمد بن علي الهرفي: جذور الغلو /مركز الدعوة والإرشاد بالدمام- السعودية.

233- عبد العزيز عبد الغني إبراهيم: صراع الأمراء، علاقة نجد بالقوى السياسية في الخليج ((1800- 1870م)) دراسة وثائقية / دار الساقي للطباعة والنشر- ط2- 1992م- بيروت.

234- عبد العظيم المطعني: المجاز في اللغة والقرآن الكريم، بين الإجازة والمنع، عرض وتحليل ونقد / مكتبة وهبة- القاهرة.

235- عبد العظيم المطعني: عبدالعظيم إبراهيم محمد المطعني ((ت 1429هـ))، المجاز عند الإمام ابن تيمية وتلاميذه بين الإنكار والإقرار / مكتبة وهبة- ط1- 1416 هـ.

236- عبد القادر بن عبد العزيز:العمدة في إعداد العدة للجهاد، في سبيل الله،سلسلة دعوة التوحيد((3)).

237- عبد القديم زلوم: كيف هدمت الخلافة، الطبعة الثالثة، مزيدة ومنقحة- 1410هــ.

238- عبد الله العروي: مفهوم الدولة، المركز الثقافي العربي- ط9- 2011م- الدار البيضاء- المغرب.

239- عبد الله الهراري، عبد الله بن محمد الشيبي العبدري الهرري، المعروف بالحبشي ((ت1429هـ)). المقالات السنية، في كشف ضلالات أحمد بن تيمية / شركة دار المشاريع للطباعة والنشر والتوزيع- ط8- 1429هـ.

240- عبد الله بن قدامه: عبد الله بن احمد بن محمد بن قدامه ((ت 620هـ))، المغني على مختصر أبي القاسم عمر بن الحسين الخرقي ((ت 334 هـ))، تحقيق: جماعة من العلماء / دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع - بيروت.

241- عَبدِ اللَّـهِ بنِ يوسفَ العجلانِ: اللؤلؤ المكين في فتاوى ابن جبرين ((عَبدِ اللَّـهِ بنِ عَبدِ الرَّحمن بنِ جِبرينٍ))، إعداد: عَبدِ اللَّـهِ بن يوسفَ العجلان، قام بتنسيق الكتاب ونشره: سَلْمَانُ بْنُ عَبْدِ القَادِرِ أبُو زَيْدٍ.

242- عبدالفتاح أبو غدّة: العلماء العزّاب، مكتب المطبوعات الإسلامية- ط1- 1402هـ- حلب.

243- عبدالله بن منيع: ((عبدالله بن سليم ابن منيع))، مجموع فتاوى وبحوث الشيخ عبد الله بن منيع، دار العاصمة الرياض/ 182

244- العصفري: خليفة بن خياط العصفري: ((ت 240هـ))،تاريخ خليفة: تاريخ خليفة بن خياط، تحقيق: الدكتور سهيل زكار / دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع- 1414 هـ‍

245- عصمت نصّار: الفكر الديني عند اليونان /دار الهداية للطباعة والنشر والتوزيع- ط1- 1426هـ.

246- العظيم آبادي: أبي الطيب محمد شمس الحق العظيم آبادي ((ت 1329هـ))، عون المعبود شرح سنن أبي داود / دار الكتب العلمية- ط2- 1415هـ- بيروت.

247- العلامة الحلي: الحسن بن يوسف بن علي بن المطهر ((ت726هـ))، النافع يوم الحشر، في شرح الباب الحادي عشر، شرح: المقداد السيوري ((ت 826هـ))/ دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع - ط2- 1417هـ – بيروت.

248- العلامة الحلي: نهج الحق، وكشف الصدق تحقيق: عين الله الحسني الأرموي، دار الهجرة- 1421هـ- قم.

249- علماء نجد الأعلام: الدرر السنية في الأجوبة النجدية، تحقيق:عبدالرحمن بن محمد بن قاسم الطبعة: السادسة، 1417هـ. المكتبة الشاملة.

250- علي الحسيني الميلاني: حديث الثقلين تواتره فقهه، كما في كتب السنة، نقد لما كتبه الدكتور السالوس ((علي أحمد))، مركز الأبحاث العقائدية – سلسلة الكتب المؤلفة في أهل البيت عليهم السلام ((24)) -ط1- 1413هـ- قم.

251- علي العمران: علي بن محمد بن حسين العِمران، تَكْمِلَةُ الجَامِع لِسِيْرَةِ شَيْخِ الإِسْلَام ابْن تَيْمِيَّة خِلَال سَبْعَة قرُون / دار عالم الفوائد- ط1- 1432هـ - مكة.

252- علي الكوراني: جواهر التاريخ / دار الهدى للطباعة والنشر- ط1- 1425هـ- قم.

253- علي الكوراني:علي محمد قاسم الكوراني الياطري العاملي، ألف سؤال وإشكال / دار الهدى للطباعة والنشر- ط1- 1424هـ.

254- علي بن إبراهيم: علي بن إبراهيم القمي ((ت329هـ))، تفسير القمي / منشورات مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر- ط3- 1404 هـ - قم.

255- عماد الدين الواسطي: أحمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الحزّامي ((ت711هـ))، العماديات ((مجموع رسائله))، جمع: ((أبو الفضل القونوي))، تحقيق: محمد بن عبد الله أحمد / دار الكتب العلمية- ط1- 2010م- بيروت


256- عماد الدين الواسطي: التذكرة والاعتبار، والانتصار للأبرار. ((دفاعاً عن ابن تيمية))، تحقيق: علي حسين علي عبد الحميد / مكتبة ابن الجوزي- ط1- 1408هـ- الدمام- السعودية.

257- عمار علي حسن: الصوفية والسياسة في مصر / مركز المحروسة للبحوث والتدريب والنشر - ط1- 1997م- مصر.

258- العيني: عمدة القاري / طبع ونشر دار إحياء التراث العربي- بيروت.

259- العيني: محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد العينتابي ((ت 855هـ))، عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان / المكتبة الشاملة- مرقم آلياً غير موافق للمطبوع.

260- الغزالي: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي ((المتوفى: 505هـ))، الاقتصاد في الاعتقاد، وضع حواشيه: عبدالله محمد الخليلي، دار الكتب العلمية- ط1-1424هـ-بيروت.

261- فرويد: سيغيس موند شلومو فرويد ((ت1939م))، مدخل إلى التحليل النفسي، ترجمة: جورج طرابيشي / دار الطلسعة للطباعة والنشر- ط3- 1980م- بيروت.

262- فنسنك: ((أ.ي. فنسنك)) المستشرق الهولندي أرند جان فِنْسِنْك ((ت 1358هـ))، دائرة المعارف الإسلامية، ترجمة: فؤاد عبد الباقي / مطبعة مصر- ط1- 1353هـ.

263- فؤاد إبراهيم: داعش من النجدي إلى البغدادي، ((نوستاليجيا الخلافة))، مركز أوال للدراسات والتوثيق / مكتبة مؤمن قريش- ط1- 2015م-بيروت.

264- فؤاد زكريا: جمهورية أفلاطون / دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر- 2004م- الاسكندرية.

265- فؤاد عباس: رسالة الذهبي لابن تيمية ((نص رسـالة الذهبي إلى ابن تيمية)) / مركز السِراج المنير للتراث: www.siironline.org/alabwab/derasat((01))/457

266- الفيروز آبادي: محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم ((ت817 هـ))، القاموس المحيط.

بحواشي نصر بن نصر الهوريني ((ت1291 هـ)) / دار العلم للجميع- بيروت.

267- الفيض الكاشاني: محمد محسن ((ت 1091 هـ))، التفسير الصافي، تحقبق: حسين الأعلمي / مكتبه الصدر- ط2-1416هـ- طهران.

268- قاسم الشواف: ديوان الأساطير، سومر واكد واشور / دار الساقي- ط1- 1997م- بيروت.

269- القاسمي: محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي ((ت 1332هـ))، محاسن التاويل: ((تفسير القاسمي))، تحقيق: محمد باسل عيون السود / دار الكتب العلميه - ط1-1418هـ - بيروت.

270- القاضي عياض: ابوالفضل القاضي عياض بن موسى اليحصبي ((ت 544هـ))، ترتيب المدارك وتقريب المسالك، تحقيق: جزء 1: ابن تاويت الطنجي، 1965 م جزء 2، 3، 4: عبد القادر الصحراوي، 1966 - 1970 م، جزء 5: محمد بن شريفة.


271- القرطبي: أبو عبد محمد بن أحمد الأنصاري ((ت671هـ))، تفسير القرطبي. "الجامع لأحكام القرآن"، تحقيق: سالم مصطفى البدري / دار الكتب العلمية- بيروت.

272- الكتبي: محمد بن شاكر بن أحمد بن عبد الرحمن بن شاكر بن هارون بن شاكر ((ت 764هـ)) فوات الوفيات، تحقيق: علي محمد بن يعوض الله، وعادل أحمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية- ط1- 2000م- بيروت.

273- الكليني: أبو جعفر محمد بن يعقوب بن إسحاق الرازي ((ت 329 ه‍ـ)) الكافي، تحقيق: علي أكبر الغفاري / دار الكتب الاسلامية- ط:1- طهران.

274- الكنيسة: العهد القديم: الكتاب المقدس عند اليهود والنصارى / دار الكتاب المقدس- 1980م.

275- كواكب باقر الفاضلي: عصمة الدم في التشريع الإسلامي/ دار الرافدين- ط1-2016م- بيروت.

276- كورتل آرثر: قاموس أساطير العالم، ترجمة سهى الطريحي / دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع- 1430هـ- دمشق.

277- مبارك الميلي: مبارك بن محمد الميلي الجزائري ((ت 1364هـ))، تاريخ الجزائر في القديم والحديث / المؤسسة الوطنيّة للكتاب- 1406هـ- الجزائر.

278- المبارك فوري: محمد بن عبد الرحمن بن عبد الرحيم ((ت1353هـ))، تحفة الأحوذي، بشرح جامع الترمذي / دار الكتب العلمية- 1410هـ- بيروت.

279- المتقي الهندي: علي بن حسام الدين البرهان فوري ((ت 975 هـ))، كنز العمال: في سنن الأقوال والأفعال، تحقيق بكري حياني و صفوة السقا / مؤسسة الرسالة- 1409هـ- بيروت.

280- مجمع الكنائس الشرقية: قاموس الكتاب المقدس، مكتبة المشغل- ط6- 1981م- - بيروت.

بإشراف رابطة الكنائس الإنجيلية في الشرق الأوسط: ((هيئة التحرير: بطرس عبد الملك، جون الكساندر طمسن، إبراهيم مطر)).

281- مجموعة مؤلفين: الموسوعة العربية العالمية، عمل موسوعي ضخم اعتمد في بعض أجزائه على النسخة الدولية من دائرة المعارف العالمية World Book International.

282- محب الدين أفندي: ((ت1016هـ))، تنزيل الآيات على الشواهد من الأبيات: ((شرح شواهد الكشاف)) / شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده.

283- محسن الأمين: محسن بن عبد الكريم بن علي بن محمد الأمين الحسيني العاملي((ت 1371هـ)) أعيان الشيعة، تحقيق: حسن الأمين / دار التعارف للمطبوعات – بيروت.

284- محمد أحمد الحاج: النصرانية من التوحيد إلى التثليث / دار القلم- دمشق، الدار الشامية - بيروت- ط1- 1413هـ.

285- محمد الخطيب: الفكر الإغريقي، دار علاء الدين للنشر والتوزيع والترجمة- 2007م- دمشق.

286- محمد الراوندي: أبو الفتح اليعمري، حياته وآثاره، وتحقيق أجوبته / وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية- 1410هـ- المغرب.

287- محمد السيد عبد الرحمن: نظريات السلوك: ((نظريات الشخصية)) / دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع- 1998م- القاهرة.

288- محمد الشيرازي: محمد بن مهدي الحسيني ((ت2001م))، فلسفة التاريخ / مؤسسة الوعي الإسلامي للتحقيق والترجمة والطباعة والنشر- ط2-1425هـ- بيروت.

289- محمد الفاضل بن علي اللافي:منهجية ابن تيمية ورحمت الله الهندي،((دراسة العقائد النصرانية)) / المعهد العالمي للفكر الإسلامي-ط1- 2007م- هرندن، فرجينيا.

290- محمد الفيومي: محمد إبراهيم الفيومي ((ت 1427هـ))، تاريخ الفكر الديني الجاهلي / دار الفكر العربي- ط4- 1415هــ.

291- محمد باشميل: محمد بن أحمد باشميل ((ت 1426هـ)) كيف نفهم التوحيد / الجامعة الإسلامية - ط2-1406هـ - المدينة المنورة.

292- محمد باقر الحكيم: محمد باقر بن محسن الحكيم الطباطبائي ((1423هـ))، علوم القرآن / مجمع الفكر الاسلامي - ط3- مؤسسة الهادي-1417هـ- قم

293- محمد بخيت الحنفي: المطيعي ((ت1350هـ)) تطهير الفؤاد / مكتبة اشيق- 1396هـ - إستانبول – تركيه.

294- محمد بن أحمد مسكة اليعقوبي: فتاوى ابن تيمية في الميزان / مركز أهل السنة- بركات رضا- ط1- 1423هـ- الهند.

295- محمد بن رمزان آل طامي: الكواشف الجلية، للفُرُوقِ بين السَّلفيَّةِ والدَّعواتِ الحزْبيَّةِ البدْعيَّةِ. 

 دار المحجّة البيضاء- دار التوحيد والسنة - 1425هـ.

296- محمد بن سليمان الكوفي: محمد بن سليمان الكوفي القاضي ((ت:ق3هـ))، مناقب الإمام أمير المؤمنين ((ع))، تحقيق:محمد باقر المحمودي/مجمع إحياء الثقافة الإسلامية -ط1-1412- قم.

297- محمد بن عبد الوهاب: محمد بن عبد الوهّاب بن سليمان التميمي النجدي ((ت 1206هـ))، كشف الشبهات/وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد – ط1-1418هـ- السعودية.

298- محمد بن عبد الوهاب:محمد بن عبد الوهّاب بن سليمان التميمي النجدي ((ت 1206هـ))،موسوعة توحيد رب العبيد، ((مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبدالوهاب،الجزءالأول)). تحقيق: عبدالعزيز بن عبد الرحمن السعيد وغيره، جامعة محمد بن سعود- الرياض، ونسخة أخرى ضمن كتاب: الإرشاد إلىتوحيد رب العباد، جمع وتأليف: عبدالرحمن بن حماد آلعمر / دار العاصمة- ط2- 1412هـ -الرياض.

299- محمد بن عقيل: محمد بن عقيل بن عبد الله بن عمر بن يحيى العلوي ((ت1350هـ))، النصائح الكافية، لمن يتولى معاوية / دار الثقافة للطباعة والنشر- ط1- 1412هـ - قم.

300- محمد بيومي مهران: دراسات تاريخية من القرآن الكريم، في بلاد العرب / دار المعرفة الجامعية- ط2، منقحة ومزيدة - وطبعة دار النهضة العربية للطباعة والنشر- ط2- 1408هـ- بيروت.

301- محمد تقي الحكيم: محمد تقي بن سعيد الطباطبائي((ت1424هـ))، الأصول العامة للفقه المقارن / منشورات مؤسسة آل البيت ((ع)) للطباعة والنشر -ط2- 1390هـ.

302- محمد حسين الطباطبائي: ((ت1402هـ))، الميزان في تفسير القرآن / منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية – قم.

303- محمد خليفة حسن: تاريخ الأديان، دراسة وصفية مقارنة / دار الثقافة العربية - 2002م- القاهرة.

304- محمد صديق خان القِنَّوجي: محمد صديق خان بن حسن بن علي الحسيني البخاري 

((ت 1307هـ))،التاج المكلل، من جواهر مآثر الطراز الآخر والأول / وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - ط1- 1428هـ- قطر.

305- محمد عبد القادر الفقى: البيئة مشاكلها وقضاياها وحمايتها من التلوث رؤية اسلامية / مكتبة ابن سينا – 1993م- القاهرة.

306- محمد عبد الله عنان:محمد عبد الله عنان المؤرخ المصري ((ت 1406هـ))، دولة الإسلام في الأندلس / مكتبة الخانجي- ج 1، 2، 5- ط4- 1417 هـ، ج3، 4- ط2-1411 هـ- القاهرة.

307- محمد عزيز بن شمس وعلي بن محمد العمران: الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون، نقلا عن مخطوط ((أسماء مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية)) لأبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد المعروف بابن رُشَيِّق المغربي ((ت749هـ)) / دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع - ط2- 1422هـ - مكة.

308- محمد علي الصابوني: محمد علي بن جميل الحلبي، صف