كيف يكون كل المكلفين مجتهدين ؟



الحوار المعاصر الدورة الخاصة بالشبهات حول الاجتهاد والتقليد (الحلقة التاسعة)
السيد محمد حسين العميدي

البديل المطروح من قبل المدعي

ولابد من مراجعة الحلقة السابقة والتي ذكرنا فيها ثلاث خطوات على المكلف الذي يروم الرجوع الى كتب الروايات واستخراج الحكم الشرعي منها، وهي:
الخطوة الأولى: التدقيق في مطابقة النسخة المطبوعة للنسخة المخطوطة، وفي هذا فالمكلف إما ان يعمل على تحصيل ذلك أو الاعتماد على أهل الخبرة في هذا المجال الثقات المأمونين.
الخطوة الثانية: مقابلة النسخ المخطوطة والتي كتبت عبر القرون المختلفة بعضها مع بعض، وفي هذا وفي هذا فالمكلف إما ان يعمل على تحصيل ذلك أو الاعتماد على أهل الخبرة في هذا المجال الثقات المأمونين.
الخطوة الثالثة: المقارنة بين الروايات الواردة في الكتاب، أو الواردة في الكتاب المعين مع باقي الكتب الروائية، وأيضا فالمكلف إما أن يكون مجتهدا في هذا أو مقلدا.

تتمة الكلام في باقي الخطوات

الخطوة الرابعة: على فرض أننا حققنا النسخ المطبوعة والمخطوطة وكأننا سمعنا الروايات من فم الشيخ الكليني مثلا أو غيره أعلى الله مقامهم، فهنا تأتي الخطوة الرابعة وهي أن من المعلوم أن الشيخ الكليني لم يسمع من المعصوم مباشرة، وانما هو رواها مسندة عن أحد المعصومين عليهم السلام، وبناء على رأي المدرسة الاصولية فلابد من تحقيق سند الرواية، والتحقيق في السند له جوانب متعددة، منها:
الجانب الاول: التحقق من وثاقة الرواة ودقة نقلهم عن المعصوم عليهم السلام.
فليس كل من أدعى الرواية عن أهل البيت عليهم السلام فهو صادق فعلا، فلا ينطبق عنوان (الراوي) أو ما سماه الامام المهدي عليه السلام (رواة حديثنا)، فلابد أن نتأكد ممن نسب الى أهل البيت عليهم السلام الروايات أن روايته معتبرة ويصح لنا أن نسميه (راوي حديث أهل البيت عليهم السلام)، وأن نحصل على الحجة يوم القيامة في نسبتها الى أهل البيت عليهم السلام.
فلا شك أن هنالك من كذب على أهل البيت عليهم السلام، أو على الأقل أشتبه في نقل الرواية أو او بلغه خبر فرواه ثقة بمن ابلغه بذلك ولم يتحقق أن المعصوم قد رواه، أو غير ذلك من الخلل الذي قد يقع في الرواية.
بل أن هنالك من لعنهم الامام المعصوم عليه السلام ومع ذلك نجد أنه موجود في سند بعض الروايات..
وقد اتحفنا زميلنا جناب السيد (غيث شبر) صاحب كتاب (الوافي في تحقيق اسناد الكافي) بالأمثلة التالية مما ورد وصفهم بالكذب من قبل المعصومين عليهم السلام وقد وردت اسمائهم في أسانيد الكتب الاربعة:
((الأول: روى أبان، عن أبي العباس عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سألته عن رجل قال: غلامي حر وعليه عمالة كذا وكذا سنة، قال: هو حر وعليه العمالة قلت: إن ابن أبي ليلى يزعم أنه حر وليس عليه شيء، قال: كذب إن عليا عليه السلام أعتق أبا نيزر وعياضا ورياحا وعليهم عمالة كذا وكذا سنة ولهم رزقهم وكسوتهم بالمعروف في تلك السنين ") (من لا يحضره الفقيه 3 / 127)، وقد روى ابن أبي ليلى في الكافي.
الثاني: حدثني الحسين بن الحسن بن بندار القمي ، قال : حدثني سعد بن عبد الله بن أبي خلف ، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى ، عن يعقوب بن يزيد ومحمد بن عيسى بن عبيد ، عن محمد بن أبي عمير قال : حدثنا بعض أصحابنا ، قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام زعم أبو هارون المكفوف أنك قلت له ان كنت تريد القديم فذاك لا يدركه أحد ، وان كنت تريد الذي خلق ورزق فذاك محمد بن علي ، فقال : كذب علي عليه لعنة الله ، والله ما من خالق الا الله وحده لا شريك له حق على الله أن يذيقنا الموت ، والذي لا يهلك هو الله خالق وبارئ البرية) ( الكشي 2 / 489 )، وقد روى أبو هارون المكفوف في التهذيب وفي الكافي وكامل الزيارة.
الثالث: حدثني علي بن محمد بن قتيبة، قال: حدثني الفضل، قال: حدثنا محمد ابن الحسن الواسطي، ومحمد بن يونس، قالا: حدثنا الحسن بن قياما الصيرفي قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام فقلت: جعلت فداك ما فعل أبوك؟ قال: مضى كما مضى آباؤه عليهم السلام. قلت: فكيف أصنع بحديث حدثني به زرعة بن محمد الحضرمي، عن سماعة ابن مهران، ان أبا عبد الله عليه السلام قال: إن ابني هذا فيه شبه من خمسة أنبياء يحسد كما حسد يوسف عليه السلام ويغيب كما غاب يونس وذكر ثلاثة أخر. قال: كذب زرعة ليس هكذا حديث سماعة، انما قال: صاحب هذا الامر يعني القائم عليه السلام فيه شبه من خمسة أنبياء، ولم يقل ابني. (الكشي 2 / 774)، وزرعة ليس من هناك من كتاب من كتبنا إلا وقد ورد اسمه فيه كالكافي والتهذيب.
الرابع: عن سعد بن عبد الله، قال: حدثني محمد بن خالد الطيالسي، قال: حدثني علي بن أبي حمزة البطايني، قال. سمعت أبا الحسن موسى عليه السلام يقول: لعن الله محمد بن بشير وأذاقه حر الحديد، أنه يكذب علي، برء الله منه وبرئت إلى الله منه، اللهم إني أبرء إليك مما يدعي في ابن بشير، اللهم أرحني منه. ثم قال : يا علي ما أحد اجترء أن يتعمد الكذب علينا الا أذاقه الله حر الحديد ، وان بنانا كذب على علي بن الحسين عليهما السلام فأذاقه الله حر الحديد ، وأن المغيرة بن سعيد كذب على أبي جعفر عليه السلام فأذاقه الله حر الحديد ، وأن أبا الخطاب كذب على أبي فأذاقه الله حر الحديد وأن محمد بن بشير لعنه الله يكذب علي برئت إلى الله منه ، اللهم إني أبرء إليك مما يدعيه في محمد بن بشير ، اللهم أرحني منه ، اللهم إني أسألك أن تخلصني من هذا الرجس النجس محمد بن بشير ، فقد شارك الشيطان أباه في رحم أمه . قال علي بن أبي حمزة ، فما رأيت أحدا قتل بأسوء قتلة من محمد بن بشير لعنه الله) (الكشي : 2 / 772) ، ومحمد بن بشير روى في التهذيب.
الخامس: قال سعد: وحدثني ابن العبيدي قال: حدثني أخي جعفر بن عيسى وعلي بن إسماعيل الميثمي، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام أنه قال: آذاني محمد بن الفرات آذاه الله وأذاقه الله حر الحديد، آذاني لعنه الله أذى ما آذى أبو الخطاب
لعنه الله جعفر بن محمد عليهما السلام بمثله، وما كذب علينا خطابي مثل ما كذب محمد بن الفرات، والله ما من أحد يكذب علينا الا ويذيقه الله حر الحديد) (الكشي 2 / 892)، وقد روى محمد بن الفرات في الكافي والتهذيب.
وهناك غيرهم)) أنتهى.

الجانب الثاني: معرفة أسم الراوي بالدقة وتشخيصه للحكم عليه بالوثاقة أو عدم الوثاقة أو أنه مجهول، وهنا مناشئ متعددة للاشتباه بالاسم منها:
منها عدم ذكر الاسم الكامل، فكثيرا ما يكتفي صاحب الكتاب بالاسم الاول للراوي فيقول (أحمد) أو (محمد) ولا يذكر اسمه الكامل لنعرفه، وهنا لابد من معرفة (احمد) من هو؟، وهنالك طرق معينة لمعرفة الراوي من خلال معرفة طبقته في الرجال او من روى عن (أحمد) أو من روى (أحمد) عنه.
ومنها التصحيف في الاسماء أي وضع النقاط على الحروف الذي قد يشتبه به الكاتب، فمثلا الحسن بن محمد قد يكون فيه تصحيف فهو الحسين بن محمد او العكس، كما قد يكون هنالك سقط في السند كما إذا روى شخص عن شخص آخر وبينهما مائة عام مثلا، فلا شك في وجود وسيط بينهما لأنه لم يدركه ليروي عنه.
وهنالك جوانب كثيرة يجب مراعاتها في تحقيق الاسانيد أعرضنا عن ذكرها خوف الاطالة، وفي جميع ذلك فالمكلف إما ان يكون عالما ومطلعا وخبيرا فيها او يعتمد في ذلك على أهل الخبرة العدول الثقات.


الخطوة الخامسة: التحقيق في المتن ومعرفة المقصود من العبارات والكلمات الواردة فيه، وهذا يعتمد على اتقان اللغة ومعرفة معاني الكلمات في اللغة العربية الفصيحة وأيضا معرفة اسماي الاشياء والمفاهيم في عصر المعصومين عليهم السلام، فان المجتمع آنذاك كان يستعمل كلمات يطلقها على الاثاث والادوات والكميات والقياسات والملابس والمأكولات قد بات الكثير منها لا يستعمل في اللغة المعاصرة، ولابد من وجود علم لدى المكلف الذي يريد ان يعتمد على الروايات مباشرة باللغة والاوضاع الاجتماعية والمعاشية لتلك الفترة، من قبيل معرفة المراد من الكر في الحجم والبريد في المسافة واسماء الاقمشة والاطعمة والاشربة واثاث المنزل وأمثال ذلك.
كما لابد أن يكون خبيرا بالجانب النحوي للغة ليعرف الفاعل من المفعول والكناية والمجاز وصيغ البلاغة المختلفة ، ويضاف الى ذلك ان يعرف القواعد الاصولية في تشخيص العام والخاص والمطلق والمقيد ، فقد يذكر المعصوم حكما عاما في رواية ثم يخصصه في رواية اخرى لنفس المعصوم او لمعصوم آخر، أو قد يطلق الحكم في رواية ويقيده في رواية أخرى، وقد يطلق الحكم ويكون له لوازم أخرى يمكن استنباطها من الحكم كالمفهوم مثلا ، وهذا أيضا علم واسع لابد من اتقانه من قبل المكلف الذي يريد الرجوع الى الروايات مباشرة ويجتهد رأيه في معرفة الاحكام الشرعية منها، أو يعتمد على اهل الخبرة الثقات في ذلك المجال.

ومن الجوانب المهمة جدا في المتن هو التمييز بين الاحكام التي أطلقت تحت اجواء التقية ومراعاة للظرف السياسي والاجتماعي الذي كان يعيش فيه المعصوم عليه السلام، وهنا لا يمكن الجزم برأي الامام في هذه الظروف الا بعد مقارنة الروايات بعضها مع بعض أو اكتشاف الظرف الذي القى فيه المعصوم عليه السلام القول كأن يكون في محضر بعض الحكام والسلاطين أو وجود العيون والرقباء أو غير ذلك.

هذا كله فيما يخص عالم المتن وفيه كلام طويل وبحوث كثيرة أعرضنا عنها واكتفينا بالإشارة الى أن هذا المجال ايضا يحتاج الى تخصص وخبرة لابد أن يحوزها المكلف الذي يرغب بالرجوع الى الروايات مباشرة أو يعتمد في ذلك على أهل الخبرة والتخصص الثقات في هذا المجال.

وسيأتي إن شاء الله تعالى المزيد من الكلام عن ذلك، والحمد لله رب العالمين. 

تابع ايضاً :

  1. الحوار المعاصر الدورة الخاصة بالشبهات حول الاجتهاد والتقليد ( الحلقة الأولى )  .
  2. الحوار المعاصر الدورة الخاصة بالشبهات حول الاجتهاد والتقليد ( الحلقة الثانية )  .
  3. الحوار المعاصر الدورة الخاصة بالشبهات حول الاجتهاد والتقليد ( الحلقة الثالثة ) .
  4. الحوار المعاصر الدورة الخاصة بالشبهات حول الاجتهاد والتقليد (الحلقة الرابعة)  .
  5. الحوار المعاصر الدورة الخاصة بالشبهات حول الاجتهاد والتقليد (الحلقة الخامسة) .
  6. الحوار المعاصر الدورة الخاصة بالشبهات حول الاجتهاد والتقليد (الحلقة السادسة) .
  7.  الحوار المعاصر : الشبهات حول التقليد ( الحلقة السابعة ) .
  8. الحوار المعاصر الدورة الخاصة بالشبهات حول الاجتهاد والتقليد (الحلقة الثامنة) .
  9. الحوار المعاصر الدورة الخاصة بالشبهات حول الاجتهاد والتقليد (الحلقة التاسعة) .
  10. الحوار المعاصر الدورة الخاصة بالشبهات حول الاجتهاد والتقليد (الحلقة العاشرة) .
  11. الحوار المعاصر الدورة الخاصة بالشبهات حول الاجتهاد والتقليد (الحلقة الحادية عشرة) .
  

0 التعليقات

إرسال تعليق